الشرق الأوسط المعاصر بعيون فنانيه في معرض وكتاب

خبيرة الفن الإسلامي في المتحف البريطاني: أرى الأعمال الفنية بمثابة وثائق تاريخية لعصرها

عمل للفنان عصام كرباج
عمل للفنان عصام كرباج
TT

الشرق الأوسط المعاصر بعيون فنانيه في معرض وكتاب

عمل للفنان عصام كرباج
عمل للفنان عصام كرباج

بصبر ودأب على مدى أكثر من 20 عاماً، تابعت فينيشيا بورتر، المشرفة على قسم الفن الإسلامي والشرق الأوسط المعاصر في المتحف البريطاني، مجهودات تكوين مجموعة جديدة من نوعها لفنانين معاصرين من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ضمن مقتنيات المتحف العريق. بدأت عملية الاقتناء في ثمانينيات القرن الماضي، ونمت بشكل كبير حتى أصبحت اليوم تضم أعمالاً لأكثر من 300 فنان من المنطقة. وتطرح الأعمال تاريخاً وأحداثاً معاصرة قد تبدو دخيلة على متحف متخصص في التاريخ مثل المتحف البريطاني، ولكن في حقيقة الأمر فإن التاريخ القديم الذي يقدمه المتحف إنما هو حلقات في سلسلة تستمر لوقتنا هذا، وتعد مجموعة الأعمال المعاصرة بمثابة الحلقات الأحدث.
وفي عام 2006، أثبت نجاح معرض «الكلمة في الفن» لفن الشرق الأوسط المعاصر أن المتحف على الطريق الصحيح في اقتناء أعمال فناني هذا الجزء من العالم. وقتها، كونت لجنة من رعاة الفنون للإشراف وتمويل عملية اقتناء الأعمال الورقية والرسومات والمطبوعات على الشاشة والصور الفوتوغرافية وكتب الفنانين.
عن ذلك، وعن الكتاب والمعرض باسم «انعكاسات» المنبثق عنه الذي يقدم 100 عمل من المجموعة، دار حوار بيني وبين فينيشيا بورتر. نقطة الانطلاق كانت عودة للبداية، وقصة بناء مجموعة فنية متميزة محددة جداً في الخامات المستخدمة، وفي زمنها. تقول محدثتي: «أعتقد أن لدينا أعمالاً لـ300 فنان على الأقل من أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في فئة معينة، وهي أعمال على الورق فقط». وتشير إلى طموح آتٍ باقتناء مزيد من الأعمال من أماكن لا يوجد لها تمثيل في المجموعة، مثل اليمن وعمان.
أسألها: «كيف تختارون الأعمال التي تنضم لمقتنيات المتحف؟»، فتجيب: «لدي فكرة واضحة عن الأعمال التي أحب أن نضيفها للمجموعة»، وتستطرد لتشرح أكثر: «ما حدث هو أننا كونا لجنة من الرعاة الفنيين، ضمن مجموعة أطلقنا عليها اسم CaMMEA (فن الشرق الأوسط المعاصر والحديث). ويقدم أعضاء اللجنة الدعم المالي لشراء الأعمال كل عام».
عملية الاقتناء لها شروط، وتحكمها لوائح ومناقشات، حسب ما تقول لنا: «في العادة، أختار العمل الذي يتناسب مع مفهوم المجموعة، وبعد ذلك نتبع الخطوات النظامية للمتحف البريطاني، وفي المرحلة الأخيرة نعرض العمل على لجنة الرعاة لمناقشة مدى مناسبته». وفي أحيان أخرى، يكون العمل مهدى للمتحف، ولكن العملية التنظيمية واحدة، إذ تضيف: «في هذه الحالة أيضاً نقوم بالخطوات نفسها، من تمريرها عبر النظام الداخلي للمتحف وعبر لجنة الرعاة».
ولكن قبل أن يمثل العمل أمام لجان مختلفة للموافقة عليه، كيف تتم عملية الاختيار؟ تقول: «من المهم أن يكون العمل منفذاً على الورق، والمعيار الأهم الذي أعمل به دائماً هو أن يكون العمل ملائماً للمتحف البريطاني، فنحن في المقام الأول متحف معني بالتاريخ، وعندما أبحث عن عمل مناسب، فأنا أبحث عن عمل يكون معبراً عن زمنه؛ مثال على ذلك عمل الفنانة السعودية دانا عورتاني (خلفاء المسلمين)، فهو معاصر، ولكنه أيضاً مرتبط بالتاريخ من خلال النسق الفني الذي اختارته الفنانة، واستخدامها لفن الزخارف التراثي. وقد تكون الأعمال معبرة عن لحظة معينة في التاريخ المعاصر، مثل مجموعة من الأعمال التي تتحدث عن الثورة السورية من عام 2011. مثل هذه الأعمال تتحدث عن زمنها، وتسمح لنا برؤية العالم عبر عيون مبدعيها».
وتضيف: «بمعنى آخر، فأنا أرى تلك الأعمال بمثابة وثائق تاريخية؛ مثال على ذلك عمل الفنان الفلسطيني تيسير بطنيجي (من دون عنوان) الذي يصور شخصاً يقف أمام حقيبة سفر ضخمة جداً. هذا العمل أسرني عندما رأيته في معرض فريز للفنون لأول مرة؛ الفنان يتحدث ليس فقط عن تجربته بصفته فلسطينياً يعيش في غزة، بل أيضاً يتحدث عن كل شخص يضطر لمغادرة وطنه ولا يستطيع العودة».

انعكاسات... المعرض والكتاب والموقع الإلكتروني

ننتقل للحديث عن المعرض الذي أعدت له بورتر، ومن المقرر أن يطلق هذا الشهر، ويضم 100 عمل من مقتنيات المتحف من الفن المعاصر من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فتقول إن المعرض ضخم، وهو يمتد من قاعة العرض رقم 19 بالمتحف حتى قاعة البخاري للفن الإسلامي المجاورة. وقد حرصت بورتر منذ افتتاح قاعة الفن الإسلامي الحديثة على وجود جانب منها مخصص للفن المعاصر، وهو أمر تتحدث عنه باعتزاز دائماً. ولكن بما أن المعرض سينطلق في وقت ما تزال فيه المتاحف مغلقة، فستكون البداية افتراضية، عبر جولة تقدمها بورتر للزوار على الموقع الإلكتروني. وبواقعية، ترى أن الموقع الإلكتروني سيكون عاملاً مهماً في رؤية أعمال المعرض وأعمال المتحف حتى تعود الحياة لطبيعتها.
وبشكل خاص، ترى أن العرض الافتراضي مفيد بشكل كبير في حالة هذه الأعمال المنفذة على الورق، وتقول: «يجب أن نضع في الحسبان أنها أعمال ورقية، ولن نستطيع عرضها لفترات طويلة، وبالتالي فالموقع الإلكتروني يوفر لنا هذه الفرصة». أسألها عن الكلمة التقديمية التي ستلقيها في افتتاح المعرض: هل يساورك الإحساس بأن هناك جمهوراً أوسع استطاع الوصول لمثل هذه الفعاليات الآن عبر الأونلاين، خاصة أنه في السابق كان الافتتاح الصحافي محدد؟ توافقني على ذلك، وتقول: «بالفعل، اعتاد الناس الآن على حضور الفعاليات والمعارض في العالم الافتراضي، وأصبحوا يطلبون المزيد. في السابق، عندما كنت أقدم أياً من المعارض في قاعات المتحف، كنا نعد أنفسنا محظوظين إذا كان في العرض أكثر من 100 شخص. الأسبوع الماضي، قدم لقاء حول المعرض عبر (زووم) حضره 300 شخص، ثم بعد أن وضع على أرشيف موقع المتحف رآه 300 شخص آخر؛ أعتقد أن ذلك أمر عظيم جداً».
وتؤكد على أهمية الاستمرار في عقد اللقاءات والفعاليات عبر الأونلاين: «أعتقد أنه واجب علينا أن نعلم الآخرين بهذه الأعمال، كما نهتم بها، وكلما وضعنا أعمالاً أكثر لهؤلاء الفنانين سيتعرف عليهم أكبر عدد ممكن من الناس».

انعكاسات وتأملات بين الماضي والحاضر... وبالعكس

وعودة لأعمال المعرض، أسألها: أعرف أهمية كل قطعة في هذه المجموعة بالنسبة لك، كيف اخترت من بينها ما يعرض للجمهور؟ تقول: «كان الأمر صعباً جداً لأنه كان يجب علي الالتزام بأعداد أقل من التي أردتها بسبب المكان وإجراءات (كوفيد)؛ كان لزاماً علي أن أقلل عدد القطع بحيث تكون الأعمال المعروضة وحدة متناغمة. وفي النهاية، مثل أي معرض آخر، كان لا بد أن يكون هناك هيكل بسيط واضح حتى يستطيع الجمهور الوصول له بسهولة، ولهذا قررنا أننا نحتاج فقط لثلاثة أقسام، عكس الكتاب الذي يضم 7 فصول. والأقسام الثلاثة هي: التجريد، ثم الهيكل البشري، ثم القسم الأخير المعنون بـ(تاريخ متشابك)».
وبداية العرض مع عمل بعنوان «الحادثة» لنيكي نجومي، يتحدى المفاهيم المسبقة حول فن هذه المنطقة من العالم، ويسلط الضوء على تعقيدات الوجود بصفتك فناناً في الشتات. ومن هناك، تأخذنا هذه الغرفة للطرق المختلفة التي قدم بها فنانو المنطقة الشكل الإنساني، وتطور أساليبهم الفنية وتأثرها بالدراسة في معاهد ومدارس فن عالمية. والغرفة الثانية تفرد مساحاتها لجانب أثير في الفن الإسلامي يمتد تأثيره للفن المعاصر، وهو التجريد. نرى هنا فنون الخط والزخرفة والإضاءات وغيرها تصبح أدوات للفنان المعاصر للتعبير عن قضاياه وأفكاره.
وهنا عمل للفنانة سوزان هفونا يبدو فيه تأثر الفنانة بالمشربيات الموجودة في كثير من المدن العربية، وقد اختارت الفنانة التعاون مع حرفي صناعة المشربيات في القاهرة لتنتج أعمالاً تعكس رسائل معاصرة تدمج بين التراثي والحديث. وللفنان الجزائري الأصل رشيد قريشي نرى عمل «أمة في المنفى» الذي فيه تختلط الحروف والخطوط والرموز مع أسطر من شعر محمود درويش.
والغرفة الثالثة للمعرض تحمل عنوان «تاريخ متشابك»، وتتناول مواضيع النضال السياسي والثورة والحرب التي مرت على المنطقة من خلال عيون فنانينها، في حين أن هناك أعمالاً تتعلق بحدث معين، مثل حرق مكتبة بغداد الوطنية في عام 2003، أو مظاهرة في إيران من قبل النساء ضد ارتداء الحجاب القسري في عام 1979، الصراعات والتركيز على تعقيدات الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، أو الحرب الأهلية اللبنانية، أو الحرب الدائرة في سوريا. وتسلط أعمال أخرى الضوء على إحدى القضايا المحددة في عصرنا، وهي قضية المنفى والهجرة، ولعل أفضل ما يمثل هذا الموضوع هو عمل للفنان عصام كرباج بعنوان «مياه داكنة وعالم يحترق»؛ يصور قوارب المهاجرين أو قوارب الموت، وبدل الأشخاص هنا أعواد ثقاب خامدة مصفوفة في قوارب صغيرة مصنوعة من قطع المطاط؛ العمل موحٍ بكل المقاييس، ويحمل في كل تفاصيله مشهداً من التاريخ المعاصر، وهو ما دفع المتحف لإضافة القوارب لقائمته الشهيرة «تاريخ العالم في 100 قطعة»، لتصبح قوارب المهاجرين القطعة رقم 101 في القائمة. وهو ما يعلق عليه معد القائمة المدير السابق للمتحف نيل مكريغور بقوله: «قوارب كرباج المحملة بأعواد الثقاب المستخدم ترمز لكل المهاجرين في كل مكان: يدفعهم الخوف ويحدوهم الأمل».



مصطفى الرزاز يستعيد عالمه الخاص في المرويات الشعبية والأسطورية

لوحات الرزاز تتجاور فيها الكائنات ومشاهد الطبيعة (إدارة الغاليري)
لوحات الرزاز تتجاور فيها الكائنات ومشاهد الطبيعة (إدارة الغاليري)
TT

مصطفى الرزاز يستعيد عالمه الخاص في المرويات الشعبية والأسطورية

لوحات الرزاز تتجاور فيها الكائنات ومشاهد الطبيعة (إدارة الغاليري)
لوحات الرزاز تتجاور فيها الكائنات ومشاهد الطبيعة (إدارة الغاليري)

في معرضه الجديد «شذرات من الفن والروح»، يفتح الفنان التشكيلي المصري مصطفى الرزاز أبواب عالم بصري حافل بالبشر والأزهار، والكائنات المألوفة والعجيبة في آن واحد. لتبدو الأعمال، التي تتجاوز مائة عملٍ فني، كأنها ومضات من حلم طويل مشبع بالروح الشعبية، تتجاور فيه الأسطورة مع الحياة البسيطة، تذوب فيه الحدود بين الإنسان والطبيعة والعناصر الزُخرفية.

في المعرض الذي يستضيفه غاليري «ببليوتك» (غرب القاهرة) حتى نهاية مايو (أيار) الحالي، يُعزز الدكتور مصطفى الرزاز عبر لغته التشكيلية حالة الحساسية البصرية الخاصة بالفن الشعبي؛ تلك البراءة المقصودة، والتبسيط، والمبالغة في الملامح، والزخارف المُكررة، بوصفها لغة جمالية تخاطب المتلقي، فلا تبدو أعماله وكأنها تستعيد التراث الشعبي بقدر ما تعيش وتتفاعل داخله.

من زوار المعرض (إدارة الغاليري)

تتفاوت مساحات اللوحات المعروضة بشكل كبير، ومن اللافت حضور أعمال بأحجام صغيرة تصل لحجم «المنمنمات» التي يقول الرزاز إنه استلهم فكرتها خلال إعداده للمعرض، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «وجدت نفسي أعود إلى حصيلة ستين عاماً من العمل الفني، فوجدت أعمالاً بمساحات صغيرة لم تكتمل، وظلّت أعمالاً مفتوحةً عبر سنوات طويلة، فعندما عدت إليها لإعداد المعرض، بدأت أنجزها بسعادة طفل دخل غرفة ألعابه». ولعل هذه الروح «الطفولية» قد وجدت صداها في أعمال المعرض، بما تحمله من فانتازيا، وتجاور حميم للكائنات، والعلاقة التلقائية بين اللون والزخرفة والأحلام.

يظهر بوضوحٍ المزج بين البراءة الكامنة في العناصر الشعبية والعوالم الأسطورية، فالوجوه هادئةٌ، واسعة العينين أو مغمضةٌ كأنها في حالة تأمل أو إنصات داخلي، فيما تبدو الكائنات المحيطة بها من طيور وخيول ونباتات وكأنها امتدادٌ لتلك الوجوه.

تكوينات النباتات والطيور في حوار بصري مع بطلة اللوحة المركزية (إدارة الغاليري)

وفي بعض الأعمال، خصوصاً تلك التي تحضر فيها الأسماك والنساء الريفيات، يبدو أن الرزاز يستدعي ذاكرةً مصريةً قديمةً مرتبطةً بالنهر والخصب والحياة اليومية، لتتجاور البيوت الطينية والخلفيات الريفية مع شخصيات أقرب إلى الأيقونات الشعبية.

من اللافت اعتماد الفنان على الموتيفات التي تمنح الأعمال روح الجداريات الشعبية ورسوم الحكايات القديمة، حتى الألوان نفسها تبدو حرارتها مشتقةً من فانتازيا الأساطير، مستدرجةً طاقات الطبيعة الحرة.

أيقونات شعبية ذات طابع فانتازي (إدارة الغاليري)

ولا تبدو العلاقات بين الكائنات والعناصر داخل اللوحات ناتجةً عن بناء صارم أو تخطيط مسبق، بقدر ما تتولد تدريجياً على سطح اللوحة، فكما يقول الرزاز: «أحياناً قد أبدأ برسم عصفور، أو نباتٍ يتسلّق عبر اللوحة، ثم تتداعى العناصر لاحقاً وفق حالة شعورية أريد أن أعكسها مثل التقابل أو التعاطف، فأرسم عبر ارتجالاتٍ تلتئم فيما بعد لتبني عناصر ومشاهد اللوحة»، وربما يفسر حديث الفنان ذلك الإحساس العضوي الذي تمنحه الأعمال، إذ تبدو العناصر وكأنها تنمو داخل اللوحة لا تُفرض عليها.

من أعمال الفنان التشكيلي مصطفى الرزاز (إدارة الغاليري)

كما يشير الفنان إلى انشغاله بتوجيه عين المتلقي داخل العمل، ليس من باب الإبهار البصري المباشر، بل عبر «خلق مسارٍ داخلي للحركة والتأمل، بحيث تتحرك العين وفق الفكرة الرمزية وراء اللوحة، لذلك تبدو نظرات البشر والكائنات الأخرى متشابكةً داخل شبكة من العلاقات، كأن الكائنات جميعها تتبادل النظر والإشارات، وتدعو المشاهد إلى الدخول في هذا النسيج البصري الهادئ، لا مجرد التطلع إليه من الخارج».

ففي إحدى اللوحات، على سبيل المثال، تبدو بطلة اللوحة وكأنها تخرج من قلب الطبيعة؛ فيتحوّل شعرها إلى خطوطٍ زخرفيةٍ، والطيور تكاد تحط على كتفيها أو تخرج من جسدها نفسه.

أعمال بحجم صغير تلفت الأنظار (إدارة الغاليري)

ينطلق الدكتور مصطفى الرزاز، الحائز على جائزة «النيل» الرفيعة في مصر عام 2017، في ممارسة الفن التشكيلي من الثقافة الموسوعية الواسعة، فقد تشكّل وعيه عبر قراءات ممتدة في التراث العربي القديم؛ عبر شغف مبكر بكتب مثل «الأغاني» للأصفهاني و«عجائب المخلوقات» للقزويني، كما يشير. وهي عوالم مشبعة بالحكايات والكائنات الغريبة والأساطير، بما جعل مخيلته البصرية تتكوّن بوصفها امتداداً لذاكرة سردية وشعبية طويلة.


«فلسطين 36»... الملحمة المنسية التي سبقت النكبة

الأطفال في الفيلم جزء من الحركة الثائرة (مؤسسة دلول للفنون)
الأطفال في الفيلم جزء من الحركة الثائرة (مؤسسة دلول للفنون)
TT

«فلسطين 36»... الملحمة المنسية التي سبقت النكبة

الأطفال في الفيلم جزء من الحركة الثائرة (مؤسسة دلول للفنون)
الأطفال في الفيلم جزء من الحركة الثائرة (مؤسسة دلول للفنون)

أياً تكن الانتقادات التي توجه إلى فيلم آن ماري جاسر «فلسطين 36» سيبقى لوقت طويل محطةً أساسيةً في مسار السينما الفلسطينية، لا بل يستشهد به لفهم تأثير الفن في تشكيل الوعي، وتحولات الإدراك الجماعي.

الفيلم وصل إلى القائمة القصيرة لجوائز الأوسكار، وصفق له جمهور «مهرجان تورنتو السينمائي» ربع ساعة وهم يهتفون «فلسطين حرّة». وقد بدأ عروضه في لبنان هذا الأسبوع بعد افتتاحٍ جامعٍ في سينما «متروبوليس». حضر العرض الأول وزراء ونواب، برعاية ودعم «مؤسسة دلّول للفنون» والدكتور باسل دلّول الذي قال بضرورة «الحفاظ على الإرث الثقافي العربي وتعزيزه عبر الفن والسينما»، وأن هذا الفيلم تحديداً «يشكّل إنجازاً فنياً مهماً يستحق أن يصل إلى الجمهور في لبنان وخارجه».

مشهد من الفيلم أثناء إطلاق إذاعة القدس (مؤسسة دلول للفنون)

«فلسطين 36» تاريخي روائي، تتأتى أهميته من الجانب التوثيقي. فقد عكفت كاتبة الفيلم ومخرجته على البحث لمدة ثماني سنوات، وهو ما أعفاها من تقديم عمل سريع، على طريقة الأفلام التأريخية التقريبية. ثمة حرص على أن تحكى القصة كما هي، مع تفاصيل تجعل الصورة أقرب ما تكون إلى الواقع. بالتالي فنحن أمام محاولة لإعادة تركيب حكاية فلسطين قبل النكبة بسنوات، لنكتشف أن اللحظة المفصلية لم تكن عام 1948 وإنما سابقة عليها، مع إحكام الاحتلال البريطاني سيطرته على البلاد.

تبدأ الحياة في الفيلم وادعة عام 1936، كل شيء يشي بأن الناس منشغلون بأرزاقهم، بمحاصيلهم، بقمحهم، بقطنهم، بقصصهم الصغيرة، لكنهم يشعرون أن ثمة حولهم ما يتغير. موجات اليهود تصل تباعاً، الأسلحة تهرّب عبر المرافئ. الإنجليز يستبدلون بالعمال الفلسطينيين اليهود الوافدين، البطالة تتفشى، ومصادرة الأراضي تتسع.

نكتشف قرية «البسمة»؛ اسم يحمل مفارقة مع قدرها المأساوي. يوسف ابن القرية يعمل في القدس، ويسمح لنا تنقله بأن نكتشف عالمين متباعدين. عالم المزارعين الكادحين المرتابين بسبب الاستيلاء على أراضيهم، والمستعمرات تزنرهم والعسكر يحاصرهم، ومجتمع النخبة المدنية الفلسطينية، وهي تتماهى مع النموذج الغربي وتتعايش معه، وتستقبل عسكر الإنجليز وضباطه في أمسياتها المترفة.

كاميرا بارعة واختيارات موفقة للممثلين والمواقع، رغم أن الفيلم باغتته أحداث السابع من أكتوبر، وحرمته من تصوير مشاهده في فلسطين، بعد أن شيدت له قرية متكاملة وجهزت سيارات، وآليات، إلا أن الانتقال إلى الأردن لإنجاز غالبية المشاهد كان اضطراراً.

الصحافية التي تكتب ما يدور في ضمير المعذبين والشريك المتخاذل (مؤسسة دلول للفنون)

طوال ما يقارب ساعتين تشاهد ملحمة لشعب يباد بأقسى الأدوات. الاحتلال الإنجليزي يمارس عنفاً لا يمكن تصديقه على المزارعين وأصحاب الأرض.

مع تصاعد الأحداث، تصير الصورة كأنها متلحفة بغلالة، لندخل في أجواء تؤلم حد النزف لكنها لا تسمح للمتفرج بالبكاء. إنها النسخة الأولى عما نشاهده في فلسطين هذه الأيام، لكن بإيدٍ إنجليزية. في مقابلة لها، تقول المخرجة: «لم أكن أعلم أن الإنجليز كانوا سبّاقين إلى ممارسة ما ترتكبه إسرائيل، وهم من مهدوا لها الطريق».

يركز الفيلم على يوسف وعائلته وهي تحاول أن تجد توازنها رغم الصعاب، كذلك شقيقه الصغير الذي يعتقله الانتداب ولا يخرج من السجن إلا شاباً، إلا أننا نجد أنفسنا أمام قصة كاهن القرية وابنه الصغير، ثم تتعدد الوجوه وتتكاثر القصص. إنها حكاية الجماعة الفلسطينية. وكلما حاولت المخرجة أن تركز كاميرتها على نواة صغيرة، تعود لتوسع المشهد. إنها إحدى ثغرات الفيلم، بحيث يبقى المشاهد مشتتاً بين التفاصيل الكثيرة، لأناس كلهم مأزومون. إنما في النهاية، يستسلم المتفرج أمام هول الأحداث المتلاحقة، ونبض الشعب المنتفض من أجل حرية تفوح من المشاهد.

لكن المخطط هائل ويصعب استيعابه. خمسة أحزاب فلسطينية تتكتل وتعلي الصوت ضد التقسم، مقابل الهيئة الإسلامية التي يتبين أن بريطانيا هي من صنعتها. صحافية فلسطينية تكتب مقالات ضد الإنجليز يرد عليها كاتب آخر، ويفند حججها، يتبين أنه اسم وهمي عربي من صناعة إنجليزية.

كاهن القرية الذي لن يرحمه الاحتلال (مؤسسة دلول للفنون)

الكلمات منتقاة، النص مكتوب بعناية، الأحداث محطات يجدر تأملها. فبعد وصول اللجنة الملكية من بريطانيا، تصدر تقريراً صادماً، نسمعه يتلى بصوت مرتفع في ما تمر الكاميرا على الوجوه الفلسطينية المذهولة وهي تدرك للمرة الأولى أن التقسيم واقع. التقرير يستحق أن يتمعن بكلماته، لشدة استفزازيتها: «إن التقسيم يفسح مجال الأمل للعرب واليهود معاً بنيل نعمة العيش في ظل السلام... العرب لم يكونوا طوال تاريخهم مجردين من كره اليهود فحسب، بل إنهم برهنوا على الدوام على أن روح التساهل متأصلة في عروقهم». وكأنما إنجلترا جلبت اليهود لعلمها المسبق بتسامح العرب وطيبتهم. فأي مكافأة، وأي مأساة! يضيف التقرير أن المشكلة اليهودية تعكر صفو العلاقات الدولية وتقف حائلاً في سبيل السلام، «فإذا كان في إمكان العرب أن يساعدوا على حل هذه المشكلة متحملين في سبيل ذلك بعض التضحية فإنهم لا يكسبون بذلك ثناء اليهود فحسب بل ثناء العالم الغربي بأسره».

بعض التضحية التي يتحدث عنها التقرير، تتحول جحيماً. وفي مواجهة عقاب جماعي غير مسبوق، كل يحاول أن يقاوم بما يملك. تهريب لأسلحة بدائية، طباعة مناشير، اختباء في الجبال والتلال والمغاور. القرية كلها بأطفالها ونسائها وشيوخها تسجن في العراء خلف أسلاك شائكة يمنع عنها الماء والطعام والظل. رغم بدائية أسلحتهم، يبدأ الفلاحون بتسجيل انتصارات واستعادة أراضٍ. حينها يدرك الإنجليز أن عليهم أن يستنفروا قواهم كلها. هي مناسبة لنشاهد الفرق بين جيش مدجج بأحدث المعدات من طائرات استطلاع، وآليات كبيرة، وسيارات مقابل مجموعة من القرويين العزّل.

حين يهاجم عساكر الإنجليز قرية «البسمة» بحثاً عن أسلحة، يبلغ العنف حداً مريعاً. تفتيش، توقيف، ضرب، إهانات، تخويف، تصاريح مرور عند كل نقطة، مداهمة منازل، سجن، نفي. يعترف الكاهن بمخبأ الأسلحة لينجو بنفسه وعائلته، لكن النتيجة أنه يوضع مع رجال القرية في حافلة، تفجّر بهم بمجرد أن تنطلق. مشهد فظيع آخر حين يعاقب مسن وزوجته بتلغيم منزلهما وتفجيره، وهما في داخله على مرأى من أهل القرية ليكون عبرة لهم.

مع تصاعد الأحداث الدموية، تصبح الكاميرا أسرع، وأكثر حيوية. نرى الناس يحرقون مع زرعهم وضرعهم، وكل مواطن مدفوع لأن يستخدم ما يتوفر ليدافع عن نفسه، أو ينتقم لحبيب فقده. هكذا ينتهي الفيلم بمشاهد تريك أن محاربة المحتل والدفاع عن الأرض والنفس لا تحتاج تنظيماً ولا حزباً. الطفل، ابن الكاهن يحمل مسدساً قديماً، يذهب به إلى القدس، ينادي جندياً بريطانياً، ويطلق عليه النار، ليثأر لوالده الذي فجّر أمام عينيه.

في لحظات تبدو تعابير الوجوه الصامتة الحزينة أبلغ من أي كلام، وصوت الريح الآتية من الجبال والوديان أفصح من الموسيقى. تبقى في الذاكرة مشاهد البيوت المحروقة والقرى المنتهكة، والوجوه المفجوعة، مقابل نظرات الشرّ والارتكابات الإجرامية للجنود الإنجليز.

جزء من تمويل الفيلم إنجليزي، وعرض في لندن، وسط استغراب متفرجين يجهلون تاريخهم الاستعماري الذي دفن في صمت، لكن الأغرب أن العرب أيضاً لا يعرفون الكثير عن تلك الفترة التي اشتعلت فيها ثورة كبرى، وإضراب هو الأطول في تاريخ فلسطين ضد المحتل، الذي انتصر لا بسلاحه بل بتقسيم الناس، تشتيتهم، وكسر وحدتهم بالحيلة والمكر والمؤامرة.

«فلسطين 36» فيه نخبة من الممثلين، بينهم هيام عباس، صالح بكري، ظافر العابدين، كامل الباشا، ياسمين المصري، يمنى مروان، بيلي هاول، روبرت أرامايو، جيريمي آيرونز، ليام كانينغهام، والراحل أحمد قعبور. القصد أن يكون فيلماً جامعاً يشارك فيه كثيرون، ليرووا حكاية لا تزال مستمرة.


برنامج فني حافل في مصر خلال إجازة الأضحى

فعاليات «شارع الفن» تحضر بكثافة في العيد (وزارة الثقافة المصرية)
فعاليات «شارع الفن» تحضر بكثافة في العيد (وزارة الثقافة المصرية)
TT

برنامج فني حافل في مصر خلال إجازة الأضحى

فعاليات «شارع الفن» تحضر بكثافة في العيد (وزارة الثقافة المصرية)
فعاليات «شارع الفن» تحضر بكثافة في العيد (وزارة الثقافة المصرية)

عبر برنامج فني حافل بالعروض المسرحية والاستعراضية والأنشطة الثقافية والفنية، وعروض «فن الشارع» و«سينما الشعب»، تنظم وزارة الثقافة المصرية العديد من الفعاليات في مختلف المحافظات خلال إجازة عيد الأضحى.

وأعلنت الوزارة في بيان، الثلاثاء، عن انطلاق برنامج فني شامل في مختلف محافظات مصر، عبر عشرات المواقع الثقافية، في إطار سعيها لنشر البهجة وإتاحة الفنون أمام الجمهور، وترسيخ دور الثقافة في تشكيل الوعي وتعزيز قيم الجمال في المجتمع.

وتسعى الفعاليات إلى تحقيق مبدأ «العدالة الثقافية» والوصول بالخدمة الثقافية إلى جميع ربوع مصر، عبر مبادرات متنوعة من بينها «مسرح التجوال» و«شارع الفن» و«المكتبات المتنقلة» و«سينما الشعب» والفعاليات الفنية في محطات المترو، إلى جانب العمل على إطلاق مبادرات جديدة، وفق تصريحات لوزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي.

وأعدت الهيئة العامة لقصور الثقافة، برنامجاً يتضمن أكثر من 65 عرضاً فنياً، و3 عروض مسرحية، و3 أفلام سينمائية جديدة، إلى جانب 40 نشاطاً ثقافياً وفنياً للأطفال والكبار، ويشهد برنامج الاحتفالات هذا العام مشاركة فرق الموسيقى العربية والفنون الشعبية والإنشاد الديني، فضلاً عن استمرار مشروع «سينما الشعب» في 21 موقعاً ثقافياً بـ17 محافظة، لعرض أحدث أفلام عيد الأضحى يومياً من العاشرة صباحاً حتى منتصف الليل، بسعر موحد 40 جنيهاً (الدولار يساوي نحو 52 جنيهاً مصرياً).

فعاليات فنية متنوعة تقيمها وزارة الثقافة في العيد (وزارة الثقافة المصرية)

ويشارك «البيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية» في الاحتفالات من خلال باقة متنوعة من العروض الفنية والترفيهية التي تجمع بين فنون السيرك والعروض الشعبية والمسرحية على عدد من مسارحه بالقاهرة والمحافظات.

وأعلن قطاع المسرح عن برنامج عروضه وأنشطته لشهر يونيو (حزيران) 2026، الذي يضم مجموعة متنوعة من العروض المسرحية والاستعراضية على مسارح القاهرة والمحافظات، ضمن خطة وزارة الثقافة لتنشيط الحركة المسرحية وتقديم محتوى فني يجمع بين الترفيه والتنوير.

ويرى الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، أن «موسم عيد الأضحى يشهد تنوعاً في الاحتفاليات الفنية والثقافية»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أولاً لدينا احتفالات (شارع الفن) التي تقام في وسط البلد بالقاهرة، وتشهد تفاعلاً كبيراً من المارة الذين ينجذبون للفنون التي يتم تقديمها أمامهم مباشرة وفي أماكن تجوالهم ونزهتهم»، وأضاف: «من المعروف أن عيد الأضحى بالأساس موسم سينمائي، ولذلك عادة ما تكون أسعار التذاكر مرتفعة، لذلك من الجيد أن يزداد نشاط (سينما الشعب) في هذا الموسم لما تقدمه من تذاكر مخفضة».

فعاليات سابقة من «شارع الفن» في وسط القاهرة (وزارة الثقافة المصرية)

وينظم المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، احتفالية لإحياء ذكرى زكريا الحجاوي يوم 5 يونيو المقبل، على مسرح السامر، تتضمن توزيع جوائز مسابقة زكريا الحجاوي لدراسات الفنون الشعبية.

وأعلن المركز القومي للسينما، برئاسة الدكتور حسين بكر، عن برنامج للعروض السينمائية والأنشطة الثقافية، يتضمن عروضاً لأفلام محمد شعبان وسمير عوف وشادي عبد السلام، إلى جانب فعاليات نادي السينما المستقلة ونادي سينما المرأة.

وفي الحديقة الثقافية للأطفال بالسيدة زينب، يُنظم برنامج فني وترفيهي متنوع خلال الفترة من 29 إلى 31 مايو (أيار) الجاري، يتضمن ورشاً فنية للأطفال، وعروض الأراجوز والماريونت والمهرج، إلى جانب العرض المسرحي «سجين الهواء والورق»، وعروض فرق «بنات وبس» و«كنزنا»، وكورال «بنكمل بعض» لذوي الهمم.

وعَدّ سعد الدين الفعاليات التي تنظمها وزارة الثقافة «تعطي الفرصة للشباب ولفئات اجتماعية كثيرة للاحتفال والاستمتاع بالفن في وسط القاهرة وفي المواقع الثقافية المختلفة بالمحافظات، مجاناً أو بأسعار رمزية».