في ليبيا... الحلول المؤقتة تدوم أحياناً

المسار العسكري يتخلى عن تعقيدات الحوار النخبوي

في ليبيا... الحلول المؤقتة تدوم أحياناً
TT

في ليبيا... الحلول المؤقتة تدوم أحياناً

في ليبيا... الحلول المؤقتة تدوم أحياناً

مع اقتراب الذكرى العاشرة للانتفاضة الليبية التي أطاحت بنظام العقيد الراحل معمر القذافي بدعم من حلف شمال الأطلسي (ناتو)، تتجه ليبيا إلى خطوة أخرى بتعيين سلطة مؤقتة تتولى التجهيز لانتخابات رئاسية وبرلمانية قبل نهاية العام الحالي.
المشروع السياسي الضخم، الذي قادته الأمم المتحدة عبر بعثتها في ليبيا برئاسة الدبلوماسية الأميركية ستيفاني وليامز، أوشك على دخول محطته الأخيرة بعد النجاحات النسبية والمتتالية التي أمكن تحقيقها على مختلف المسارات السياسية والعسكرية والاقتصادية لحلحلة الأزمة الليبية. ولكن مع دخول المشهد الليبي مرحلة اختيار الأسماء التي سيصار إلى ترشيحها لتولي رئاسة المجلس الرئاسي الجديد وحكومة الوحدة الوطنية، فإن ثمة مخاوف من ألا يصل القطار إلى مرحلة المرجوّة.
بينما تسود هدنة هشة خطوط التماس ومحاور القتال في سرت والجفرة بين قوات «حكومة الوفاق» الليبية برئاسة فائز السراج وقوات «الجيش الوطني الليبي» بقيادة المشير خليفة حفتر، يرى مراقبون أن تسوية سياسية شاملة تظل أمراً بعيد المنال؛ وذلك في ظل استمرار الوجود العسكري للقوات التركية مدعومة بنحو عشرين ألفاً من المرتزقة السوريين الذين جلبتهم أنقرة للقتال إلى جانب قوات «حكومة الوفاق» وفي صفوفها، فضلاً عن بقاء الميليشيات المسلحة الموالية للوفاق في مواقعها.
ومع تحديد الانتخابات المقبلة يوم 24 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، بمرجعية الاستفتاء على الدستور الجديد للبلاد في أعقاب تنقيته، فإن السلطة الجديدة التي يُراد لها أن تشرف على هذه الانتخابات، لن تدوم في مناصبها أكثر من عشرة أشهر فقط. بيد أن مجريات الأمور وتطورها في ليبيا، برهنت عملياً على أن «كل ما هو مؤقت دائم» حتى يثبت العكس، وأن أي سلطة مؤقتة سرعان ما تفضّل التلاعب بالزمن بحثاً عن التمديد وإطالة مدة الحكم، وبالتالي الحصول مكاسب شخصية، بغض النظر عن مصلحة البلاد العليا. وفي حين تنتظر بعثة الأمم المتحدة فراغ كل إقليم من الأقاليم الثلاثة (برقة وطرابلس وفزان) من اختيار مرشحيهم للسلطة التنفيذية الجديدة، عبر «ملتقى الحوار السياسي الليبي»، فإن الأمور التي تبدو محسومة سلفاً، توحى أيضاً بكثير من المخاوف.
بالنسبة إلى المستشار عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب الليبي، والمرشح لرئاسة المجلس الرئاسي للحكومة الجديدة، فإنه، كما أبلغ مسؤولاً مصرياً رفيع المستوى أخيراً في القاهرة «يريد أن ينهي حياته السياسية في هذا المنصب».
يبحث صالح عن «حسن الختام»، إذن لمسيرته السياسية والرسمية، عبر منصب يفترض أنه قد لا يطول إلى سنة كاملة. وفي المقابل، يبدو أن فتحي باش أغا وزير داخلية «حكومة الوفاق»، وبدعم أميركي وتركي واضح، يسعى الآن إلى رئاسة الحكومة بعدما قدّم نفسه كرجل أمن يصعب تجاوزه.

مصالح مشتركة
ثمة فروق زمنية ومكانية واسعة بين صالح وباش أغا، لكن بإمكان المصالح المشتركة في السلطة أن تجمع دائماً بين أصحابها. لهذا؛ كان مفهوماً أن يتبادل الجانبان حديثاً - بعيداً عن وسائل الإعلام، عبر الهاتف - خلال زيارة باش أغا الأخيرة إلى القاهرة، التي كانت قد انفتحت في الآونة الأخيرة على «الغرب الليبي للحد من اندفاعه باتجاه تركيا»، وفقاً لما قاله مسؤول مصري.
تفاهم باش أغا وصالح، يتخطى هنا المشير خليفة حفتر، الرجل القوي في شرق ليبيا وجنوبها، غير أنه يؤشر أيضاً إلى أن العلاقات بينه وبين صالح ليست على ما يرام. والحقيقة، أن خلافات الرجلين قديمة - جديدة، ولها تراكمات منذ اختلفا بشدة في مفاوضات موسكو، حين كانت قوات «الجيش الوطني» على تخوم العاصمة طرابلس.
آنذاك طلب صالح من حفتر، وفقاً لرواية مصدر مطلع طلب إغفال ذكر اسمه، أن يستجيب للتفاوض مع قوات «حكومة الوفاق»، وتفادي تضييع فرصة أنه الطرف الأقوى على طاولة المفاوضات. وفي حينه، قال صالح للمشير «لديك 80 في المائة من المسألة الآن، وأنت الطرف المنتصر حتى اللحظة، ويمكننا التوصل إلى اتفاق سلام يحقق الكثير إذا ما أوقفنا الحرب». إلا أن حفتر رفض العرض، ولم يفلح المسؤولون الروس والمصريون لاحقاً في إقناعه بقبوله، قبل أن يصبح «فرصة ضائعة» لا يمكن تعويضها، بعدما جلب السراج تركيا باتفاقية عسكرية مثيرة للجدل، وبدورها جلبت تكنولوجيا طائرات «الدرون» المسيرة ومعها نحو عشرين ألفاً من المرتزقة السوريين.
لم يكن هذا هو الخلاف الأول أو الأخير بين حفتر وصالح؛ إذ تعاظم الجدل بينهما بعدما طلب حفتر تفويضاً رسمياً من الشعب الليبي لتولي السلطة، ويومها أبلغه صالح أنه لا يمانع بالتفويض، ولكن ليس بهذه الطريقة. وبالتالي، يبدو صالح الآن أقرب إلى باش أغا وزير داخلية السراج والطامح لخلافته، وهو ما يكرّس خلافاته مع حفتر.
ومن جهة ثانية، يعتقد مقربون من صالح وباش أغا، أن فرصتيهما للفوز برئاسة المجلس الرئاسي والحكومة قائمة وكبيرة، وإلا فإنها الحرب التي تنتظر فقط طلقتها الأولى. وكما كشف أحدهم، فلدى صالح «13 مؤيداً من بين الـ24 شخصاً الذين يمثلون إقليم برقة في (ملتقى الحوار السياسي)... وهو أقرب من بقية المرشحين للفوز بمنصب الرئيس الجديد للمجلس الرئاسي». وتابع «بالإضافة إلى هذا الدعم، فلديه أيضاً تأييد موسكو وباريس والقاهرة وروما، ما يجعله الأكثر حظوة، إذا مضت الأمور كما هو مقرّر لها».

خلافات مريرة
المجموعة التي تضم 75 ليبياً اختارتهم بعثة الأمم المتحدة، ستعمل قريباً على ترشيح واختيار حكومة موحدة للإعداد للانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة. وهو ما وصفه مراقبون لوكالة «رويترز» بعملية تخيّم عليها احتمالات الخلافات المريرة؛ إذ «يسود التنافس الائتلافين الرئيسيين في شرق ليبيا وغربها، وأي خطوة لاستبعاد شخصيات ذات نفوذ قد تؤذن بجولة جديدة من القتال الذي تورطت فيه بالفعل قوى أخرى».
من جانبها، تلاحظ وزارة الخارجية الألمانية في تقرير لها، أن الوضع في ليبيا تحسّن بشكل ملحوظ خلال العام الماضي، بعدما توقف القتال منذ يونيو (حزيران) 2020. وأسفرت عملية سلام حقيقية بقيادة الأمم المتحدة عن تقدم حقيقي. ويستند التفاؤل الألماني إلى ثلاثة أمثلة محددة، أبرزها: اتفاق «ملتقى الحوار السياسي الليبي» على هيكل حكومة ليبية جديدة بالكامل وعلى موعد إجراء الانتخابات على مستوى البلاد، بالإضافة إلى مقترحات ستوجد أيضاً اعتباراً من هذا الأسبوع حول كيفية تشكيل حكومة انتقالية. بيد أن ستيفاني وليامز، رئيسة البعثة الأممية بالإنابة، التي تتأهب خلال الأسبوع المقبل لمغادرة منصبها بعد تعيين السلوفكي يان كوبيتش، تعتقد أن هناك «بعض السياسيين لا يريدون حل الأزمة». ففي مقابلة مع صحيفة بريطانية عادت وليامز إلى استخدام تعبيرها الشهير في وصف هؤلاء «الديناصورات»، بعدما أضافت إليه مصطلح «المسيطرون على خزائن الدولة».
وبحسب وليامز، فإن الانتخابات المقبلة «تشكل تهديداً مباشراً لوضعهم الراهن، وسيقاتلون للدفاع عن وضعهم الراهن»، معربة عن اعتقادها بأن «هؤلاء الذين يحاولون منع تشكيل هيئة تنفيذية موحدة توافقية هم القوى السياسية نفسها التي ستحاول تعطيل الانتخابات».
كذلك حذرت وليامز السراج ضمنياً، بعد إعلانه أنه ناقش مع بعض أعضاء مجلس النواب في طرابلس، خلال الأسبوع الماضي، إمكانية تشكيل حكومة جديدة. إذ شددت على أن «محاولة تشكيل هيئة تنفيذية موحّدة جديدة يجب أن تأتي تحت مظلة الحوار السياسي الذي تشرف عليه البعثة الأممية».
هذا، واعتادت وليامز - والبعثة الأممية على مدى الأيام الماضية - الإشارة إلى أن «هذه سلطة تنفيذية مؤقتة سيُستعاض عنها بسلطة منتخبة ديمقراطياً، بعد الانتخابات المقبلة». لكن التكرار هنا ليس دليلاً على شيء سوى على الخوف من تكرار ما جرى من تمديد للسلطات الانتقالية التي عرفتها ليبيا طوال السنوات العشر التي تلت سقوط القذافي الذي أمضى نحو 42 سنة في السلطة منفرداً.
وبالنظر إلى تجربة حكومة السراج، التي كان يفترض أن تنتهي قبل 3 سنوات على الأقل، فإن السلطة الجديدة - بما في ذلك حكومتها المؤقتة – ستبقى لمدة 5 سنوات. وفي هذا السياق، يقول أحد المسؤولين المرشحين لشغل إحدى الحقائب الوزارية في الحكومة الجديدة «الجميع يتحدث عن فترة انتقالية محدودة، لكن الواقع أن الحكومة المقبلة ستمضي في السلطة نفس فترة حكومة الوفاق تقريباً».
الكلام الصادم عن التمديد المبكر يبدو لهذا المسؤول، الذي طلب تحاشي تعريفه، أمراً واقعياً للغاية، بالنظر إلى مكوّنات المشهد الليبي والطبيعة التي تدمغ مسؤولي الدولة في الآونة الأخيرة.
ومن ثم، مع اقتراب انتهاء المهلة التي منحها اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 23 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي في جنيف لسحب المرتزقة الأجانب في غضون 90 يوماً، فإن الـ20 ألف جندي أجنبي في ليبيا الذين قدّرتهم استناداً إلى ما وصفته بأدلة قاطعة، لم يغادروا بعد الأراضي الليبية، وسط مؤشرات على أنه سيجري تمديد المهلة بالمدة نفسها. وما زالت اللجنة العسكرية المشتركة «5 زائد 5» التي تضم ممثلين عن كل من قوات «حكومة الوفاق» و«الجيش الوطني»، والتي تعتزم عقد اجتماع جديد لها الأسبوع المقبل لبحث فتح الطريق الساحلية بين سرت ومصراتة، عاجزة عن ذلك.
وفي دولة يصبح كل ما هو مؤقت فيها، أمراً دائما ًبحكم السياسة، لا المنطق، فإن الكثير من التخمينات يمكن أن يصح استناداً إلى ما كان.

خداع بصري
اللواء محمد عبد الواحد، خبير الأمن القومي المصري، يرى أن ثمة «اختلافات في الشكل والمضمون والأهداف والدوافع ما بين المسارين السياسي والعسكري على الرغم من تكاملهما معاً، وهو ما يجعل مَن يراقب المشهد يتصوّر حدوث تقدم ملموس للمسار العسكري، ويقلل من احتمالية حدوث نجاحات للمسار السياسي... لكنه في الحقيقة نوع من حدوث خداع بصرى للمشاهد»، على حد تعبيره.
وأرجع اللواء عبد الواحد في حديث له مع «الشرق الأوسط» التقدم النسبي حالياً في المسار العسكري إلى « عوامل عدة، أهمها: أن المكون للجنة العسكرية المشتركة لقوات الجيش الوطني وحكومة الوفاق، المعروفة باسم (5 زائد 5)، يضم عسكريين يغلب عليهم الانضباط والالتزام، فضلاً عن قدرتهم على مواجهة وحل الأزمات، ناهيك عن عدم ارتباطهم بتوجهات سياسية أو أيدلوجية. وهذا ما يجعل حساباتهم إلى حد ما بعيدة عن محاولات الربح والخسارة كما في التفاوض السياسي». وأردف «المسار العسكري يرتبط بشكل وثيق بنظيره السياسي. وبالتالي، فإن استمراره ونجاحه مرهونان بعدم فشل المسار السياسي، وبألا تحدث أي تغييرات عسكرية على الأرض، خاصة من الميليشيات المسلحة والمرتزقة والجماعات السياسية الدينية... وكلاهما للأسف يعمل وفقاً لأجندات خارجية وداخلية».
يقدّر عبد الواحد أن المسارين السياسي والعسكري محفوفان بالمخاطر والألغام. ولذا؛ ينصح الليبيين بالحذر والتعامل مع تلك الأزمات بحكمة وتجنب إضاعة الفرصة للسلام والاستقرار. كذلك، فإنه يخشى حدوث أزمات في الانتقال بتفاهمات الحوار، سياسياً وعسكرياً، إلى مستوى التنفيذ على الأرض، وبالأخص، يتعلق بتوحيد المؤسسات العسكرية في جيش وطني واحد، من دون التوصل إلى حل سياسي يقبله الجميع أو على الأقل الأكثر تأثيراً. ويلفت إلى «غياب مفهوم الدولة الوطنية لدى الليبيين نتيجة طول أمد الصراع، فضلاً عن عدم وجود إرادة سياسية لتقديم تضحيات شخصية لحساب الوطن في ظل أن السيادة الليبية مسلوبة من قوى خارجية طامعة في ثروات ليبيا.
ويعتقد خبير الأمن القومي، أن نجاح المسار العسكري - الذي مورست ضغوط دولية وإقليمية من أجل وقف القتال الفوري - كان يستند إلى حقائق مجرّدة، أبرزها أنه يسعى لتحقيق أهداف الحاضر: وهي وقف إطلاق النار وفرض الأمن والاستقرار، «ما يدل على حاجة جميع الأطراف الليبية التي يمثلها المسار العسكري إلى فرض الاستقرار بعدما أنهكتها الحروب».
أما المسار السياسي فيسعى إلى تحقيق أهداف مستقبلية ومكاسب سياسية تتعلق بالسلطة والنفوذ والثروة والوظائف المهمة والتمثيل النسبي على أساس المحاصصة العرقية والجهوية والقبلية. وهذا ما يدفع المطالب الفئوية للجميع من الأمازيغ والتبو والطوارق وغيرهم لتحقيق أقصى استفادة... وهو ما يهدد أي تسوية سياسية للأزمة الليبية.
ويلفت اللواء عبد الواحد إلى «وجود مستفيدين فعليين من الصراع ومنع تشكيل حكومة مركزية قوية تسيطر على كل الأقاليم»، بمن فيهم «أمراء الحرب والجريمة المنظمة والشبكات الإرهابية وعملاؤها من القيادات السياسية الدينية والقوى الخارجية الإقليمية والدولية». ويلخص المشكلة الحقيقية في «العجز عن السيطرة على الميليشيات والقوى المسلحة غير الشرعية، وزيادة حالات الاستقطاب الداخلي وبقوة، واستخدام المال السياسي لتحقيق مصالح شخصية ضيقة على حساب المصالح الوطنية».

المؤقت والدائم
في المقابل، يعتقد دبلوماسي غربي، طلب التكتم على اسمه، أن الليبيين الذين عانوا من طول فترة حكم القذافي على مدى أكثر من أربعة عقود، «باتوا مغرمين بثنائية المؤقت والدائم».
ويشرح الدبلوماسي - الذي يعمل من تونس لأسباب أمنية تبقيه بعيداً عن العاصمة الليبية طرابلس - التعبير على النحو التالي «أنظر إلى مسميات السلطات التي تعاقبت على الحكم (كـ«المجلس الانتقالي» و«الحكومة المؤقتة»)، فهي تشير بوضوح إلى أنه جرى التلاعب بالفترات الرسمية المحددة وبات كل ما هو مؤقت، دائم إلى حد كبير».
ويروى المشهد وزير سابق في الحكومة الموازية بشرق ليبيا، بنكتة سياسية مريرة، حين محت الحكومة التي يترأسها عبد الله الثني، الهارب من جحيم ميليشيات طرابلس إلى بنغازي، كلمة «المؤقتة» من وصفها... فبقيت هناك إلى ما لا نهاية، حتى إن المواطنين العاديين ردوا في المقابل بالتندر على هذا التغيير الكوميدي، بإطلاق اسم «الحكومة المؤقتة الدائمة إلى ما لا نهاية».
محطات فارقة في ليبيا منذ 2011
- اندلعت في مدينة بنغازي (كبرى مدن شرق ليبيا) في فبراير (شباط) 2011 حركة احتجاجات واجهها النظام السابق بالقمع العنيف، وذلك قبل أن تتوسّع إلى مناطق أخرى، وانتهت بقتل معمر القذافي.
- سلّم «المجلس الوطني الانتقالي»، الأداة السياسية للثوار في أغسطس (آب) 2012، سلطاته إلى «المؤتمر الوطني العام» (البرلمان) الذي انتخب قبل ذلك بشهر.
- يوم 25 يونيو (حزيران) عام 2014، انتُخب برلمان جديد قاطعه الإسلاميون، لكن ائتلاف «فجر ليبيا» الذي ضم العديد من الفصائل المسلحة وبينها جماعات إسلامية، سيطر على العاصمة طرابلس وأعاد إحياء البرلمان المنتهية ولايته. وجرى تشكيل حكومة.
- في ديسمبر (كانون الأول) 2015، بعد أشهر من المباحثات، وقّع أعضاء في البرلمانين المتنافسين في منتجع الصخيرات بالمغرب، تحت رعاية الأمم المتحدة، اتفاقاً نصّ على تشكيل «حكومة الوفاق الوطني» برئاسة فائز السراج، التي دخلت طرابلس مارس (آذار) 2016.
- يوم 29 مايو (أيار) عام 2018، تعهدت الأطراف الأربعة الرئيسية في الأزمة الليبية، من العاصمة الفرنسية باريس بالعمل معاً من أجل إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية نهاية العام.
- في أعقاب مفاوضات طالت لأسابيع، وحوار سياسي استضافته تونس في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، اتفق الليبيون المشاركون في عملية سلام ترعاها الأمم المتحدة على آلية لاختيار حكومة جديدة مؤقتة للإشراف على الفترة السابقة للانتخابات المقررة نهاية العام الحالي.



«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟