الدم يحاصر ملاعب كرة القدم بمصر مجددا في «فبراير الأسود»

رابطة المشجعين تتوعد بالقصاص.. والداخلية رفضت تحميلها المسؤولية

الدم يحاصر ملاعب كرة القدم بمصر مجددا في «فبراير الأسود»
TT

الدم يحاصر ملاعب كرة القدم بمصر مجددا في «فبراير الأسود»

الدم يحاصر ملاعب كرة القدم بمصر مجددا في «فبراير الأسود»

فيما كانت وقائع جلسة محاكمة ضباط بين عدد آخر من المتهمين بقتل 73 مشجع كرة قدم في فبراير (شباط) عام 2012، منعقدة في القاهرة أمس، ظل مسؤولون مصريون مختلفين حول أعداد قتلى جدد من مشجعي الكرة أيضا، سقطوا خلال محاولات قوات الأمن فضهم مساء أول من أمس (الأحد). وبينما قال مسؤولو وزارة الصحة إن 19 شابا قضوا في الأحداث، أكدت النيابة العامة أن عدد القتلى بلغ 22 قتيلا، فيما تحدث شهود عيان عن سقوط 28 ضحية حتى الآن؛ لكن التضارب في حصر أعداد القتلى سمة ميزت العامين الماضيين في مصر.
الدم الذي حاصر ملاعب الكرة في مصر مجددا خلال «فبراير الأسود» كما بات يطلق عليه في البلاد حاليا، ينذر بتوتر أمني خطر بعد أن تعهدت رابطة مشجعي نادي الزمالك (وايت نايتس) بالقصاص، قائلة في بيان لها أمس «إن الجاني معروف، وقد اختبرنا عدلكم، وآن أوان أن تختبروا محاكمنا»، فيما رفضت وزارة الداخلية تحميلها مسؤولية سقوط القتلى.
وزحف ألوف من المنتمين لروابط مشجعي نادي الزمالك على استاد الدفاع الجوي شرق القاهرة، أول من أمس (الأحد)، لمتابعة أول مباراة في الدوري المصري يسمح فيها للجماهير بالحضور منذ 3 أعوام. وقالت وزارة الداخلية إنها اضطرت لتفريق الحشود الذين حاولوا اقتحام بوابات الاستاد دون الحصول على تذكرة دخول، مما أدى لسقوط جرحى وقتلى.
وقال شهود عيان إن قوات الأمن وضعت قفصا حديديا لتمر عبره الجماهير. وأظهرت مقاطع مصورة القفص الحديدي الضيق، الذي سقط داخله معظم ضحايا الحادث، بحسب شهود العيان.
ولم يفلح نعي رئاسي لـ«ضحايا الأحداث المؤسفة» في تخفيف حدة الاحتقان التي سادت المشهد عقب الحادث. ورفع مؤيدون للرئيس عبد الفتاح السيسي من حدة نقدهم للمرة الأولى منذ تنصيبه.
وتتسم العلاقة بين قوات الشرطة وروابط مشجعي الأندية بدرجة عالية من التوتر. وقبل ثورة 25 يناير 2011 شهدت عدة مباريات مواجهات حادة بينهما. واتهمت روابط المشجعين المنظمة نسبيا، والجامحة أيضا، قوات الأمن بتدبير قتل العشرات من أعضائها في استاد بورسعيد عام 2012، كعقاب على الدور الذي لعبته تلك الروابط خلال ثورة يناير، التي بدأت الدعوات إليها للتنديد بـ«ممارسات وزارة الداخلية».
ومع تزايد أصوات المطالبين بإقالة وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم، تسربت أنباء عن تقدم اللواء إبراهيم باستقالته للرئيس السيسي، لكن وزارة الداخلية سارعت بنفي الخبر.
وقال رائد شرطة في قطاع الأمن المركزي تحدثت معه «الشرق الأوسط» أمس، إن الوزير تفقد أمس عددا كبيرا من الخدمات الأمنية في القاهرة، مضيفا أن الأمر «بدا كمحاولة من الوزير لتأكيد أنه لا يزال في موقعه».
وفي شهادته على الوقائع، قال سيد بدوي وهو أحد المصابين في الحادث إن «شباب الألتراس (رابطة المشجعين) وصلوا قبل نحو 3 ساعات من موعد إقامة المباراة، لكن البوابة الرئيسية المطلة على الشارع الرئيسي كانت مغلقة، مما اضطرنا لقطع مسافة طويلة جدا حتى وصلنا لما يشبه نفقا تحت الأرض، وبسبب إجراءات التفتيش الدقيق تزايدت الأعداد حتى وصلت لألوف تجمعوا في الممر الذي لا يزيد عرضه على 6 أمتار».
وتابع البدوي وهو طالب في المرحلة الثانوية أنه «لم تكن هناك أي تجاوزات من قبل الجمهور، بل على العكس حاولنا تلطيف الأجواء من أجل الدخول، لكننا لاحظنا أن قوات الأمن تتراجع للخلف 5 أمتار كل فترة، وكلما تراجعوا كنا نعتقد أننا نقترب أكثر من البوابة، كانت الأعداد تزايدت جدا، وفوجئنا بطلقات الغاز المسيل للدموع تنهمر، وبسبب الزحام كانت تلك الطلقات تسقط على رؤوس الشباب».
وقالت رابطة مشجعي الزمالك (الوايت نايتس) على صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، إن ما جرى في محيط استاد الدفاع الجوي «قتل مع سبق الإصرار»، لافتة إلى أن القفص الحديدي الذي سقط فيه معظم القتلى تم تركيبه قبل المباراة بيوم واحد، مشيرة إلى أنه لم يستخدم مطلقا في أي من مباريات كرة القدم من قبل.
من جانبه، قال ضابط في قطاع الأمن المركزي، طلب عدم تعريفه، إن «هناك شكوكا حول وجود تدبير مسبق للحادث.. لا نستطيع الجزم حاليا، لكن كانت هناك أشياء لافتة للنظر منها أن بعض الموجودين أداروا آلات التصوير في هواتفهم الجوالة قبل بدء الأحداث، كما أن العبوات الحارقة التي استخدمت في إحراق عربات الشرطة كانت معدة سلفا».
ولم تعلن وزارة الداخلية عن مقتل أو إصابة أي من عناصرها خلال الأحداث التي شهدها محيط استاد الدفاع الجوي. ورفض اللواء هاني عبد اللطيف، المتحدث باسم الداخلية، تحميل جهاز الأمن مسؤولية ما حدث.
وقال بيان الرئاسة الذي صدر أمس تعليقا على أحداث استاد الدفاع الجوي، إن الرئيس عبد الفتاح السيسي يتابع تطورات الموقف مع رئيس مجلس الوزراء وعدد من الوزراء. وبحسب البيان، أكد السيسي على أهمية انتهاء جهات التحقيق من كشف ملابسات الأحداث وتحديد المتسبب فيها، مشددا في البيان، الذي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، على ضرورة اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لمنع تكرار هذه الأحداث وتوفير الحماية الكاملة للمواطنين.
ولا تبدو تأكيدات المسؤولين مطمئنة، على الأرجح، لجيل شهد خلال 4 أعوام العديد من الوقائع التي خلفت مئات القتلى، كان آخرها يوم 24 يناير (كانون الثاني) الماضي، حينما قتلت الناشطة السياسية شيماء الصباغ في محيط ميدان التحرير الذي قصدته ضمن مسيرة لوضع الزهور، تخليدا لذكرى ضحايا ثورة يناير، كما لا تسلم المواجهات المستمرة بين قوات الأمن وأنصار جماعة الإخوان المسلمين من سقوط قتلى.
ودفعت وزارة الداخلية بتعزيزات أمنية في محيط مقر نادي الزمالك في حي المهندسين (غرب القاهرة)، خشية اندلاع أعمال عنف، كما دفعت بتعزيزات أمنية حول منزل مرتضى منصور رئيس النادي.
ودخل منصور وهو برلماني سابق، في صراع مع رابطة مشجعي «وايت نايتس» وصلت لحد اعتداء بعض أعضاء الرابطة عليه العام الماضي، بعد أسابيع من اشتباكات شهدها محيط النادي بين قوات الأمن وأعضاء الرابطة سقط فيها قتيل.
وخلال اجتماع وزاري مصغر ترأسه إبراهيم محلب رئيس مجلس الوزراء بحضور وزراء الشباب والرياضة، والداخلية، والصحة، قررت الحكومة مساء أول من أمس، تعليق الدوري لأجل غير مسمى.
وتخشى السلطات من ردود فعل انتقامية من أعضاء روابط الأندية. وسبق لروابط مشجعي النادي الأهلي أن أحرقت مقر اتحاد الكرة، وناديا للشرطة بالقرب منه، وقطعت شوارع رئيسية بالعاصمة بعد صدور أحكام اعتبروها مخففة بحق الضباط المتهمين في أحداث «استاد بورسعيد».
وقال بيان لرابطة «ألتراس وايت نايتس» إن «الجاني والمحرض معروفان للجميع، وإننا اختبرنا محاكمكم ولم نر عودة حق أو اقتصاص لمظلوم، وآن أوان أن تختبروا محاكمنا، وعلى الباغي تدور الدوائر».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.