أبحاث لتطوير لقاح موحد ضد كل الفيروسات التاجية

تأهباً لمواجهة الجائحات المقبلة

أبحاث لتطوير لقاح موحد ضد كل الفيروسات التاجية
TT

أبحاث لتطوير لقاح موحد ضد كل الفيروسات التاجية

أبحاث لتطوير لقاح موحد ضد كل الفيروسات التاجية

الجميع سيتذكر اختراع لقاحات «كوفيد – 19» على أنه حدث مهم في تاريخ الطب، ولا سيما أنه تم تطويرها في غضون أشهر بعد أن كان ابتكار اللقاحات يتطلب عشر سنوات على الأقل. ولكن الدكتور كيفون مودجارّاد، مدير فرع الأمراض المعدية الناشئة في معهد والتر ريد العسكري للأبحاث في سيلفر سبرينغ، ماريلاند، لا يشعر بالرضى.
رأى مودجارّاد، أن «التوصل إلى هذه اللقاحات لم يكن سريعاً بما يكفي»؛ إذ فقد نحو 2.3 مليون إنسان حياتهم بسبب هذا الفيروس حول العالم، ولن تستطيع دول كثيرة الحصول على الكميات الكافية من اللقاحات قبل سنة أو سنتين؛ ما دفع الدكتور للقول «سرعة... السرعة الحقيقية تقضي باختراع اللقاح في يوم واحد».
جائحات فيروسية
يرجح العلماء أن المستقبل سيشهد انتشارات متعددة لفيروسات «كورونا»؛ لأن الخفافيش وغيرها من الثديات مليئة بسلالات، وأنواع كثيرة من هذه العائلة الفيروسية الغنية، ولا شك أن بعضها سيتجاوز حواجز الأنواع السابقة، ويتحول إلى جوائح جديدة، أي أن الأمر مسألة وقت ليس إلا.
مودجارّاد هو واحد من علماء كثر طالبوا لسنوات بصناعة نوع جديد من اللقاحات: لقاح واحد يعمل في مواجهة جميع أنواع الفيروسات التاجية. ولكن هذه الدعوات والمطالبات قوبلت بالتجاهل حتى أثبت «كوفيد - 19» القدرات الكارثية لهذه العائلة التاجية.
بدأ الباحثون اليوم في تطوير نموذج تجريبي لما يُعرف بلقاح عام للفيروسات التاجية، ويمكن القول إنه أظهر بعض النتائج الواعدة في التجارب التي أجريت على الحيوانات. ويعتقد الدكتور إريك توبول، أستاذ محاضر في الطب الجزيئي في معهد «سكريبس ريسرتش» في سان دييغو، أن على العلماء أن يوحدوا جهودهم فوراً في مشروع كبير لصناعة اللقاحات.
ويقول توبول «علينا أن نجمع قوى عاملة حقيقية لتسريع هذا المشروع وإنهائه هذا العام». وكان توبول ودينيس بورتون، عالما مناعة في معهد «سكريبس»، قد دعيا إلى إطلاق مشروع واسع خاص بصناعة لقاحات للفيروسات التاجية في الثامن من فبراير (شباط) في دورية «نيتشر» العلمية.
سلالات تاجية
وضعت الدوائر العلمية تعريفاً للفيروسات التاجية لأول مرة عام 1969، ولكنها لم تصبح أولوية قصوى لصانعي اللقاحات؛ لأن نشاطها انحصر لعقود بنزلات برد طفيفة. ولكن في عام 2002. برز نوع جديد منها عُرف بالـ«سارس – كوف» يُسبب التهاباً رئوياً مميتاً يعرف بالمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة والتي اشتهرت باسم «سارس». في ذلك الوقت، وحّد العلماء جهودهم لصناعة لقاح لها.
لم نشهد في السابق صناعة لقاح بشري لفيروس كورونا؛ لهذا السبب كانت توجد الكثير من المعلومات التي يجب تعلمها حول تكوينه الحيوي. وأخيراً، اختار الباحثون هدفاً للمناعة، وهو بروتين شوكي يغطي سطح الفيروس. تساعد الأجسام المضادة التي تلتصق بهذا البروتين على منع الفيروس من الدخول إلى الخلايا ووقف العدوى.
لم ينتظر المسؤولون الصحيون في آسيا ومناطق أخرى اختراع لقاح للمتلازمة للبدءِ في العمل، بل عمّموا الحجر الصحي وغيره من الجهود التي أثبتت فاعلية ملحوظة. وفي غضون أشهر، استطاعوا التخلص من فيروس «سارس – كوف» الذي سجل 774 وفية.
ازدادت خطورة الفيروسات التاجية وضوحاً عام 2012 عندما ظهرت سلالة جديدة مصدرها الخفافيش تسبب مرضاً تنفسياً قاتلاً آخر هو متلازمة الشرق الأوسط التنفسية أو «ميرس». بدأ الباحثون في العمل على لقاحات لهذه المتلازمة، ولكن بعضهم تساءل ما إذا كانت صناعة لقاح لكل نوع من أنواع الفيروسات التاجية أو ما أسماه مودجارّاد «مقاربة فيروس واحد، علاج واحد» هي الاستراتيجية الأذكى. ألن يكون من الأفضل إذا استطاع العلماء صناعة لقاح واحد لمواجهة متلازمتي «سارس» و«ميرس»، وأي فيروس تاجي آخر؟
ولكن الفكرة لم تشهد أي تقدم لسنوات، لا سيما أن أعداد الوفيات التي سببتها المتلازمتان لم تكن كبيرة إلى جانب بروز فيروسات أخرى أكثر خطورة كالإيبولا والزيكا.
في عام 2016، تقدمت ماريا إيلينا بوتازي، خبيرة الفيروسات في كلية «بايلور للطب» وزملاؤها بطلب للحصول على دعم من الحكومة الأميركية لتطوير لقاح عام للفيروسات التاجية، ولكنهم لم يحصلوا عليه. وعن الرد الحكومي في ذلك الوقت، قالت بوتازي «لقد أجابوا بأنهم غير مهتمين بلقاح عام للفيروسات التاجية». علاوة على ذلك، خسر فريقها تمويلاً كان مخصصاً لتطوير لقاح لـ«سارس» رغم إظهاره فاعلية في تجارب أجريت على الفئران، وخلوه من السمية على الخلايا البشرية، وإمكانية صناعته بكميات كبيرة. باختصار، لم يكن فيروس كورونا الذي اختفى من المشهد الطبي أولية قصوى.
بعد انقطاع التمويل المالي المطلوب للبدء في التجارب السريرية، خزّن العلماء لقاح السارس الذي طوروه في الثلاجة وانتقلوا للعمل في أبحاث أخرى، ووصفت بوتازي الأمر بالمعاناة.
يصف الدكتور ماثيو ميمولي، خبير الفيروسات في المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، هذه القرارات بالخطأ الفادح، ويقول «إنها بمثابة الفشل لنظامنا العلمي؛ لأن الجهات الممولة تفضّل العمل على الأمور التي تحدث ضجة».
بعد مضي ثلاث سنوات، برز نوع جديد ثالث من الفيروسات التاجية هو «سارس – كوف – 2» الذي يقف خلف جائحة «كوفيد - 19»، ويختلف هذا الفيروس أقل عن الفيروسين المسببين لمتلازمتي «سارس» و«ميرس»، بأنه أسرع وأكثر انتشاراً من شخص إلى آخر، وسبب أكثر من 106 ملايين إصابة حول العالم والعدد مستمر بالارتفاع.
ساعدت الدروس التي تعلمها الباحثون من الفيروسات التاجية الماضية في التحرك سريعاً لصناعة لقاح للسلاسة الجديدة، فاستخدمت بوتازي وزملاؤها التقنية التي كانوا قد طوروا من خلالها لقاح للسارس لصناعة لقاح جديد لـ«كوفيد - 19» لا يزال في مرحلة مبكرة من تجاربه السريرية.
استخدم باحثون آخرون وسائل أكثر حداثة للتحرك بسرعة نحو تطوير اللقاح. فقد صنعت شركة «بيونتيك» الألمانية جزيئية جينية أسمتها «الحمض النووي الريبوزي المرسال» يعمل على ترميز البروتين الشوكي. دخلت «بيونتيك» في شراكة مع «فايزر» الأميركية وحصلتا معاً على ترخيص من الحكومة الأميركية لإنتاج لقاحهما في 11 شهراً فقط. وتجدر الإشارة إلى أن صناعة آخر لقاح من هذا النوع تطلبت أربع سنوات.
صحيح أن اختفاء جائحة «كوفيد - 19» لا يزال بعيداً، ولكن عدداً من الباحثين يدعون للبدء بالتحضيرات للجائحة القاتلة المقبلة.
لقاح موحد
من جهته، رأى دانيال هوفت، خبير الفيروسات في جامعة سانت لويس، أن «هذا الأمر حصل ثلاث مرات في الماضي، وسيحصل مجدداً على الأرجح».
تقدم باحثون في شركة «في بي آي فاكسينز» في مدينة كمبردج خطوة صغيرة باتجاه صناعة لقاح عام للفيروسات التاجية هذا الصيف. لقد صنعوا أصدافاً تشبه الفيروس تغطيها بروتينات شوكية مصدرها الفيروسات التاجية الثلاثة المسببة لـ«سارس» و«ميرس» و«كوفيد - 19».
عندما حقن الباحثون هذا اللقاح الذي يضم ثلاثة أنواع من الأشواك في الفئران، أنتجت هذه الحيوانات أجساماً مضادة حاربت الفيروسات التاجية الثلاثة المذكورة. ولكن ما أثار اهتمام الباحثين هو أن هذه الأجسام المضادة التصقت أيضاً بفيروس تاجي بشري رابع يسبب نزلات برد موسمية على الرغم من أن الأشواك البروتينية الخاصة به لم تكن مستخدمة في اللقاح. نشر العلماء هذه البيانات للجمهور، ولكنهم لم يعلنوا عنها بعد في دورية علمية.
الشهر الفائت، نشرت باميلا بيوركمان، المتخصصة في علم الأحياء الحيوي في معهد «كالتك» وزملاؤها تجربة موسعة لاختبار لقاح شامل للفيروسات التاجية في دورية «ساينس». لصناعة هذا اللقاح، وصّل الباحثون أطراف البروتينات الشوكية من ثمانية فيروسات تاجية مختلفة ببروتين أساسي يسمى «الجسيم النانوي». بعد حقن هذه الجسيمات النانوية في الفئران، دفعت الفئران لتوليد أجسام مضادة قادرة على الالتصاق بثمانية فيروسات تاجية وأربعة فيروسات إضافية من العائلة نفسها لم يستخدم الباحثون أثراً منها في اللقاح.
اليوم، يقود الباحث مودجارّاد فريقاً علمياً في معهد والتر ريد لتطوير لقاح آخر يعتمد على جسيم نانوي مرصع بأجزاء صغيرة من البروتين، ويتوقعون انطلاق التجارب السريرية على المتطوعين الشهر المقبل. يعتمد اللقاح حالياً على أجزاء من أشواك فيروس «سارس – كوف – 2»، ولكن مودجارّاد وفريقه يعتزمون تعديله ليصبح من فيروس عام لمواجهة الفيروسات التاجية.
بدوره، يعمل هوفت من جامعة سانت لويس على تطوير لقاح شامل لا يعتمد على الأجسام المضادة والبروتينات الشوكية. فقد طور، بالتعاون مع شركة «غريتستون أونكولوجي» ومقرها كاليفورنيا، لقاحاً يحث الخلايا على إنتاج بروتينات سطحية قد تعمل على إنذار الجهاز المناعي عند اختراق أي فيروس تاجي للجسم. يتحضر هؤلاء العلماء اليوم للبدء في التجارب السريرية لتبيان ما إذا كان هذا اللقاح فعالاً على فيروس «سارس – كوف – 2». وأخيراً، قال هوف «نحن مهتمون بتطوير لقاح من الجيل الثالث ربما ليكون جاهزاً لمواجهة أي جائحة مستقبلية».
* خدمة «نيويورك تايمز»



هل يعرف الذكاء الاصطناعي جينات العرب؟

1مشروع المليون جينوم عربي المستقبلي
1مشروع المليون جينوم عربي المستقبلي
TT

هل يعرف الذكاء الاصطناعي جينات العرب؟

1مشروع المليون جينوم عربي المستقبلي
1مشروع المليون جينوم عربي المستقبلي

يتجه الطب العالمي اليوم نحو مرحلة جديدة تُعرف باسم «الطب الدقيق» (Precision Medicine)، حيث لا تستند القرارات الطبية إلى التشخيص وحده، بل إلى الخصائص الجينية لكل مريض. ويعتمد هذا التوجه بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي القادر على تحليل ملايين المتغيرات الوراثية، والتنبؤ بالأمراض، والمساعدة في اختيار العلاجات الأكثر ملاءمة.

لكن مع التوسع السريع في هذه التطبيقات، يبرز سؤال جوهري: هل تعكس قواعد البيانات الجينية العالمية التنوع البشري الحقيقي، أم أن بعض شعوب العالم ما زالت غائبة عن هذه الثورة الطبية؟

نقص التنوع الجيني• «قصة مريض سعودي». وهي قصة تطرح سؤالاً مهماً... لنتخيل حالة قد تحدث في أي عيادة حديثة: رجل سعودي يبلغ من العمر 42 عاماً، يتمتع بصحة جيدة ولا يشكو من أعراض واضحة، خضع لتحليل جيني ضمن برنامج للطب الدقيق.

وبعد تحليل بياناته بواسطة نظام ذكاء اصطناعي يعتمد على ما يُعرف بدرجات الخطر متعددة الجينات (Polygenic Risk Scores)، بدت النتيجة مطمئنة؛ إذ صُنّف ضمن فئة الخطر المنخفض للإصابة بأمراض القلب. لكن طبيبه لاحظ وجود تاريخ عائلي قوي للإصابة المبكرة بأمراض الشرايين التاجية. وعندما أُجريت فحوص إضافية، ظهرت مؤشرات خطورة لم يكشفها التقييم الجيني الأولي.

في هذه الحالة لم يكن الخلل في الخوارزمية نفسها، بل ربما في البيانات التي تعلّمت منها. فإذا كانت معظم قواعد البيانات المستخدمة لتطوير هذه النماذج تستند إلى مجموعات سكانية تختلف وراثياً عن المريض، فقد تتراجع دقة التنبؤات عند تطبيقها على مجتمعات أخرى.

3ا ينجح الدواء مع شخص ويفشل مع آخر

دراسة جديدة تعيد فتح النقاش

وازدادت أهمية هذا الموضوع بعد دراسة دولية نُشرت في أبريل (نيسان) 2026 في مجلة «Frontiers in Medicine»، قادها الباحث اللبناني الدكتور فؤاد بيطار (Fouad Bitar) بالتعاون مع باحثين من الجامعة الأميركية في بيروت ومؤسسات أكاديمية دولية، من بينها جامعة جونز هوبكنز (Johns Hopkins University). وحللت الدراسة الاتجاهات العالمية لأبحاث درجات الخطر متعددة الجينات (Polygenic Risk Scores) المستخدمة في الطب الدقيق. وأظهرت النتائج أن هذا المجال يشهد نمواً متسارعاً حول العالم، لكنه ما زال يعاني من تركز الأبحاث والبيانات في عدد محدود من الدول والمجموعات السكانية.

وحذَّر الباحثون من أن التوسع في استخدام هذه النماذج دون زيادة التنوع الجيني في قواعد البيانات قد يؤدي إلى تفاوت في دقة التنبؤات بين الشعوب المختلفة؛ ما يحد من قدرة الطب الدقيق على تحقيق أهدافه بصورة عادلة وشاملة. وتنسجم هذه النتائج مع تحذيرات متزايدة من علماء الجينوم بأن نجاح الذكاء الاصطناعي الطبي لا يعتمد فقط على قوة الخوارزميات، بل أيضاً على مدى تمثيل البشر الذين تتعلم منهم تلك الخوارزميات.

• من تشخيص المرض إلى اختيار الدواء. لا تقتصر أهمية الجينوم على تقدير أخطار الإصابة بالأمراض، بل تمتد إلى أحد أكثر فروع الطب الدقيق تطوراً، وهو ما يُعرف باسم «الصيدلة الجينية» (Pharmacogenomics). ويدرس هذا التخصص العلاقة بين الجينات واستجابة المرضى للأدوية. فبعض الأشخاص قد يستجيبون بصورة ممتازة لعلاج معين، في حين يحتاج آخرون إلى جرعات مختلفة أو أدوية بديلة بسبب اختلافات جينية تؤثر في طريقة تعامل الجسم مع الدواء. ومع التوسع في استخدام هذه التقنيات، تزداد أهمية جودة البيانات الجينية وتنوعها، خصوصاً عند تطوير علاجات مخصصة لمجتمعات تختلف في خصائصها الوراثية.

2 الذكاء الاصطناعي وجينات العرب

الذكاء الاصطناعي وجينات العرب

• هل يعرف الذكاء الاصطناعي جينات العرب؟ في دراسة نُشرت عام 2023 في مجلة «طب الجينوم» (Genome Medicine)، وهي من أبرز المجلات الدولية المتخصصة في الطب الجيني والطب الدقيق، أظهر الباحثون أن العرب ما زالوا من أقل المجموعات السكانية تمثيلاً في قواعد البيانات الجينومية العالمية. فعلى الرغم من أن العرب يمثلون نحو 6 في المائة من سكان العالم، فإن نسبة تمثيلهم في قواعد البيانات الجينومية العالمية المتاحة للبحث العلمي لا تتجاوز نحو 0.17 في المائة.

وبعبارة أخرى، ما زال مئات الملايين من العرب شبه غائبين عن كثير من قواعد البيانات التي تستند إليها تطبيقات الطب الدقيق والذكاء الاصطناعي الطبي.

ولا يعني ذلك أن هذه النماذج غير صالحة للاستخدام، بل إن الحاجة ما زالت قائمة إلى توسيع تمثيل المجتمعات العربية في الدراسات الجينومية العالمية، بما يضمن أعلى مستويات الدقة والعدالة العلمية

• السعودية وقطر على خريطة الجينوم العالمية. شهد العالم العربي خلال السنوات الأخيرة تقدماً ملحوظاً في هذا المجال. فقد أسهم مشروع الجينوم السعودي في بناء قاعدة معرفية مهمة حول الأمراض الوراثية والطفرات الجينية المنتشرة في المملكة، كما يدعم مستهدفات «رؤية السعودية 2030» في تطوير الرعاية الصحية والبحث العلمي. ويُعدّ المشروع من أكبر المبادرات الجينومية في المنطقة؛ إذ يستهدف تحليل 100 ألف عينة جينية، في حين تجاوز عدد العينات التي خضعت للتحليل والتسلسل الجيني عشرات الآلاف، وأسهم في اكتشاف آلاف الطفرات الوراثية المرتبطة بالأمراض النادرة والوراثية.وفي الوقت نفسه، نجح مشروع الجينوم القطري في إنشاء واحدة من أهم قواعد البيانات الوراثية في المنطقة. وقد استقطب ما يقارب 50 ألف مشارك، وأسهم في بناء مرجع جيني غير مسبوق للسكان العرب وفهم الخصائص الوراثية الفريدة لسكان الخليج العربي. وتشكل هذه المبادرات نماذج مهمة لما يمكن أن تحققه الاستثمارات طويلة المدى في علوم الجينوم، ليس فقط لفهم الأمراض الوراثية، بل أيضاً لتطوير طب دقيق أكثر عدالة ودقة وملاءمة لاحتياجات المجتمعات العربية.

مشاريع الدول الكبرىفي المملكة المتحدة، أصبح مشروع «البنك الحيوي البريطاني» (UK Biobank) واحداً من أهم المشاريع الجينومية في العالم؛ إذ يضم بيانات صحية ووراثية لما يقارب نصف مليون مشارك.

أما في الولايات المتحدة، فيعمل برنامج «كلّنا» (All of Us) على جمع بيانات مليون مشارك أو أكثر؛ بهدف بناء مستقبل أكثر دقة وشمولاً للطب الشخصي أو الطب الدقيق.

وقد أسهم هذان المشروعان في تسريع الأبحاث المتعلقة بالأمراض المزمنة والعلاجات الموجهة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي الطبي، كما وفّرا قواعد بيانات ضخمة مكّنت الباحثين من تطوير نماذج أكثر دقةً للتنبؤ الجيني وفهم العلاقة بين الجينات والصحة والمرض.

وتُظهر هذه التجارب أن قوة الذكاء الاصطناعي في الطب لا تعتمد على الخوارزميات وحدها، بل أيضاً على حجم البيانات التي تتعلم منها ومدى تنوعها وتمثيلها للسكان. المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في البيانات التي تغذّيه.

3 الجينوم السعودي يرسم مستقبل الطب الدقيق

مشروع «المليون جينوم عربي»

• الجينوم العربي. هل حان الوقت لمشروع «المليون جينوم عربي»؟ في ضوء هذه التطورات، ربما حان الوقت للتفكير في مرحلة جديدة من التعاون العلمي العربي.

فالعالم العربي يضم أكثر من 450 مليون نسمة، ويتميز بتنوع جيني واسع وخصائص وراثية فريدة، إضافة إلى انتشار بعض الأمراض الوراثية والمزمنة التي تتطلب فهماً أعمق للعوامل الجينية المرتبطة بها.

ومن هنا، يمكن أن يشكل مشروع عربي مشترك لجمع مليون جينوم عربي خطوةً استراتيجية نحو تعزيز الطب الدقيق في المنطقة، وتحسين أداء تطبيقات الذكاء الاصطناعي الطبي، ودعم الأبحاث الدوائية والوراثية في العقود المقبلة. فكما استثمرت دول كبرى في بناء قواعدها الجينومية الوطنية، قد يكون بناء قاعدة جينومية عربية واسعة أحد أهم الاستثمارات العلمية والصحية لمستقبل الأجيال المقبلة.

• مستقبل الطب الدقيق في العالم العربي. أصبحت البيانات الجينية اليوم جزءاً أساسياً من البنية التحتية للطب الحديث. وكلما ازدادت قدرة الذكاء الاصطناعي على تحليل الجينوم، ازدادت أهمية ضمان تمثيل جميع الشعوب داخل قواعد البيانات التي يستند إليها.

ولذلك؛ لم يعد التحدي تقنياً فحسب، بل أصبح علمياً واستراتيجياً أيضاً. فمستقبل الطب الدقيق في العالم العربي لن يعتمد على عدد الخوارزميات التي نستخدمها، بقدر ما يعتمد على حجم البيانات العربية التي تسهم في تدريبها.

وإذا كانت المملكة العربية السعودية وقطر قد بدأتا بالفعل بناء قواعد معرفية جينومية متقدمة، فإن الخطوة التالية قد تتمثل في الانتقال من المشاريع الوطنية إلى رؤية عربية مشتركة تضمن حضور العرب في الطب الدقيق العالمي بقدر حضورهم في الواقع السكاني. وفي عصر الذكاء الاصطناعي، لا تكتسب الشعوب مكانتها العلمية بعدد مستخدمي التكنولوجيا فقط، بل بمدى حضور بياناتها في المعرفة التي تصنع مستقبل الطب.


خريطة جينية تكشف دوراً خفياً لـ«الهيستامين» في الصحة النفسية

مستقبلات الهيستامين في الدماغ تلعب دورا في الاستجابة للمشاعر
مستقبلات الهيستامين في الدماغ تلعب دورا في الاستجابة للمشاعر
TT

خريطة جينية تكشف دوراً خفياً لـ«الهيستامين» في الصحة النفسية

مستقبلات الهيستامين في الدماغ تلعب دورا في الاستجابة للمشاعر
مستقبلات الهيستامين في الدماغ تلعب دورا في الاستجابة للمشاعر

لطالما ارتبط «الهيستامين» في أذهان الناس بالحساسية والعطاس، لكن دراسة علمية حديثة كشفت أنه قد يكون أحد المفاتيح المهمة لفهم كيفية عمل الدماغ البشري. فقد تمكن علماء من بناء أول خريطة تربط بين جينات «الهيستامين» ووظائف الدماغ والسلوك الإنساني لتظهر أن هذا الجزيء يشارك في تنظيم المشاعر والذاكرة والاستجابة للتوتر، كما يرتبط بمناطق دماغية تتأثر في عدد من الاضطرابات النفسية الشائعة.

جزيء معروف ودور مجهول. وفي دراسة حديثة نُشرت في مجلة «Nature Mental Health» في 12 مايو (أيار) 2026 نجح باحثون من جامعتي «كينغز كوليدج لندن» البريطانية وبورتو البرتغالية في رسم أول خريطة شاملة لنظام «الهيستامين» في الدماغ البشري في إنجاز يربط بين الجينات ووظائف الدماغ والصحة النفسية ويفتح آفاقاً جديدة لفهم أمراض مثل الاكتئاب والفصام واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.

• دور دماغي.رغم أن «الهيستامين» معروف منذ عقود كأحد المواد المسؤولة عن أعراض الحساسية فإنه يعمل أيضاً كناقل عصبي يساعد الخلايا العصبية على التواصل فيما بينها. ومع ذلك ظل دوره الدماغي أقل دراسة مقارنة بناقلات عصبية شهيرة مثل الدوبامين والسيروتونين اللذين يشكلان أساس العديد من العلاجات النفسية الحالية.

ويقول الباحثون بقيادة ستيف ويليامز أستاذ التصوير العصبي في معهد علم الأعصاب وعلم الأعصاب النفسي في جامعة «كينغز كوليدج لندن» والمؤلف الرئيسي للورقة البحثية، إن هذا الإهمال العلمي ترك فجوة مهمة في فهم كيفية عمل الدماغ، خصوصاً وأن «الهيستامين» يتفاعل بشكل وثيق مع أنظمة كيميائية عصبية أخرى تؤثر في المزاج والانتباه والاندفاعية (impulsivity).

• بناء أول خريطة متعددة المستويات .للوصول إلى صورة أكثر وضوحاً جمع العلماء كميات ضخمة من البيانات الجينية والجزيئية ودمجوها مع خرائط تشريحية ووظيفية للدماغ البشري.

واعتمد الفريق على تقنيات تصوير متقدمة، من بينها «التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني» (PET) (positron emission tomography) الذي يسمح بتتبع مستقبلات «الهيستامين» داخل أدمغة أشخاص أحياء إلى جانب قواعد بيانات ضخمة تربط مناطق الدماغ بوظائف معرفية وسلوكية مختلفة.

وأظهرت النتائج أن مستقبلات «الهيستامين» ليست موزعة بشكل عشوائي، بل تتركز في مناطق محددة ترتبط بعمليات دماغية أساسية. كما تبين أن بعض هذه المستقبلات توجد على خلايا عصبية تزيد النشاط العصبي بينما توجد أنواع أخرى على خلايا تقلل هذا النشاط.

ويشير ذلك إلى أن «الهيستامين» قد يؤدي دوراً محورياً في الحفاظ على التوازن الدقيق بين التنشيط والتثبيط داخل الدماغ، وهو توازن ضروري لعمل الشبكات العصبية بصورة سليمة.

من العواطف إلى اتخاذ القرار.عندما قارن الباحثون توزيع الجينات المرتبطة بـ«الهيستامين» بوظائف الدماغ المختلفة ظهرت نتائج لافتة. فقد تبين أن المناطق التي يزداد فيها نشاط هذه الجينات ترتبط بمجموعة واسعة من الوظائف المعرفية والسلوكية تشمل تنظيم المشاعر والاستجابة للتوتر والخوف واتخاذ القرارات وضبط الاندفاع والشعور بالمكافأة، إضافة إلى النوم والذاكرة.

وتشير هذه النتائج إلى أن «الهيستامين» ليس مجرد عنصر ثانوي في كيمياء الدماغ، بل قد يكون جزءاً من شبكة معقدة تتحكم في العديد من الجوانب الأساسية للسلوك الإنساني.

• صلة محتملة بالاضطرابات النفسية.. من أكثر النتائج إثارة للاهتمام أن المناطق الدماغية الغنية بالجينات المرتبطة بـ«الهيستامين» تداخلت بشكل واضح مع مناطق معروفة بتأثرها في عدد من الاضطرابات النفسية والعصبية.

وشملت هذه الاضطرابات اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) والاكتئاب الشديد والفصام وفقدان الشهية العصبي.

ورغم أن الدراسة لا تثبت أن «الهيستامين» يسبب هذه الأمراض بشكل مباشر، فإنها تعزز فرضيات علمية سابقة تشير إلى أن اضطراب إشارات «الهيستامين» قد يساهم في زيادة قابلية بعض مناطق الدماغ للتأثر بهذه الحالات.

ويؤكد الباحثون أن النتائج تنسجم مع الاتجاه الحديث في الطب النفسي الذي ينظر إلى الاضطرابات النفسية على أنها ناتجة عن خلل في شبكات دماغية متعددة ومتداخلة وليس نتيجة اختلال مادة كيميائية واحدة فقط.

• علاجات جديدة. هل يقود «الهيستامين» إلى علاجات جديدة؟ تعتمد معظم الأدوية النفسية الحالية على التأثير في أنظمة السيروتونين أو الدوبامين. لكن الخريطة الجديدة تشير إلى أن نظام «الهيستامين» قد يشكل هدفاً علاجياً واعداً خصوصاً للأعراض التي يصعب علاجها حالياً مثل ضعف التركيز والتعب المزمن وانخفاض الاندفاعية وبعض المشكلات الإدراكية.

ويرى العلماء أن فهم كيفية تفاعل «الهيستامين» مع بقية النواقل العصبية قد يساعد مستقبلاً على تطوير أدوية أكثر دقة تستهدف دوائر دماغية محددة بدلاً من التأثير الواسع على الدماغ بأكمله.

ويشدد الباحثون على أن هذه النتائج تمثل نقطة انطلاق أكثر من كونها إجابات نهائية. فالخريطة الجديدة تكشف أن «الهيستامين» حاضر في قلب العديد من الوظائف الدماغية المهمة لكنها لا تزال بحاجة إلى دراسات إضافية لفهم الآليات الدقيقة التي يعمل من خلالها.

• مشاريع بحثية . تجري بالفعل مشاريع بحثية لمتابعة نشاط «الهيستامين» لدى المرضى المصابين بأمراض عصبية مختلفة مثل مرض «هنتنغتون» (Huntington›s disease) لمعرفة كيف تتغير إشاراته مع تطور المرض، وكيف ترتبط بأعراض مثل الاكتئاب واللامبالاة والقلق.

و«مرض هنتنغتون» هو حالة وراثية تؤثر على الحركة والتفكير والمزاج، حيث يتفاقم المرض مع مرور الوقت، ولا يوجد علاج شافٍ له حالياً، ولكن توجد علاجات تساعد في تخفيف الأعراض.

ومع ازدياد الاهتمام العلمي بهذا النظام الكيميائي المهمل نسبياً يبدو أن «الهيستامين» قد ينتقل من كونه مجرد جزيء مرتبط بالحساسية إلى مفتاح جديد لفهم الدماغ البشري وعلاج بعض أكثر الاضطرابات النفسية تعقيداً في المستقبل.


أسمنت أنظف بتكلفة أقل

الإسمنت يعد المكون الأساسي في الخرسانة (جامعة كاليفورنيا - سانتا باربرا)
الإسمنت يعد المكون الأساسي في الخرسانة (جامعة كاليفورنيا - سانتا باربرا)
TT

أسمنت أنظف بتكلفة أقل

الإسمنت يعد المكون الأساسي في الخرسانة (جامعة كاليفورنيا - سانتا باربرا)
الإسمنت يعد المكون الأساسي في الخرسانة (جامعة كاليفورنيا - سانتا باربرا)

يُعد الأسمنت من أكثر مواد البناء استخداماً في العالم، غير أن هذه المادة تحمل في طيّاتها تبعات بيئية جسيمة كثيراً ما تمر دون أن تحظى بالاهتمام الكافي؛ إذ تتسبب صناعة الأسمنت وحدها في نحو 4.4 في المائة من إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة على مستوى العالم، وهي نسبة تضاهي ما تُصدره جميع سيارات الركاب مجتمعة.

وفي ظل التسارع المتنامي نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة وخفض الانبعاثات الكربونية، باتت الحاجة ماسّة إلى إعادة النظر في الأساليب التقليدية لإنتاج الأسمنت؛ فالطريقة المعتمدة حالياً تعتمد على تسخين الحجر الجيري عند درجات حرارة تتجاوز 1500 درجة مئوية، ما يؤدي إلى إطلاق كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، سواء من عملية التسخين أو من تحلل الحجر الجيري نفسه.

في هذا السياق، تأتي دراسة لباحثين من جامعة كاليفورنيا - سانتا باربرا، لتطرح مساراً واعداً نحو أسمنت أنظف وأقل تكلفة، يقوم على استبدال الحجر الجيري بصخور غنية بالكالسيوم مثل البازلت، وهو ما قد يؤدي إلى خفض كبير في استهلاك الطاقة وتقليل الانبعاثات الكربونية المرتبطة بالإنتاج. ووفقاً للدراسة، فإن استخدام صخور السيليكات الغنية بالكالسيوم مثل البازلت، التي لا تحتوي على كربون، يمكن أن يقلل الانبعاثات الناتجة عن العملية بشكل كبير. ونُشرت النتائج بعدد 18 مايو (أيار) 2026 بدورية «Communications Sustainability».

نتائج واعدة

ووفقاً للباحثين، فإن هذا التحول قد يخفض استهلاك الطاقة في الإنتاج إلى أقل من 60 في المائة مقارنة بالطريقة التقليدية، مع تقليل الانبعاثات بنسبة تتجاوز 80 في المائة في بعض السيناريوهات.

وأظهرت الحسابات النظرية أن الانبعاثات الناتجة عن إنتاج طن واحد من الأسمنت باستخدام الحجر الجيري تبلغ نحو 609 كيلوغرامات من ثاني أكسيد الكربون، بينما يمكن أن تنخفض إلى نحو 50 كيلوغراماً فقط عند استخدام صخور السيليكات، وذلك حسب نوع الصخر ومصدر الطاقة المستخدم. كما أشار الباحثون إلى أن تشغيل العملية باستخدام الكهرباء من الشبكة الحالية قد يحقق خفضاً في الانبعاثات بنسبة تتجاوز 25 في المائة حتى دون إدخال تحسينات إضافية.

وتوضح الدراسة أن صخور البازلت متوفرة بكميات ضخمة تكفي لتلبية الطلب العالمي على الأسمنت لعدة مئات الآلاف من السنين، ما يجعلها مصدراً شبه غير محدود للمواد الخام.

ولم تتوقف الفوائد عند هذا الحد، إذ تحتوي هذه الصخور على عناصر أخرى مثل الحديد والألمنيوم، ما يفتح الباب أمام إنتاج مشترك للأسمنت والصلب والألمنيوم من المادة الخام نفسها، وبالتالي تقليل الهدر وتحسين كفاءة الموارد.

الإسمنت من أكثر مواد البناء استخداما في العالم (جامعة كاليفورنيا - سانتا باربرا)

تحديات التطبيق

ورغم هذه المزايا، يقرّ الباحثون بأن التحول إلى هذه التقنية لن يكون سهلاً، نظراً لهيمنة الطريقة التقليدية التي تعتمد على الحجر الجيري منذ أكثر من قرن، إضافة إلى انخفاض تكلفة الأسمنت حالياً وتعقيد سلاسل التوريد في قطاع البناء. كما أن أي تغيير في معايير إنتاج الأسمنت قد يواجه مقاومة من القطاع الصناعي الذي يعتمد على مواصفات مستقرة ومعتمدة عالمياً.

ويصف الدكتور حسام بخيت، رئيس المجلس الاستشاري العربي للتعدين، هذه الفكرة بأنها «عبقرية» من الناحية البيئية والمواد الخام، مشيراً إلى أن خفض درجة الحرارة المطلوبة لإنتاج الأسمنت قد يوفر ملايين الدولارات من تكاليف الوقود والمحارق.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن البازلت يُعد من أكثر الصخور انتشاراً على سطح الأرض، إذ يشكل جزءاً كبيراً من قاع المحيطات ومساحات واسعة من اليابسة، ما يعني توفره بكميات ضخمة وعدم وجود مشكلة ندرة في مواده الخام.

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، أوضح أن نقل الفكرة من المختبر إلى التطبيق الصناعي سيواجه تحديات، أبرزها الحاجة إلى تغيير البنية التحتية لمصانع الأسمنت الحالية المصممة للتعامل مع الحجر الجيري، وهو ما قد يتطلب تعديلات جذرية أو إنشاء مصانع جديدة بتكلفة مرتفعة. كما أشار إلى أن صلابة البازلت العالية تجعل عملية طحنه وسحقه أكثر استهلاكاً للطاقة مقارنة بالحجر الجيري، ما قد يقلل من جزء من وفورات الطاقة المتوقعة في عملية التصنيع.

وتطرق أيضاً إلى العقبات التنظيمية القانونية، إذ إن اعتماد مواد بناء جديدة يتطلب سنوات من الاختبارات والتجارب لإدراجها ضمن «الرموز الكمبيوترية» لقطاع البناء والتأكد من مطابقتها لمعايير المتانة والسلامة.

وأضاف بخيت أن سلاسل الإمداد تمثل تحدياً إضافياً، إذ إن مصانع الأسمنت غالباً ما تُبنى قرب محاجر الحجر الجيري، بينما قد يستلزم استخدام البازلت نقل المواد لمسافات أطول أو إعادة توزيع مواقع المصانع، ما قد يزيد التكاليف والانبعاثات.

واعتبر أن الفكرة تمثل اتجاهاً واعداً لمستقبل صناعة البناء وخفض الانبعاثات، مشيراً إلى أن بعض الشركات نجحت بالفعل في تطوير بدائل مطابقة للمواصفات، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في التمويل والسوق، ما قد يتطلب دعماً حكومياً أو فرض سياسات مثل ضريبة الكربون لجعل البدائل أكثر تنافسية.