انقلاب ميانمار يشكّل «اختبار نيات» إقليمياً ودولياً

التعايش الصعب بين الجيش وأونغ سان سو تشي انهار رغم تنازلاتها في موضوع الروهينغا

انقلاب ميانمار يشكّل «اختبار نيات» إقليمياً ودولياً
TT

انقلاب ميانمار يشكّل «اختبار نيات» إقليمياً ودولياً

انقلاب ميانمار يشكّل «اختبار نيات» إقليمياً ودولياً

استيقظ العالم في الأول من فبراير (شباط) الجاري على أنباء سقوط «أرض اليشم»، وهو اللقب الذي تشتهر به ميانمار أو بورما، في هوّة الاضطرابات السياسية مرة أخرى.
إذ تمكن جنود جيش ميانمار، المعروفين محلياً بمسمى «تاتماداو»، في تمام الساعة الثالثة صباحاً من بسط السيطرة على البلاد. وتولى قائد الجيش الجنرال مين أونغ هلاينغ، البالغ من العمر 65 سنة، رئاسة البلاد، وذلك إثر وقوع مستشارة الدولة أونغ سان سو تشي، والرئيس وين مينت، رهن الاعتقال بتهمة تزوير الانتخابات. وذلك إلى جانب اعتقال الكثير من الصحافيين، والنشطاء، والفنانين الآخرين الذين كانوا ينتقدون الجيش في ميانمار. ومن المعروف أن الجيش الميانماري يعد ثاني أكبر قوة عسكرية نشطة في جنوب شرق آسيا بعد «جيش فيتنام الشعبي».
ولقد عمل الجيش بكل عناية على صياغة المشهد السياسي الراهن في ميانمار، لدرجة أن بعض المراقبين قد استبعدوا في بداية الأمر مجرد احتمال حدوث الانقلاب. فلقد انتشر الجنود في الشوارع، وتعطلت وسائل الإعلام المحلية والدولية عن العمل، مع توقف تام لوسائل الاتصالات في العاصمة نايبيداو. وذكرت وكالة «رويترز» الإخبارية أن القيادة في البلاد قد أعلنت عن إغلاق مطار «يانغون» الدولي في وجه حركة الطيران حتى شهر مايو (أيار) المقبل. كذلك أعلنت قيادة الجيش في ميانمار عن سريان حالة الطوارئ في البلاد لمدة سنة كاملة، وتعهدت بإعادة تشكيل لجنة الانتخابات الوطنية، مع الإشراف على إجراء انتخابات جديدة متعددة الأحزاب تتسم بالحرية والنزاهة.
يعرف القاصي والداني مدى تورط جيش ميانمار، تحت قياد الجنرال مين أونغ هلاينغ، خلال السنوات الأخيرة في حملة دموية مروّعة ضد مسلمي أقلية الروهينغا في البلاد اعتباراً من أغسطس (آب) من عام 2017، ونتيجة الترويع والمجازر أُجبر مئات الآلاف منهم على الفرار من ميانمار في اتجاه بنغلاديش المجاورة. ولقد خاطر هؤلاء بكل غالٍ ونفيس، فراراً بحياتهم عن طريق البحر أو سيراً على الأقدام من الهجوم العسكري الذي وصفته منظمة الأمم المتحدة في وقت لاحق بأنها «حملة نموذجية ممنهجة للتطهير العرقي».
وتعد أقلية الروهينغا، الذين كان يقترب عددهم من المليون نسمة في ميانمار مع أوائل عام 2017، إحدى الأقليات العرقية الكثيرة الأخرى القاطنة في البلاد. ويمثل مسلمو أقلية الروهينغا أكبر نسبة من المسلمين في ميانمار، ويعيش السواد الأعظم منهم في ولاية راخين. ويُذكر أن لأبناء هذه الأقلية هويتهم، ولغتهم، وثقافتهم الخاصة، وهم يقولون إنهم يتحدّرون من نسل التجار العرب القدامى الذين زاروا تلك البلاد في الماضي مع جماعات أخرى من التي استوطنت تلك المنطقة منذ أجيال. غير أن حكومة ميانمار -تلك الدولة التي يعتنق السواد الأعظم من سكانها الديانة البوذية- ترفض الاعتراف بـ«مواطنة» أقلية الروهينغا، كما استبعدتهم من التعداد السكاني خلال عام 2014، وترفض وجودهم كأقلية قاطنة في البلاد، إذ تعدهم مهاجرين غير شرعيين من بنغلاديش المجاورة.
ورداً على مواقف السلطات الميانمارية وجيشها من الروهينغا، أمرت المحكمة الدولية العليا، خلال يناير (كانون الثاني) من عام 2020 هذه السلطات باتخاذ التدابير الكافية لحماية أفراد الروهينغا من الإبادة الجماعية. ومع أن الجيش دأب على الزعم أنه يقاتل حصراً المسلحين من أبناء الروهينغا وينفي على الدوام استهداف المدنيين، قال محققو الأمم المتحدة إن الهجمات كانت تشتمل على عمليات القتل الجماعية، والاغتصاب الجماعي، والحرق المتعمد على نطاق واسع، وبالتالي تعد تلك الجرائم التي جرى تنفيذها تحت مظلة الإبادة الجماعية الممنهجة. وهو ما نفاه وينفيه الجيش.

مين أونغ هلاينغ... وجيشه وانقلابه
من جهة أخرى، كانت الولايات المتحدة الأميركية، استجابةً لتلك الفظائع، قد فرضت العقوبات على الجنرال مين أونغ هلاينغ وثلاثة آخرين من كبار القادة العسكريين خلال عام 2019، وهناك عدة قضايا منظورة أمام المحاكم الدولية في هذا الشأن، بما في ذلك محكمة العدل الدولية. ويوصف هذا الجنرال بأنه شخصية ذات بنية جسدية ضئيلة، دائماً يواظب على ارتداء النظارة المستديرة بلا حواف تلك التي تمنحه مظهر الكاتب الحكومي أكثر من كونه قائداً لأحد أكبر الجيوش القائمة في المنطقة، والذي أعلن لتوّه عن عملية انقلاب عسكرية في بلاده.
وللعلم، يعد انقلاب العام الجاري هو الثالث من نوعه في التاريخ السياسي لميانمار. وكان الانقلاب الأول في عام 1962، ثم الثاني في عام 1990، وكان حزب «الاتحاد للتضامن والتنمية» المدعوم من الجيش في البلاد، قد مُني بهزيمة فادحة في انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي على أيدي حزب «الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية» بقيادة أونغ سان سو تشي. وكان الجنرال مين أونغ هلاينغ قاب قوسين أو أدنى من التقاعد، إذ قاربت فترة التمديد لخدمته العسكرية لمدة خمس سنوات، التي حصل عليها في عام 2016، على الانتهاء. أما مينت سوي، وهو القائم الجديد بأعمال الرئيس، فيعدّ من الشخصيات العسكرية المخضرمة، وخدم كقائد عسكري في جنوب شرقي ميانمار. في حين جرى الاستعاضة عن أونغ سان من منصبها كوزيرة للخارجية مع تعيين قيادة الجيش لعشر وزراء جدد في مناصب وزارية متعددة. وأعلنت القناة التلفزيونية الخاضعة لسيطرة الحكومة أن وزير الخارجية الجديد هو وونا مونغ لوين.
هذا، ويأتي الانقلاب العسكري الأخير بعد حملة استمرت لمدة شهر كامل لتشويه سمعة الانتخابات الأخيرة في نوفمبر عام 2020 بناءً على مزاعم واهية لا أساس لها من تزوير الناخبين. وعَكَس الانتصار الانتخابي الثاني على التوالي لحزب «الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية» أن الجيش قد عدم وسائل العودة مجدداً إلى السلطة في البلاد عن طريق الانتخابات. وكان رفض الجيش الاعتراف بنتائج الانتخابات الأخيرة المفصل الذي أشعل أزمة سياسية كبيرة في البلاد. إذ رفع الحلفاء العسكريون الشكاوى أمام المحكمة العليا في ميانمار ضد قادة الحكومة المدنية، وهددوا بمقاطعة البرلمان، وطالبوا بإجراء تصويت انتخابي جديد.
لماذا شرع الجيش في تنفيذ الانقلاب؟
تساور الكثيرين الحيرةُ إزاء هذا التساؤل المهم عن السبب الحقيقي لإقدام جيش ميانمار على تنفيذ الانقلاب في الوقت الذي يحظى بنفوذ كبير وواسع في سياسات البلاد؟
وهنا نشير إلى أن دستور عام 2008 في ميانمار ينص على ضمان 25% من مقاعد البرلمان لقادة الجيش، ولا يُسمح بإدخال التعديلات على الدستور من دون حيازة نسبة تأييد برلمانية تبلغ 75% على مثل هذه التعديلات. وهذا الأمر يمنح الجيش –عملياً- سيطرة شبه كاملة على عمليات سَنّ وتشريع القوانين في البلاد، حتى وإن كان بإمكان الممثلين المنتخبين مدنياً اتخاذ بعض القرارات المعنية بالشؤون الخارجية أو المحلية -كما شهدنا خلال السنوات القليلة الماضية في عهد أونغ سان سو تشي.
وحيال ما حدث، يقول المحلل السياسي الهندي أفيناش باليوال: «إن توقيت الانقلاب في ميانمار لا يحتاج إلى تفسير. فلقد جرى الكشف عنه قبل ساعات من الميعاد المقرر لانعقاد البرلمان الجديد. ولو لم يقع الانقلاب لكانت نتائج الانتخابات الأخيرة قد صودق عليها دستورياً. وكانت التوترات قد اندلعت بين حزب (الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية) وبين الجيش منذ انتخابات نوفمبر الماضي. وأظهرت نتائج الانتخابات في عامي 2015 ثم 2020 ارتفاعاً كبيراً في شعبية السيدة أونغ سان في مقابل التدني الملحوظ لشعبية الجيش في البلاد. ثم كانت هناك مطالب مستمرة بتخفيض النسبة البرلمانية المطلوبة لإدخال التعديلات الدستورية، وهو ما عمّق شكوك قيادة الجيش في محاولات أونغ سان سو تشي الرامية إلى تغيير موازين القوى المدنية العسكرية في ميانمار إثر وصولها إلى سدة السلطة للمرة الثانية».
ويتابع باليوال شرحه للوضع قائلاً إن «هذا المزيج الواضح من مخاوف الجيش وطموحات السيدة أونغ سان قد أسفرت عن اندلاع الخلافات بينها وبين المجموعة السياسية المؤيدة للجيش وهي حزب (الاتحاد للتضامن والتنمية). وثارت حالة من القلق المتزايد داخل أروقة الجيش بأنه بات يخاطر بفقدان النفوذ واستقلالية القرار على الكثير من الملفات السياسية ذات الأهمية في ميانمار».
وفي سياق متصل يرى أحد المراقبين السياسيين من نيودلهي -طلب إغفال الإشارة إلى هويته- أنه «في ديمقراطية ميانمار الخاصة، ينطبق الكثير من الشروط. وتدرك السيدة أونغ سان سو تشي إبان ولايتها الثانية للسلطة في البلاد ذلك الأمر تماماً. ولذلك، حال تولي حزبها السلطة على مدار السنوات الخمس الماضية، كانت حريصة كل الحرص على تحاشي استعداء قيادة الجيش. وهكذا، استمر الجنرالات في السيطرة المطلقة على الوزارات السيادية الرئيسية، وهي الدفاع والداخلية وشؤون الحدود. وحتى عندما وقعت عمليات التطهير العرقي ضد طائفة الروهينغا، التزمت أونغ سان -الحائزة على جائزة نوبل للسلام- الصمت المطبق حيالها. ورفضت أن تستفز الجيش في ذلك... ومع هذا كان الجنرالات أبعد ما يكونون عن السعادة بذلك».
فرص نجاح الانقلاب وردود الفعل العالمية
هل من شأن انقلاب الجيش في ميانمار أن يحظى بالنجاح؟ هذا أحد الأسئلة الحتمية المطروحة التي لا محيد عنها.
تقول الكاتبة الصحافية الهندية جيوتو مالهوترا، عن ذلك: «مع أن قيادة الجيش في ميانمار تملك القوة العسكرية الكبيرة، فإن ذلك لا يضمن الانتصار في معركة الشرعية السياسية. ولقد أكدت جولات الانتخابات المحلية المتتالية في البلاد وبصورة كبيرة وغالبة، شعبية السيدة أونغ سان سو تشي، وأن القاعدة السياسية الموالية للجيش ليست واسعة النطاق كما هو مُعتقد. وفي أعقاب عِقد كامل من الانتخابات الديمقراطية والحكم المدني بصفة جزئية في ميانمار، يخاطر الانقلاب العسكري الأخير بإشعال حالة عارمة من الاحتجاجات الجماهيرية في البلاد، تلك التي زعزعت استقرار السياسات في ميانمار في الماضي. غير أن المجلس العسكري قد خطط لذلك منذ فترة طويلة، ومن شأنه الصمود في وجه ردود الفعل الشعبية الغاضبة المتوقعة».
من ناحية أخرى، ما من شك في أن ردود الفعل العالمية كانت سريعة وقاسية، لا سيما مع تولي الولايات المتحدة وأستراليا زمام المبادرة في ذلك من خلال الدعوة الصريحة إلى إطلاق سراح المعتقلين واحترام نتائج الانتخابات الأخيرة في عام 2020.
ولقد أعرب أنطونيو غوتيريش، الأمن العام لمنظمة الأمم المتحدة، عن إدانته البالغة لإقدام الجيش على اعتقال القادة المدنيين المنتخبين في ميانمار. كذلك، وصفت وسائل الإعلام الأوضاع في ميانمار بأنها تعد أول اختبار رئيسي في السياسات الخارجية لفريق الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن. وللأمر خلفيته المعروفة في أوقات أكبر الإنجازات الماضية لإدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما. وكان الرئيس أوباما قد قام بزيارة ميانمار في عام 2012، تلك الزيارة التي تزامنت مع الانفتاح الديمقراطي الجديد في البلاد، بتشجيع واضح من الولايات المتحدة، ومع تكثيف العلاقات المشتركة مع الكثير من البلدان الديمقراطية الغربية، وتراجُع حالة النفوذ الخانقة للصين في المقابل.
وبعدما كانت الحكومة الأميركية قد رفعت العقوبات المفروضة على ميانمار خلال العقد الماضي إثر التقدم الذي أحرزته الحكومة هناك على مسار الديمقراطية، قال الرئيس بايدن في بيانه الأخير عن الوضع: «إن عكس هذا التقدم سيستلزم من جانبنا إعادة النظر بصفة فورية في قوانين وصلاحيات العقوبات لدينا، ومن شأن ذلك أن يتبعه اتخاذ الإجراء المناسب». وحقاً، ترددت أصداء تعليقاته على نطاق كبير لدى البلدان الديمقراطية الأخرى وإن كانت ببعض التغييرات. كما اتّسقت تلك التعليقات إلى درجة كبيرة مع تعهد الإدارة الأميركية بتأكيد المسار الديمقراطي لا سيما بعد الاضطرابات السياسية التي شهدتها سنوات حكم الرئيس السابق دونالد ترمب.

الصين في {مأزق} بعد انقلاب الجيش في ميانمار
> من المثير للاهتمام أن الحكومة الصينية قد أحجمت حتى الآن عن التعرض بالانتقاد أو التأييد لانقلاب ميانمار العسكري الأخير، لا سيما مع وسائل الإعلام الخاضعة لسيطرة الحكومة التي تصف الانقلاب في ميانمار بأنه «تعديل وزاري واسع النطاق». كذلك فضّلت الحكومة الصينية التزام الصمت التام، مع الإشارة إلى أن ميانمار هي آخر البلدان التي قام الرئيس الصيني بزيارتها في عام 2020.
وهنا، يقول الخبراء المعنيون بالأمر إن ميانمار تملك أهمية خاصة بالنسبة إلى الخطط الجيو - استراتيجية لدى الصين. وسوف يكون من المثير للاهتمام في الفترة المقبلة أن نشهد مسار استجابة الصين إزاء تداعيات الموقف في الأيام القليلة المقبلة. وفي اتجاه موازٍ، من شأن الانقلاب الأخير أن يضع الصين في مأزق سياسي بالنظر إلى حقيقة دفء العلاقات بين الحكومة الصينية وأونغ سان سوتشي خلال السنوات الأخيرة رغم محافظة بكين على علاقاتها الوثيقة والقوية مع جيش ميانمار.
ثم قد يكون من المفيد النظر إلى حقيقة المصالح التجارية الكبيرة لدى الصين. فهناك اعتبارات «مبادرة الحزام والطريق» في ميانمار، والدعم الصيني المستمر لإجبار ميانمار على تسوية أزمة طائفة الروهينغا بصورة إنسانية في المناطق الحدودية المتاخمة، مع ترسيخ القوى الديمقراطية في البلاد، تلك التي تحظى بعلاقات ودّية جيدة مع الحكومة الصينية. فهل من شأن الصين، على سبيل المثال، الاستعانة بحق النقض «الفيتو» ضد انتقاد الانقلاب العسكري في مجلس الأمن الدولي؟ إنْ أقدمت الصين على فعل ذلك، فقد يكون ذلك خطوة جديدة على طريق التشدد الآيديولوجي ضد الديمقراطية من بكين، وليس فقط في الداخل وإنما بين جيرانها في الخارج كذلك.
أما فيما يخص العملاقين الآسيويين الآخرين، الهند واليابان، فإنهما التزمتا الصمت التام إزاء انتقاد الانقلاب في ميانمار. إذ اكتفت نيودلهي بالإعراب عن قلقها العميق، وأعلنت طوكيو أنه «من المهم للأطراف المعنية حل المشكلات سلمياً من خلال الحوار وفقاً للعملية الديمقراطية». وراهناً، تراقب نيودلهي بعناية وعن كثب مستجدات الأوضاع في ميانمار، ولقد رفضت الانجرار إلى تأييد فريق الجيش أو فريق أونغ سان المناوئ له. ولا يرمز شيء إلى ذلك الموقف أكثر من الزيارة المشتركة التي قام بها وزير الخارجية الهندي رفقة قائد الجيش الهندي إلى ميانمار، فلقد كانت زيارة استثنائية، وكانت لها أهداف ونتائج غير اعتيادية. ومعلومٌ أن التواصل العسكري والدبلوماسي الهندي إزاء ميانمار يشكل الركن الأساسي في سياسة «التوجه شرقاً» المعتمدة لديها. وفي أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، سلّمت حكومة ميانمار 22 متمرداً هندياً لسلطات نيودلهي ممن كانوا يثيرون المشكلات عبر الحدود. غير أن العلاقات الثنائية بين البلدين تعززت بالفعل اعتباراً من عام 2015 في أعقاب اللجنة الثنائية المشتركة التي أسفرت عن اتخاذ الهند قرارها بزيادة المبيعات العسكرية إلى ميانمار.
وهنا يعلِّق الصحافي الهندي البارز مانيش شيبار، قائلاً: «يمكن تفسير الاستجابات الهادئة من جانب الهند واليابان بأنها إحجام عن استعداء أي جانب يسيطر على السلطة في ميانمار، نظراً لأن مثل هذه الخطوة ستدفع ميانمار مجدداً إلى أيدي المنافس الكبير المشترك على النفوذ هناك، ألا وهي الصين».
وأما بالنسبة لدول المنطقة الأخرى، فقد اتسمت بيانات البلدان المشاركة لميانمار في «رابطة دول جنوب شرقي آسيا - آسيان» بالحذر الشديد. فلقد حثت سنغافورة وإندونيسيا الأطراف كافة على ضبط النفس، ورأت كمبوديا الانقلاب الأخير «شأناً داخلياً» في ميانمار، ودعت ماليزيا الجيش ومختلف الأطراف المعنية في ميانمار إلى «منح الأولوية القصوى إلى الحفاظ على السلام والأمن» في البلاد.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.