الروح مادة أم فكرة... عقل أم شعور... شكل أم مضمون... فرضية أم واقع؟

لا تزال لغزاً من أفلاطون وأرسطو إلى الحضارات الغربية والبوذية والعربية

الروح مادة أم فكرة... عقل أم شعور... شكل أم مضمون... فرضية أم واقع؟
TT

الروح مادة أم فكرة... عقل أم شعور... شكل أم مضمون... فرضية أم واقع؟

الروح مادة أم فكرة... عقل أم شعور... شكل أم مضمون... فرضية أم واقع؟

يستعرض كتاب «الروح بين الخيال والفلسفة والعلم» التاريخ الثقافي الذي تُشكل فيه الروح جوهر تصور الإنسان عن نفسه عبر العصور، ويحلل الرؤى الفلسفية والدينية والثقافية المختلفة التي ساهمت بتأثيراتها وتفاعلها في تشكيل تصور معاصر للروح والنفس. الكتاب صدر حديثاً عن دار الترجمان المصرية للنشر والترجمة، ويسعى مؤلفه المفكر النرويجي أولي مارتن هويستاد، من خلال مقدمة وثمانية أقسام وخاتمة، إلى التعريف بالروح والنفس في الثقافتين البوذية والإسلامية العربية، كما يتتبع تطور المفهوم الخاص بهما في الثقافة الغربية الحديثة.
ويصف الكتاب، الذي قدم نسخته العربية المترجم المصري أيمن شرف، تطورات الروح وتشابكاتها وتأثيرها وتأثرها وتحولاتها التاريخية، وكيف تم تفسيرها كمجاز ورمز، فضلاً عن إعادة وصف الطريقة التي طبعت بها وجدان الإنسان وتركت بصماتها وراءها كتراث ومصدر إلهام لا ينفد، وبهذا المعنى فقد تم وصف الروح، وإجراء دراسات عنها، للوصول في النهاية إلى أن الإنسان كائن قابل للتشكل وللتغيير، وقد صاغ الفلاسفة على اختلافهم من أفلاطون وأرسطو في العصور القديمة وحتى نيتشه وفيتجنشتاين في العصر الحديث مجموعة متنوعة من المفاهيم الروحية، وشكل الصراع بين التفسير الفلسفي والديني للروح فهم الإنسان في الثقافة الأوروبية حتى يومنا هذا.
- تطور المفاهيم
يغطي الكتاب مساحة واسعة من تطور مفاهيم الروح في الثقافات الإنسانية المختلفة والأديان والفلسفات، ويعرض في إيجاز للتداخل والتأثير بين الحضارات القديمة والحديثة، وآراء العديد من المفكرين والفلاسفة وكبار الأدباء الذين أثروا وتأثروا بتلك المفاهيم، كما يتعرض المؤلف لتطور مفهوم الإنسان عن نفسه عبر العصور، وذلك من خلال إجابات قدمها مفكرون وفلاسفة ومنظرون وأدباء وعلماء نفس ولاهوتيون وصوفيون ينتمون إلى ديانات مختلفة عن أسئلة تدور حول الروح، وما إذا كانت مادة أم فكرة... عقلاً أم شعوراً... شكلاً أم مضموناً... فرضية أم واقعاً؟ وهل هي فردية خالصة أم أنها تتجاوز الفرد؟
ومن ثم، يسعى هويستاد خلال فصول كتابه إلى البحث في أسباب ظهور أنماط الحياة البديلة في الغرب منذ حركة «قوة الزهرة» في الستينيات، وانتشار الرؤى الروحية القادمة من الشرق الأقصى، سواء كانت مستمدة من الفلسفة البوذية أو اليوجا أو غيرها من المذاهب التأملية، وقال إن الرؤى العالمية البديلة مثل «العصر الجديد» وغيرها من الثقافات الفرعية في المجتمع المادي الحديث تمثل تعويضاً عن الضياع أو الطموح أو الاحتياجات الروحية غير المشبعة، وعلى هذه الخلفية أيضاً يمكن فهم دور مؤسسة «عشتارت» المعروفة باسم «مدرسة الملاك» التي ترعاها الأميرة النرويجية مارثا لويز والأشكال الحديثة من الروحانية، حيث تدور كثير من هذه الحركات حول الروح والقوى الروحية وتناسخ الأرواح وتجوالها وتجارب الخروج من الجسد، وهي موضوعات شائعة في الأدب الشعبي وأدب الخيال أيضاً، وتقدم أكثر الكتب مبيعاً مثل «هاري بوتر» أو «سيد الخواتم» مسرحاً رائعاً لعالم الروح وسحرها، بما يشير إلى أن الروح الغامضة لا تزال تلعب دوراً في وعي الإنسان، وتندرج ضمن احتياجاته، حيث يتعافى بشكل سري ما لم تحصل عليه الروح، من تأكيد علمي، في الحركات البديلة وفي الثقافة الشعبية والعالم الخيالي للأدب والسينما.
ويشير هويستاد إلى أنه سعى من خلال تحليلاته لإدراك معنى الروح في الثقافة الغربية بدرجة دقيقة، ولكي يتمكن من ذلك فقد حظيت النصوص الأساسية من العصور القديمة، وحتى الآن، بمكانة مركزية في فصول الكتاب، حيث تبرز الفترات التاريخية المختلفة، سواء كانت قديمة أو وسطى أو حديثة، بأصوات شعرائها ومفكريها، فضلاً عن الفلاسفة وعلماء النفس.
- الروح واللغة
لم يتوقف هويستاد عند هذا الحد، بل راح يستعرض أيضاً معنى الروح في الثقافتين البوذية والعربية، مشيراً إلى أنه «لكي نفهم أنفسنا في عصر متعدد الثقافات يتعين علينا أن نفهم الآخرين أيضاً»، ولفت إلى أن الحوار مع عمالقة الماضي مُهمة هائلة، وقد كان هدفه من ذلك تقديم عرض شامل متعلق بالروح كما تُفهم في الثقافة، يتضمن الأعمال الأدبية من منظور هذه الثقافة، فلم تكن نيته إعادة إنتاج تاريخ بعينه، بل سعى لاستنطاق المصادر التاريخية لكي يظهر ما تعنيه الروح في زمن بدت وكأنها من المحرمات في العالم الغربي.
وذكر المؤلف أن كثيراً من الناس يعتقدون أن لديهم روحاً، لكن قليلين منهم يمكنهم أن يفسروا ماهيتها، ذلك لأنها تمثل شيئاً داخلياً وشخصياً يصعب صياغته في كلمات، ولهذا سعى الفنانون بالصور والرموز للتعبير عنها وبالموسيقى لمعالجتها، مشيراً إلى أنه ليس من قبيل الصدفة نشوء ما يسمى بـ«موسيقى الروح» لدى الأميركيين ذوي الأصل الأفريقي نتيجة يأسهم وإذلالهم، فقد كانت أرواحهم هي الشيء الوحيد الذي يملكونه، الذي يمكن استعباده حسب ما تشهد الأغاني التي غنوا فيها للأمل وللحرية.
ولفت هويستاد إلى أن التفاوت بين التعريف غير الواضح للروح، وفهم معظم الناس لها ينعكس في اللغة، حيث يتم الحديث عن «أراوح طيبة وصالحة»، و«خلاص الروح» و«العمق الروحي»، فضلاً عن الشعور «بشيء دفين في الروح»، والحديث عما يسمى «تلاقى الأرواح»، والخوف من «التعرض لأذى روحي»، وهناك تعبيرات تشير إلى سمات شخصية وأخلاقية، فيقال إن هناك «أرواحاً قوية وأرواحاً ضعيفة»... و«أرواحاً حرة وأرواحاً منغلقة»، كما يتم النظر إلى «الروح باعتبارها مكمن الشخصية من حيث القوة والضعف»، ويقال إن «أرواح بعض الناس حساسة»، و«أرواح آخرين متقلبة»، ويجري الحديث عن أمراض جسدية وروحية، يطمح أصحابها إلى الخلاص منها وراحة البال.
وهو يرى أن «الروح كانت، على مدى تاريخ البشرية، المنشورَ الزجاجي الذي يُنظر من خلاله إلى الإنسان وحياته ويتم تفسيرهما من خلاله»، ولعل مناشدة سقراط لمواطنيه الأثينيين بأن يعتنوا بأرواحهم، ورسالة الخلاص المسيحية عن الحفاظ على الروح تعد هي الأسس الجوهرية في مفهوم الإنسان في الثقافة الغربية، حيث تُفهم الروح على أنها تعبير عن شخصية الفرد وذاته وكل ما يتعلق به من أفكاره أو كلماته أو أفعاله، فقد أصبحت مقياساً لكل الأشياء التي يتحمل الفرد المسؤولية عنها ويمكن محاسبته عليها، فهي التي تجعل الإنسانَ إنساناً، وهي علامته على ما إذا كان يشبه هابيل أم قابيل.
أما عن فكرة الروح، فقد نشأت، حسب رأي المفكر النرويجي، كرد فعل على غموض الموت، وقد كان لدى «إنسان الكهوف» طقوسه الجنائزية، حيث تشير الطريقة التي كان يدفن بها موتاه إلى أنه كان يؤمن بالحياة بعد الموت، أما في الثقافة الأوروبية فقد تغيرت مكانة الروح للمرة الأولى مع عصر النهضة، وعلى وجه الخصوص مع عصر التنوير وادعائه التأسيس العقلاني والعلمي، لكن رغم ذلك لم يتمكن أحد من العلماء من إثبات جوهر الروح بشكل علمي، وقد سعى البعض إلى تنجيمها استناداً إلى المفاهيم الدينية والإيمانية، أما البعض الآخر فقد رأوا أنها مفهوم انتهى بفعل الزمن، وقد حفزت وجهات النظر هذه مؤلف الكتاب، فراح يحقق ما إذا كانت صحيحة، ويوضح مكانة الروح في القرن الحادي والعشرين استناداً إلى تاريخها في بعض الثقافات والأديان غير الغربية مع عرض المفهوم الخاص بها في الديانتين البوذية والإسلامية، حيث يلعب مصير الروح في كليهما دوراً مهماً في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وفي هذا السياق راح هويستاد يبحث فيما ذكره القرآن عن النفس والروح، وما يحقق خلاصها مشيراً إلى أنه كان عنصر تحفيز سياسي استناداً إلى أن بعض المسلمين يعتقدون أن بإمكانهم دخول الجنة في الآخرة إذا ضحوا بحياتهم في الجهاد.
وفي الكتاب سعى المؤلف أيضاً إلى بحث وظيفة الروح والاحتياجات التي تحققها، وقال إنه يمكن فهم سمات الروح والمصير في معظم الثقافات كنتيجة لطريقة حياة الفرد، ولذلك ينصب التركيز الرئيسي على الحياة التي يعيشها الإنسان وعلى كيفية تطوير الفرد لسماته الشخصية والروحية والوفاء بالتزاماته تجاه الآخرين، وهذا، من وجهة نظره، أهم جوانب الروح في العصر الحالي، فرغم أن الروح فردية تماماً إلا أنها مشروطة بالعلاقة مع الآخرين، وبدون أخذهم في الاعتبار لا يستطيع المرء أن يصون نفسه، ولذلك تصبح الروح في خطر عندما يستسلم الفرد للحركات الجماعية مثل الشيوعية والفاشية والقومية ووسائل الإعلام وقوى السوق وسوء استخدام السلطة السياسية.



إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.