انقلاب ميانمار يشكّل «اختبار نيات» إقليمياً ودولياً

التعايش الصعب بين الجيش وأونغ سان سو تشي انهار رغم تنازلاتها في موضوع الروهينغا

انقلاب ميانمار يشكّل «اختبار نيات» إقليمياً ودولياً
TT

انقلاب ميانمار يشكّل «اختبار نيات» إقليمياً ودولياً

انقلاب ميانمار يشكّل «اختبار نيات» إقليمياً ودولياً

استيقظ العالم في الأول من فبراير (شباط) الجاري على أنباء سقوط «أرض اليشم»، وهو اللقب الذي تشتهر به ميانمار أو بورما، في هوّة الاضطرابات السياسية مرة أخرى.
إذ تمكن جنود جيش ميانمار، المعروفين محلياً بمسمى «تاتماداو»، في تمام الساعة الثالثة صباحاً من بسط السيطرة على البلاد. وتولى قائد الجيش الجنرال مين أونغ هلاينغ، البالغ من العمر 65 سنة، رئاسة البلاد، وذلك إثر وقوع مستشارة الدولة أونغ سان سو تشي، والرئيس وين مينت، رهن الاعتقال بتهمة تزوير الانتخابات. وذلك إلى جانب اعتقال الكثير من الصحافيين، والنشطاء، والفنانين الآخرين الذين كانوا ينتقدون الجيش في ميانمار. ومن المعروف أن الجيش الميانماري يعد ثاني أكبر قوة عسكرية نشطة في جنوب شرق آسيا بعد «جيش فيتنام الشعبي».
ولقد عمل الجيش بكل عناية على صياغة المشهد السياسي الراهن في ميانمار، لدرجة أن بعض المراقبين قد استبعدوا في بداية الأمر مجرد احتمال حدوث الانقلاب. فلقد انتشر الجنود في الشوارع، وتعطلت وسائل الإعلام المحلية والدولية عن العمل، مع توقف تام لوسائل الاتصالات في العاصمة نايبيداو. وذكرت وكالة «رويترز» الإخبارية أن القيادة في البلاد قد أعلنت عن إغلاق مطار «يانغون» الدولي في وجه حركة الطيران حتى شهر مايو (أيار) المقبل. كذلك أعلنت قيادة الجيش في ميانمار عن سريان حالة الطوارئ في البلاد لمدة سنة كاملة، وتعهدت بإعادة تشكيل لجنة الانتخابات الوطنية، مع الإشراف على إجراء انتخابات جديدة متعددة الأحزاب تتسم بالحرية والنزاهة.
يعرف القاصي والداني مدى تورط جيش ميانمار، تحت قياد الجنرال مين أونغ هلاينغ، خلال السنوات الأخيرة في حملة دموية مروّعة ضد مسلمي أقلية الروهينغا في البلاد اعتباراً من أغسطس (آب) من عام 2017، ونتيجة الترويع والمجازر أُجبر مئات الآلاف منهم على الفرار من ميانمار في اتجاه بنغلاديش المجاورة. ولقد خاطر هؤلاء بكل غالٍ ونفيس، فراراً بحياتهم عن طريق البحر أو سيراً على الأقدام من الهجوم العسكري الذي وصفته منظمة الأمم المتحدة في وقت لاحق بأنها «حملة نموذجية ممنهجة للتطهير العرقي».
وتعد أقلية الروهينغا، الذين كان يقترب عددهم من المليون نسمة في ميانمار مع أوائل عام 2017، إحدى الأقليات العرقية الكثيرة الأخرى القاطنة في البلاد. ويمثل مسلمو أقلية الروهينغا أكبر نسبة من المسلمين في ميانمار، ويعيش السواد الأعظم منهم في ولاية راخين. ويُذكر أن لأبناء هذه الأقلية هويتهم، ولغتهم، وثقافتهم الخاصة، وهم يقولون إنهم يتحدّرون من نسل التجار العرب القدامى الذين زاروا تلك البلاد في الماضي مع جماعات أخرى من التي استوطنت تلك المنطقة منذ أجيال. غير أن حكومة ميانمار -تلك الدولة التي يعتنق السواد الأعظم من سكانها الديانة البوذية- ترفض الاعتراف بـ«مواطنة» أقلية الروهينغا، كما استبعدتهم من التعداد السكاني خلال عام 2014، وترفض وجودهم كأقلية قاطنة في البلاد، إذ تعدهم مهاجرين غير شرعيين من بنغلاديش المجاورة.
ورداً على مواقف السلطات الميانمارية وجيشها من الروهينغا، أمرت المحكمة الدولية العليا، خلال يناير (كانون الثاني) من عام 2020 هذه السلطات باتخاذ التدابير الكافية لحماية أفراد الروهينغا من الإبادة الجماعية. ومع أن الجيش دأب على الزعم أنه يقاتل حصراً المسلحين من أبناء الروهينغا وينفي على الدوام استهداف المدنيين، قال محققو الأمم المتحدة إن الهجمات كانت تشتمل على عمليات القتل الجماعية، والاغتصاب الجماعي، والحرق المتعمد على نطاق واسع، وبالتالي تعد تلك الجرائم التي جرى تنفيذها تحت مظلة الإبادة الجماعية الممنهجة. وهو ما نفاه وينفيه الجيش.

مين أونغ هلاينغ... وجيشه وانقلابه
من جهة أخرى، كانت الولايات المتحدة الأميركية، استجابةً لتلك الفظائع، قد فرضت العقوبات على الجنرال مين أونغ هلاينغ وثلاثة آخرين من كبار القادة العسكريين خلال عام 2019، وهناك عدة قضايا منظورة أمام المحاكم الدولية في هذا الشأن، بما في ذلك محكمة العدل الدولية. ويوصف هذا الجنرال بأنه شخصية ذات بنية جسدية ضئيلة، دائماً يواظب على ارتداء النظارة المستديرة بلا حواف تلك التي تمنحه مظهر الكاتب الحكومي أكثر من كونه قائداً لأحد أكبر الجيوش القائمة في المنطقة، والذي أعلن لتوّه عن عملية انقلاب عسكرية في بلاده.
وللعلم، يعد انقلاب العام الجاري هو الثالث من نوعه في التاريخ السياسي لميانمار. وكان الانقلاب الأول في عام 1962، ثم الثاني في عام 1990، وكان حزب «الاتحاد للتضامن والتنمية» المدعوم من الجيش في البلاد، قد مُني بهزيمة فادحة في انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي على أيدي حزب «الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية» بقيادة أونغ سان سو تشي. وكان الجنرال مين أونغ هلاينغ قاب قوسين أو أدنى من التقاعد، إذ قاربت فترة التمديد لخدمته العسكرية لمدة خمس سنوات، التي حصل عليها في عام 2016، على الانتهاء. أما مينت سوي، وهو القائم الجديد بأعمال الرئيس، فيعدّ من الشخصيات العسكرية المخضرمة، وخدم كقائد عسكري في جنوب شرقي ميانمار. في حين جرى الاستعاضة عن أونغ سان من منصبها كوزيرة للخارجية مع تعيين قيادة الجيش لعشر وزراء جدد في مناصب وزارية متعددة. وأعلنت القناة التلفزيونية الخاضعة لسيطرة الحكومة أن وزير الخارجية الجديد هو وونا مونغ لوين.
هذا، ويأتي الانقلاب العسكري الأخير بعد حملة استمرت لمدة شهر كامل لتشويه سمعة الانتخابات الأخيرة في نوفمبر عام 2020 بناءً على مزاعم واهية لا أساس لها من تزوير الناخبين. وعَكَس الانتصار الانتخابي الثاني على التوالي لحزب «الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية» أن الجيش قد عدم وسائل العودة مجدداً إلى السلطة في البلاد عن طريق الانتخابات. وكان رفض الجيش الاعتراف بنتائج الانتخابات الأخيرة المفصل الذي أشعل أزمة سياسية كبيرة في البلاد. إذ رفع الحلفاء العسكريون الشكاوى أمام المحكمة العليا في ميانمار ضد قادة الحكومة المدنية، وهددوا بمقاطعة البرلمان، وطالبوا بإجراء تصويت انتخابي جديد.
لماذا شرع الجيش في تنفيذ الانقلاب؟
تساور الكثيرين الحيرةُ إزاء هذا التساؤل المهم عن السبب الحقيقي لإقدام جيش ميانمار على تنفيذ الانقلاب في الوقت الذي يحظى بنفوذ كبير وواسع في سياسات البلاد؟
وهنا نشير إلى أن دستور عام 2008 في ميانمار ينص على ضمان 25% من مقاعد البرلمان لقادة الجيش، ولا يُسمح بإدخال التعديلات على الدستور من دون حيازة نسبة تأييد برلمانية تبلغ 75% على مثل هذه التعديلات. وهذا الأمر يمنح الجيش –عملياً- سيطرة شبه كاملة على عمليات سَنّ وتشريع القوانين في البلاد، حتى وإن كان بإمكان الممثلين المنتخبين مدنياً اتخاذ بعض القرارات المعنية بالشؤون الخارجية أو المحلية -كما شهدنا خلال السنوات القليلة الماضية في عهد أونغ سان سو تشي.
وحيال ما حدث، يقول المحلل السياسي الهندي أفيناش باليوال: «إن توقيت الانقلاب في ميانمار لا يحتاج إلى تفسير. فلقد جرى الكشف عنه قبل ساعات من الميعاد المقرر لانعقاد البرلمان الجديد. ولو لم يقع الانقلاب لكانت نتائج الانتخابات الأخيرة قد صودق عليها دستورياً. وكانت التوترات قد اندلعت بين حزب (الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية) وبين الجيش منذ انتخابات نوفمبر الماضي. وأظهرت نتائج الانتخابات في عامي 2015 ثم 2020 ارتفاعاً كبيراً في شعبية السيدة أونغ سان في مقابل التدني الملحوظ لشعبية الجيش في البلاد. ثم كانت هناك مطالب مستمرة بتخفيض النسبة البرلمانية المطلوبة لإدخال التعديلات الدستورية، وهو ما عمّق شكوك قيادة الجيش في محاولات أونغ سان سو تشي الرامية إلى تغيير موازين القوى المدنية العسكرية في ميانمار إثر وصولها إلى سدة السلطة للمرة الثانية».
ويتابع باليوال شرحه للوضع قائلاً إن «هذا المزيج الواضح من مخاوف الجيش وطموحات السيدة أونغ سان قد أسفرت عن اندلاع الخلافات بينها وبين المجموعة السياسية المؤيدة للجيش وهي حزب (الاتحاد للتضامن والتنمية). وثارت حالة من القلق المتزايد داخل أروقة الجيش بأنه بات يخاطر بفقدان النفوذ واستقلالية القرار على الكثير من الملفات السياسية ذات الأهمية في ميانمار».
وفي سياق متصل يرى أحد المراقبين السياسيين من نيودلهي -طلب إغفال الإشارة إلى هويته- أنه «في ديمقراطية ميانمار الخاصة، ينطبق الكثير من الشروط. وتدرك السيدة أونغ سان سو تشي إبان ولايتها الثانية للسلطة في البلاد ذلك الأمر تماماً. ولذلك، حال تولي حزبها السلطة على مدار السنوات الخمس الماضية، كانت حريصة كل الحرص على تحاشي استعداء قيادة الجيش. وهكذا، استمر الجنرالات في السيطرة المطلقة على الوزارات السيادية الرئيسية، وهي الدفاع والداخلية وشؤون الحدود. وحتى عندما وقعت عمليات التطهير العرقي ضد طائفة الروهينغا، التزمت أونغ سان -الحائزة على جائزة نوبل للسلام- الصمت المطبق حيالها. ورفضت أن تستفز الجيش في ذلك... ومع هذا كان الجنرالات أبعد ما يكونون عن السعادة بذلك».
فرص نجاح الانقلاب وردود الفعل العالمية
هل من شأن انقلاب الجيش في ميانمار أن يحظى بالنجاح؟ هذا أحد الأسئلة الحتمية المطروحة التي لا محيد عنها.
تقول الكاتبة الصحافية الهندية جيوتو مالهوترا، عن ذلك: «مع أن قيادة الجيش في ميانمار تملك القوة العسكرية الكبيرة، فإن ذلك لا يضمن الانتصار في معركة الشرعية السياسية. ولقد أكدت جولات الانتخابات المحلية المتتالية في البلاد وبصورة كبيرة وغالبة، شعبية السيدة أونغ سان سو تشي، وأن القاعدة السياسية الموالية للجيش ليست واسعة النطاق كما هو مُعتقد. وفي أعقاب عِقد كامل من الانتخابات الديمقراطية والحكم المدني بصفة جزئية في ميانمار، يخاطر الانقلاب العسكري الأخير بإشعال حالة عارمة من الاحتجاجات الجماهيرية في البلاد، تلك التي زعزعت استقرار السياسات في ميانمار في الماضي. غير أن المجلس العسكري قد خطط لذلك منذ فترة طويلة، ومن شأنه الصمود في وجه ردود الفعل الشعبية الغاضبة المتوقعة».
من ناحية أخرى، ما من شك في أن ردود الفعل العالمية كانت سريعة وقاسية، لا سيما مع تولي الولايات المتحدة وأستراليا زمام المبادرة في ذلك من خلال الدعوة الصريحة إلى إطلاق سراح المعتقلين واحترام نتائج الانتخابات الأخيرة في عام 2020.
ولقد أعرب أنطونيو غوتيريش، الأمن العام لمنظمة الأمم المتحدة، عن إدانته البالغة لإقدام الجيش على اعتقال القادة المدنيين المنتخبين في ميانمار. كذلك، وصفت وسائل الإعلام الأوضاع في ميانمار بأنها تعد أول اختبار رئيسي في السياسات الخارجية لفريق الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن. وللأمر خلفيته المعروفة في أوقات أكبر الإنجازات الماضية لإدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما. وكان الرئيس أوباما قد قام بزيارة ميانمار في عام 2012، تلك الزيارة التي تزامنت مع الانفتاح الديمقراطي الجديد في البلاد، بتشجيع واضح من الولايات المتحدة، ومع تكثيف العلاقات المشتركة مع الكثير من البلدان الديمقراطية الغربية، وتراجُع حالة النفوذ الخانقة للصين في المقابل.
وبعدما كانت الحكومة الأميركية قد رفعت العقوبات المفروضة على ميانمار خلال العقد الماضي إثر التقدم الذي أحرزته الحكومة هناك على مسار الديمقراطية، قال الرئيس بايدن في بيانه الأخير عن الوضع: «إن عكس هذا التقدم سيستلزم من جانبنا إعادة النظر بصفة فورية في قوانين وصلاحيات العقوبات لدينا، ومن شأن ذلك أن يتبعه اتخاذ الإجراء المناسب». وحقاً، ترددت أصداء تعليقاته على نطاق كبير لدى البلدان الديمقراطية الأخرى وإن كانت ببعض التغييرات. كما اتّسقت تلك التعليقات إلى درجة كبيرة مع تعهد الإدارة الأميركية بتأكيد المسار الديمقراطي لا سيما بعد الاضطرابات السياسية التي شهدتها سنوات حكم الرئيس السابق دونالد ترمب.

الصين في {مأزق} بعد انقلاب الجيش في ميانمار
> من المثير للاهتمام أن الحكومة الصينية قد أحجمت حتى الآن عن التعرض بالانتقاد أو التأييد لانقلاب ميانمار العسكري الأخير، لا سيما مع وسائل الإعلام الخاضعة لسيطرة الحكومة التي تصف الانقلاب في ميانمار بأنه «تعديل وزاري واسع النطاق». كذلك فضّلت الحكومة الصينية التزام الصمت التام، مع الإشارة إلى أن ميانمار هي آخر البلدان التي قام الرئيس الصيني بزيارتها في عام 2020.
وهنا، يقول الخبراء المعنيون بالأمر إن ميانمار تملك أهمية خاصة بالنسبة إلى الخطط الجيو - استراتيجية لدى الصين. وسوف يكون من المثير للاهتمام في الفترة المقبلة أن نشهد مسار استجابة الصين إزاء تداعيات الموقف في الأيام القليلة المقبلة. وفي اتجاه موازٍ، من شأن الانقلاب الأخير أن يضع الصين في مأزق سياسي بالنظر إلى حقيقة دفء العلاقات بين الحكومة الصينية وأونغ سان سوتشي خلال السنوات الأخيرة رغم محافظة بكين على علاقاتها الوثيقة والقوية مع جيش ميانمار.
ثم قد يكون من المفيد النظر إلى حقيقة المصالح التجارية الكبيرة لدى الصين. فهناك اعتبارات «مبادرة الحزام والطريق» في ميانمار، والدعم الصيني المستمر لإجبار ميانمار على تسوية أزمة طائفة الروهينغا بصورة إنسانية في المناطق الحدودية المتاخمة، مع ترسيخ القوى الديمقراطية في البلاد، تلك التي تحظى بعلاقات ودّية جيدة مع الحكومة الصينية. فهل من شأن الصين، على سبيل المثال، الاستعانة بحق النقض «الفيتو» ضد انتقاد الانقلاب العسكري في مجلس الأمن الدولي؟ إنْ أقدمت الصين على فعل ذلك، فقد يكون ذلك خطوة جديدة على طريق التشدد الآيديولوجي ضد الديمقراطية من بكين، وليس فقط في الداخل وإنما بين جيرانها في الخارج كذلك.
أما فيما يخص العملاقين الآسيويين الآخرين، الهند واليابان، فإنهما التزمتا الصمت التام إزاء انتقاد الانقلاب في ميانمار. إذ اكتفت نيودلهي بالإعراب عن قلقها العميق، وأعلنت طوكيو أنه «من المهم للأطراف المعنية حل المشكلات سلمياً من خلال الحوار وفقاً للعملية الديمقراطية». وراهناً، تراقب نيودلهي بعناية وعن كثب مستجدات الأوضاع في ميانمار، ولقد رفضت الانجرار إلى تأييد فريق الجيش أو فريق أونغ سان المناوئ له. ولا يرمز شيء إلى ذلك الموقف أكثر من الزيارة المشتركة التي قام بها وزير الخارجية الهندي رفقة قائد الجيش الهندي إلى ميانمار، فلقد كانت زيارة استثنائية، وكانت لها أهداف ونتائج غير اعتيادية. ومعلومٌ أن التواصل العسكري والدبلوماسي الهندي إزاء ميانمار يشكل الركن الأساسي في سياسة «التوجه شرقاً» المعتمدة لديها. وفي أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، سلّمت حكومة ميانمار 22 متمرداً هندياً لسلطات نيودلهي ممن كانوا يثيرون المشكلات عبر الحدود. غير أن العلاقات الثنائية بين البلدين تعززت بالفعل اعتباراً من عام 2015 في أعقاب اللجنة الثنائية المشتركة التي أسفرت عن اتخاذ الهند قرارها بزيادة المبيعات العسكرية إلى ميانمار.
وهنا يعلِّق الصحافي الهندي البارز مانيش شيبار، قائلاً: «يمكن تفسير الاستجابات الهادئة من جانب الهند واليابان بأنها إحجام عن استعداء أي جانب يسيطر على السلطة في ميانمار، نظراً لأن مثل هذه الخطوة ستدفع ميانمار مجدداً إلى أيدي المنافس الكبير المشترك على النفوذ هناك، ألا وهي الصين».
وأما بالنسبة لدول المنطقة الأخرى، فقد اتسمت بيانات البلدان المشاركة لميانمار في «رابطة دول جنوب شرقي آسيا - آسيان» بالحذر الشديد. فلقد حثت سنغافورة وإندونيسيا الأطراف كافة على ضبط النفس، ورأت كمبوديا الانقلاب الأخير «شأناً داخلياً» في ميانمار، ودعت ماليزيا الجيش ومختلف الأطراف المعنية في ميانمار إلى «منح الأولوية القصوى إلى الحفاظ على السلام والأمن» في البلاد.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.