أبحاث لتطوير لقاح موحد ضد كل الفيروسات التاجية

تأهباً لمواجهة الجائحات المقبلة

أبحاث لتطوير لقاح موحد ضد كل الفيروسات التاجية
TT

أبحاث لتطوير لقاح موحد ضد كل الفيروسات التاجية

أبحاث لتطوير لقاح موحد ضد كل الفيروسات التاجية

الجميع سيتذكر اختراع لقاحات «كوفيد – 19» على أنه حدث مهم في تاريخ الطب، ولا سيما أنه تم تطويرها في غضون أشهر بعد أن كان ابتكار اللقاحات يتطلب عشر سنوات على الأقل. ولكن الدكتور كيفون مودجارّاد، مدير فرع الأمراض المعدية الناشئة في معهد والتر ريد العسكري للأبحاث في سيلفر سبرينغ، ماريلاند، لا يشعر بالرضى.
رأى مودجارّاد، أن «التوصل إلى هذه اللقاحات لم يكن سريعاً بما يكفي»؛ إذ فقد نحو 2.3 مليون إنسان حياتهم بسبب هذا الفيروس حول العالم، ولن تستطيع دول كثيرة الحصول على الكميات الكافية من اللقاحات قبل سنة أو سنتين؛ ما دفع الدكتور للقول «سرعة... السرعة الحقيقية تقضي باختراع اللقاح في يوم واحد».
جائحات فيروسية
يرجح العلماء أن المستقبل سيشهد انتشارات متعددة لفيروسات «كورونا»؛ لأن الخفافيش وغيرها من الثديات مليئة بسلالات، وأنواع كثيرة من هذه العائلة الفيروسية الغنية، ولا شك أن بعضها سيتجاوز حواجز الأنواع السابقة، ويتحول إلى جوائح جديدة، أي أن الأمر مسألة وقت ليس إلا.
مودجارّاد هو واحد من علماء كثر طالبوا لسنوات بصناعة نوع جديد من اللقاحات: لقاح واحد يعمل في مواجهة جميع أنواع الفيروسات التاجية. ولكن هذه الدعوات والمطالبات قوبلت بالتجاهل حتى أثبت «كوفيد - 19» القدرات الكارثية لهذه العائلة التاجية.
بدأ الباحثون اليوم في تطوير نموذج تجريبي لما يُعرف بلقاح عام للفيروسات التاجية، ويمكن القول إنه أظهر بعض النتائج الواعدة في التجارب التي أجريت على الحيوانات. ويعتقد الدكتور إريك توبول، أستاذ محاضر في الطب الجزيئي في معهد «سكريبس ريسرتش» في سان دييغو، أن على العلماء أن يوحدوا جهودهم فوراً في مشروع كبير لصناعة اللقاحات.
ويقول توبول «علينا أن نجمع قوى عاملة حقيقية لتسريع هذا المشروع وإنهائه هذا العام». وكان توبول ودينيس بورتون، عالما مناعة في معهد «سكريبس»، قد دعيا إلى إطلاق مشروع واسع خاص بصناعة لقاحات للفيروسات التاجية في الثامن من فبراير (شباط) في دورية «نيتشر» العلمية.
سلالات تاجية
وضعت الدوائر العلمية تعريفاً للفيروسات التاجية لأول مرة عام 1969، ولكنها لم تصبح أولوية قصوى لصانعي اللقاحات؛ لأن نشاطها انحصر لعقود بنزلات برد طفيفة. ولكن في عام 2002. برز نوع جديد منها عُرف بالـ«سارس – كوف» يُسبب التهاباً رئوياً مميتاً يعرف بالمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة والتي اشتهرت باسم «سارس». في ذلك الوقت، وحّد العلماء جهودهم لصناعة لقاح لها.
لم نشهد في السابق صناعة لقاح بشري لفيروس كورونا؛ لهذا السبب كانت توجد الكثير من المعلومات التي يجب تعلمها حول تكوينه الحيوي. وأخيراً، اختار الباحثون هدفاً للمناعة، وهو بروتين شوكي يغطي سطح الفيروس. تساعد الأجسام المضادة التي تلتصق بهذا البروتين على منع الفيروس من الدخول إلى الخلايا ووقف العدوى.
لم ينتظر المسؤولون الصحيون في آسيا ومناطق أخرى اختراع لقاح للمتلازمة للبدءِ في العمل، بل عمّموا الحجر الصحي وغيره من الجهود التي أثبتت فاعلية ملحوظة. وفي غضون أشهر، استطاعوا التخلص من فيروس «سارس – كوف» الذي سجل 774 وفية.
ازدادت خطورة الفيروسات التاجية وضوحاً عام 2012 عندما ظهرت سلالة جديدة مصدرها الخفافيش تسبب مرضاً تنفسياً قاتلاً آخر هو متلازمة الشرق الأوسط التنفسية أو «ميرس». بدأ الباحثون في العمل على لقاحات لهذه المتلازمة، ولكن بعضهم تساءل ما إذا كانت صناعة لقاح لكل نوع من أنواع الفيروسات التاجية أو ما أسماه مودجارّاد «مقاربة فيروس واحد، علاج واحد» هي الاستراتيجية الأذكى. ألن يكون من الأفضل إذا استطاع العلماء صناعة لقاح واحد لمواجهة متلازمتي «سارس» و«ميرس»، وأي فيروس تاجي آخر؟
ولكن الفكرة لم تشهد أي تقدم لسنوات، لا سيما أن أعداد الوفيات التي سببتها المتلازمتان لم تكن كبيرة إلى جانب بروز فيروسات أخرى أكثر خطورة كالإيبولا والزيكا.
في عام 2016، تقدمت ماريا إيلينا بوتازي، خبيرة الفيروسات في كلية «بايلور للطب» وزملاؤها بطلب للحصول على دعم من الحكومة الأميركية لتطوير لقاح عام للفيروسات التاجية، ولكنهم لم يحصلوا عليه. وعن الرد الحكومي في ذلك الوقت، قالت بوتازي «لقد أجابوا بأنهم غير مهتمين بلقاح عام للفيروسات التاجية». علاوة على ذلك، خسر فريقها تمويلاً كان مخصصاً لتطوير لقاح لـ«سارس» رغم إظهاره فاعلية في تجارب أجريت على الفئران، وخلوه من السمية على الخلايا البشرية، وإمكانية صناعته بكميات كبيرة. باختصار، لم يكن فيروس كورونا الذي اختفى من المشهد الطبي أولية قصوى.
بعد انقطاع التمويل المالي المطلوب للبدء في التجارب السريرية، خزّن العلماء لقاح السارس الذي طوروه في الثلاجة وانتقلوا للعمل في أبحاث أخرى، ووصفت بوتازي الأمر بالمعاناة.
يصف الدكتور ماثيو ميمولي، خبير الفيروسات في المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، هذه القرارات بالخطأ الفادح، ويقول «إنها بمثابة الفشل لنظامنا العلمي؛ لأن الجهات الممولة تفضّل العمل على الأمور التي تحدث ضجة».
بعد مضي ثلاث سنوات، برز نوع جديد ثالث من الفيروسات التاجية هو «سارس – كوف – 2» الذي يقف خلف جائحة «كوفيد - 19»، ويختلف هذا الفيروس أقل عن الفيروسين المسببين لمتلازمتي «سارس» و«ميرس»، بأنه أسرع وأكثر انتشاراً من شخص إلى آخر، وسبب أكثر من 106 ملايين إصابة حول العالم والعدد مستمر بالارتفاع.
ساعدت الدروس التي تعلمها الباحثون من الفيروسات التاجية الماضية في التحرك سريعاً لصناعة لقاح للسلاسة الجديدة، فاستخدمت بوتازي وزملاؤها التقنية التي كانوا قد طوروا من خلالها لقاح للسارس لصناعة لقاح جديد لـ«كوفيد - 19» لا يزال في مرحلة مبكرة من تجاربه السريرية.
استخدم باحثون آخرون وسائل أكثر حداثة للتحرك بسرعة نحو تطوير اللقاح. فقد صنعت شركة «بيونتيك» الألمانية جزيئية جينية أسمتها «الحمض النووي الريبوزي المرسال» يعمل على ترميز البروتين الشوكي. دخلت «بيونتيك» في شراكة مع «فايزر» الأميركية وحصلتا معاً على ترخيص من الحكومة الأميركية لإنتاج لقاحهما في 11 شهراً فقط. وتجدر الإشارة إلى أن صناعة آخر لقاح من هذا النوع تطلبت أربع سنوات.
صحيح أن اختفاء جائحة «كوفيد - 19» لا يزال بعيداً، ولكن عدداً من الباحثين يدعون للبدء بالتحضيرات للجائحة القاتلة المقبلة.
لقاح موحد
من جهته، رأى دانيال هوفت، خبير الفيروسات في جامعة سانت لويس، أن «هذا الأمر حصل ثلاث مرات في الماضي، وسيحصل مجدداً على الأرجح».
تقدم باحثون في شركة «في بي آي فاكسينز» في مدينة كمبردج خطوة صغيرة باتجاه صناعة لقاح عام للفيروسات التاجية هذا الصيف. لقد صنعوا أصدافاً تشبه الفيروس تغطيها بروتينات شوكية مصدرها الفيروسات التاجية الثلاثة المسببة لـ«سارس» و«ميرس» و«كوفيد - 19».
عندما حقن الباحثون هذا اللقاح الذي يضم ثلاثة أنواع من الأشواك في الفئران، أنتجت هذه الحيوانات أجساماً مضادة حاربت الفيروسات التاجية الثلاثة المذكورة. ولكن ما أثار اهتمام الباحثين هو أن هذه الأجسام المضادة التصقت أيضاً بفيروس تاجي بشري رابع يسبب نزلات برد موسمية على الرغم من أن الأشواك البروتينية الخاصة به لم تكن مستخدمة في اللقاح. نشر العلماء هذه البيانات للجمهور، ولكنهم لم يعلنوا عنها بعد في دورية علمية.
الشهر الفائت، نشرت باميلا بيوركمان، المتخصصة في علم الأحياء الحيوي في معهد «كالتك» وزملاؤها تجربة موسعة لاختبار لقاح شامل للفيروسات التاجية في دورية «ساينس». لصناعة هذا اللقاح، وصّل الباحثون أطراف البروتينات الشوكية من ثمانية فيروسات تاجية مختلفة ببروتين أساسي يسمى «الجسيم النانوي». بعد حقن هذه الجسيمات النانوية في الفئران، دفعت الفئران لتوليد أجسام مضادة قادرة على الالتصاق بثمانية فيروسات تاجية وأربعة فيروسات إضافية من العائلة نفسها لم يستخدم الباحثون أثراً منها في اللقاح.
اليوم، يقود الباحث مودجارّاد فريقاً علمياً في معهد والتر ريد لتطوير لقاح آخر يعتمد على جسيم نانوي مرصع بأجزاء صغيرة من البروتين، ويتوقعون انطلاق التجارب السريرية على المتطوعين الشهر المقبل. يعتمد اللقاح حالياً على أجزاء من أشواك فيروس «سارس – كوف – 2»، ولكن مودجارّاد وفريقه يعتزمون تعديله ليصبح من فيروس عام لمواجهة الفيروسات التاجية.
بدوره، يعمل هوفت من جامعة سانت لويس على تطوير لقاح شامل لا يعتمد على الأجسام المضادة والبروتينات الشوكية. فقد طور، بالتعاون مع شركة «غريتستون أونكولوجي» ومقرها كاليفورنيا، لقاحاً يحث الخلايا على إنتاج بروتينات سطحية قد تعمل على إنذار الجهاز المناعي عند اختراق أي فيروس تاجي للجسم. يتحضر هؤلاء العلماء اليوم للبدء في التجارب السريرية لتبيان ما إذا كان هذا اللقاح فعالاً على فيروس «سارس – كوف – 2». وأخيراً، قال هوف «نحن مهتمون بتطوير لقاح من الجيل الثالث ربما ليكون جاهزاً لمواجهة أي جائحة مستقبلية».
* خدمة «نيويورك تايمز»



أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.


«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد
TT

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

يُعدّ مبنى الحياة والعقل الجديد بجامعة أكسفورد Life and Mind Building (LaMB)، الذي افتُتح في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، مثالاً بارزاً على التصميم المبتكر الذي يدمج بين الهندسة المعمارية والاستدامة وعلم الأعصاب.

مبنى بتصميم رمزي

يضمّ هذا المختبر، الذي تبلغ مساحته 269000 قدم مربعة (24991 متراً مربعاً)، وهو الأكبر في الحرم الجامعي، قسمي علم النفس التجريبي وعلم الأحياء، ليُشكّل مركزاً للبحوث المتطورة في علوم الدماغ وعلم الحيوان وعلوم النبات. إلا أن تصميم المبنى يتضمن تفصيلاً خفياً مثيراً للاهتمام: فواجهته، المصنوعة من الخرسانة ذات السطح المتموج، تقدم في الواقع رموزاً لمسح دماغي لإحدى الباحثات من أكسفورد.

لا يقتصر هذا العنصر التصميمي على الجانب الجمالي فحسب، بل يخدم غرضاً رمزياً أعمق. فقد استُمدّ نسيج واجهة المبنى الخارجية من مسح دماغ «سيج بوتشر»، الطالبة في قسم علم النفس التجريبي، وهو المسح الذي أُجري في أثناء تخيّلها لمستقبل مبنى الحياة والعقل. وقد سُجّل نشاط دماغها في لحظة وجيزة، مدتها ثانيتان، ما أسفر عن نمط موجي جيبي فريد نُحت لاحقاً على ألواح حجرية. وتُرمز التموجات في خرسانة المبنى إلى الأفكار الإيجابية، وتُنشئ صلةً مباشرةً بين وظيفة المبنى ومجال علم الأعصاب.

أكّد المهندسون المعماريون في شركة «إن بي بي جيه»، المسؤولة عن تصميم المبنى، على أهمية الاستدامة، فاختاروا مواد متينة كالخرسانة والحجر والمعادن، قادرة على الصمود أمام اختبار الزمن، وهو أمر بالغ الأهمية لجامعة عمرها قرابة ألف عام.

وكان الهدف هو إنشاء مبنى يُكمّل حرم جامعة أكسفورد التاريخي، مع تقديم تصميم عصري وجذاب بصرياً. ويعكس تضمين واجهة المبنى لصورة مسح الدماغ، إلى جانب المواد المتينة المستخدمة، هذا الالتزام بالخلود.

مختبرات مستدامة

وإلى جانب جاذبيته الجمالية، يُرسي المبنى معياراً جديداً لتصميم المختبرات المستدامة. فالمختبرات عادةً ما تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، مع متطلبات عالية للتحكم في المناخ للحفاظ على ظروف التجارب. ونظراً لأن المختبرات تستهلك ما يصل إلى عشرة أضعاف الطاقة التي يستهلكها مكتب عادي، فقد صُمم المبنى مع مراعاة هذا التحدي.

يتميز المبنى بنظام تغليف محكم الإغلاق يجمع بين ألواح خرسانية وعزل حراري ونوافذ ثلاثية الزجاج وتفاصيل دقيقة لتقليل فقدان الطاقة إلى أدنى حد. كما يساهم استخدام أنظمة تهوية متطورة وألواح شمسية وردهة مركزية لزيادة الإضاءة الطبيعية في خفض استهلاك الطاقة. ونتيجةً لهذه الابتكارات، ينبعث من المبنى نحو 40 في المائة أقل من انبعاثات الكربون مقارنةً بمبنى مختبر تقليدي من الحجم نفسه.

وبشكل عام، يُعدّ مبنى «لايف آند مايند» إنجازاً بارزاً في مجال العمارة المستدامة، إذ يرتقي بمستوى ما يمكن أن تحققه مرافق البحث الجامعية من حيث المسؤولية البيئية والقيمة الجمالية. ولا يقتصر دور «لايف آند مايند» على تلبية احتياجات الباحثين فحسب، بل يرسي أيضاً معياراً رفيعاً لمباني العلوم المستقبلية، سواء في أكسفورد أو على مستوى العالم، في ظل تزايد تركيز الجامعات على الاستدامة في مبانيها الجديدة.