قبل عشر سنوات

قبل عشر سنوات
TT

قبل عشر سنوات

قبل عشر سنوات

في 28 فبراير (شباط) من عام 2011. بلغت الدبلوماسية الأميركية نقطة حاسمة وواعدة في جهودها لتحقيق السلام بين سوريا وإسرائيل. وصرح الرئيس السوري بشار الأسد آنذاك أنه يعتزم قطع العلاقات العسكرية مع كل من إيران، و«حزب الله»، وحركة «حماس»، مع تحييد كافة التهديدات الناشئة من سوريا والموجهة ضد إسرائيل، شريطة أن تلتزم إسرائيل بإعادة كافة الأراضي التي استحوذت عليها في يونيو (حزيران) من عام 1967 إلى السيادة السورية. وبعد مرور أيام من إبلاغه بالتزامات الرئيس السوري المشروطة، أقر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بجدية جهود الوساطة، ووجه الأوامر إلى فريقه بالمضي قدماً صوب المعاهدة، استناداً إلى مشروع المسودة الأميركية ذات الصلة.
بعد مرور أسبوعين، وبرغم كل شيء، بدأت تلك الفرصة تتحول إلى أمر مريع. فلقد فتحت قوات الأمن السورية النار على المتظاهرين السلميين في البلاد. ولقد أثارت حالة انعدام القانون الحكومية تساؤلاً جوهرياً: هل لا يزال بشار الأسد يملك الحق بالحديث باسم الأمة السورية في شأن قضية مهمة مثل إقرار السلام مع إسرائيل؟
اتسع نطاق المظاهرات في كافة أنحاء البلاد مع مواصلة قوات الأمن الحكومية في ممارسة أعمال العنف المميتة. وصارت إجابة السؤال واضحة للعيان: كلا، لم يعد بشار الأسد يملك هذا الحق المذكور. فإن مجريات انعدام القانون الحكومية قد عصفت تماماً بشرعيته الرسمية كرئيس للدولة السورية.
وبعد مرور عشر سنوات، لا تزال سوريا قابعة في أصل الخراب، ويستغل مواردها ضباط عسكريون روسيون يحصدون الأموال الطائلة من وراء تعاقدات يشرف عليها بشار الأسد والنشطاء الإيرانيون الذين يستخدمون سوريا كهمزة وصل برية مع تنظيم «حزب الله»، الوكيل الإيراني القوي في لبنان. وما يزال تنظيم «القاعدة» وشراذم تنظيم «داعش» الإرهابيين راسخة أقدامهم في البلاد التي شجع رئيسها من وجودهم وانتشارهم لاتخاذهم ذريعة للزعم بمحاربة الإرهاب فضلاً عن ممارسة إرهاب الدولة ضد المدنيين السوريين. وأسفر فساد الأسرة الحاكمة وحاشيتها، وانعدام الكفاءة في إدارة البلاد، عن دمار عميق لحق بالاقتصاد السوري. ونزح أكثر من نصف سكان سوريا لما قبل الحرب في داخل البلاد، وإلى خارجها كلاجئين. ولا يدري من أحد عدد المدنيين العزل الذين سقطوا صرعى الصراع المريع، وأغلبهم جراء القصف الدموي من المدفعية، والغارات الجوية، والبراميل المتفجرة من قوات بشار الأسد، تلك المجازر المتتابعة التي استكملتها الضربات الجوية الروسية المعاونة. إنها الزمرة الحاكمة العمياء تماماً عن معاناة الشعب السوري والتي جعلت من دمشق توصف بأنها «بيونغ يانغ» بلاد الشام بكل أسف.
كان دمار سوريا لا معنى له على الإطلاق. ويبدو أن الرئيس السوري، المفترض التزامه باستعادة الأراضي المحتلة من إسرائيل في مقابل إعادة تنضيد الاستراتيجية السياسية السورية، قد أطاح بكل شيء إلى الهاوية. ولأجل أي شيء؟ أجل، إنه يواصل رفقة حاشيته امتصاص ما تبقى من الدماء السورية لتغذية المنافع الشخصية المجردة. ولكن، هل الترؤس على أطلال من الحطام أفضل مما كان يمكن أن يكون؟ ألم تكن هناك وسيلة تتسم بالكرامة والسلمية بديلاً لبشار الأسد عن شن الحرب الشنيعة على شعبه؟ وهل كانت الفوائد الاقتصادية المحتملة للسلام منعدمة القيمة حقا؟
ربما يعد «التساؤل البديل» غير قابل للإجابة فعلاً. كان بمقدور الرئيس السوري، وقرينته السيدة الأولى الشهيرة للغاية، أن يذهبا سوياً إلى محافظة درعا في مارس (آذار) من عام 2011، وإعادة الأطفال المسجونين والمضروبين إلى ذويهم، وتقديم التعويضات إلى المظاليم، وإصدار الأوامر للقوات بالبقاء في الثكنات، مع ترافق كل تلك الجهود بمطالب حازمة لعودة النظام والاستقرار. غير أن حالة «اللاعنف»، والتعامل بأساليب اللياقة، والسخاء، واحترام كرامة الإنسان لم تكن على الإطلاق من بين أدوات بشار الأسد في التعامل مع أبناء شعبه.
ومن بين الاحتمالات القائمة أن بشار الأسد قد تعمد اللجوء إلى العنف بُغية إلغاء التزامات السلام المشروطة سابقاً والفرار من الوساطة الأميركية الجدية. ولم يجبره من أحد على التقدم بتلك الالتزامات. فلقد طرح الالتزام بها كلها خلال اجتماع استغرق 50 دقيقة. ويتساءل أحدنا ما إذا كانت لدى بشار الأسد، خلال الأسابيع التالية على تعهده بإعادة التوجيه الكامل للاستراتيجية السورية، أفكار أخرى بشأن ردة الفعل الإيرانية المحتملة مع التداعيات السياسية المحلية للسلام. وعلى أي حال، فلقد قدم لإسرائيل كل شيء ما عدا الأرض التي قال أنه يريد إعادتها إلى السيادة السورية. ومن شأن مسمى «مرتفعات الأسد” أن يكون أسما أفضل لمستوطنة جديدة تقيمها إسرائيل في الجولان من مسمى «مرتفعات ترمب».
وهناك احتمال آخر يفيد بأن قادة الأمن قد طلبوا من بشار الأسد توجيه الأوامر بالعنف ضد السكان، أو أنه وجه الأوامر من تلقاء نفسه، إثر خشيته أن يوصف بالرئيس الضعيف في مواجهة شعبه. ومع ذلك، فإن فكرة تفضيل الأسد لحالة «اللاعنف» بصفة خاصة تبدو متناقضة تماماً مع تصرفاته الواضحة منذ ذلك الحين. فلقد سمح باستخدام الأسلحة الكيماوية العسكرية ضد المدنيين، بما في ذلك الأطفال منهم. واستندت استراتيجيته للبقاء على رأس السلطة السياسية إلى ممارسة القتل الجماعي للمدنيين. ثم إنه روج للمتطرفين الإسلامويين أصحاب المنهج العنيف بأنهم أعداؤه المختارون. فهل كان لمثل هذه الشخصية أن تفكر في بديل إنساني آخر لإدارة الصراع قبل عشر سنوات مضت؟
والآن، تنظر الإدارة الأميركية الجديدة فيما ينبغي فعله إزاء أطلال الحطام المحترقة في سوريا. ويحاول بشار الأسد - عبر مناوراته المكوكية المستمرة ما بين وزارة الخارجية الروسية، وكبار قادة الجيش الروسي، والحكومة الإيرانية - التوضيح لجميع الأطراف، لا سيما مبعوث الأمم المتحدة الخاص لسوريا، أن التسوية السياسية للأزمة السورية ليست من الخيارات المطروحة على أجندة أعماله السياسية. فذلك الرجل، الذي لم ينبس ببنت شفة من الندم أو الأسى على ما حل ببلاده وشعبه، ما يزال عاقداً العزم على الاحتفاظ بكرسي الرئاسة بصرف النظر تماماً عن الثمن. وحتى تلكم الزمرة التي أيدته على مضض عبر سنوات يدركون عن كثب حقيقة ذلك الثمن: تلك الأرواح التي جرى التضحية بها على مذبح الشراكات التجارية العائلية، ثم الخراب الاقتصادي السوري المشهود.
وبعد مرور عشر سنوات، لا يزال الأسد يأمل أن تتفاعل الحكومة الأميركية معه دبلوماسياً، بل وأن تنفق عليه وعلى حاشيته بتعاقدات وأموال إعادة الإعمار السخية. والرؤية الواضحة تفيد بأن تلك الآمال محض أوهام وخيالات.
يدرك عدد كبير للغاية من المسؤولين النافذين في فريق الرئيس جوزيف بايدن الجديد أن الخطوط الحمراء التي جرى محوها تماماً في عام 2013. فضلاً عن النصيحة الرئاسية في 2016. بأنه على العرب «مشاركة الجوار» مع إيران، قد ألحقتا الأضرار بالأمن الغربي، ودمرتا مصداقية الولايات المتحدة فيما وراء الملف السوري. إن الإدارة الأميركية الجديدة ستدرس خياراتها بعناية فائقة. ومن المستبعد بصورة كبيرة أن يكرر الرئيس بايدن نفس سلسلة الإخفاقات السياسية السابقة بالتخلي عن الانتقال السياسي السوري - الذي أقره مجلس الأمن الدولي - كأساس لسياسته المعتمدة حيال الأزمة السورية.
بعد عشر سنوات كاملة من المعاناة والعذاب الذي لا طائل من ورائه، ذلك الذي فرضه بشار الأسد بصورة جوهرية، سقط أكثر من 80 في المائة من المواطنين السوريين في هاوية الفقر، الأمر الذي أسفر عن القضاء شبه التام على الطبقة الوسطى الصغيرة، وإنما المنتجة، من الشعب السوري. فضلاً عن سقوط مئات الآلاف من الصرعى المدنيين. وتعرض عدد لا يُحصى من السوريين للتشوه والصدمات الجسدية والنفسية المريعة. وما يزال عشرات الآلاف الآخرين قابعين رهن غرف التعذيب التابعة لإدارة النظام الحاكم في سوريا. وكل ذلك بهدف وحيد يتمثل في المحافظة على الشراكة التجارية العائلية، تلك الأعمال التجارية التي ربما تكون قد ازدهرت وتطورت من الناحية السياسية إلى كيان أكثر شمولية وتمثيلاً إن كانت قد اتخذت خيارات عملانية وأكثر إنسانية قبل عشر سنوات من الزمان. ولكن، هل كانت الزمرة الحاكمة وحاشيتها قادرة فعلاً على اتخاذ تلك الخيارات من قبل؟ تشير الأوضاع السورية الراهنة في عام 2021 أن الإجابة هي الرفض التام.
- السفير فريدريك هوف، يحاضر في كلية بارد في نيويورك. وكان وسيطاً سياسياً بين سوريا وإسرائيل من عام 2009 حتى مارس (آذار) 2011. ثم عمل مستشاراً لدى وزارة الخارجية الأميركية بشأن الانتقال السياسي في سوريا حتى سبتمبر (أيلول) من عام 2012. وله كتاب قيد النشر حالياً حول وساطات السلام بين سوريا وإسرائيل.
- خاص بـ«الشرق الأوسط»



«التطبيع الشعبي»... حاجز مصري أمام إسرائيل لم ينكسر رغم «عقود السلام»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (أرشيفية - رويترز)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (أرشيفية - رويترز)
TT

«التطبيع الشعبي»... حاجز مصري أمام إسرائيل لم ينكسر رغم «عقود السلام»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (أرشيفية - رويترز)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (أرشيفية - رويترز)

رغم مرور نحو 47 عاماً على توقيع مصر وإسرائيل معاهدة سلام رسمياً، يظل هناك رفض واسع على المستوى الشعبي لإقامة أي علاقات مع إسرائيل، ما جعل البعض يصف الحالة القائمة بين الطرفين بأنها «سلام بارد».

وخلال احتفالية رسمية بمصر، مساء السبت، استبعد الرئيس عبد الفتاح السيسي إمكانية «التطبيع الشعبي» مع إسرائيل مع عدم قيام دولة فلسطينية، واستمرار الخروقات الإسرائيلية؛ مؤكداً أن الحل يكمن في الوصول إلى «سلام عادل وشامل».

جاء ذلك غداة غضب إسرائيلي برز عبر أبواق موالية لحكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بعدما رفع مدرب منتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، علم فلسطين عقب فوز فريقه على أستراليا في دور الـ32 لبطولة كأس العالم، وصعوده إلى دور الـ16، وإهدائه الفوز للشعبين المصري والفلسطيني، وسط ترحاب شعبي واسع بموقفه على منصات التواصل.

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن موقف مصر يحمل «رسالة مهمة»، مؤكداً أن التطبيع الشعبي «سيظل حاجزاً مصرياً أمام إسرائيل لن يُرفع ما دام الفلسطينيون بلا دولة».

معالجة جذور الصراع

كانت مصر وإسرائيل قد وقعتا معاهدة السلام بالعاصمة الأميركية واشنطن في مارس (آذار) عام 1979، لكن ظلت التعاملات مقتصرة على العلاقات الرسمية، دون أن تمتد إلى «تطبيع شعبي» في الشارع المصري؛ بل إن بعض النقابات في مصر تعدّ التطبيع جريمة تُعاقِب أعضاءها عليه.

الرئيس المصري الراحل أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق مناحم بيغن يتعانقان بعد توقيع اتفاقية السلام في البيت الأبيض في مارس 1979 (أ.ف.ب)

وخلال احتفالية افتتاح «القيادة الاستراتيجية للدولة» بالعاصمة الجديدة شرق القاهرة، مساء السبت، أكد السيسي أن «الدولة لن تسمح أبداً بالمساس بمقدرات شعبها، مع تمسكها بالسلام لمن يريد السلام».

وأضاف: «مصر بما لها من رؤية ثاقبة وخبرة تاريخية لا تضاهيها خبرة في شؤون المنطقة، وباعتبارها أول من أبرم اتفاق سلام مع إسرائيل، في وقت كانت فيه العداوة مستحكمة، تؤكد أن الحل الجذري لنزاعات الشرق الأوسط يكمن في التوصل إلى اتفاق سلام شامل وعادل، ينهي القضية الفلسطينية ويقيم الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، وفق مقررات الشرعية الدولية».

وشدد على أنه «لا سلام دائم، ولا استقرار حقيقي، ولا تطبيع شعبي، إلا بسلام عادل، ينهي الاحتلال ويضع حداً للظلم والعدوان، ويعيد الحقوق إلى أصحابها، ويوفر الأمن للجميع، ويمنح شعوب المنطقة فرصة للعيش في استقرار ورخاء، ويطلق عهداً جديداً من التعاون والازدهار، ومستقبلاً أفضل تستحقه شعوبنا».

وقال حجازي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «مصر التزمت منذ توقيع معاهدة السلام بكل استحقاقاتها، وأسهمت على مدى عقود في ترسيخ الاستقرار الإقليمي، إلا أن الرأي العام المصري ظل يعدّ القضية الفلسطينية قضية عدالة وأمن قومي وهوية، وليس مجرد ملف سياسي».

وأضاف: «ومن ثم، فإن استمرار الاحتلال، والتوسع الاستيطاني، والحروب المتكررة على غزة، كلها عوامل حالت دون انتقال السلام من المستوى الرسمي إلى المستوى الشعبي».

واستطرد قائلاً إن الرسالة التي وجهها الرئيس المصري جاءت لتؤكد الثابت الأهم في سياسة البلاد؛ وهو أن «السلام الحقيقي لا يقتصر على وقف إطلاق النار أو إبرام الاتفاقات؛ بل يقوم على معالجة جذور الصراع، وفي مقدمتها إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة».

وأكد: «التطبيع الشعبي لا يُفرض بقرارات سياسية، وإنما ينشأ بصورة تلقائية عندما تشعر الشعوب بأن العدالة قد تحققت، وأن الحقوق قد استعيدت».

«خيار استراتيجي»

منذ اتفاق السلام، لم تشهد العلاقات بين البلدين توتراً مثلما هو عليه الحال حالياً بعد اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، خصوصاً بعد احتلال إسرائيل محور «فيلادلفيا» المحاذي للحدود المصرية بالمخالفة لمعاهدة السلام، واحتلال معبر رفح من الجانب الفلسطيني.

وعلى مدار عامين، رفعت مصر من نبرتها تجاه الاعتداءات الإسرائيلية، حتى إنها اعتادت وصف ما يجري في غزة بأنه «تطهير عرقي وجرائم ضد الإنسانية».

وتقود مصر وساطة مع قطر والولايات المتحدة منذ بداية الحرب، وانضمت لها تركيا عام 2025 في اتفاق جديد لم تلتزم إسرائيل بتنفيذ بنوده كاملة، وسط تلويحها بعودة الحرب، وترديد انتقادات إعلامية من وقت لآخر من تنامي القدرات العسكرية المصرية.

وفي ضوء ذلك، يرى حجازي أن إسرائيل تواجه خياراً استراتيجياً واضحاً يقف على مسارين: «أولهما أن تنخرط في مشروع سلام شامل يحقق الأمن المتبادل، ويؤسس لشرق أوسط أكثر استقراراً وأمناً يضمها إذا اعترفت بالدولة الفلسطينية، ويضم إيران إذا التزمت بحسن الجوار وعدم التدخل في شؤون دول المنطقة، ليتعايش الجميع في جغرافيا آمنة تنشئ منظومة للأمن والتعاون الإقليمي كما حال أوروبا».

أما المسار الثاني، فهو «أن تستمر إسرائيل في سياسة إدارة الصراع والاعتماد على التفوق العسكري باعتباره بديلاً عن التسوية السياسية»، بحسب حجازي الذي قال إن التجارب التاريخية تؤكد أن القوة العسكرية قادرة على ردع التهديدات، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج شرعية سياسية أو بناء سلام دائم، محذراً من أن الهيمنة «قد تفرض واقعاً مؤقتاً، لكنها لا تنشئ نظاماً إقليمياً مستقراً».

وتابع: «رؤية مصر تنطلق من أن السلام العادل ليس مطلباً فلسطينياً أو عربياً فحسب؛ بل هو أيضاً المصلحة الاستراتيجية الحقيقية لإسرائيل وللمنطقة بأسرها»، مشدداً على أن حل الدولتين «يبقى هو المدخل الوحيد القادر على تحويل السلام الرسمي إلى سلام شعبي، وبناء نظام إقليمي أكثر أمناً واستقراراً وتعاوناً».


نبيل فهمي: النهوض بالجامعة العربية مسؤولية جماعية مع الدول الأعضاء

الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية نبيل فهمي (الجامعة)
الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية نبيل فهمي (الجامعة)
TT

نبيل فهمي: النهوض بالجامعة العربية مسؤولية جماعية مع الدول الأعضاء

الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية نبيل فهمي (الجامعة)
الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية نبيل فهمي (الجامعة)

عدّ الأمين العام لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، النهوض بجامعة الدول العربية وإعادة تموضعها الاستراتيجي بمثابة «مسؤولية جماعية تستند إلى الشراكة الكاملة بين الأمانة العامة والدول الأعضاء».

وشدّد فهمي خلال اجتماعه، الأحد، مع المندوبين الدائمين لجامعة الدول العربية على «أهمية اعتماد منهج عملي يقوم على تحديد الأولويات، ووضع خطوات قابلة للتنفيذ، والمتابعة المستمرة لنتائج العمل»، حسب بيان صحافي.

وتسلم فهمي أمانة جامعة الدول العربية في الأول من يوليو (تموز) الحالي خلفاً لأحمد أبو الغيط الذي انتهت فترة ولايته.

وخلال اجتماعه مع المندوبين، استعرض الأمين العام الجديد رؤيته للمرحلة المقبلة، وأولويات عمل الأمانة العامة في إطار تطوير أداء الجامعة، وتعزيز منظومة العمل العربي المشترك، كما أطلع المندوبين الدائمين على ما تضمنه الخطاب الذي وجّهه إلى وزراء الخارجية العرب بمناسبة توليه مهام منصبه رسمياً، حسب البيان.

وكان من بين مراسلات فهمي، في اليوم الأول لتوليه مهام منصبه، خطابات وجهها إلى وزراء الخارجية العرب، «تضمنت تقييماً للأوضاع العربية، ومقترحات لتمكين العالم العربي والجامعة العربية من التصدي للتحديات القائمة، وتطويرها وإصلاحها، فضلاً عن تعزيز جهود البناء الاقتصادي والاجتماعي»، حسب بيان للجامعة العربية وقتها.

وعرض فهمي خلال اجتماعه مع المندوبين الدائمين عدداً من المقترحات التي تهدف إلى رفع كفاءة الأداء المؤسسي للأمانة العامة، بما يدعم قدرتها على الاضطلاع بمهامها ومواكبة متطلبات المرحلة.

وأكد فهمي، حسب البيان، أن «نجاح هذه الجهود يتطلب استمرار دعم الدول الأعضاء، ووفاءها بالتزاماتها تجاه الجامعة».

وعبّر المندوبون الدائمون عن دعمهم لتوجهات الأمين العام الجديد، وتطلع دولهم إلى التعاون الوثيق مع الأمانة العامة «بما يسهم في تعزيز فاعلية جامعة الدول العربية وتطوير أدائها، والدفع بالعمل العربي المشترك بما يخدم مصالح الدول الأعضاء وتطلعات شعوبها»، وفق البيان.


العميد مجلي لـ«الشرق الأوسط»: القوات المسلحة جاهزة لأي تصعيد حوثي... وحماية سيادة اليمن

وزير الدفاع اليمني الفريق ركن طاهر العقيلي خلال زيارة أخيرة لمحور عتق بشبوة (مكتب الإعلام بشبوة)
وزير الدفاع اليمني الفريق ركن طاهر العقيلي خلال زيارة أخيرة لمحور عتق بشبوة (مكتب الإعلام بشبوة)
TT

العميد مجلي لـ«الشرق الأوسط»: القوات المسلحة جاهزة لأي تصعيد حوثي... وحماية سيادة اليمن

وزير الدفاع اليمني الفريق ركن طاهر العقيلي خلال زيارة أخيرة لمحور عتق بشبوة (مكتب الإعلام بشبوة)
وزير الدفاع اليمني الفريق ركن طاهر العقيلي خلال زيارة أخيرة لمحور عتق بشبوة (مكتب الإعلام بشبوة)

أكدت القوات المسلحة اليمنية جاهزيتها للتعامل مع أي تطوُّرات ميدانية أو تصعيد عسكري من جانب جماعة الحوثي، في وقت ندَّدت فيه بما وصفتها بـ«التدخلات الإيرانية المباشرة» في اليمن، عادّة أنَّها تُمثِّل تهديداً للأمن الإقليمي والدولي، وتقوِّض فرص التَّوصُّل إلى تسوية سياسية تنهي الحرب.

وقال المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، العميد الركن عبده مجلي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن تسيير النظام الإيراني رحلةً جويةً مباشرةً تابعة لشركة «ماهان» إلى مطار صنعاء الخاضع لسيطرة الحوثيين يُمثِّل «انتهاكاً صارخاً لسيادة الجمهورية اليمنية، واستخفافاً بالقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، وتصعيداً خطيراً يهدِّد أمن اليمن والمنطقة».

وزير الدفاع اليمني الفريق ركن طاهر العقيلي خلال زيارة أخيرة لمحور عتق بشبوة (مكتب الإعلام بشبوة)

وبحسب مجلي، فإنَّ الطائرة الإيرانية حملت خبراء وعناصر من «الحرس الثوري» الإيراني، قال إنَّهم وصلوا لإدارة العمليات العسكرية إلى جانب الحوثيين، وعدَّ ذلك تأكيداً لاستمرار طهران في استخدام الجماعة «أداة لتنفيذ مشروعها التوسعي في المنطقة وتقويض سيادة الدولة اليمنية».

وكان مجلس القيادة الرئاسي اليمني عدَّ أنَّ الرحلة الإيرانية لا يمكن فصلها عن العلاقة الوثيقة بين الحوثيين وطهران، وأنَّها تؤكد استمرار استخدام الجماعة مؤسسات الدولة الواقعة تحت سيطرتها لخدمة الأجندة الإيرانية، وأنَّها تُمثِّل تحدياً لقرارات مجلس الأمن والقانون الدولي، وتضع المجتمع الدولي أمام اختبار جديد بشأن مدى التزامه بحماية سيادة اليمن.

اجتماع استثنائي لـ«مجلس القيادة الرئاسي اليمني» لبحث تداعيات الرحلة الإيرانية إلى صنعاء (سبأ)

من جانبه، أكد بيان «تحالف دعم الشرعية» في اليمن بقيادة السعودية، أنَّ التطورات الأخيرة لا تُمثِّل خلافاً يمنياً داخلياً فحسب، وإنما ترتبط أيضاً بأمن المنطقة.

وأعلن المتحدث باسم التحالف، اللواء تركي المالكي، أنَّ التحالف سيرد «بكل حزم، وبقوة غير مسبوقة» على أي محاولة تستهدف المملكة، أو تمس سيادة الجمهورية اليمنية، في رسالة حملت نبرة أشد مقارنة بالبيانات السابقة.

ورأى الناطق العسكري باسم الجيش اليمني أنَّ الدعم الإيراني المستمر للحوثيين يكشف - بحسب تعبيره - عن استمرار توظيف الجماعة لخدمة أجندات إقليمية، في تحدٍّ لإرادة اليمنيين، والجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء الحرب وإحلال السلام.

وقال إن الحوثيين يواصلون، بدعم مباشر من إيران، تقويض جميع المبادرات السياسية ورفض مساعي السلام، وفي مقدمتها الجهود التي تقودها المملكة العربية السعودية، بالتعاون مع الأشقاء والشركاء الدوليِّين، للتَّوصُّل إلى تسوية سياسية تنهي الصراع، مُحملِّاً الجماعة مسؤولية استمرار التدهور الإنساني والاقتصادي والخدمي في البلاد.

وشدَّد على أنَّ القوات المسلحة ستواصل، انطلاقاً من مسؤولياتها الدستورية والقانونية، حماية سيادة الجمهورية اليمنية، والدفاع عن أجوائها ومنافذها البرية والبحرية، والتصدي لأي تهديد يستهدف مؤسسات الدولة الشرعية، وفقاً لأحكام القانون الدولي الإنساني.

العميد ركن عبده مجلي المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية (الشرق الأوسط)

ولفت العميد مجلي إلى أنَّ هيئة العمليات المشتركة تواصل تعزيز التنسيق بين مختلف المناطق والمحاور والتشكيلات العسكرية، في إطار جهود وزارة الدفاع لتوحيد القرار العسكري وإنهاء حالة الانقسام، بما يسهم في بناء قوات أكثر جاهزية وكفاءة لإدارة العمليات العسكرية المشتركة.

تحشيدات في الساحل الغربي

وفي الشأن الميداني، كشف مجلي عن تحشيدات حوثية في عدد من الجبهات، خصوصاً في الحديدة والساحل الغربي، مشيراً إلى أن الحوثيين قصفوا، أمس (السبت)، أحد مواقع القوات الحكومية في جبهة حيس؛ ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى من أفراد ألوية الزرانيق.

وأضاف أنَّ الجماعة كثَّفت خلال الفترة الأخيرة تعزيزاتها البشرية والعسكرية، وأنشأت تحصينات وخنادق جديدة قرب خطوط التماس في مناطق الساحل الغربي المطلة على البحر الأحمر، استعداداً - بحسب قوله - لأي عمليات عسكرية محتملة.

واتَّهم الحوثيين بالسعي إلى تهديد أمن البحر الأحمر والممرات البحرية، واستمرار استهداف الملاحة الدولية والتجارة العالمية، محذِّراً من أنَّ هذه الممارسات تلحق أضراراً بمقدرات الدولة اليمنية ومصالح الشعب اليمني.

وأكد أن القوات المسلحة أصبحت تمتلك عوامل قوة متعددة، تشمل ارتفاع الجاهزية القتالية، والمعنويات، والدعم الشعبي، إلى جانب تعزيز التنسيق بين مختلف الوحدات العسكرية، وتطوير منظومة القيادة والعمليات المشتركة.

مظاهرة في صنعاء نظَّمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وأضاف أن القوات تتمتع اليوم بـ«جاهزية قتالية عالية، ومعنويات راسخة، وإرادة ثابتة»، وهي ماضية - بحسب تعبيره - في استكمال تحرير الأراضي واستعادة مؤسسات الدولة وترسيخ الشرعية.

كما عدَّ مجلي التصريحات العدائية الصادرة عن الحوثيين تجاه السعودية محاولةً لصرف الأنظار عن الانتهاكات التي ترتكبها الجماعة بحق اليمنيين، وللتغطية على مسؤوليتها في تعميق الأزمة الإنسانية والاقتصادية، مؤكداً أنَّ استمرار تهديد الملاحة الدولية يعكس ارتباطها بالنظام الإيراني ويجعلها مصدر تهديد مستمر للأمن الإقليمي والدولي.

في السياق ذاته، أعلن وكيل محافظة الحديدة وليد القديمي، عبر حسابه في منصة «إكس»، مقتل 15 من مقاتلي قوات تهامة في معارك جبل دباس، مشيراً إلى أنَّ المواجهات أسفرت أيضاً عن سقوط أكثر من 50 قتيلاً وعشرات الجرحى في صفوف الحوثيين.

وقال القديمي إنَّ جبهة الساحل الغربي تشهد هجمات حوثية متكرِّرة على مواقع ألوية الزرانيق، عادّاً أنَّ الجماعة تستهدف تلك المواقع لأنَّها «تُمثِّل السد المنيع الذي يعوق مخططاتها للتَّقدُّم جنوب الحديدة».

وأضاف أنَّ تهامة «تدفع كل يوم ثمناً باهظاً من دماء رجالها دفاعاً عن الأرض»، مؤكداً أنَّ صمود المقاتلين في الساحل الغربي يمثل، بحسب وصفه، «الصخرة التي تتحطَّم عليها أوهام الحوثيين».