غارات أميركية بأمر من بايدن على «مواقع إيرانية» شرق سوريا

وزير الدفاع يتحدث عن «إفادة» من معلومات عراقية... ودمشق تُدين «العدوان»

طائرتان تابعتان لسلاح الجو الأميركي (أرشيفية - رويترز)
طائرتان تابعتان لسلاح الجو الأميركي (أرشيفية - رويترز)
TT

غارات أميركية بأمر من بايدن على «مواقع إيرانية» شرق سوريا

طائرتان تابعتان لسلاح الجو الأميركي (أرشيفية - رويترز)
طائرتان تابعتان لسلاح الجو الأميركي (أرشيفية - رويترز)

اعتُبرت الضربات الجوية التي نفّذتها طائرات أميركية على مواقع لميليشيات مدعومة من إيران في سوريا ليل الخميس - الجمعة، وأدت إلى مقتل 22 مسلحاً وجرح عدد آخر، «نصف رسالة تصعيد» وصفعة توازن مع الصفعات التي حاولت إيران توجيهها قبل جلوس الطرفين إلى طاولة المفاوضات.
كان البعض يعتقد أن التصعيد الإيراني المعهود قبيل كل جولة تفاوض، سيمر دون رد من إدارة يراها البعض خصوصاً من الجمهوريين أنها «أوبامية» في إشارة إلى الرئيس الأسبق باراك أوباما، وأن «خطه الأحمر» لا يزال مرسوماً. ورغم ذلك بدا أن تصريحات المسؤولين العسكريين الأميركيين تشير بشكل واضح إلى أن الرد الأميركي محسوب بدقة.
فقد أعلن وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن، أنه أوصى بالضربات، مضيفاً: «لقد قلنا مراراً إننا سنردّ بناءً على جدولنا الزمني»، في إشارة إلى تصريحات مسؤولين عسكريين قالوا إن الرد على الهجمات التي جرت في العراق ستكون في الزمان والمكان المناسبين. وقال أوستن خلال زيارته لحاملة الطائرات «يو إس إس نيميتز» قبالة سواحل كاليفورنيا: «أردنا مرة أخرى أن نكون متأكدين من الهدف الصحيح، وسمحنا وشجعنا العراقيين على التحقيق وتطوير المعلومات الاستخباراتية وكان ذلك مفيداً جداً لنا في تحسين الهدف». وفيما لم يصدر عن البيت الأبيض بيان خاص عن الضربة، إلّا أنه كان قد أصدر يوم الثلاثاء الماضي بياناً قال فيه إن بايدن ناقش الهجمات الأخيرة التي جرت في العراق مع رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، واتفق معه على أنه «تجب محاسبة المسؤولين عنها بشكل كامل».
وقال المتحدث باسم البنتاغون جون كيربي، في بيان: «بتوجيه من الرئيس بايدن، شنّت القوات الأميركية غارات جوية على البنية التحتية التي تستخدمها الجماعات المسلّحة المدعومة من إيران في شرق سوريا. وقد أُعطي الأمر بتنفيذ هذه الضربات رداً على الهجمات الأخيرة ضد أفراد القوات الأميركية وقوات التحالف في العراق، وعلى التهديدات المستمرة الموجهة إلى هؤلاء الأفراد». وأضاف كيربي: «دمرت الضربات عدة منشآت عند نقطة مراقبة حدودية يستخدمها عدد من الجماعات المسلحة المدعومة من إيران، بما في ذلك كتائب (حزب الله) وكتائب (سيد الشهداء)». وأوضح كيربي أن «الرد العسكري تَرافق مع إجراءات دبلوماسية، بما في ذلك التشاور مع شركاء التحالف، وهي رسالة لا لبس فيها بأن الرئيس بايدن لن يقف ساكناً لحماية أفراد القوات الأميركية وقوات التحالف. وفي الوقت نفسه، فقد تصرفنا بطريقة متعمَّدة تهدف إلى خفض التوتر في كل من شرق سوريا والعراق».

ونُسبت ثلاث هجمات إلى مجموعات مسلحة موالية لإيران في العراق في الأسبوعين الماضيين، حيث سقطت صواريخ (الاثنين) بالقرب من السفارة الأميركية في بغداد، بينما استهدف قصف (السبت) قاعدة «بلد» الجوية العراقية الواقعة إلى الشمال، ما أدى إلى إصابة موظف عراقي في شركة أميركية مسؤولة عن صيانة طائرات «إف - 16». وفي 15 فبراير (شباط)، أصابت صواريخ قاعدة عسكرية تتمركز فيها قوات التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش» في مطار أربيل. وقُتل شخصان أحدهما مقاول مدني أجنبي يعمل مع التحالف.
وأفاد التلفزيون السوري الرسمي في شريط عاجل صباح أمس (الجمعة)، عن «عدوان أميركي» استهدف بغارات جوية «مناطق عند الحدود السورية العراقية»، من دون تفاصيل أخرى. وندّدت وزارة الخارجية السورية بالقصف الأميركي، واصفة إياه بـ«عدوان» يشكّل «مؤشراً سلبياً» على سياسات الإدارة الأميركية الجديدة.
وقالت الوزارة في بيان، نقله الإعلام الرسمي، إن سوريا «تُدين بأشدّ العبارات العدوان الأميركي الجبان والموصوف على مناطق في دير الزور»، معتبرةً أنّه «يشكّل مؤشراً سلبياً على سياسات الإدارة الأميركية الجديدة التي يُفترض بها أن تلتزم بالشرعية الدولية». كما أجرى وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف اتصالاً هاتفياً بنظيره السوري، أمس. وقال موقع «دولت دوت آي آر إير» الحكومي، إن «الجانبين أكدا ضرورة التزام الغرب بقرارات مجلس الأمن الدولي بشأن سوريا».
وأحصى المرصد السوري لحقوق الإنسان 22 قتيلاً من الفصائل العراقية الموالية لإيران، غالبيتهم من «كتائب حزب الله». وكانت حصيلة سابقة قد أفادت بمقتل 17 مسلحاً عراقياً. وقال مسؤول من «كتائب حزب الله» العراقي لوكالة الصحافة الفرنسية: «قُتل أحد مقاتلينا وجُرح عدد قليل منهم بصاروخين من طائرة استهدفت إحدى نقاطنا قرب الحدود السورية العراقية». ودمّرت الغارات، وفق المرصد، ثلاث شاحنات تقل ذخيرة جنوب مدينة البوكمال في ريف دير الزور الشرقي. وقال مدير المرصد رامي عبد الرحمن، إن الشاحنات استُهدفت لحظة دخولها إلى سوريا عبر معبر غير شرعي من العراق عند الساعة الواحدة فجراً.
وتخضع المنطقة الممتدة بين مدينتي البوكمال والميادين في ريف دير الزور الشرقي لنفوذ إيراني، عبر مجموعات موالية لها تقاتل إلى جانب قوات النظام السوري. وغالباً ما تتعرّض شاحنات تقلّ أسلحة وذخائر أو مستودعات في المنطقة لضربات تُنسب لإسرائيل، التي تؤكد غالباً عزمها إنهاء «التموضع الإيراني» في سوريا.
وسبق للجيش الأميركي أن أعلن نهاية عام 2019 قصف خمس قواعد لـ«كتائب حزب الله» العراقي في كل من سوريا والعراق، بعد مقتل أميركي في هجوم بالصواريخ طال قاعدة عسكرية عراقية.
وتأتي الغارات الأميركية بعد أشهر من هدوء نسبي في إطار هدنة قَبلتها الفصائل الموالية لإيران في مواجهة تهديدات من الولايات المتحدة بإغلاق بعثتها الدبلوماسية في العراق.
وبدت الضربة بمثابة تحذير لطهران في الوقت الذي تحاول فيه إدارة بايدن العودة إلى طاولة المفاوضات مع إيران، حيث أبدت موافقتها على بدء محادثات تقودها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا لمناقشة مستقبل الاتفاق النووي الذي تخلى عنه ترمب. وترفض إيران حتى الساعة العودة إلى التزاماتها والانضمام إلى طاولة المفاوضات قبل رفع الولايات المتحدة كل العقوبات عنها.
ردود الفعل الأميركية على الغارات جاءت مرحّبة خصوصاً من الجمهوريين، الذين كانوا يشككون مع عدد من الديمقراطيين في قيام إدارة بايدن بأي رد على التحرشات الإيرانية، خوفاً من تخريب جهوده لإعادة التفاوض معها.
ورحب النائب الجمهوري مايكل ماكول عضو لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، بالرد، داعياً إلى شن المزيد من الضربات الانتقامية على الميليشيات المدعومة من إيران. وقال في بيان: «مثل هذه الردود هي ردع ضروري وتذكّر إيران ووكلائها وخصومنا في جميع أنحاء العالم بأن الهجمات على المصالح الأميركية لن يتم التسامح معها». وغرّد السيناتور الجمهوري ماركو روبيو قائلاً: «إن الميليشيات المدعومة من إيران شنّت ثلاثة اعتداءات ضد الأميركيين خلال الأسبوعين الأخيرين، هذه الغارات كانت محددة ومتوازنة وضرورية». كما أعرب السيناتور الجمهوري النافذ ليندسي غراهام، عن دعمه الشديد للضربة وقال: «أنا أقدّر جداً الضربة التي نفّذتها إدارة بايدن على الميليشيات المدعومة من إيران في سوريا. من المهم أن يعلم أعداؤنا أن الهجوم على الأميركيين ستكون له كلفة باهظة». معرباً عن أمله أن تؤدي هذه الضربات «إلى تراجع تلك الميليشيات وغيرها عن القيام بهجمات مماثلة في المستقبل».
وقال باتريك كلاوسن، كبير الباحثين في معهد واشنطن، أن الضربة الأميركية هي رسالة أميركية على محاولات إيران تغيير قواعد اللعبة. وأضاف في حديث مع «الشرق الأوسط» أن إيران أرادت عبر استفزازاتها المتواصلة من الضربات الحوثية على أهداف مدنية ضد السعودية والصواريخ على السفارة الأميركية في بغداد وعلى مدينة أربيل، وعلى اغتيال المعارض اللبناني لقمان سليم، تغيير قواعد اللعبة. وقال إن «تلك الاستفزازات حصلت كلها خلال الشهر الأول من إدارة بايدن، ما أجبر فريق الرئيس على الاقتناع بأن إيران ستضرب المصالح الأميركية رغم إصرار واشنطن على التفاوض معها لاستئناف المحادثات النووية».
وقال مسؤولون أميركيون إن الضربات كانت استجابة عسكرية صغيرة نسبياً ومحسوبة بعناية، لتفادي رد فعل دبلوماسي للحكومة العراقية.
وقال كلاوسن إن بايدن يدعم العراق والكاظمي جداً ولا يريد إضعاف دعمه السياسي في الداخل والتسبب في مساءلته من معارضيه، لذلك جاءت الضربات في سوريا مجانية ومن دون أضرار له. وحسب تلك الأوساط، فقد عرض البنتاغون مجموعات أكبر من الأهداف، لكنّ بايدن وافق على خيار أقل عدوانية.



حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.


زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
TT

زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)

على وقع العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية الجديدة ضد النظام الإيراني، أعلن زعيم الجماعة الحوثية في اليمن، عبد الملك الحوثي، استعداد جماعته للتحرك في مسارات متعددة سياسياً وشعبياً وإعلامياً تضامناً مع طهران، دون التصريح المباشر بإعلان الحرب إلى جانبها.

وجاءت تصريحات الحوثي خلال خطاب متلفز، مساء السبت، دعا فيه أنصار جماعته إلى الخروج في مظاهرات حاشدة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وبقية المناطق الخاضعة لسيطرتها، مؤكداً أن الجماعة في «أهبة الاستعداد لأي تطورات»، وأن التحركات المقبلة ستشمل أنشطة جماهيرية وإعلامية وسياسية تهدف إلى إظهار التضامن مع طهران في مواجهة ما وصفه بالتصعيد الأميركي الإسرائيلي.

ويرى مراقبون أن الدعوة إلى التظاهر تمثل محاولة لإعادة تعبئة الشارع في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، وربط الصراع الداخلي اليمني بالتطورات الإقليمية، حيث ينظر إلى الجماعة بأنها أهم الأذرع العسكرية لإيران في المنطقة.

حشد من أنصار الجماعة الحوثية خلال تظاهرة في صنعاء أمام مبنى السفارة الأميركية (أ.ف.ب)

وزعم الحوثي في خطبته أن الضربات الإيرانية التي استهدفت قواعد عسكرية أميركية في المنطقة تمثل «حقاً مشروعاً»، معتبراً أنها تستهدف الوجود العسكري الأميركي وليس الدول التي تستضيف تلك القواعد.

ويأتي هذا الموقف متسقاً مع الخطاب السياسي والعسكري الذي تبنته الجماعة خلال الفترة الماضية، والقائم على تصوير الصراع بوصفه مواجهة إقليمية واسعة ضد النفوذ الأميركي والإسرائيلي ومناصرة الفلسطينيين في غزة.

ارتهان للمحور الإيراني

خلال الأعوام الأخيرة، تجاوز خطاب الجماعة الحوثية المجال الداخلي للصراع في اليمن، خصوصاً بعد تنفيذ هجمات بحرية وصاروخية مرتبطة بالحرب في غزة، الأمر الذي أدى إلى تصعيد المواجهة مع القوات الأميركية والإسرائيلية التي نفذت بدورها ضربات جوية ضد الجماعة والتي أدت إلى مقتل قيادات عسكرية ومدنية، بينهم رئيس أركان الجماعة وأكثر من نصف وزراء حكومتها الانقلابية.

ويشير محللون إلى أن ربط الحوثيين موقفهم بالتطورات الإيرانية يندرج ضمن ما يُعرف باستراتيجية «وحدة الساحات»، حيث تسعى الجماعة إلى تقديم نفسها كجزء من المحور الذي تقوده إيران، وليس مجرد طرف محلي في النزاع اليمني.

كما أن الدعوة إلى الحشد الشعبي تحمل بعداً داخلياً يهدف إلى تعزيز التماسك التنظيمي في ظل الضغوط الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة داخل مناطق سيطرة الجماعة التي تتخوف من إسقاط انقلابها إذا ما فقدت الداعم الرئيسي في طهران.

الجماعة الحوثية المدعومة من إيران تسببت في مقتل أكثر من 300 ألف يمني خلال سنوات الانقلاب (إ.ب.أ)

وتأتي تصريحات زعيم الحوثيين وسط مخاوف دولية من أن يؤدي أي تصعيد إضافي إلى توسيع نطاق المواجهة العسكرية، خصوصاً في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية.

وكانت الهجمات الحوثية السابقة ضد سفن مرتبطة بإسرائيل أو متجهة إلى موانيها قد دفعت الولايات المتحدة إلى تشكيل تحالف بحري لحماية الملاحة الدولية، أعقبته ضربات عسكرية استهدفت منصات إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة، قبل أن تتعهد الجماعة بعدم مهاجمة السفن الأميركية بناء على وساطة عمانية في منتصف 2025.

ويرى خبراء أن إعلان الجماعة الحوثية الاستعداد للتحرك تضامناً مع إيران قد يفتح الباب أمام عودة الهجمات بوتيرة أعلى، سواء عبر الهجمات البحرية أو إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

الموقف الحكومي

في بيان رسمي، حملت الحكومة اليمنية، النظام الإيراني المسؤولية الكاملة عن أي تصعيد يهدد أمن المنطقة، وعن استمرار سياساته القائمة على توسيع نطاق المواجهة عبر أدواته ووكلائه، وما يترتب على ذلك من تقويض لأمن الممرات المائية الدولية، وتهديد مصادر الطاقة، وتعريض شعوب المنطقة لمخاطر حرب مفتوحة لا تخدم سوى مشاريع الفوضى، والتخريب، والإرهاب.

وحذرت الحكومة الجماعة الحوثية من الانخراط بأي مغامرات عسكرية، دعماً للأجندة الإيرانية، أو محاولة استخدام الأراضي اليمنية منصة لاستهداف دول الجوار أو المصالح الدولية، مؤكدة أن أي تصرف من هذا القبيل يمثل عملاً عدائياً ضد اليمن، وتهديداً لمصالح شعبه، وأمنه القومي.

قيود الحوثيين وتعسفاتهم حرمت ملايين اليمنيين من المساعدات الإغاثية (أ.ف.ب)

وجددت الحكومة اليمنية دعوتها المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم إزاء الانتهاكات الإيرانية المتكررة لسيادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والعمل على ردع أي سلوك يزعزع أمن واستقرار المنطقة، ويفتح الباب أمام تصعيد واسع ستكون تكلفته باهظة على الجميع.

وشددت على أن أمن المنطقة مسؤولية جماعية، وأن الاستقرار لن يتحقق إلا باحترام سيادة الدول، والكف عن دعم المليشيات المسلحة، والامتثال الصارم لقواعد القانون الدولي.


البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)
الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)
TT

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)
الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات القيادة السعودية، المُخصصة لتغطية النفقات التشغيلية والرواتب.

وتأتي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية، وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ودعم التعافي المستدام في اليمن، حيث مثّل وزارة المالية اليمنية مروان بن غانم وزير المالية، فيما مثّل البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن المشرف العام السفير محمد آل جابر.

الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

ومن المنتظر أن يسهم الدعم في معالجة عجز الموازنة، وتعزيز قدرة الدولة اليمنية على الإيفاء بالتزاماتها ودعم جهود الإصلاح الاقتصادي، ترسيخاً لدعائم الاستقرار المستدام، وينعكس إيجاباً على تعزيز القوة الشرائية، وانتظام الدخل للأسر، وتحسين مستوى المعيشة، وكذلك تنشيط الأسواق التجارية.

كما يساهم الدعم في تعزيز قدرة المؤسسات اليمنية على مواصلة تقديم الخدمات للشعب اليمني، وتخفيف حدة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز احتياطيات النقد الأجنبي، تحقيقاً لمستوى من التوازن المالي ودعم استقرار الاقتصاد الكلي.

ويُعدّ هذا الدعم الاقتصادي امتداداً لسلسلة الدعوم الاقتصادية والتنموية المقدمة من المملكة العربية السعودية، وشملت ودائع ومنحاً لصالح البنك المركزي اليمني ومنحاً للمشتقات النفطية، وكذلك مشاريع ومبادرات تنموية عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، وشكّلت إحدى الدعائم الرئيسية نحو التعافي الاقتصادي في اليمن.

كما يمتد دعم البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ليشمل مساراً متكاملاً لبناء القدرات المؤسسية، الذي انطلق منتصف عام 2021، واستهدف وزارة التخطيط والتعاون الدولي ووزارة المالية اليمنية، تعزيزاً لقدرات الكوادر اليمنية، وتمكين الجهات الحكومية من تشخيص احتياجاتها، وتقييم قدراتها، والارتقاء بأدائها، بما ينسجم مع أفضل الممارسات.

يُعدّ هذا الدعم الاقتصادي امتداداً لسلسلة الدعوم الاقتصادية والتنموية المقدمة من السعودية (البرنامج السعودية)

ويساهم البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن في بناء وتنمية القدرات الحكومية وتطوير الكوادر بمختلف المستويات: المؤسساتية، والفنية، والأصول المجتمعية، عبر نقل الخبرات وتطوير الكفاءات الإدارية والفنية في مختلف القطاعات الأساسية والحيوية، حيث يمثل تعزيز قدرات المؤسسات الحكومية خطوة محورية في تعزيز الاستقرار وتحفيز النمو الاقتصادي.