انطلاق محاكمة 7 أشخاص في باريس بتهم التحضير لعمل إرهابي ضخم في 2016

ترسانة أسلحة عُثر عليها في شقة المتهم الرئيسي رضا كريكيت

صورة تم التقاطها في 1 أبريل 2016 تظهر رجلاً يمشي أمام مدخل المبنى الذي كان يعيش فيه رضا كريكيت المشتبه به الرئيسي في مؤامرة هجوم إرهابي فاشلة عام 2016 (غيتي)
صورة تم التقاطها في 1 أبريل 2016 تظهر رجلاً يمشي أمام مدخل المبنى الذي كان يعيش فيه رضا كريكيت المشتبه به الرئيسي في مؤامرة هجوم إرهابي فاشلة عام 2016 (غيتي)
TT

انطلاق محاكمة 7 أشخاص في باريس بتهم التحضير لعمل إرهابي ضخم في 2016

صورة تم التقاطها في 1 أبريل 2016 تظهر رجلاً يمشي أمام مدخل المبنى الذي كان يعيش فيه رضا كريكيت المشتبه به الرئيسي في مؤامرة هجوم إرهابي فاشلة عام 2016 (غيتي)
صورة تم التقاطها في 1 أبريل 2016 تظهر رجلاً يمشي أمام مدخل المبنى الذي كان يعيش فيه رضا كريكيت المشتبه به الرئيسي في مؤامرة هجوم إرهابي فاشلة عام 2016 (غيتي)

انطلقت أمس في باريس أمام المحكمة الجنائية الخاصة بشؤون الإرهاب محاكمة 7 متهمين، يظن أنهم خططوا لاعتداء إرهابي واسع في باريس في مارس (آذار) من العام 2016 بمناسبة بطولة أوروبا لكرة القدم التي استضافتها العاصمة الفرنسية في شهري يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) من ذاك العام. وبسبب رفض أحد المتهمين، واسمه أنيس بحري، المثول أمام المحكمة الخاصة، فقد صدر أمر بمثوله، وقرر رئيس المحكمة لوران رافيو السير بالمحاكمة من دونه. وينتظر أن تدوم هذه المحاكمة شهراً كاملاً وهي تحل زمنياً بعد المحاكمة الطويلة التي شهدتها باريس ما بين الثاني من سبتمبر (أيلول) و10 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، والتي تركزت على الهجومين اللذين استهدفا صحيفة «شارلي إيبدو» الساخرة ومخزناً يهودياً بداية العام 2015. بيد أن أهم محاكمة ستعرفها فرنسا ستحصل هذا العام أيضاً، وستتناول العمليات الإرهابية التي ضربت العاصمة في شهر نوفمبر 2015، والتي أوقعت 130 قتيلاً وعشرات الجرحى في ملهى الباتاكلان، وفي عدد من مقاهي الدائرة التاسعة في العاصمة الفرنسية. وينتظر أن تدوم هذه المحاكمة 6 أشهر، ويترافع فيها 350 محامياً يمثلون 1700 جهة مدنية مدعية. ويضم ملف التحقيقات 40 ألف صفحة. وسيمثل أمام المحكمة الخاصة الشخص الوحيد الذي بقي حياً من «الكوماندوز الداعشي» الذي نفذ العمليتين، واسمه صلاح عبد السلام، إضافة إلى مجموعة من الأشخاص لعبوا دوراً ما في العمليتين.
وبعكس المحاكمتين السابقة واللاحقة، فإن المحاكمة الجارية حالياً تتناول عملية إرهابية لم تحصل، إذ نجحت السلطات الأمنية في تعطيلها. ووجهت النيابة العامة المتخصصة بشؤون الإرهاب تهم «تأسيس جمعية إرهابية مجرمة» و«التخطيط للقيام بعمل إرهابي» و«تزوير وثائق إدارية». وإذا ثبتت عليهم هذه التهم، فالمرجح أن يحكم عليهم بالسجن المؤبد. ووفق التحقيق، فإن المتهمين السبعة كانوا يخططون للقيام بها خلال أنشطة بطولة كرة القدم الأوروبية. إلا أن عملية الدهم التي قام بها رجال الأمن في 24 مارس، بعد يومين من الاعتداءات الدامية التي ضربت بروكسل، لشقة تقع في ضاحية أرجنتوي، شمال غربي العاصمة، أدت إلى اكتشاف مخبأ أسلحة يضم ترسانة كاملة؛ 5 بنادق هجومية من طراز كلاشينكوف، و7 مسدسات، وكميات كبيرة من الذخيرة، إضافة إلى 105 غرامات من مادة «تي أيه تي بي» المتفجرة التي استخدمها «تنظيم داعش» على نطاق واسع، و1.3 كيلوغرام من المتفجرات الصناعية، ومئات الكريات الفولاذية التي تضاف إلى المتفجرات لإيقاع أكبر عدد من الضحايا.
وهذه الشقة كان قد استأجرها رضا كريكيت باسم مستعار، الذي كان معروفاً من الأجهزة الأمنية والقضائية الفرنسية بأعمال لصوصية، وقد حكم عليه بالسجن عدة مرات. ويعد كريكيت أهم فرد من مجموعة السبع، نظراً للدور الذي لعبه، ليس في هذه القضية وحدها، بل أيضاً في قضايا أخرى، إذ أدين في بروكسل غيابياً في يوليو 2015، خلال محاكمة إحدى الشبكات الجهادية التي تقوم بتجنيد أشخاص لإرسالهم للقتال في سوريا، إلى جانب إدانة عبد الحميد أباعود مدبر هجمات باريس الدامية في 13 نوفمبر 2015.
ويعود الفضل في تعطيل التخطيط للعملية الإرهابية للتحقيق الذي انطلق في تركيا، خريف العام 2015، بمناسبة القبض على شخصين كانا يحاولان الدخول إلى الأراضي السورية. وبيّنت الاستقصاءات، التي أجريت، الدور الرئيسي لرضا كريكيت وأنيس بحري. وثمة مؤشرات تدل على أنهما ذهبا إلى سوريا بين العامين 2014 و2015. وقد سبق للأول أن حكم عليه بالسجن غيابياً لمدة 10 سنوات في بلجيكا، لانتمائه إلى خلية إرهابية. وتدل سيرة رضا كريكيت ذي الأصل الجزائري على نزوع نحو اللصوصية منذ شبابه الأول. ويظن المحققون أن ميله للفكر المتطرف يعود للفترة التي سجن فيها بين عامي 2011 و2012. الأمر الذي يؤكد حقيقة أن السجن هو أحد أهم البؤر التي تنتج التطرف الإسلاموي، إلى جانب الإنترنت. وأكد محامي كريكيت، واسمه ياسين بوزروع، أن موكله «نفى دائماً وجود مخطط لعمل إرهابي على الأراضي الفرنسية». واعتقل كريكيت في مدينة بولوني بيونكور، الواقعة عند مدخل باريس الغربي، فيما أوقف أنيس بحري بعد 3 أيام في مدينة روتردام الهولندية، بناء على طلب السلطات الفرنسية، وقد عثر في شقته على 45 كيلوغراماً من الذخيرة. أما الشخص الثالث المهم في هذه القضية فاسمه عبد الرحمن عمرود، وهو جزائري الجنسية، ويبلغ من العمر 43 عاماً، وسبق أن أدانته محكمة باريسية في عام 2005 في إطار محاكمة شبكة متهمة بتقديم دعم لوجستي في أفغانستان لقتلة القائد الأفغاني أحمد شاه مسعود، الذي اغتيل قبل يومين من هجمات 11 سبتمبر 2001.
هؤلاء الثلاثة (كريكيت، وبحري، وعمرود) هم المتهمون الرئيسيون في المحاكمة التي بدأت أمس، ووصفهم الادعاء بأنهم «النواة الآيديولوجية والتشغيلية لخلية أرجنتوي» التي يشتبه بأن «تنظيم داعش» كلّفها تنفيذ اعتداء في باريس. وتوصل التحقيق إلى التعرف على عمرود من خلال حمضه النووي الذي عثر عليه في شقة أرجنتوي، مخبأ الأسلحة. ويظن أن كريكيت وبحري كانا على اتصال مع عبد الحميد أباعود الذي يعد أحد منظمي اعتداءات نوفمبر، و«مشغل» الأشخاص الذين نفذوا العملية. وثمة مؤشرات تدل على أن الثلاثة قاموا، قبل أسابيع من توقيفهم، بعدة تنقلات بين فرنسا وبلجيكا وهولندا. أحد التحديات التي يتعين على المحكمة التعامل معها إثبات أن السبعة كانوا يخططون لعمل إرهابي، وبحسب مدعي عام باريس في تلك المرحلة فرنسوا مولينس، فإن الترسانة الحربية تدل بشكل لا يترك مجالاً للشك إلى التحضير لعمل إرهابي، رغم غياب اليقين بشأن الهدف المخطط لضربه. وقال مانويل فالس، رئيس الحكومة الفرنسية وقتها، إن فرنسا نجت من عملية إرهابية كانت ستوقع كثيراً من الضحايا. واعتبر المحامي تيبو دو مونبريال أن الأسلحة التي عثر عليها كانت «كافية لتجهيز 15 مقاتلاً مع 6 مماشط و30 طلقة كلاشنيكوف لكل منهم، ما يعني أن كمية الأسلحة التي عثر عليها تفوق ما استخدم في اعتداءات نوفمبر 2015».


مقالات ذات صلة

باكستان تتهم أفغانستان بخلق ظروف «مشابهة أو أسوأ» مما كانت قبل هجمات 11 سبتمبر

آسيا الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري (أ.ف.ب) p-circle

باكستان تتهم أفغانستان بخلق ظروف «مشابهة أو أسوأ» مما كانت قبل هجمات 11 سبتمبر

حذّر رئيس باكستان من أن حكومة «طالبان» في أفغانستان خلقت ظروفاً «مشابهة أو أسوأ» من تلك التي سبقت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية التي استهدفت أميركا.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
العالم برينتون تارانت (أرشيفية - أ.ب)

«الإرهابي المدان» في مجزرة كرايستشيرش يطلب إلغاء اعترافه وإعادة محاكمته

تقوم السلطات في ولينجتون بنيوزيلندا حاليا، باتخاذ «ترتيبات استثنائية»، بينما يستعد «الإرهابي المدان» في مجزرة كرايستشيرش، للمثول أمام محكمة الاستئناف.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
الخليج الكويت صنفت 8 مستشفيات لبنانية على قوائم الإرهاب (كونا)

الكويت تُدرج 8 مستشفيات لبنانيّة على قائمة الإرهاب

قررت «لجنة تنفيذ قرارات مجلس الأمن الصادرة بموجب الفصل السابع»، في الكويت، الأحد، إدراج 8 مستشفيات لبنانية على قوائم الإرهاب.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
شمال افريقيا الزبير البكوش مرتدياً ملابس الكشافة (صورة متداولة على صفحات ليبية)

الليبي «الزبير البكوش»... من حبال الكشافة إلى العنف المسلح

تمثل حياة المتهم الليبي الزبير البكوش الموقوف في الولايات المتحدة للاشتباه بتورطه في الهجوم على القنصلية الأميركية بمدينة بنغازي عام 2012، نموذجاً حياً للتناقض.

علاء حموده (القاهرة)
أوروبا جندي يقف حارساً في قرية وورو بولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي (أ.ب)

الولايات المتحدة قلقة إزاء توسّع الإرهاب في منطقة الساحل وغرب أفريقيا

الولايات المتحدة قلقة إزاء توسّع الإرهاب في منطقة الساحل وغرب أفريقيا... وفريق عسكري أميركي في نيجيريا لدعمها في مواجهة الإرهاب.

الشيخ محمد (نواكشوط)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟