حول ييتس الذي يصعب فهم العصر الحديث من دونه

اعتبر حياته تجربة في العيش جديرة بالتحليل والتسجيل

الشاعر الإنجليزي وليم بتلر ييتس
الشاعر الإنجليزي وليم بتلر ييتس
TT

حول ييتس الذي يصعب فهم العصر الحديث من دونه

الشاعر الإنجليزي وليم بتلر ييتس
الشاعر الإنجليزي وليم بتلر ييتس

ذكر مارك توين ذات مرة نكتة تقول إن مسرحيات شكسبير مثقلة بالاقتباسات. ربما حتى في عصرها كان فيها القليل. كان بإمكان الشاعر الكبير، العارف بكل شيء عن الحب والسرقة، أن ينهب السطر المناسب مثلما ينهب الحبكة الغريبة. لكنه مثل بوب ديلان صار بمرور الوقت المسروق منه أكثر منه السارق.
قد يكون وليم بتلر ييتس الثاني بعد شكسبير في بانثيون شعراء الإنجليزية المقتبسين: وقد كتب ربما نفس العدد من الأسطر القابلة للاقتباس. جعل هذا بعض النقاد في حالة يقظة، كما لو أن الأسطر صممت لمدرسة المقتبسين المشغوفين، الأرواح الحساسة الرفيعة الذائقة. لقد لاحظ أكثر من محلل حاد الذهن أن ثمة ما يبرر شكوك المرء تجاه الشعر «القابل للاقتباس».
يشار غالباً إلى قصيدة ييتس «المجيء الثاني» بوصفها اختباراً - فهي مليئة بالأسطر المدهشة دون أن تكون واضحة بالضرورة، لكن تشعرنا بمضمون عميق بما يكفي لتوفير العديد من عناوين الكتب: «الدائرة الحلزونية المتزايدة»؛ «مجرد فوضى»؛ «طقس البراءة»؛ «تتساقط الأشياء»؛ «أي وحش خشن؟»؛ «يزحف باتجاه بيت لحم». نسبة ليست قليلة من الصدف لا سيما حين تضيف الأسطر ذات الطابع الشعاري مثل «الأفضل بينهم يفتقر إلى الاقتناع، بينما الأسوأ مملوء بالعاطفة الجياشة».
لم كل هذه الشكوك؟ أليس من المفترض في الشعر الجيد أن يكون قابلاً للحفظ؟ قد تتولد الشكوك لأن العديد من السياسيين والشخصيات العامة ينهون خطبهم الرديئة بسطر شعري مسروق حول عبارة «الجمال الرهيب» منتزعة من سياقها - كثير من مدوري سطر مثل «كن صادقاً مع نفسك» يتمكنون من نسيان أن قائله هو الأحمق كلوديوس (الوزير في مسرحية «هاملت»).
في كتابه «ييتس الآن»، يسعى جوزيف هاسيت باستمرار إلى استعادة السياق الشعري والشخصي للعديد من الاقتباسات الشهيرة. غالباً ما يربط مقولة لييتس بمقولات لشعراء حداثيين آخرين (هيني، ريلكه، إليوت)، أو برسوم توضيحية جميلة في الكتب أو بلوحات ذات دلالة. وحين يقتبس فإن اقتباساته طويلة، تصل أحياناً إلى مقاطع كاملة (يذكرنا أن كلمة «ستانزا»، أي مقطع، كانت كلمة إيطالية تعني «غرفة») أو قصائد قصيرة كاملة. النتيجة لهذا هي واحد من أجمل وأمتع الكتب حول ييتس التي تستدعي مهارات مصمم موهوب. وهو من تأليف ناقد حقيقي، فقد سبق للدكتور هاسيت أن أصدر دراستين توضيحيتين، «ييتس وشعرية الكراهية» و«ييتس وربات الشعر».
هنا نرى الباحث في مزاج أكثر هدوءاً واستمتاعاً حسياً، يتذوق إيقاعات وصوراً، ويلاحظ مع ذلك أن الناس يلتفتون إلى أسطر كثيراً ما تقتبس لأنها، بما فيها من انفتاح، تقول لنا وبالنيابة عنا، لا سيما في أزمنة المعاناة. يجدها د. هاسيت منفتحة على العديد من الدلالات، نعم، لكنه يجدها أيضاً ممتلئة بـ«التكثيف الشعري». يستوحي قوة تنبؤية في «المجيء الثاني» ليس لأنها إحدى القصائد القليلة في عصرها التي تتحدث بثقة عن المستقبل، وإنما أيضاً لأننا ذلك المستقبل الذي تتحدث عنه. يُنظر إلى تلك القصيدة عادة، وهي التي كتبت عام 1919 من حيث هي ردة فعل قلقة تجاه قيام البلشفية (ولذا أمكن لجوان ديديون أن تقرأها على أنها نبوءة بالثورات «الفوضوية، التائهة» في ستينيات القرن الماضي) - لكن السياق الأقرب كانت جائحة الإنفلونزا الإسبانية، المرض الذي قتل من الناس أكثر مما قتلت الحرب العالمية الأولى، التي هددت حياة زوجة الشاعر الجديدة وكذلك حياة والده. أي وحش قاس كان ذلك فعلاً؟
لقد استجلى ييتس معالم عصره بعمق جعل شكل المستقبل واضحاً إلى حد ما. أدرك أن أولئك الذين لا يقدمون سوى أدوية وهمية لعصرهم ينتهون بسرعة (مثل أغنية قديمة)، ولكن أولئك الذين يعارضون روح عصرهم يتمكنون غالباً من الإمساك بطاقاته الفاعلة ويعرفونه من الداخل. بمعرفة ذلك القدر قد يتخيلون عالماً مستقبلياً يصحو فيه الحالم (تبدأ المسؤولية في الأحلام).
من هنا تأتي الدقة في عنوان كتاب «ييتس الآن». قد يكون ييتس شاعراً لكل الأزمنة، لكن الحاجة تشتد لحكمته في زمننا. سبق لإليوت أن قال إنه (أي ييتس) كان من أولئك الذين امتلكوا معرفة عميقة بالعصر الحديث يصعب فهمه بدونها. بعد أن تحول مبكراً إلى شاعر كبير، نجح ييتس في البقاء معاصراً إلى الأبد، إلى الحد الذي يجعل من الصعب لنا أن نرى مقدار ما ابتكره من تفكيرنا. ومن هنا تأتي ردة فعلنا الغامضة بشكل غريب تجاه قابليته للاقتباس. بعض القراء «المقاومين» قد يفضلون لو شعروا بمدينية أقل.
العنوان الجانبي لكتاب د. هاسيت هو «صداه في الحياة». فمع أنه أكثر مهارة ورهافة من تأكيد كهذا للذات، فإن كتابه قد يبدو لبعض القراء بوصفه من كتب تطوير الذات، بفصول تحمل عناوين مثل «يعمل»، «يحب»، «يتزوج»، «يتعلم»، «يشيخ»، «يواجه الموت»، «الكلمات الأخيرة». ليست هذه سلسلة مأخوذة من عالم الأداء العملي لأناس مثل ساميول سمايلز أو ديل كارنيغي. لكنها توحي بلطف، كما فعل ألان دي بوتون مع بروست، أن أعمال فنان حداثي قد تعلمنا كيف نحيا حياة أكثر اكتمالاً، حياة مختبرة أكثر، وأكثر إبداعاً.
بعض النقاد المعاصرين، مثل بيث بلَم، زأروا بغضب إزاء نسبة هدف كذلك للفنانين الذين آمن أولئك النقاد أن أعمالهم يجب أن تكون لا أن تعني. لكن الحقيقة تبقى أن ييتس اعتبر حياته تجربة في العيش، وأنها بذلك جديرة بالتحليل والتسجيل - ولذا رأى بالتأكيد بعض القيم المثالية في تجاربه. لم يحول كل تلك القيمة إلى نظام صارم. اقترب من ذلك كثيراً في (كتابه) «رؤية» ولكنه في النهاية رفض الفن الذي تحل فيه الإرادة محل المخيلة. ومع ذلك فقد آمن بأن بإمكان الفنان أن يعلم الناس كيف يعيدون اختراع الذات - مثلما فعل دانتي وكيتس - وفي تلك العملية تقبل ذاته الخفية أو ظله المصاحب، كما فعلت أرواح كثيرة شجاعة، من هومر إلى يونغ.
أحد مباهج هذا الكتاب هو رفضه للتسلسل الزمني. قد ينتهي في «كلمات أخيرة»، لكنه يفضل أن يصنع عناقيد من الاقتباسات حول موضوعات محددة (دورات، أماكن، أصدقاء، حرب)، مستلة من ييتس المبكر أو المتأخر، ربما ليثبت الاتساق لدى رجل آمن مع ذلك بقوة التناقض. جزء من سحر الكتاب هو موهبة هاسيت في صنع المقارنات القصيرة، الحادة، والمدهشة - مع جويس وبيكيت - التي تترك أثرها في مضاعفة أسطر ييتس الشعرية؛ لكنها تجتذبنا أيضاً بالطرق التي تبدو فيها اقتباساته الرشيقة وهي تشجع القارئ على ربط السطر من الشعر بسطر يتذكره من النثر. «بهجة الحب تدفع حبه بعيداً/ فرشاة الرسام تستهلك أحلامه» قد يشير إلى الطرق التي تستنفد فيها كل حركة فنية كبرى دوافعَها الأولى؛ لكنه يذكر البعض أيضاً بتلك الرسالة التي قال فيها شاعر متعب «رسائل حبنا تنهك حبنا». إن ييتس في نهاية المطاف هو الذي قال له أوسكار وايلد إنه رأى من الرجال الذين دمرتهم زوجة أو عشيقة عدداً أقل من العدد الذي أنهكه الرد بصورة فعالة على الرسائل في ستة أشهر.
لكم كان ييتس محظوظاً أنه لم يعش في عصر التوفر البائس على الإنترنت. لكن كم كان ييتس محظوظاً أيضاً أن وجد مفسراً هادئاً، عارفاً ورقيقاً مثل جوزيف هاسيت.

* مراجعة لكتاب
«ييتس الآن: صداه في الحياة»
تأليف جوزيف هاسيت
«دبلن ريفيو أوف بوكس» (1/2/2021)



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».