فرنسا والإرهاب... ومأزق الساحل

بين أبرز التحديات الفقر وشكوك المواطنين بنيات «اللاعبين الكبار»

فرنسا والإرهاب... ومأزق الساحل
TT

فرنسا والإرهاب... ومأزق الساحل

فرنسا والإرهاب... ومأزق الساحل

حالة ارتباك تسود منطقة الساحل الأفريقي، فتنظيما «القاعدة» و«داعش» الإرهابيان مستمران في التوسع نحو مناطق جديدة، ودول الساحل الهشة والفقيرة لا تزال عاجزة عن المواجهة والوقوف وحدها. أما المجموعة الدولية بقيادة فرنسا، فتبدو خططها لمواجهة الإرهاب في الساحل مرتبكة، تقدم رِجلاً وتؤخر أخرى، بسبب الوضع العالمي المضطرب منذ أن ضربت جائحة «كوفيد - 19» المنظومة الدولية في الصميم.
تلك هي الصورة التي كرّستها القمة الأخيرة التي عقدها قادة دول الساحل وفرنسا في العاصمة التشادية نجامينا، يومي الاثنين والثلاثاء الماضيين، والتي قرّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قبل أيام من انعقادها، الامتناع عن حضورها شخصياً، مكتفياً بالمشاركة عبر تقنية الفيديو من مكتبه داخل قصر الإليزيه في العاصمة باريس.
القمة، التي سبقتها تصريحات ماكرون حول خطة جديدة قد تقود إلى تقليص عدد الجنود الفرنسيين الموجودين في الساحل، لم تتخذ أي قرار بهذا الخصوص، وهكذا بقي العديد من الأسئلة عالقاً حول مستقبل الاستراتيجية العسكرية الفرنسية تجاه الساحل، وهي التي تدخلت عسكرياً في هذه المنطقة بطلب من دولة مالي خلال يناير (كانون الثاني) 2013 لمنع سيطرة تنظيم «القاعدة» على العاصمة باماكو في الجنوب، بعدما التنظيم بسط نفوذه عام 2012 على شمال البلاد.
أطلق الفرنسيون في مطلع عام 2013 عملية «سيرفال» العسكرية المكونة من 3 آلاف جندي، لضرب معاقل تنظيم «القاعدة» في شمال مالي، على ألّا تستمر العملية العسكرية لأكثر من سنة. وحقاً، نجحت «سيرفال» في مهمتها الأولى فانسحب مقاتلو «القاعدة» من المدن واختفوا وسط الصحراء الكبرى، ليظهر الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند في مدينة تمبكتو التاريخية المالية ظهور الفاتحين وسط احتفاء شعبي كبير.
بيد أن النصر الفرنسي لم يعمّر طويلاً؛ إذ سرعان ما نظم مقاتلو «القاعدة» صفوفهم وأطلقوا «حرب عصابات» طويلة الأمد. بل إنهم وسّعوا نطاق عملياتهم الإرهابية لتشمل، بالإضافة إلى مالي، كلاً من النيجر وبوركينا فاسو المجاورتين؛ ما أرغم الفرنسيين حينها على إنهاء عملية «سيرفال»، وإطلاق عملية جديدة تحت اسم «برخان» عام 2014، قوامها 4500 جندي. ومن ثم، وضعت باريس استراتيجية أمنية جديدة عمودها الفقري إطار إقليمي جديد هو «مجموعة دول الساحل الخمس»، التي ضمت موريتانيا، ومالي، والنيجر، وبوركينا فاسو، وتشاد.
منذ 2015، شكلت «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، بمختلف أفرعها، تحالفاً جديداً حمل اسم «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين». وفي العام نفسه، دخل تنظيم «داعش» على الخط، ووصلت الحرب على الإرهاب ذروتها في المنطقة. وعندها، قررت فرنسا خلال العام الماضي رفع عدد جنودها في المنطقة ليصل إلى 5100 جندي، وأعلنت أن تنظيم «داعش» هو عدوها الرئيس في منطقة الساحل.
كانت فرنسا تنفق سنويا قرابة مليار دولار أميركي على أنشطتها العسكرية والتنموية في الساحل، بينما خسرت أكثر من خمسين جندياً، ولو أنها حققت مكاسب عسكرية مهمة، عندما حيدت المئات من مقاتلي «القاعدة» و«داعش»، وقتلت عدداً كبيراً من القادة، وبالذات، عبد المالك دروكدال، زعيم «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» ومؤسسه، منتصف العام الماضي.
رغم كل ذلك، بقي الوضع الأمني في تدهور مستمر، بل إن الاستخبارات الخارجية الفرنسية أعلنت الشهر الماضي أن تنظيم «القاعدة» وضع استراتيجية لتوسيع دائرة نفوذه لتشمل مناطق من غرب أفريقيا وخليج غينيا. كذلك، اتسعت دائرة الصراع العرقي في مالي وبوركينا فاسو، وتأزمت الأوضاع السياسية والاجتماعية في المنطقة، وأصبح الوضع بشكل عام أكثر صعوبة وتعقيداً، خاصة بعد الانقلاب العسكري العام الماضي في مالي، وانتخابات رئاسية تثير الجدل في كل من النيجر وتشاد وبوركينا فاسو.
وبالتالي، في ظل العجز الكبير لدى دول الساحل عن المواجهة العسكرية، والتحفظ الألماني (الأوروبي) على التورط العسكري في المنطقة، والموقف الأميركي غير الواضح حتى الآن، تجد فرنسا نفسها فيما يشبه «الفخ». فلا هي تستطيع الاستمرار في عملية عسكرية تكلفها خسائر مادية وبشرية كبيرة، ولا يمكنها – في المقابل – أن تنسحب من منطقة نفوذها التقليدي في أفريقيا لصالح تنظيمات إرهابية تستهدف مصالحها الاقتصادية الحيوية، وتشكل تهديداً لأمنها القومي، وأمن أوروبا والعالم.

تدويل الحرب
كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صريحاً خلال المؤتمر الصحافي الختامي للقمة الثلاثاء الماضي؛ إذ أعلن أنه «فكّر» في جميع الخيارات والسيناريوهات، واصفاً الانسحاب الفوري بأنه «خطأ». إلا أنه مع ذلك ترك الباب مفتوحاً أمام انسحاب تدريجي يبدأ بعد فصل الصيف المقبل، من دون أن يحدد ملامح هذا الانسحاب التدريجي أو تفاصيل عنه.
يراهن الرئيس الفرنسي على قوة الكوماندوس الأوروبية «تاكوبا» التي شُكلت خلال العام الماضي بمبادرة فرنسية، وكان هدفها الأبرز رفع مستوى الانخراط الأوروبي إلى جانب فرنسا في الحرب على الإرهاب في الساحل، لا سيما، بعد الصعود القوي لتنظيم «داعش» في المثلث الحدودي بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو... ذلك المثلث الذي يوصف بأنه «الخاصرة الرخوة لمنطقة الساحل» الأفريقي. إلا أن الخطة الفرنسية تواجه بعض الصعوبات. ذلك أن القوة الأوروبية «تاكوبا»، رغم مشاركتها في بعض العمليات العسكرية الميدانية العام الماضي، ما تزال في بدايات مرحلة التشكل. والسبب هو إحجام الدول الأوروبية عن الانخراط فيها، خاصة ألمانيا. وفي حين أعلنت دول أوروبية عن استعدادها لإرسال جنود (إستونيا، والسويد، والتشيك، والبرتغال، وإيطاليا، وصربيا، وهولندا، والدنمارك، واليونان، وبلجيكا، والمجر، والنرويج)، فإن الأمور تسير ببطء كبير.
الخطة الجديدة التي أعلن عنها الرئيس ماكرون تسعى إلى أن يصل قوام القوة الخاصة الأوروبية إلى ألفي جندي، بالإضافة إلى 500 جندي فرنسي، وأن تعمل في وحدات خاصة تجمع الأوروبيين مع جنود من دول الساحل، وهدفها الرئيسي دحر التنظيمات الإرهابية وإعادة نفوذ الدول إلى المناطق المحرّرة. وفي المستقبل القريب، من المقرر أن تحل القوة الأوروبية تدريجياً محل القوات الفرنسية، على أن يكون الهدف على المدى البعيد تسليم قيادة العمليات للقوة العسكرية المشتركة التي شكلتها دول الساحل الخمس. وللعلم، أعلنت تشاد هذا الأسبوع، أنها سترسل 1200 جندي إلى منطقة المثلث الحدودي، بين النيجر، ومالي، وبوركينا فاسو، للعمل إلى جانب الأوروبيين والفرنسيين، في حين يتأهب الاتحاد الأفريقي لإرسال قوة أفريقية قوامها ثلاثة آلاف جندي.
أيضاً، ما زال أمام هذه الاستراتيجية عقبات كبيرة، أبرزها النقص الحاصل في تمويل وتجهيز وتدريب القوة العسكرية المشتركة لدول الساحل، والتي يعد الاتحاد الأوروبي مموّلها الرئيسي (400 مليون يورو)، بالإضافة إلى بعض دول الخليج العربي. وفي المقابل، ترفض الولايات المتحدة الأميركية التعامل مع القوة على أنها «قوة إقليمية»، وتكتفي بتقديم مساعدات ثنائية للجيوش المحلية. أما فرنسا فهي شريك ميداني للقوة العسكرية المشتركة لدول الساحل، تؤمن الجانب الاستخباراتي والتقني، وتخطط للعمليات العسكرية النوعية.
الرئيس الفرنسي أعلن، من جهته، أن القوة العسكرية المشتركة لدول الساحل تتطلب 40 مليون يورو سنوياً، والسبيل الوحيد لتوفير هذا التمويل هو أن توضع هذه القوة العسكرية المشتركة تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وهذا أمر ظلت تعارضه إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب طيلة العامين الماضيين. إلا أن ماكرون أعرب عن أمله في أن تتغير الأمور خلال الأشهر المقبلة، بعدما وصل الديمقراطيون إلى البيت الأبيض، وبالأخص، بعد الرسائل الإيجابية التي بعثت بها إدارة الرئيس الجديد جو بايدن تجاه منطقة الساحل. وفي هذا السياق، قال مصدر دبلوماسي غربي لـ«الشرق الأوسط»، إن موقف الإدارة الأميركية الجديدة سيكون حاسماً في مستقبل المقاربة الأمنية الفرنسية تجاه منطقة الساحل، وربما يكون ترقب هذا الموقف الأميركي هو سبب «الضبابية» التي سادت قمة نجامينا الأخيرة.
إحباط شعبي
على صعيد متصل، يجد صناع القرار في فرنسا ودول الساحل أنفسهم أمام ضرورة تسيير تعقيدات دولية شائكة بخصوص حرب طويلة الأمد، كلفتها المادية والبشرية باهظة. ويتوجب عليهم أيضا مواجهة رأي عام محلي أصبح يلعب دورا مهما في هذا الملف، خاصة في بعض دول الساحل التي ظهر فيها رأي عام مناهض للوجود العسكري الفرنسي والأجنبي. وكان بين أبرز المؤشرات وأحدثها المظاهرة التي سارت في العاصمة المالية باماكو الشهر الماضي، واستخدمت الشرطة القوة لتفريقها؛ لأنها كانت ترفع شعارات مناهضة للوجود العسكري الفرنسي في البلاد، وتصف فرنسا بأنها «قوة احتلال».
وهنا يفسر باكابيني كيتا، الباحث السياسي في دولة مالي، هذا التيار الشعبي المتصاعد ضد التدخل الفرنسي، بأنه «نابع مما يجري على الأرض؛ فالحرب على الإرهاب في هذه المنطقة بدأت منذ قرابة عشر سنوات، والناس هنا تحس بأن الوضع يتدهور، ليس هنالك أي تقدم على مستوى المعاش اليومي للسكان».
ويعتقد كيتا، أن الرأي العام في بعض دول الساحل، وخاصة في مالي، بدأ يتبنى وجهة نظر تقول، إن «فرنسا تدخلت ليس من أجل حماية المنطقة من خطر الإرهاب فحسب، وإنما لحماية مصالحها بالدرجة الأولى». وهنا يشير إلى مناجم اليورانيوم في شمال النيجر التي تستغلها شركة «آريفا» الفرنسية، واستثمارات شركة «توتال» النفطية الفرنسية. ويضيف كيتا، أن هنالك من يعتقدون أن «فرنسا تجعل من الإرهاب مبرراً للبقاء من أجل حماية مصالحها ونفوذها. بل إن بعض الماليين بات يتساءل عن مدى جديتها في القضاء على خطر الإرهاب»، على حد تعبيره.
من ناحية ثانية، رغم تصاعد الأصوات المناهضة للوجود العسكري الفرنسي، فهنالك من يعتقدون أن في الأمر بعض التضخيم الإعلامي، على غرار الدكتور المصطفى فاتي، الأستاذ الجامعي والباحث الموريتاني في مجال الأمن والاستقرار بمنطقة الساحل. فاتي يعتقد أن «أي وجود عسكري أجنبي إذا استمر لسنوات في منطقة معينة، يثير بعض الحساسية لدى السكان المحليين، وخصوصاً، حين تركز التغطية الإعلامية على العمليات المسلحة وأعداد القتلى. ولكن هذا لا يعكس بالضرورة رفضاً شعبياً حقيقياً، بقدر ما هو إحساس لدى البعض بأن الجانب العسكري هو المسيطر على الاستراتيجيات والمقاربات». ويضيف فاتي، أن سبب هذا الإحساس بالإحباط لدى الشعوب هو «غياب التغطية الإعلامية لما يتحقق من مشاريع تنموية. ففي حين يستحوذ الجانب العسكري على حيز أكبر من التغطية الإعلامية، لا يتكلم أحد عن إطلاق 18 مشروعاً تنموياً عملاقاً في منطقة الساحل خلال الأشهر الماضية».
ويعتقد الأستاذ الجامعي الموريتاني، أن المقاربة الأمنية المعتمدة من طرف فرنسا ودول الساحل «لم تفشل» في تحقيق أهدافها. ويؤكد أنها «إنما وضعت لتنفذ على المدى الطويل، ولا يمكن أن نحكم عليها الآن بالفشل؛ لأن تحقيق الأمن والاستقرار في منطقة الساحل ليس بالأمر الهيّن... والمنطقة شاسعة جغرافياً، وتتقاطع فيها تنظيمات تمارس الكثير من الأنشطة غير القانونية، ولا يمكن القضاء عليها في فترة وجيزة».
كذلك، يؤكد فاتي، أنه لولا التدخل الفرنسي والتعاون مع دول الساحل «لكانت الحركات المسلحة تسيطر اليوم على المدن الكبيرة، وتزعزع الأمن في المنطقة عموماً، لكن المقاربات الأمنية التي وضعتها فرنسا ومجموعة دول الساحل الخمس لعبت دوراً كبيراً في إرغام هذه التنظيمات على التقهقر، وتوقيفها بعيداً عن المدن الكبرى والعواصم والكثير من الأقاليم».

الرأي العام الفرنسي
ولكن، ماذا عن الرأي العام الفرنسي؟
أمام الضرر الذي بدأ يلحق بصورة فرنسا، وحجم الخسائر المادية والبشرية التي تلحق بها في منطقة الساحل، دخل الرأي العام الفرنسي على الخط، وبدأ يهتم بالعملية العسكرية الفرنسية في الساحل الأفريقي، لا سيما، في ظل ركود الساحة الداخلية الفرنسية وتركيز الإعلام على الملف وتخصيص له مساحة واسعة من التغطية، ومن ثم، ربطه بالمستقبل السياسي للرئيس ماكرون الذي يعدّ لخوض انتخابات رئاسية حاسمة.
هنا، يقول الباحث المالي باكابيني كيتا، إن المعطى الجديد هو أن «الفرنسيين بدأوا يعارضون التدخل العسكري لبلادهم في منطقة الساحل، وبعض استطلاعات الرأي تشير إلى أن 51 في المائة من الفرنسيين يعارضون هذا التدخل». ويضيف الباحث المالي - الذي درس وأقام طويلاً في فرنسا – قائلاً، إن «الفرنسيين الذين يطالبون بسحب قواتهم من منطقة الساحل، لا يرون إلا الجانب المتعلق بالخسائر البشرية والمادية والمعنوية التي تتكبدها بلادهم في هذه الحرب. غير أنه ليست لديهم بقية المعلومات المتعلقة بحماية المصالح الفرنسية؛ لأن السلطات لن تكشف حقيقة وجودها العسكري؛ إذ ليست كل الحقائق للكشف والمصارحة»، على حد تعبيره.
ويتابع كيتا موضحاً، أن «دول الساحل ضحية صراع جيو - استراتيجي كبير، تخوضه القوى العالمية العظمى، بشكل غير مباشر. وفرنسا في قلب هذا الصراع، لحماية مصالحها في ظل صعود قوى أخرى في المنطقة، على غرار الصين وروسيا. وسكان الساحل هم من يدفعون الثمن، بينما تقف الحكومات المحلية عاجزة عن لعب أي دور».

الساحل... متاهة الأزمات
> يبلغ تعداد سكان منطقة الساحل أكثر من مائة مليون نسمة، يعيش أكثر من نصفها على دولار واحد لليوم. وهي تصنف واحدة من أفقر بقاع العالم، مع ارتفاع صاروخي في النمو الديمغرافي، وتغير مناخي يزيد من انتشار الفقر ويدفع سكان الريف نحو الهجرة، كل ذلك يتزامن مع تداعيات جائحة «كوفيد - 19» والأزمة الأمنية الخانقة.
وخلال قمة نجامينا أعلن «تحالف الساحل» الذي أسس قبل ثلاث سنوات، ويضم 24 من الشركاء والمموّلين، على لسان رئيسته وزيرة الخارجية الإسبانية أرانتشا غونثاليث لايا، أن 17 مليار يورو ستوجه للاستثمار في قرابة 900 مشروع تنموي بمنطقة الساحل، هدفها الرئيس تحسين الأوضاع المعيشية للسكان.
كذلك، نشر التحالف تقريراً قال فيه، إن استثماراته خلال السنوات الثلاث الماضية مكّنت نصف مليون مزارع ومنمٍ في المنطقة من الحصول على دعم لتطوير أنشطتهم، ونصف مليون شاب استفادوا من التكوين المهني، وأكثر من نصف مليون نسمة حصلوا على خدمة الكهرباء، وأكثر من مليون ونصف المليون نسمة حصلوا على خدمة الصرف الصحي. أيضاً، وفر الدعم الاستثماري لأكثر من خمسة ملايين ونصف المليون إنسان الماء الصالح للشرب، وحصل أكثر من ثلاثة ملايين طفل على التلقيح، واستفادت أكثر من 1200 منظمة مجتمع مدني من الدعم والتكوين.
ولكن، رغم كل الأموال التي تصرف على الجانب العسكري والتنموي، يعتقد آبا كاسامبارا، وهو ناشط سياسي ومدني في منطقة موبتي بوسط مالي، أن فرنسا والمجموعة الدولية تجاوزت الجذور الحقيقية للأزمة، وضيعت الكثير من الجهد في الحل العسكري ودعم حكومات ينخرها الفساد. ويشرح «لو كانت المجموعة الدولية، وفرنسا بشكل خاص، جادة في حل الأزمة الأمنية في منطقة الساحل، وهي التي تتحكم في سلطات هذه الدول وتختار الرؤساء والوزراء وكبار المسؤولين والضباط... لو كانت جادة لتوجهت نحو معالجة أزمة الحكامة والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان والديمقراطية. إذ إن معظم المنخرطين في صفوف التنظيمات الإرهابية شباب محبطون من الأوضاع الصعبة وتعرضوا للغبن الاجتماعي، إنهم ضحية فشل الدولة وعجزها وفسادها».
ويضيف الناشط السياسي المالي، أن المفارقة الكبيرة هي أنه مع كل قمة لدول الساحل «نسمع الجميع يتحدث عن تعبئة المجموعة الدولية حول الحرب على الإرهاب في الساحل، ولكن لا أحد يتحدث عن تعبئة المجموعات المحلية الموجودة على الأرض». ويتابع مشيراً إلى أن سكان بعض المناطق في وسط مالي «بعدما فقدوا الأمل في الدولة، أطلقوا مبادرات محلية مكّنت من استعادة مستوى معين من الأمن، فعادت الأسواق إلى الانتعاش، وأصبحت العديد من الطرق سالكة. إنها مبادرات محلية نابعة من السكان، وتعالج الأزمة بأدوات محلية كانت تستخدم منذ عدة قرون، ولكن لا أحد من صناع القرار يفكر فيها اليوم»، على حد تعبيره.
وهنا، يعرب الدكتور المصطفى فاتي، الأستاذ الجامعي والباحث الموريتاني في مجال الأمن والاستقرار بمنطقة الساحل، عن اعتقاده بأن «على المجموعة الدولية ودول الساحل طرح مقاربة قائمة على أدوات محلية لتجاوز الأزمة الأمنية في الساحل، وتأسيس أكاديمية ثقافية تعزز الأمن والاستقرار في منطقة الساحل، هدفها تكوين وسطاء من أجل السلام، يقودون مبادرات السلم والأمن في مجتمعاتهم... وعلى أن تكون لهؤلاء رؤى وتصورات لحل المشاكل سلمياً وبأدوات محلية، واستخدام الإرث التاريخي في مواجهة التنظيمات المتطرفة».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.