في ليبيا... الحلول المؤقتة تدوم أحياناً

المسار العسكري يتخلى عن تعقيدات الحوار النخبوي

في ليبيا... الحلول المؤقتة تدوم أحياناً
TT

في ليبيا... الحلول المؤقتة تدوم أحياناً

في ليبيا... الحلول المؤقتة تدوم أحياناً

مع اقتراب الذكرى العاشرة للانتفاضة الليبية التي أطاحت بنظام العقيد الراحل معمر القذافي بدعم من حلف شمال الأطلسي (ناتو)، تتجه ليبيا إلى خطوة أخرى بتعيين سلطة مؤقتة تتولى التجهيز لانتخابات رئاسية وبرلمانية قبل نهاية العام الحالي.
المشروع السياسي الضخم، الذي قادته الأمم المتحدة عبر بعثتها في ليبيا برئاسة الدبلوماسية الأميركية ستيفاني وليامز، أوشك على دخول محطته الأخيرة بعد النجاحات النسبية والمتتالية التي أمكن تحقيقها على مختلف المسارات السياسية والعسكرية والاقتصادية لحلحلة الأزمة الليبية. ولكن مع دخول المشهد الليبي مرحلة اختيار الأسماء التي سيصار إلى ترشيحها لتولي رئاسة المجلس الرئاسي الجديد وحكومة الوحدة الوطنية، فإن ثمة مخاوف من ألا يصل القطار إلى مرحلة المرجوّة.
بينما تسود هدنة هشة خطوط التماس ومحاور القتال في سرت والجفرة بين قوات «حكومة الوفاق» الليبية برئاسة فائز السراج وقوات «الجيش الوطني الليبي» بقيادة المشير خليفة حفتر، يرى مراقبون أن تسوية سياسية شاملة تظل أمراً بعيد المنال؛ وذلك في ظل استمرار الوجود العسكري للقوات التركية مدعومة بنحو عشرين ألفاً من المرتزقة السوريين الذين جلبتهم أنقرة للقتال إلى جانب قوات «حكومة الوفاق» وفي صفوفها، فضلاً عن بقاء الميليشيات المسلحة الموالية للوفاق في مواقعها.
ومع تحديد الانتخابات المقبلة يوم 24 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، بمرجعية الاستفتاء على الدستور الجديد للبلاد في أعقاب تنقيته، فإن السلطة الجديدة التي يُراد لها أن تشرف على هذه الانتخابات، لن تدوم في مناصبها أكثر من عشرة أشهر فقط. بيد أن مجريات الأمور وتطورها في ليبيا، برهنت عملياً على أن «كل ما هو مؤقت دائم» حتى يثبت العكس، وأن أي سلطة مؤقتة سرعان ما تفضّل التلاعب بالزمن بحثاً عن التمديد وإطالة مدة الحكم، وبالتالي الحصول مكاسب شخصية، بغض النظر عن مصلحة البلاد العليا. وفي حين تنتظر بعثة الأمم المتحدة فراغ كل إقليم من الأقاليم الثلاثة (برقة وطرابلس وفزان) من اختيار مرشحيهم للسلطة التنفيذية الجديدة، عبر «ملتقى الحوار السياسي الليبي»، فإن الأمور التي تبدو محسومة سلفاً، توحى أيضاً بكثير من المخاوف.
بالنسبة إلى المستشار عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب الليبي، والمرشح لرئاسة المجلس الرئاسي للحكومة الجديدة، فإنه، كما أبلغ مسؤولاً مصرياً رفيع المستوى أخيراً في القاهرة «يريد أن ينهي حياته السياسية في هذا المنصب».
يبحث صالح عن «حسن الختام»، إذن لمسيرته السياسية والرسمية، عبر منصب يفترض أنه قد لا يطول إلى سنة كاملة. وفي المقابل، يبدو أن فتحي باش أغا وزير داخلية «حكومة الوفاق»، وبدعم أميركي وتركي واضح، يسعى الآن إلى رئاسة الحكومة بعدما قدّم نفسه كرجل أمن يصعب تجاوزه.

مصالح مشتركة
ثمة فروق زمنية ومكانية واسعة بين صالح وباش أغا، لكن بإمكان المصالح المشتركة في السلطة أن تجمع دائماً بين أصحابها. لهذا؛ كان مفهوماً أن يتبادل الجانبان حديثاً - بعيداً عن وسائل الإعلام، عبر الهاتف - خلال زيارة باش أغا الأخيرة إلى القاهرة، التي كانت قد انفتحت في الآونة الأخيرة على «الغرب الليبي للحد من اندفاعه باتجاه تركيا»، وفقاً لما قاله مسؤول مصري.
تفاهم باش أغا وصالح، يتخطى هنا المشير خليفة حفتر، الرجل القوي في شرق ليبيا وجنوبها، غير أنه يؤشر أيضاً إلى أن العلاقات بينه وبين صالح ليست على ما يرام. والحقيقة، أن خلافات الرجلين قديمة - جديدة، ولها تراكمات منذ اختلفا بشدة في مفاوضات موسكو، حين كانت قوات «الجيش الوطني» على تخوم العاصمة طرابلس.
آنذاك طلب صالح من حفتر، وفقاً لرواية مصدر مطلع طلب إغفال ذكر اسمه، أن يستجيب للتفاوض مع قوات «حكومة الوفاق»، وتفادي تضييع فرصة أنه الطرف الأقوى على طاولة المفاوضات. وفي حينه، قال صالح للمشير «لديك 80 في المائة من المسألة الآن، وأنت الطرف المنتصر حتى اللحظة، ويمكننا التوصل إلى اتفاق سلام يحقق الكثير إذا ما أوقفنا الحرب». إلا أن حفتر رفض العرض، ولم يفلح المسؤولون الروس والمصريون لاحقاً في إقناعه بقبوله، قبل أن يصبح «فرصة ضائعة» لا يمكن تعويضها، بعدما جلب السراج تركيا باتفاقية عسكرية مثيرة للجدل، وبدورها جلبت تكنولوجيا طائرات «الدرون» المسيرة ومعها نحو عشرين ألفاً من المرتزقة السوريين.
لم يكن هذا هو الخلاف الأول أو الأخير بين حفتر وصالح؛ إذ تعاظم الجدل بينهما بعدما طلب حفتر تفويضاً رسمياً من الشعب الليبي لتولي السلطة، ويومها أبلغه صالح أنه لا يمانع بالتفويض، ولكن ليس بهذه الطريقة. وبالتالي، يبدو صالح الآن أقرب إلى باش أغا وزير داخلية السراج والطامح لخلافته، وهو ما يكرّس خلافاته مع حفتر.
ومن جهة ثانية، يعتقد مقربون من صالح وباش أغا، أن فرصتيهما للفوز برئاسة المجلس الرئاسي والحكومة قائمة وكبيرة، وإلا فإنها الحرب التي تنتظر فقط طلقتها الأولى. وكما كشف أحدهم، فلدى صالح «13 مؤيداً من بين الـ24 شخصاً الذين يمثلون إقليم برقة في (ملتقى الحوار السياسي)... وهو أقرب من بقية المرشحين للفوز بمنصب الرئيس الجديد للمجلس الرئاسي». وتابع «بالإضافة إلى هذا الدعم، فلديه أيضاً تأييد موسكو وباريس والقاهرة وروما، ما يجعله الأكثر حظوة، إذا مضت الأمور كما هو مقرّر لها».

خلافات مريرة
المجموعة التي تضم 75 ليبياً اختارتهم بعثة الأمم المتحدة، ستعمل قريباً على ترشيح واختيار حكومة موحدة للإعداد للانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة. وهو ما وصفه مراقبون لوكالة «رويترز» بعملية تخيّم عليها احتمالات الخلافات المريرة؛ إذ «يسود التنافس الائتلافين الرئيسيين في شرق ليبيا وغربها، وأي خطوة لاستبعاد شخصيات ذات نفوذ قد تؤذن بجولة جديدة من القتال الذي تورطت فيه بالفعل قوى أخرى».
من جانبها، تلاحظ وزارة الخارجية الألمانية في تقرير لها، أن الوضع في ليبيا تحسّن بشكل ملحوظ خلال العام الماضي، بعدما توقف القتال منذ يونيو (حزيران) 2020. وأسفرت عملية سلام حقيقية بقيادة الأمم المتحدة عن تقدم حقيقي. ويستند التفاؤل الألماني إلى ثلاثة أمثلة محددة، أبرزها: اتفاق «ملتقى الحوار السياسي الليبي» على هيكل حكومة ليبية جديدة بالكامل وعلى موعد إجراء الانتخابات على مستوى البلاد، بالإضافة إلى مقترحات ستوجد أيضاً اعتباراً من هذا الأسبوع حول كيفية تشكيل حكومة انتقالية. بيد أن ستيفاني وليامز، رئيسة البعثة الأممية بالإنابة، التي تتأهب خلال الأسبوع المقبل لمغادرة منصبها بعد تعيين السلوفكي يان كوبيتش، تعتقد أن هناك «بعض السياسيين لا يريدون حل الأزمة». ففي مقابلة مع صحيفة بريطانية عادت وليامز إلى استخدام تعبيرها الشهير في وصف هؤلاء «الديناصورات»، بعدما أضافت إليه مصطلح «المسيطرون على خزائن الدولة».
وبحسب وليامز، فإن الانتخابات المقبلة «تشكل تهديداً مباشراً لوضعهم الراهن، وسيقاتلون للدفاع عن وضعهم الراهن»، معربة عن اعتقادها بأن «هؤلاء الذين يحاولون منع تشكيل هيئة تنفيذية موحدة توافقية هم القوى السياسية نفسها التي ستحاول تعطيل الانتخابات».
كذلك حذرت وليامز السراج ضمنياً، بعد إعلانه أنه ناقش مع بعض أعضاء مجلس النواب في طرابلس، خلال الأسبوع الماضي، إمكانية تشكيل حكومة جديدة. إذ شددت على أن «محاولة تشكيل هيئة تنفيذية موحّدة جديدة يجب أن تأتي تحت مظلة الحوار السياسي الذي تشرف عليه البعثة الأممية».
هذا، واعتادت وليامز - والبعثة الأممية على مدى الأيام الماضية - الإشارة إلى أن «هذه سلطة تنفيذية مؤقتة سيُستعاض عنها بسلطة منتخبة ديمقراطياً، بعد الانتخابات المقبلة». لكن التكرار هنا ليس دليلاً على شيء سوى على الخوف من تكرار ما جرى من تمديد للسلطات الانتقالية التي عرفتها ليبيا طوال السنوات العشر التي تلت سقوط القذافي الذي أمضى نحو 42 سنة في السلطة منفرداً.
وبالنظر إلى تجربة حكومة السراج، التي كان يفترض أن تنتهي قبل 3 سنوات على الأقل، فإن السلطة الجديدة - بما في ذلك حكومتها المؤقتة – ستبقى لمدة 5 سنوات. وفي هذا السياق، يقول أحد المسؤولين المرشحين لشغل إحدى الحقائب الوزارية في الحكومة الجديدة «الجميع يتحدث عن فترة انتقالية محدودة، لكن الواقع أن الحكومة المقبلة ستمضي في السلطة نفس فترة حكومة الوفاق تقريباً».
الكلام الصادم عن التمديد المبكر يبدو لهذا المسؤول، الذي طلب تحاشي تعريفه، أمراً واقعياً للغاية، بالنظر إلى مكوّنات المشهد الليبي والطبيعة التي تدمغ مسؤولي الدولة في الآونة الأخيرة.
ومن ثم، مع اقتراب انتهاء المهلة التي منحها اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 23 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي في جنيف لسحب المرتزقة الأجانب في غضون 90 يوماً، فإن الـ20 ألف جندي أجنبي في ليبيا الذين قدّرتهم استناداً إلى ما وصفته بأدلة قاطعة، لم يغادروا بعد الأراضي الليبية، وسط مؤشرات على أنه سيجري تمديد المهلة بالمدة نفسها. وما زالت اللجنة العسكرية المشتركة «5 زائد 5» التي تضم ممثلين عن كل من قوات «حكومة الوفاق» و«الجيش الوطني»، والتي تعتزم عقد اجتماع جديد لها الأسبوع المقبل لبحث فتح الطريق الساحلية بين سرت ومصراتة، عاجزة عن ذلك.
وفي دولة يصبح كل ما هو مؤقت فيها، أمراً دائما ًبحكم السياسة، لا المنطق، فإن الكثير من التخمينات يمكن أن يصح استناداً إلى ما كان.

خداع بصري
اللواء محمد عبد الواحد، خبير الأمن القومي المصري، يرى أن ثمة «اختلافات في الشكل والمضمون والأهداف والدوافع ما بين المسارين السياسي والعسكري على الرغم من تكاملهما معاً، وهو ما يجعل مَن يراقب المشهد يتصوّر حدوث تقدم ملموس للمسار العسكري، ويقلل من احتمالية حدوث نجاحات للمسار السياسي... لكنه في الحقيقة نوع من حدوث خداع بصرى للمشاهد»، على حد تعبيره.
وأرجع اللواء عبد الواحد في حديث له مع «الشرق الأوسط» التقدم النسبي حالياً في المسار العسكري إلى « عوامل عدة، أهمها: أن المكون للجنة العسكرية المشتركة لقوات الجيش الوطني وحكومة الوفاق، المعروفة باسم (5 زائد 5)، يضم عسكريين يغلب عليهم الانضباط والالتزام، فضلاً عن قدرتهم على مواجهة وحل الأزمات، ناهيك عن عدم ارتباطهم بتوجهات سياسية أو أيدلوجية. وهذا ما يجعل حساباتهم إلى حد ما بعيدة عن محاولات الربح والخسارة كما في التفاوض السياسي». وأردف «المسار العسكري يرتبط بشكل وثيق بنظيره السياسي. وبالتالي، فإن استمراره ونجاحه مرهونان بعدم فشل المسار السياسي، وبألا تحدث أي تغييرات عسكرية على الأرض، خاصة من الميليشيات المسلحة والمرتزقة والجماعات السياسية الدينية... وكلاهما للأسف يعمل وفقاً لأجندات خارجية وداخلية».
يقدّر عبد الواحد أن المسارين السياسي والعسكري محفوفان بالمخاطر والألغام. ولذا؛ ينصح الليبيين بالحذر والتعامل مع تلك الأزمات بحكمة وتجنب إضاعة الفرصة للسلام والاستقرار. كذلك، فإنه يخشى حدوث أزمات في الانتقال بتفاهمات الحوار، سياسياً وعسكرياً، إلى مستوى التنفيذ على الأرض، وبالأخص، يتعلق بتوحيد المؤسسات العسكرية في جيش وطني واحد، من دون التوصل إلى حل سياسي يقبله الجميع أو على الأقل الأكثر تأثيراً. ويلفت إلى «غياب مفهوم الدولة الوطنية لدى الليبيين نتيجة طول أمد الصراع، فضلاً عن عدم وجود إرادة سياسية لتقديم تضحيات شخصية لحساب الوطن في ظل أن السيادة الليبية مسلوبة من قوى خارجية طامعة في ثروات ليبيا.
ويعتقد خبير الأمن القومي، أن نجاح المسار العسكري - الذي مورست ضغوط دولية وإقليمية من أجل وقف القتال الفوري - كان يستند إلى حقائق مجرّدة، أبرزها أنه يسعى لتحقيق أهداف الحاضر: وهي وقف إطلاق النار وفرض الأمن والاستقرار، «ما يدل على حاجة جميع الأطراف الليبية التي يمثلها المسار العسكري إلى فرض الاستقرار بعدما أنهكتها الحروب».
أما المسار السياسي فيسعى إلى تحقيق أهداف مستقبلية ومكاسب سياسية تتعلق بالسلطة والنفوذ والثروة والوظائف المهمة والتمثيل النسبي على أساس المحاصصة العرقية والجهوية والقبلية. وهذا ما يدفع المطالب الفئوية للجميع من الأمازيغ والتبو والطوارق وغيرهم لتحقيق أقصى استفادة... وهو ما يهدد أي تسوية سياسية للأزمة الليبية.
ويلفت اللواء عبد الواحد إلى «وجود مستفيدين فعليين من الصراع ومنع تشكيل حكومة مركزية قوية تسيطر على كل الأقاليم»، بمن فيهم «أمراء الحرب والجريمة المنظمة والشبكات الإرهابية وعملاؤها من القيادات السياسية الدينية والقوى الخارجية الإقليمية والدولية». ويلخص المشكلة الحقيقية في «العجز عن السيطرة على الميليشيات والقوى المسلحة غير الشرعية، وزيادة حالات الاستقطاب الداخلي وبقوة، واستخدام المال السياسي لتحقيق مصالح شخصية ضيقة على حساب المصالح الوطنية».

المؤقت والدائم
في المقابل، يعتقد دبلوماسي غربي، طلب التكتم على اسمه، أن الليبيين الذين عانوا من طول فترة حكم القذافي على مدى أكثر من أربعة عقود، «باتوا مغرمين بثنائية المؤقت والدائم».
ويشرح الدبلوماسي - الذي يعمل من تونس لأسباب أمنية تبقيه بعيداً عن العاصمة الليبية طرابلس - التعبير على النحو التالي «أنظر إلى مسميات السلطات التي تعاقبت على الحكم (كـ«المجلس الانتقالي» و«الحكومة المؤقتة»)، فهي تشير بوضوح إلى أنه جرى التلاعب بالفترات الرسمية المحددة وبات كل ما هو مؤقت، دائم إلى حد كبير».
ويروى المشهد وزير سابق في الحكومة الموازية بشرق ليبيا، بنكتة سياسية مريرة، حين محت الحكومة التي يترأسها عبد الله الثني، الهارب من جحيم ميليشيات طرابلس إلى بنغازي، كلمة «المؤقتة» من وصفها... فبقيت هناك إلى ما لا نهاية، حتى إن المواطنين العاديين ردوا في المقابل بالتندر على هذا التغيير الكوميدي، بإطلاق اسم «الحكومة المؤقتة الدائمة إلى ما لا نهاية».
محطات فارقة في ليبيا منذ 2011
- اندلعت في مدينة بنغازي (كبرى مدن شرق ليبيا) في فبراير (شباط) 2011 حركة احتجاجات واجهها النظام السابق بالقمع العنيف، وذلك قبل أن تتوسّع إلى مناطق أخرى، وانتهت بقتل معمر القذافي.
- سلّم «المجلس الوطني الانتقالي»، الأداة السياسية للثوار في أغسطس (آب) 2012، سلطاته إلى «المؤتمر الوطني العام» (البرلمان) الذي انتخب قبل ذلك بشهر.
- يوم 25 يونيو (حزيران) عام 2014، انتُخب برلمان جديد قاطعه الإسلاميون، لكن ائتلاف «فجر ليبيا» الذي ضم العديد من الفصائل المسلحة وبينها جماعات إسلامية، سيطر على العاصمة طرابلس وأعاد إحياء البرلمان المنتهية ولايته. وجرى تشكيل حكومة.
- في ديسمبر (كانون الأول) 2015، بعد أشهر من المباحثات، وقّع أعضاء في البرلمانين المتنافسين في منتجع الصخيرات بالمغرب، تحت رعاية الأمم المتحدة، اتفاقاً نصّ على تشكيل «حكومة الوفاق الوطني» برئاسة فائز السراج، التي دخلت طرابلس مارس (آذار) 2016.
- يوم 29 مايو (أيار) عام 2018، تعهدت الأطراف الأربعة الرئيسية في الأزمة الليبية، من العاصمة الفرنسية باريس بالعمل معاً من أجل إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية نهاية العام.
- في أعقاب مفاوضات طالت لأسابيع، وحوار سياسي استضافته تونس في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، اتفق الليبيون المشاركون في عملية سلام ترعاها الأمم المتحدة على آلية لاختيار حكومة جديدة مؤقتة للإشراف على الفترة السابقة للانتخابات المقررة نهاية العام الحالي.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.