حول ييتس الذي يصعب فهم العصر الحديث من دونه

اعتبر حياته تجربة في العيش جديرة بالتحليل والتسجيل

الشاعر الإنجليزي وليم بتلر ييتس
الشاعر الإنجليزي وليم بتلر ييتس
TT

حول ييتس الذي يصعب فهم العصر الحديث من دونه

الشاعر الإنجليزي وليم بتلر ييتس
الشاعر الإنجليزي وليم بتلر ييتس

ذكر مارك توين ذات مرة نكتة تقول إن مسرحيات شكسبير مثقلة بالاقتباسات. ربما حتى في عصرها كان فيها القليل. كان بإمكان الشاعر الكبير، العارف بكل شيء عن الحب والسرقة، أن ينهب السطر المناسب مثلما ينهب الحبكة الغريبة. لكنه مثل بوب ديلان صار بمرور الوقت المسروق منه أكثر منه السارق.
قد يكون وليم بتلر ييتس الثاني بعد شكسبير في بانثيون شعراء الإنجليزية المقتبسين: وقد كتب ربما نفس العدد من الأسطر القابلة للاقتباس. جعل هذا بعض النقاد في حالة يقظة، كما لو أن الأسطر صممت لمدرسة المقتبسين المشغوفين، الأرواح الحساسة الرفيعة الذائقة. لقد لاحظ أكثر من محلل حاد الذهن أن ثمة ما يبرر شكوك المرء تجاه الشعر «القابل للاقتباس».
يشار غالباً إلى قصيدة ييتس «المجيء الثاني» بوصفها اختباراً - فهي مليئة بالأسطر المدهشة دون أن تكون واضحة بالضرورة، لكن تشعرنا بمضمون عميق بما يكفي لتوفير العديد من عناوين الكتب: «الدائرة الحلزونية المتزايدة»؛ «مجرد فوضى»؛ «طقس البراءة»؛ «تتساقط الأشياء»؛ «أي وحش خشن؟»؛ «يزحف باتجاه بيت لحم». نسبة ليست قليلة من الصدف لا سيما حين تضيف الأسطر ذات الطابع الشعاري مثل «الأفضل بينهم يفتقر إلى الاقتناع، بينما الأسوأ مملوء بالعاطفة الجياشة».
لم كل هذه الشكوك؟ أليس من المفترض في الشعر الجيد أن يكون قابلاً للحفظ؟ قد تتولد الشكوك لأن العديد من السياسيين والشخصيات العامة ينهون خطبهم الرديئة بسطر شعري مسروق حول عبارة «الجمال الرهيب» منتزعة من سياقها - كثير من مدوري سطر مثل «كن صادقاً مع نفسك» يتمكنون من نسيان أن قائله هو الأحمق كلوديوس (الوزير في مسرحية «هاملت»).
في كتابه «ييتس الآن»، يسعى جوزيف هاسيت باستمرار إلى استعادة السياق الشعري والشخصي للعديد من الاقتباسات الشهيرة. غالباً ما يربط مقولة لييتس بمقولات لشعراء حداثيين آخرين (هيني، ريلكه، إليوت)، أو برسوم توضيحية جميلة في الكتب أو بلوحات ذات دلالة. وحين يقتبس فإن اقتباساته طويلة، تصل أحياناً إلى مقاطع كاملة (يذكرنا أن كلمة «ستانزا»، أي مقطع، كانت كلمة إيطالية تعني «غرفة») أو قصائد قصيرة كاملة. النتيجة لهذا هي واحد من أجمل وأمتع الكتب حول ييتس التي تستدعي مهارات مصمم موهوب. وهو من تأليف ناقد حقيقي، فقد سبق للدكتور هاسيت أن أصدر دراستين توضيحيتين، «ييتس وشعرية الكراهية» و«ييتس وربات الشعر».
هنا نرى الباحث في مزاج أكثر هدوءاً واستمتاعاً حسياً، يتذوق إيقاعات وصوراً، ويلاحظ مع ذلك أن الناس يلتفتون إلى أسطر كثيراً ما تقتبس لأنها، بما فيها من انفتاح، تقول لنا وبالنيابة عنا، لا سيما في أزمنة المعاناة. يجدها د. هاسيت منفتحة على العديد من الدلالات، نعم، لكنه يجدها أيضاً ممتلئة بـ«التكثيف الشعري». يستوحي قوة تنبؤية في «المجيء الثاني» ليس لأنها إحدى القصائد القليلة في عصرها التي تتحدث بثقة عن المستقبل، وإنما أيضاً لأننا ذلك المستقبل الذي تتحدث عنه. يُنظر إلى تلك القصيدة عادة، وهي التي كتبت عام 1919 من حيث هي ردة فعل قلقة تجاه قيام البلشفية (ولذا أمكن لجوان ديديون أن تقرأها على أنها نبوءة بالثورات «الفوضوية، التائهة» في ستينيات القرن الماضي) - لكن السياق الأقرب كانت جائحة الإنفلونزا الإسبانية، المرض الذي قتل من الناس أكثر مما قتلت الحرب العالمية الأولى، التي هددت حياة زوجة الشاعر الجديدة وكذلك حياة والده. أي وحش قاس كان ذلك فعلاً؟
لقد استجلى ييتس معالم عصره بعمق جعل شكل المستقبل واضحاً إلى حد ما. أدرك أن أولئك الذين لا يقدمون سوى أدوية وهمية لعصرهم ينتهون بسرعة (مثل أغنية قديمة)، ولكن أولئك الذين يعارضون روح عصرهم يتمكنون غالباً من الإمساك بطاقاته الفاعلة ويعرفونه من الداخل. بمعرفة ذلك القدر قد يتخيلون عالماً مستقبلياً يصحو فيه الحالم (تبدأ المسؤولية في الأحلام).
من هنا تأتي الدقة في عنوان كتاب «ييتس الآن». قد يكون ييتس شاعراً لكل الأزمنة، لكن الحاجة تشتد لحكمته في زمننا. سبق لإليوت أن قال إنه (أي ييتس) كان من أولئك الذين امتلكوا معرفة عميقة بالعصر الحديث يصعب فهمه بدونها. بعد أن تحول مبكراً إلى شاعر كبير، نجح ييتس في البقاء معاصراً إلى الأبد، إلى الحد الذي يجعل من الصعب لنا أن نرى مقدار ما ابتكره من تفكيرنا. ومن هنا تأتي ردة فعلنا الغامضة بشكل غريب تجاه قابليته للاقتباس. بعض القراء «المقاومين» قد يفضلون لو شعروا بمدينية أقل.
العنوان الجانبي لكتاب د. هاسيت هو «صداه في الحياة». فمع أنه أكثر مهارة ورهافة من تأكيد كهذا للذات، فإن كتابه قد يبدو لبعض القراء بوصفه من كتب تطوير الذات، بفصول تحمل عناوين مثل «يعمل»، «يحب»، «يتزوج»، «يتعلم»، «يشيخ»، «يواجه الموت»، «الكلمات الأخيرة». ليست هذه سلسلة مأخوذة من عالم الأداء العملي لأناس مثل ساميول سمايلز أو ديل كارنيغي. لكنها توحي بلطف، كما فعل ألان دي بوتون مع بروست، أن أعمال فنان حداثي قد تعلمنا كيف نحيا حياة أكثر اكتمالاً، حياة مختبرة أكثر، وأكثر إبداعاً.
بعض النقاد المعاصرين، مثل بيث بلَم، زأروا بغضب إزاء نسبة هدف كذلك للفنانين الذين آمن أولئك النقاد أن أعمالهم يجب أن تكون لا أن تعني. لكن الحقيقة تبقى أن ييتس اعتبر حياته تجربة في العيش، وأنها بذلك جديرة بالتحليل والتسجيل - ولذا رأى بالتأكيد بعض القيم المثالية في تجاربه. لم يحول كل تلك القيمة إلى نظام صارم. اقترب من ذلك كثيراً في (كتابه) «رؤية» ولكنه في النهاية رفض الفن الذي تحل فيه الإرادة محل المخيلة. ومع ذلك فقد آمن بأن بإمكان الفنان أن يعلم الناس كيف يعيدون اختراع الذات - مثلما فعل دانتي وكيتس - وفي تلك العملية تقبل ذاته الخفية أو ظله المصاحب، كما فعلت أرواح كثيرة شجاعة، من هومر إلى يونغ.
أحد مباهج هذا الكتاب هو رفضه للتسلسل الزمني. قد ينتهي في «كلمات أخيرة»، لكنه يفضل أن يصنع عناقيد من الاقتباسات حول موضوعات محددة (دورات، أماكن، أصدقاء، حرب)، مستلة من ييتس المبكر أو المتأخر، ربما ليثبت الاتساق لدى رجل آمن مع ذلك بقوة التناقض. جزء من سحر الكتاب هو موهبة هاسيت في صنع المقارنات القصيرة، الحادة، والمدهشة - مع جويس وبيكيت - التي تترك أثرها في مضاعفة أسطر ييتس الشعرية؛ لكنها تجتذبنا أيضاً بالطرق التي تبدو فيها اقتباساته الرشيقة وهي تشجع القارئ على ربط السطر من الشعر بسطر يتذكره من النثر. «بهجة الحب تدفع حبه بعيداً/ فرشاة الرسام تستهلك أحلامه» قد يشير إلى الطرق التي تستنفد فيها كل حركة فنية كبرى دوافعَها الأولى؛ لكنه يذكر البعض أيضاً بتلك الرسالة التي قال فيها شاعر متعب «رسائل حبنا تنهك حبنا». إن ييتس في نهاية المطاف هو الذي قال له أوسكار وايلد إنه رأى من الرجال الذين دمرتهم زوجة أو عشيقة عدداً أقل من العدد الذي أنهكه الرد بصورة فعالة على الرسائل في ستة أشهر.
لكم كان ييتس محظوظاً أنه لم يعش في عصر التوفر البائس على الإنترنت. لكن كم كان ييتس محظوظاً أيضاً أن وجد مفسراً هادئاً، عارفاً ورقيقاً مثل جوزيف هاسيت.

* مراجعة لكتاب
«ييتس الآن: صداه في الحياة»
تأليف جوزيف هاسيت
«دبلن ريفيو أوف بوكس» (1/2/2021)



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.