باسمة العنزي: لم تَعُد هناك قضايا مسكوت عنها في الأدب الكويتي

الروائية الكويتية تقول إن الجهود الفردية هي المحرك لا المؤسسات الثقافية

باسمة العنزي
باسمة العنزي
TT

باسمة العنزي: لم تَعُد هناك قضايا مسكوت عنها في الأدب الكويتي

باسمة العنزي
باسمة العنزي

قدمت الروائية والكاتبة الكويتية باسمة العنزي مجموعة من الأعمال السردية والروائية حققت نجاحاً في فترة قياسية. صدر لها حتى الآن ثلاث مجموعات قصصية، وثلاث روايات، وكانت روايتها الأخيرة بعنوان «قطط إنستغرام». في هذا الحوار، الذي أُجري معها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تتحدث عن تجربتها القصصية والسردية، وعن روايتها الأخيرة، التي بطلها قِطّ، رمزاً للقطط السمان، والفساد المستشري.
هنا نص الحوار:
> كيف ترين مسيرتك بين عالم القصة والرواية... في أيهما تجدين نفسك أكثر؟
- واقع الأمر أنني بدأت كقاصة وكاتبة مقال ثقافي ومن ثم اتجهت للرواية، كلاهما من أسرة واحدة. حالياً أجد نفسي أكثر ميلاً للقصة القصيرة، للكلام الموجز، للقالب المحكم وللفكرة الخاطفة الواضحة، ربما بسبب الوقت ومشاغلي اليومية ورتم حياتي السريع الموزَّع ما بين عدة أدوار.
> روايتك الأولى «حذاء أسود على الرصيف» تناولت قضايا حساسة في المجتمع، بينها قضايا «البدون» والمرأة والمهمشين... إلى أي مدى ترين أن مثل هذه القضايا مسكوت عنها في الأدب الكويتي؟
- روايتي الأولى «حذاء أسود على الرصيف» هي «نوفيلا» كتبتُها لغرض النشر لاحقاً، قدمتها كمخطوطة لجائزة الشارقة للإبداع العربي وحصلت على جائزة عام 2012، وبالتالي تمت طباعتها. لا أجدها قدمت «قضايا حساسة» بقدر ما كانت محاولة للاقتراب من أسوار عالم الوظيفة في مجتمعاتنا الخليجية، المكان الذي تتحاشاه الرواية والقصة، وما يتبعه من مواضيع ذات صلة كالبطالة، والتغيرات الاقتصادية والديموغرافية. وبما أن بيئة الرواية مكان العمل فمن الطبيعي وجود العناصر الأخرى المتعلقة به، التي هي انعكاس لمكونات المجتمع.
بالنسبة للقضايا المسكوت عنها، لا أتفق معك في ذلك. المرأة والمهمشون و«البدون» مواضيع مطروقة باستمرار في الأدب الكويتي.
> هناك روايات كويتية عالجت قضايا تشبه «حذاء أسود على الرصيف» وأخذت مكانها في الدراما العربية، مثل «ساق البامبو»، هل تساعد الدراما الكاتب على إيصال رسالته، هل تفقد الرواية بعضاً من خصائصها إذا تجسدت درامياً؟
- «ساق البامبو» للروائي سعود السنعوسي الحاصلة على جائزة «البوكر»، ناقشت أزمة الهوية، والعمل الروائي كان أكثر احترافية من العمل الدرامي. تجسيد الأعمال الروائية درامياً يخدم الأدب في المقام الأول ويسهم في انتشاره، وفي الوقت ذاته امتزاج الأدب بالدراما مؤشر جيد على حراك الثقافة وقدرتها على التأثير ووصولها لشريحة أكبر من المجتمع. على سبيل المثال رواية «النمر الأبيض» للكاتب الهندي المعروف آرافيند آديغا الصادرة ترجمتها باللغة العربية عام 2011 عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدأ الكثير من القراء البحث عنها بعد تحويل «نتفليكس» العمل هذا العام لفيلم حظي بنسبة مشاهدة عالية.
> روايتك الأخيرة «قطط إنستغرام»، رغم صغر حجمها، فإنها حققت نجاحاً، والأهم أنها فتحت باباً للسؤال عن تأثير وخطورة مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة في اقتحام الخصوصيات الفردية، كيف ترين تأثير هذا الانكشاف على الوعي الثقافي خصوصاً؟
- مهتمة جداً بالقضايا المعاصرة في مجتمعاتنا الخليجية الحديثة؛ أن يكون الأدب في مواجهة الحياة، ولعل من أهم هذه القضايا دور مواقع التواصل الاجتماعي في بلورة فكر شريحة كبيرة من أفراد المجتمع. نحن ننتقل بخطوات سريعة في عصر التحول الرقمي كمستهلكين من خانة لأخرى، وفي خضم تلك التحولات تتلاشى فرديتنا وخصوصيتنا، نحن أما مؤثرون أو تابعون، وفي الحالتين لا يتم السيطرة على الأمر في فضاء مفتوح تم تأسيسه لأهداف عميقة التأثير، وتبعاً لاستراتيجيات بعيدة المدى.
> استخدمتِ قِطّاً ليكون بطل الرواية، هل كان القط «سبايس» رمزاً للقطط السمان، في إشارة لعالم الفساد المالي المستشري؟
- نعم، هو قط سمين في موقعه، حيث تُنشر صوره وتحتها تعليق صاحبة «الأكاونت» ذات الاسم المستعار. ظاهرة التعبير من وراء ستار منتشرة وتحمل من المواربة والخوف الشيء الكثير.
> هناك أيضاً مدلولات فكرية وسياسية عميقة. نلحظ ذلك من خلال شخصية «منصور لافي» الذي يحاول الصعود في عالم التجارة والسياسة عبر توظيف «السوشيال ميديا» لصناعة نجوميته، هل ترين أن هذه الوسائل أصبحت أدوات لتكريس الهيمنة على البسطاء عوضاً عن منح المهمشين صوتاً؟
- هي كما ذكرت أدوات - لم نصنعها ولن نعمل على تطويرها - نحن مجرد مستخدمين مخلصين لها. في التجارة ما دامت هناك سلعة، فهناك مائة طريقة لتسويقها، توظيف «السوشيال ميديا» شمل كل أنواع السلع؛ من الكتاب الذي يكررون عليك أهمية اقتنائه إلى رحلة الطيران الأمثل، مروراً بمئات السلع التي تلاحقنا حفلة التبشير بها. السياسيون يلجأون لمنصات التواصل الاجتماعي لتلميع صورهم ونشر خطابهم، كما يلجأ المهمشون لنشر معاناتهم، البسيط الذي نخشى عليه من الهيمنة امتلك حرية رأي افتراضية، وقدرة على التعبير عنه، ووصوله كأناس لن يصادفهم على أرض الواقع. كل شيء أصبح صالحاً للنقاش العام! المعادلة متوازنة للطرفين. رغم جانبها الاستلابي القائم على الإدمان عليها، حسب رأي المفكر زيجمونت باومان، وأنها جميعها ذاتية التدمير.
> تقول الرواية: «في مجتمعنا من السهل أن تكون مشهوراً»... هل هذه الشهرة تمثل «غزو الأغبياء»، كما يصوره الروائي والفيلسوف الإيطالي أمبرتو إيكو حين قال: «إن وسائل التواصل أتاحت لجحافل الأغبياء أن يتحدثوا وكأنهم علماء»؟
- وسائل التواصل كشفت فقط قدرة الكثيرين على جعل حياتهم الخاصة منتجاً للمستهلكين. لا شروط للشهرة طالما تملك القدرة على أن تتحول حياتك لسلعة في رف بشري طويل، بإمكان الآخرين تفحص خصوصياتك ونقدك على مدار الساعة. أنت في مرمى هدفهم؛ يشتمونك، يواسونك، يسخرون منك أو يتعاطفون معك، أنت أيضاً في دائرة اهتمامهم الواسعة، وهذا الهدف من تسليعك وبالتالي إعادة تحويلك لمستهلك برغبات آنية لن يتم إشباعها. في «قطط إنستغرام» عرضت الصورة كاملة كما رأيتُها، لا كما تمنيت.
> هل ترين أننا نعيش في رواية افتراضية، تكتب فصولها وسائل التواصل، التي تنقل تفاصيل حياتنا اليومية في انكشاف مريع...؟
- وسائل التواصل تكتب اليومي المجرد من اللغة الأدبية، هي ذكريات اللحظة، المجردة من الخيال، رغبات التنفيس والبوح، خطوات على الرمال. عن نفسي أنا بعيدة عن أغلب منصات التواصل الاجتماعي التي يبذل صنّاعها الكثير لجني أعلى عائد اقتصادي منها.
> باعتبارك عضوة في رابطة الأدباء، كيف ترين مساهمة الرابطة في إنعاش الحياة الثقافية والأدبية في الكويت؟
- لا دور كبيراً للرابطة في السابق، والآن مع الجائحة تلاشت كل الأدوار. الجهود الفردية هي المحرك لا المؤسسات الثقافية.
> كيف ترين المشهد الثقافي في الكويت؟ هل تعاني الساحة الثقافية من قلة الأصوات الإبداعية؟
- العبرة ليست في الكثرة، إنما بالتميز. لست قلقة من شح الأعداد، إنما من القضايا التي كانت تُعدّ في سالف الزمان قضايا وما زلنا نكرر تناولها، ثيمات محددة تدور أغلب الأعمال حولها بإخلاص شديد منذ عقود. محلياً وخليجياً، خريطة التغيرات الراهنة التي نعيشها كمجتمعات شابة متنافرة مع نتاجنا الأدبي. أين نحن عن موضوعات باتت مقلقة مثل البطالة، الفساد الإداري، قلق ما بعد الحداثة السائلة، الفردية، منظومة التعليم، التلوث، وغيرها؟
> أين يذهب المبدعون الجدد...؟ لماذا هم نادرون ويتقدمون ببطء...؟
- كل كلمة وملاحظة وانطباع بالتأكيد تحملني مسؤولية جديدة، لذا أجدني مُقلّة في النشر. لا تأسرني فكرة الوجود سنوياً بعمل، فالتحدي الحقيقي أن أنشر ما يستحق القراءة والتداول بعيداً عن النمطية والدوران في الدائرة ذاتها.
> رغم تناول كثير من النقاد العرب لكتبك وحصولها على جوائز إلا أنها غير متوفرة بسهولة للقارئ، ما السبب؟
- بالنسبة لكتبي، فهي ليست متوفرة حتى في المكتبات المحلية. وأظن أنه من الصعوبة الحصول على نسخ سوى عبر بعض المواقع الإلكترونية. وبهذا يتحمل الناشر المسؤولية كاملة! النشر والتوزيع - أو بمعنى أدق الطباعة والتوزيع - في العالم العربي يمثل قصة محبطة للبعض وسعيدة للبعض الآخر، حسب المصالح، وأحياناً الحظ. لا أتوقف كثيراً عند هذه المسألة بسبب إدراكي لحجم الخراب.

> صدر لباسمة العنزي ثلاث مجموعات قصصية متتالية: الأولى عام 1998، تحت عنوان «الأشياء»، والثانية عام 2007 بعنوان «حياة صغيرة خالية من الأحداث»، أما الثالثة فصدرت عام 2010 بعنوان «يغلق الباب على ضجر»، كما صدرت لها روايتان: «حذاء أسود على الرصيف» 2012، و«قطط إنستغرام» 2015.
حصلت على جائزة الدولة التشجيعية للقصة القصيرة، عام 2007، عن مجموعتها «حياة صغيرة خالية من الأحداث»، كما اختيرت مجموعتها «يغلق الباب على ضجر» ضمن القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد فرع المؤلف الشاب العام 2011. وفازت روايتها «حذاء أسود على الرصيف» بالمركز الثالث في جائزة الشارقة للإبداع العربي 2012. وحصلت على جائزة الدولة التشجيعية للقصة القصيرة عام 2013 عن مجموعتها «يغلق الباب على ضجر»، وتم تكريمها من قبل مجلس التعاون الخليجي عام 2016. وفازت بجائزة المرأة العربية عن فئة الأدب عام 2016.



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.