قبل عشر سنوات

قبل عشر سنوات
TT

قبل عشر سنوات

قبل عشر سنوات

في 28 فبراير (شباط) من عام 2011. بلغت الدبلوماسية الأميركية نقطة حاسمة وواعدة في جهودها لتحقيق السلام بين سوريا وإسرائيل. وصرح الرئيس السوري بشار الأسد آنذاك أنه يعتزم قطع العلاقات العسكرية مع كل من إيران، و«حزب الله»، وحركة «حماس»، مع تحييد كافة التهديدات الناشئة من سوريا والموجهة ضد إسرائيل، شريطة أن تلتزم إسرائيل بإعادة كافة الأراضي التي استحوذت عليها في يونيو (حزيران) من عام 1967 إلى السيادة السورية. وبعد مرور أيام من إبلاغه بالتزامات الرئيس السوري المشروطة، أقر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بجدية جهود الوساطة، ووجه الأوامر إلى فريقه بالمضي قدماً صوب المعاهدة، استناداً إلى مشروع المسودة الأميركية ذات الصلة.
بعد مرور أسبوعين، وبرغم كل شيء، بدأت تلك الفرصة تتحول إلى أمر مريع. فلقد فتحت قوات الأمن السورية النار على المتظاهرين السلميين في البلاد. ولقد أثارت حالة انعدام القانون الحكومية تساؤلاً جوهرياً: هل لا يزال بشار الأسد يملك الحق بالحديث باسم الأمة السورية في شأن قضية مهمة مثل إقرار السلام مع إسرائيل؟
اتسع نطاق المظاهرات في كافة أنحاء البلاد مع مواصلة قوات الأمن الحكومية في ممارسة أعمال العنف المميتة. وصارت إجابة السؤال واضحة للعيان: كلا، لم يعد بشار الأسد يملك هذا الحق المذكور. فإن مجريات انعدام القانون الحكومية قد عصفت تماماً بشرعيته الرسمية كرئيس للدولة السورية.
وبعد مرور عشر سنوات، لا تزال سوريا قابعة في أصل الخراب، ويستغل مواردها ضباط عسكريون روسيون يحصدون الأموال الطائلة من وراء تعاقدات يشرف عليها بشار الأسد والنشطاء الإيرانيون الذين يستخدمون سوريا كهمزة وصل برية مع تنظيم «حزب الله»، الوكيل الإيراني القوي في لبنان. وما يزال تنظيم «القاعدة» وشراذم تنظيم «داعش» الإرهابيين راسخة أقدامهم في البلاد التي شجع رئيسها من وجودهم وانتشارهم لاتخاذهم ذريعة للزعم بمحاربة الإرهاب فضلاً عن ممارسة إرهاب الدولة ضد المدنيين السوريين. وأسفر فساد الأسرة الحاكمة وحاشيتها، وانعدام الكفاءة في إدارة البلاد، عن دمار عميق لحق بالاقتصاد السوري. ونزح أكثر من نصف سكان سوريا لما قبل الحرب في داخل البلاد، وإلى خارجها كلاجئين. ولا يدري من أحد عدد المدنيين العزل الذين سقطوا صرعى الصراع المريع، وأغلبهم جراء القصف الدموي من المدفعية، والغارات الجوية، والبراميل المتفجرة من قوات بشار الأسد، تلك المجازر المتتابعة التي استكملتها الضربات الجوية الروسية المعاونة. إنها الزمرة الحاكمة العمياء تماماً عن معاناة الشعب السوري والتي جعلت من دمشق توصف بأنها «بيونغ يانغ» بلاد الشام بكل أسف.
كان دمار سوريا لا معنى له على الإطلاق. ويبدو أن الرئيس السوري، المفترض التزامه باستعادة الأراضي المحتلة من إسرائيل في مقابل إعادة تنضيد الاستراتيجية السياسية السورية، قد أطاح بكل شيء إلى الهاوية. ولأجل أي شيء؟ أجل، إنه يواصل رفقة حاشيته امتصاص ما تبقى من الدماء السورية لتغذية المنافع الشخصية المجردة. ولكن، هل الترؤس على أطلال من الحطام أفضل مما كان يمكن أن يكون؟ ألم تكن هناك وسيلة تتسم بالكرامة والسلمية بديلاً لبشار الأسد عن شن الحرب الشنيعة على شعبه؟ وهل كانت الفوائد الاقتصادية المحتملة للسلام منعدمة القيمة حقا؟
ربما يعد «التساؤل البديل» غير قابل للإجابة فعلاً. كان بمقدور الرئيس السوري، وقرينته السيدة الأولى الشهيرة للغاية، أن يذهبا سوياً إلى محافظة درعا في مارس (آذار) من عام 2011، وإعادة الأطفال المسجونين والمضروبين إلى ذويهم، وتقديم التعويضات إلى المظاليم، وإصدار الأوامر للقوات بالبقاء في الثكنات، مع ترافق كل تلك الجهود بمطالب حازمة لعودة النظام والاستقرار. غير أن حالة «اللاعنف»، والتعامل بأساليب اللياقة، والسخاء، واحترام كرامة الإنسان لم تكن على الإطلاق من بين أدوات بشار الأسد في التعامل مع أبناء شعبه.
ومن بين الاحتمالات القائمة أن بشار الأسد قد تعمد اللجوء إلى العنف بُغية إلغاء التزامات السلام المشروطة سابقاً والفرار من الوساطة الأميركية الجدية. ولم يجبره من أحد على التقدم بتلك الالتزامات. فلقد طرح الالتزام بها كلها خلال اجتماع استغرق 50 دقيقة. ويتساءل أحدنا ما إذا كانت لدى بشار الأسد، خلال الأسابيع التالية على تعهده بإعادة التوجيه الكامل للاستراتيجية السورية، أفكار أخرى بشأن ردة الفعل الإيرانية المحتملة مع التداعيات السياسية المحلية للسلام. وعلى أي حال، فلقد قدم لإسرائيل كل شيء ما عدا الأرض التي قال أنه يريد إعادتها إلى السيادة السورية. ومن شأن مسمى «مرتفعات الأسد” أن يكون أسما أفضل لمستوطنة جديدة تقيمها إسرائيل في الجولان من مسمى «مرتفعات ترمب».
وهناك احتمال آخر يفيد بأن قادة الأمن قد طلبوا من بشار الأسد توجيه الأوامر بالعنف ضد السكان، أو أنه وجه الأوامر من تلقاء نفسه، إثر خشيته أن يوصف بالرئيس الضعيف في مواجهة شعبه. ومع ذلك، فإن فكرة تفضيل الأسد لحالة «اللاعنف» بصفة خاصة تبدو متناقضة تماماً مع تصرفاته الواضحة منذ ذلك الحين. فلقد سمح باستخدام الأسلحة الكيماوية العسكرية ضد المدنيين، بما في ذلك الأطفال منهم. واستندت استراتيجيته للبقاء على رأس السلطة السياسية إلى ممارسة القتل الجماعي للمدنيين. ثم إنه روج للمتطرفين الإسلامويين أصحاب المنهج العنيف بأنهم أعداؤه المختارون. فهل كان لمثل هذه الشخصية أن تفكر في بديل إنساني آخر لإدارة الصراع قبل عشر سنوات مضت؟
والآن، تنظر الإدارة الأميركية الجديدة فيما ينبغي فعله إزاء أطلال الحطام المحترقة في سوريا. ويحاول بشار الأسد - عبر مناوراته المكوكية المستمرة ما بين وزارة الخارجية الروسية، وكبار قادة الجيش الروسي، والحكومة الإيرانية - التوضيح لجميع الأطراف، لا سيما مبعوث الأمم المتحدة الخاص لسوريا، أن التسوية السياسية للأزمة السورية ليست من الخيارات المطروحة على أجندة أعماله السياسية. فذلك الرجل، الذي لم ينبس ببنت شفة من الندم أو الأسى على ما حل ببلاده وشعبه، ما يزال عاقداً العزم على الاحتفاظ بكرسي الرئاسة بصرف النظر تماماً عن الثمن. وحتى تلكم الزمرة التي أيدته على مضض عبر سنوات يدركون عن كثب حقيقة ذلك الثمن: تلك الأرواح التي جرى التضحية بها على مذبح الشراكات التجارية العائلية، ثم الخراب الاقتصادي السوري المشهود.
وبعد مرور عشر سنوات، لا يزال الأسد يأمل أن تتفاعل الحكومة الأميركية معه دبلوماسياً، بل وأن تنفق عليه وعلى حاشيته بتعاقدات وأموال إعادة الإعمار السخية. والرؤية الواضحة تفيد بأن تلك الآمال محض أوهام وخيالات.
يدرك عدد كبير للغاية من المسؤولين النافذين في فريق الرئيس جوزيف بايدن الجديد أن الخطوط الحمراء التي جرى محوها تماماً في عام 2013. فضلاً عن النصيحة الرئاسية في 2016. بأنه على العرب «مشاركة الجوار» مع إيران، قد ألحقتا الأضرار بالأمن الغربي، ودمرتا مصداقية الولايات المتحدة فيما وراء الملف السوري. إن الإدارة الأميركية الجديدة ستدرس خياراتها بعناية فائقة. ومن المستبعد بصورة كبيرة أن يكرر الرئيس بايدن نفس سلسلة الإخفاقات السياسية السابقة بالتخلي عن الانتقال السياسي السوري - الذي أقره مجلس الأمن الدولي - كأساس لسياسته المعتمدة حيال الأزمة السورية.
بعد عشر سنوات كاملة من المعاناة والعذاب الذي لا طائل من ورائه، ذلك الذي فرضه بشار الأسد بصورة جوهرية، سقط أكثر من 80 في المائة من المواطنين السوريين في هاوية الفقر، الأمر الذي أسفر عن القضاء شبه التام على الطبقة الوسطى الصغيرة، وإنما المنتجة، من الشعب السوري. فضلاً عن سقوط مئات الآلاف من الصرعى المدنيين. وتعرض عدد لا يُحصى من السوريين للتشوه والصدمات الجسدية والنفسية المريعة. وما يزال عشرات الآلاف الآخرين قابعين رهن غرف التعذيب التابعة لإدارة النظام الحاكم في سوريا. وكل ذلك بهدف وحيد يتمثل في المحافظة على الشراكة التجارية العائلية، تلك الأعمال التجارية التي ربما تكون قد ازدهرت وتطورت من الناحية السياسية إلى كيان أكثر شمولية وتمثيلاً إن كانت قد اتخذت خيارات عملانية وأكثر إنسانية قبل عشر سنوات من الزمان. ولكن، هل كانت الزمرة الحاكمة وحاشيتها قادرة فعلاً على اتخاذ تلك الخيارات من قبل؟ تشير الأوضاع السورية الراهنة في عام 2021 أن الإجابة هي الرفض التام.
- السفير فريدريك هوف، يحاضر في كلية بارد في نيويورك. وكان وسيطاً سياسياً بين سوريا وإسرائيل من عام 2009 حتى مارس (آذار) 2011. ثم عمل مستشاراً لدى وزارة الخارجية الأميركية بشأن الانتقال السياسي في سوريا حتى سبتمبر (أيلول) من عام 2012. وله كتاب قيد النشر حالياً حول وساطات السلام بين سوريا وإسرائيل.
- خاص بـ«الشرق الأوسط»



الحوثيون يشيّعون 15 من قتلى خروقهم للتهدئة خلال شهر

الحوثيون استغلوا الحرب في غزة لتجنيد الآلاف من المقاتلين (فيسبوك)
الحوثيون استغلوا الحرب في غزة لتجنيد الآلاف من المقاتلين (فيسبوك)
TT

الحوثيون يشيّعون 15 من قتلى خروقهم للتهدئة خلال شهر

الحوثيون استغلوا الحرب في غزة لتجنيد الآلاف من المقاتلين (فيسبوك)
الحوثيون استغلوا الحرب في غزة لتجنيد الآلاف من المقاتلين (فيسبوك)

تكبدت الجماعة الحوثية خلال الأسابيع الماضية خسائر بشرية متزايدة في عدد من جبهات القتال، إثر محاولات هجومية وتسللات ميدانية نفذتها ضد مواقع القوات الحكومية، انتهى معظمها بالفشل بعد مواجهات أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في صفوفها وتدمير معدات عسكرية، وفق ما أفادت به مصادر عسكرية وميدانية.

وقالت المصادر إن العشرات من عناصر الجماعة سقطوا بين قتيل وجريح في جبهات متفرقة شملت مأرب وتعز والضالع والساحل الغربي، خلال محاولات للتقدم نحو مواقع الجيش اليمني، في خروق متكررة للتهدئة التي ترعاها الأمم المتحدة منذ ما قبل 2022.

وأكدت المصادر أن القوات الحكومية تمكنت من إحباط عدد من الهجمات الحوثية خلال الفترة الأخيرة، وأجبرت المهاجمين على التراجع بعد معارك استمرت ساعات في بعض المواقع، مُوقِعةً في صفوفهم خسائر بشرية ومادية.

وأظهرت بيانات الجماعة الحوثية نفسها مقتل ما لا يقل عن 15 من عناصرها خلال شهر مايو (أيار) الماضي، بينهم ثمانية ينتحلون رتباً عسكرية مختلفة، من بينها «لواء» و«مقدم» و«رائد» و«نقيب».

جانب من تشييع الحوثيين عدداً من قتلاهم في ريف صنعاء (إعلام حوثي)

وذكرت النسخة الحوثية من وكالة «سبأ» أن الجماعة شيّعت خلال الفترة نفسها قتلاها في صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها، من دون الكشف عن ظروف مقتلهم أو المواقع التي سقطوا فيها.

وضمت قائمة القتلى المعلنة كلاً من علي محمد الشوكاني، وعلي عبد الله الحالمي، وعبد الرحمن الأحوس، وعبد الرحمن المتوكل، وعلي عبد الباسط إسحاق، وطارق عوض مرحب، وعبد الغني فضل مهدي، ومحمد ناجي الحدي، إلى جانب سبعة آخرين.

نزف مستمر

رجحت مصادر عسكرية يمنية أن يكون معظم هؤلاء القتلى الحوثيين قد لقوا مصرعهم في مواجهات مع قوات الجيش والمقاومة في جبهات مأرب وتعز والضالع والساحل الغربي، حيث شهدت تلك المحاور خلال الأسابيع الأخيرة تصعيداً حوثياً ومحاولات متكررة لاختراق خطوط التماس.

وتأتي هذه الخسائر في سياق ما تصفه مصادر عسكرية باستمرار النزف البشري في صفوف الجماعة، رغم تراجع وتيرة المعارك الواسعة مقارنة بسنوات الحرب السابقة.

لم يستثنِ الحوثيون صغار السن من التعبئة العسكرية والطائفية (أ.ف.ب)

وتحدثت تقارير يمنية عن استمرار تشييع قتلى حوثيين بصورة شبه يومية خلال الأشهر الماضية، بينهم قيادات ميدانية وعناصر ذات خبرة قتالية، ما يعكس حجم الخسائر التي تتعرض لها الجماعة في عدد من الجبهات.

كما أشارت المصادر إلى أن الحوثيين دفعوا خلال الفترة الأخيرة بتعزيزات بشرية إلى بعض مناطق التماس لتعويض النقص في المقاتلين والحفاظ على مواقعهم العسكرية، في ظل استمرار المواجهات المتقطعة مع القوات الحكومية.


مقتل متسلق في فوهة بركانية يكشف وجهاً آخر من مأساة اليمنيين

المغامر الضحية ينزل داخل فوهة بركانية لكتابة أسماء الزوار بمقابل مالي بسيط (إكس)
المغامر الضحية ينزل داخل فوهة بركانية لكتابة أسماء الزوار بمقابل مالي بسيط (إكس)
TT

مقتل متسلق في فوهة بركانية يكشف وجهاً آخر من مأساة اليمنيين

المغامر الضحية ينزل داخل فوهة بركانية لكتابة أسماء الزوار بمقابل مالي بسيط (إكس)
المغامر الضحية ينزل داخل فوهة بركانية لكتابة أسماء الزوار بمقابل مالي بسيط (إكس)

انتهت حياة مغامر يمني كان يتسلق فوهة بركان خامد بشكل مأساوي وصادم، وتركت الكثير من الحزن والأسئلة التي يبحث أصحابها عن إجابة حول المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن الواقعة، في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة التي أجبرته وغيره على تحويل المخاطرة بحياتهم إلى مصدر دخل.

وشهدت مدينة دمت في محافظة الضالع (185 كيلومتراً جنوب صنعاء)، الجمعة، سقوط الشاب القعقاع بن عنتر داخل فوهة البركان الخامد شرق المدينة، التي تعدّ من أهم المزارات السياحية في البلاد، ولم تتمكن فرق الإنقاذ من انتشال جثته إلا صباح السبت، وسط اتهامات للسلطات الخاضعة للحوثيين بإهمال سلامة الزوار والمتسلقين.

وعُرف القعقاع بين زوار فوهة البركان التي يتعارف اليمنيون على تسميتها بـ«حرضة دمت»، كأحد أبرز الوجوه المرتبطة بالمكان، إذ اعتاد النزول إلى المنحدرات الصخرية الحادة وكتابة أسماء الزوار على جدران الفوهة مقابل مبالغ مالية بسيطة، مستنداً إلى خبرة طويلة ومهارة اكتسبها عبر سنوات من التعامل مع الموقع شديد الخطورة.

وتعارف الكثيرون على تشبيه الشاب المغامر بشخصية «سبايدرمان» في سلسلة الأفلام الأميركية الشهيرة، وبعد الحادثة المأساوية تناقلوا مقطع فيديو تحدث فيه عن إدراكه حجم المخاطرة بحياته واضطراره لذلك.

غير أن الحادثة التي هزت اليمنيين وعدداً كبيراً من مستخدمي وسائل التواصل في البلاد العربية، لم تكن مجرد نهاية مأساوية لمغامر اشتهر بجرأته في تسلق المنحدرات الخطرة، والنزول إلى أعماق الفوهة البركانية، بل أعادت تسليط الضوء على الظروف التي جعلت من تلك المغامرات عملاً يومياً ومصدراً للدخل، في بلد أنهكته الحرب، وتراجعت فيه فرص العمل إلى مستويات غير مسبوقة.

ورفض كثيرون اختصار القصة في مغامرة فردية أو اتهام الراحل بالتهور، ورأى ناشطون أن القعقاع لم يكن يبحث عن الإثارة بقدر ما كان يبحث عن لقمة العيش، مشيرين إلى أن المخاطر التي واجهها يومياً كانت بالنسبة له وسيلة لإعالة نفسه وأسرته في ظل أوضاع اقتصادية قاسية.

وشهدت الفوهة عدة حوادث سقوط خلال السنوات الماضية، إلا أنه لم يجرِ اتخاذ أي إجراءات لتوفير وسائل السلامة والحماية للزوار.

المسؤولية القانونية والأخلاقية

أبدى عدد من رواد وسائل التواصل الاجتماعي تهكماً مريراً من طلبات زوار الفوهة البركانية بكتابة أسمائهم على المنحدرات الوعرة، متسائلين عن الفائدة التي يحصلون عليها والمكاسب التي يحققونها بتعريض حياة شخص للخطر في تنفيذ هذه المهمة المثيرة للسخرية، وبمقابل مادي لا يساوي أكثر من ثمن وجبة.

فوهة بركان دمت تعدّ من أشهر المزارات السياحية في اليمن (إعلام محلي)

إلا أن أبرز التساؤلات كانت حول مسؤولية الجماعة الحوثية التي تسيطر على المنطقة، وتديرها بأشدّ طرق الرقابة والهيمنة الأمنية والعسكرية.

يرى خبير قانوني أن المسؤولية في هذه الحادثة لا تقع على طرف واحد، فبينما كان القعقاع على دراية بالمخاطر التي يواجهها، واستمر في ممارسة نشاطه سنوات طويلة، وهو ما يندرج قانونياً ضمن مفهوم القبول بالمخاطرة أو مساهمة المتضرر في الضرر، إلا أن ذلك لا يلغي واجبات الجهات المختصة التي تسيطر على المنطقة وتديرها.

ويوضح الخبير الذي طلب من «الشرق الأوسط» التحفظ على هويته حفاظاً على سلامته، لإقامته في مناطق سيطرة الجماعة، أنه، ما دام المزار السياحي يقع تحت سيطرة الجماعة الحوثية، وتعمل على إدارته وتحصيل الموارد منه، فإن ذلك يُلزمها بتوفير جميع وسائل السلامة للزوار والعاملين فيه، سواء كانوا يعملون كموظفين تابعين لها، أو مقدمي خدمات للزوار بمقابل مالي.

الشاب المغامر كان يستعرض مهاراته أمام الزوار ليحظى بتعاطفهم وتشجيعهم (فيسبوك)

وأضاف أن المسؤولية القانونية تمتدّ إلى أبعد من ذلك، فحتى لو لم يكن المزار يخضع لإدارة سياحية، ولا يجري تحصيل الرسوم فيه، فإن إلزام مرتاديه بإجراءات السلامة يبقى واجباً ما دام المكان يحظى بتلك الشهرة والإقبال الكبيرين.

ويُستثنى من ذلك، بحسب الخبير القانوني، المغامرات الفردية التي ينطلق فيها الأشخاص، سواء كأفراد أو مجموعات، في مناطق بعيدة عن التجمعات العامة، فهناك يتحمل المغامر مسؤوليته منفرداً، ولا تتحمل أي جهة مسؤولية حمايته، إلا في حال طلب منها مساعدته وإنقاذه حال تعرضه للخطر.

غياب وسائل السلامة

يلفت السكان ورواد مواقع التواصل الاجتماعي إلى أن المنطقة تعدّ من أهم التجمعات السكانية القريبة من خطوط التماس مع الحكومة الشرعية والجيش اليمني، وتقع على الخط الرئيسي الرابط بين العاصمة المختطفة صنعاء ومدينة عدن وعدد من المحافظات.

الآلاف من أهالي مدينة دمت وزوارها يودعون القعقاع بعد انتشال جثته (إكس)

كما تعدّ دمت إحدى أهم المدن التي تحقق للجماعة الحوثية إيرادات مالية كبيرة، بحكم موقعها والحركة التجارية فيها، وتبادل السلع الذي يجري فيها بين مناطق سيطرة الجماعة ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وتعدّ فوهة البركان من أبرز المواقع الطبيعية والسياحية في المنطقة، وتستقبل أعداداً متزايدة من الزوار.

من جهته، أشار المحامي نجيب عبد الله إلى أن عدم قدرة فرق الإنقاذ على الوصول إلى جثة القعقاع يكشف عن إهمال كبير واستهتار بحياة مرتادي المزار، وعدم التفكير بحمايتهم أو التخطيط لمثل هذه الحالات التي يمكن أن تتكرر كثيراً، إلى جانب احتمالية وقوع حوادث سقوط جماعية.

الحركات البهلوانية منحت الشاب القعقاع بعض النقود قبل أن تسلبه حياته (إكس)

وبيَّن عبد الله لـ«الشرق الأوسط» أن تحصيل رسوم أو تحقيق إيرادات من أي مزار سياحي، يجعل الجهة المشرفة عليه مسؤولة بشكل كامل عن توفير السلامة والحماية لمرتاديه وتأمينهم، وعليها تنفيذ جميع إجراءات الحماية والسلامة، وتنبيه الزوار إلى المخاطر بشكل واضح ووضع قواعد للالتزام بالتعليمات، ولا تسقط مسؤوليتها إلا في حال تجاوز الزوار تلك التعليمات، أو وقوع حوادث خارجة عن السيطرة.

وتأخرت فرق الدفاع المدني التابع للجماعة الحوثية في البدء بأعمال الإنقاذ إلى وقت متأخر من يوم الحادثة، في حين تبرع رجل أعمال من المنطقة بمبلغ 2 مليون ريال (3738 دولاراً، حيث يفرض الحوثيون سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً) كمكافأة لمن ينتشل جثة المغامر القعقاع، والتي انتهت صباح اليوم التالي.


بوادر التسوية بين واشنطن وطهران لا تضمن اختراقاً لمسار «اتفاق غزة»

أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

بوادر التسوية بين واشنطن وطهران لا تضمن اختراقاً لمسار «اتفاق غزة»

أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

في الوقت الذي تتوالى فيه التصريحات بشأن التوصُّل إلى تسوية مرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران بشأن إنهاء الحرب التي تدخل تداعياتها الشهر الرابع، يستمرُّ الجمود في ملف اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة بعد أسبوع من جولة مفاوضات جديدة تستضيفها القاهرة لم تخرج بنتائج نهائية بعد.

وتتباين تقديرات خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، بشأن إمكانية أن تشمل التسوية المرتقبة بين واشنطن وطهران الملف الفلسطيني، بينما أكدوا أن وقف الحرب سيسمح بتفرغ أميركي أكبر لملف الاتفاق في القطاع، والضغط على الأطراف لتحقيق تقدُّم حقيقي.

 

تسوية محتملة وشيكة

 

وقال رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الذي تتوسَّط بلاده بين إيران والولايات المتحدة في منشور السبت على منصة «إكس»: «نحن أقرب إلى اتفاق سلام من أي وقت مضى، مع توقُّع إتمام الاتفاق خلال الساعات الـ24 المقبلة». وأضاف: «نحن على ثقة بأنَّ اتفاق السلام التاريخي هذا سيشكِّل أساساً متيناً لسلام دائم»، من دون أن يوضِّح هل ستشمل التسوية ملف غزة أم لا.

غير أنَّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، لمّح للقطاع في تصريحات صحافية، الجمعة، بالقول: «لن نتخلى أبداً عن (حزب الله)، وإنهاء الحرب سيشمل لبنان وسائر الجبهات».

ولا يعتقد الخبير في الشؤون الإسرائيلية بـ«مركز الأهرام للدراسات»، الدكتور سعيد عكاشة، أنَّ مذكرة التسوية المطروحة بين واشنطن وطهران قد تشمل ملف قطاع غزة، مؤكداً أنَّ توقيع المذكرة قد يفتح الباب لمنح الإدارة الأميركية مهلة شهرين على الأقل للتفرغ والاهتمام بملف غزة بشكل أكبر بعد توقيع مذكرة التسوية ودفع الاتفاق المتعثر.

بالمقابل، يرى المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، أن «إيران تريد أن تشمل التسوية لبنان ومناطق أخرى، وهذا المأمول، ولا نعرف متغيرات الأمور ستصل إلى ماذا خلال الساعات المقبلة»، معتقداً أنَّ مفاوضات القاهرة، التي لم تغلق بشكل كامل، تشي بأنَّه لا تزال هناك رؤية قائمة نحو التوصُّل لتسويات كثيرة في ملف قطاع غزة، لاسيما فيما يتعلق بالميليشيات المتعاونة مع تل أبيب، وسلاح القطاع، وانسحاب إسرائيل، تزامناً مع تسوية ملف إيران.

ويرجح الرقب في ضوء استمرار مناقشات القاهرة أن ملف غزة لا يزال قائماً ومطروحاً على الطاولة، لافتاً إلى أنَّ تصريحات وزارة الخارجية الإيرانية تعزِّز الاعتقاد بأنَّ ملف غزة قد يكون ضمن ملفات التسوية الإقليمية الشاملة المقبلة بشكل كامل.

مشيعون يحملون جثمان فلسطيني قُتل في غارة إسرائيلية خلال موكب جنازته بدير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تشدد إسرائيلي

 

ولم تُكشَف بنود تسوية طهران وواشنطن بعد، غير أنَّ وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، صرَّح الجمعة، بأنَّ تل أبيب تتوقَّع من الرئيس الأميركي دونالد ترمب الالتزام بالمصلحة المشتركة الأميركية - الإسرائيلية في ملف إيران، مشدِّداً على أنَّ تل أبيب «لن تنسحب من المناطق الأمنية في لبنان وسوريا وغزة».

وفي ضوء هذه الرؤية الإسرائيلية، يرجح عكاشة أن «إسرائيل ستواصل تعطيل الاتفاق، و(حماس) ستساعدها على ذلك بإصرارها على الاحتفاظ بما تبقَّى لديها من سلاح متهالك»، متوقعاً أن تستمر إسرائيل في البقاء بالمساحات المحتلة بالقطاع، والعمل على تنفيذ مخطط التهجير عبر تضييق المساحات الخاضعة لسيطرة الفلسطينيين؛ وقد يصل الإسرائيليون إلى 75 في المائة من 60 في المائة حالياً، ويحصرون الفلسطينيين في 25 في المائة فقط من مساحة القطاع، دون تصعيد عسكري شامل في القطاع لأنَّ ضريبته كبيرة في مواجهة مع المدنيين في ظلِّ أن (حماس) لم تعد قوة عسكرية مؤثرة.

بالمقابل، يحذر الرقب من أنَّه حال تمَّ إنهاء الملفَين اللبناني والإيراني دون الوصول إلى رؤية تسوية واضحة تجاه غزة، فإنَّ ذلك سيثير مخاوف كبرى تكمن في أن يتفرَّد الاحتلال الإسرائيلي بالقطاع، لا سيما أنَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعدُّ غزة الورقة الأضعف، ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، فإنَّه يجد نفسه بحاجة ماسة للحصول على أصوات المؤيدين والناخبين من خلال مواصلة ارتكاب جرائمه ضد الشعب الفلسطيني في غزة.

مسار الوسطاء

 

ووسط تلك المخاوف، تذهب المطالب الدولية إلى أهمية أن تكون التسوية شاملة كل المنطقة، وقال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في 9 يونيو (حزيران) الحالي في منشور على منصة «إكس»: «يجب أن تتوقف جميع الهجمات فوراً. ويجب الالتزام الكامل باتفاقات وقف إطلاق النار في لبنان وإيران وغزة».

وجاءت تلك التصريحات الأممية بينما كانت المحادثات بين الفصائل الفلسطينية والوسطاء في القاهرة مستمرة للتوصُّل إلى اتفاق لوقف دائم لإطلاق النار في قطاع غزة، وسط اتفاق على مبدأ حصر السلاح في غزة بيد هيئة فلسطينية «متفق عليها»، مع انتظار لرد إسرائيل، بحسب مصدر فلسطيني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ووسط هذه التطورات، فإنَّ وقف «حرب إيران» قد يساعد على تغيير الأمور، وتتجه الإدارة الأميركية لصبِّ اهتمام أكبر على ملف غزة، مما يتيح للوسطاء للضغط على «حماس» ومحاولة التقدُّم في المفاوضات، ويكون في المقابل هناك انسحاب إسرائيلي حقيقي، بحسب تقديرات عكاشة.

ويعتقد الرقب أن مساعي القاهرة والوسطاء تستمر بنشاط في هذا التوقيت الحرج بتاريخ المنطقة لمحاولة دفع «اتفاق غزة» للأمام، بناء على تسوية مرتقبة بين إيران والولايات المتحدة، مؤكداً أهمية أن تنتهي جولة المفاوضات الحالية بالقاهرة بحلٍّ ينهي عراقيل مشروع نتنياهو الرامي إلى استمرار الحرب والتدمير في قطاع غزة.