من القاعدة الشعبية حتى مستوى النخبة... كرة القدم البرازيلية تعاني من العنصرية

التمييز العرقي في اللعبة يُنظر إليه على أنه جزء من الثقافة الرياضية

نادي باهيا أقال المدير الفني مانو مينيزيس بسبب ميوله العنصرية (رويترز)
نادي باهيا أقال المدير الفني مانو مينيزيس بسبب ميوله العنصرية (رويترز)
TT

من القاعدة الشعبية حتى مستوى النخبة... كرة القدم البرازيلية تعاني من العنصرية

نادي باهيا أقال المدير الفني مانو مينيزيس بسبب ميوله العنصرية (رويترز)
نادي باهيا أقال المدير الفني مانو مينيزيس بسبب ميوله العنصرية (رويترز)

يتعرض أصحاب البشرة السمراء في البرازيل للضرب حتى الموت في محلات السوبر ماركت في يوم الوعي بحقوق السود (يوافق 20 من نوفمبر/ تشرين الثاني من كل عام للاحتفال بأصحاب البشرة السمراء، ومساهمتهم وقيمتهم في المجتمع)، ويتعرضون للمضايقات والوحشية بشكل روتيني من قبل الشرطة، بل ويتم استبعادهم من الصور التسويقية للمدارس الخاصة، بحيث لا يظهر في تلك الصور سوى أقرانهم من أصحاب البشرة البيضاء. وعادة ما تكون ملاعب كرة القدم أحد الأماكن القليلة التي لا يتعرض فيها البرازيليون أصحاب البشرة السمراء للتحيز والعنصرية، وعادة ما توفر شكلاً من أشكال الهروب من الواقع القاسي للحياة اليومية. ومع ذلك، أظهر حادثان خلال فترة عيد الميلاد أن حتى كرة القدم ليست بمنأى عن العنصرية، سواء على مستوى القاعدة الشعبية أو على مستوى المحترفين.
أولاً، انتشر مقطع فيديو يظهر فيه صبي يبلغ من العمر 11 عاماً، يدعى لويس إدواردو، في ختام إحدى المباريات في كالداس نوفاس بولاية غوياس الريفية وقد أصيب بالذهول وانخرط في البكاء، بعد أن طلب المدير الفني للفريق المنافس من لاعبيه مراراً «مراقبة هذا الأسود». وقد ارتدى لاعبو نادي كورينثيانز قمصاناً عليها اسم «لويس إدواردو» في مباراتهم ضد غوياس بعد بضعة أيام من تلك الواقعة، وتلقى هذا الطفل مقاطع فيديو تدعمه من لاعبين كبار مثل غابرييل خيسوس ونيمار. وعرض عليه نادي سانتوس (وهو النادي الذي نشأ وترعرع به نيمار) أن يخوض فترة اختبار للانضمام إلى النادي.
وفي البرازيل التي تعد واحدة من أكثر المجتمعات غير المتكافئة عرقياً في العالم، والتي تعاني من ضعف التعليم، وارتفاع تكاليف التعليم الخاص، وانخفاض الحد الأدنى للأجور بشكل مؤسف، تعد كرة القدم أحد السبل القليلة لحياة أفضل بالنسبة للأطفال الصغار من أصحاب البشرة السمراء وأسرهم، وهو ما يجعل ملايين الأطفال يحلمون باحتراف كرة القدم. ومع ذلك، وكما ظهر خلال الاشتباكات بين لاعبي فلامنغو وباهيا في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، فإن الهروب من الفقر لا يعني أن اللاعبين لا يعانون من التمييز والعنصرية.
ففي أثناء هذه المباراة، قال لاعب خط وسط فلامنغو، جيرسون، إن لاعب باهيا، خوان بابلو راميرز، قاله له: «أغلق فمك، أيها الزنجي». وقال جيرسون في تصريحات بعد المباراة: «لقد لعبت كثيراً من المباريات محترفاً، ولم أقل أي شيء لأنني لم أعاني من أي تحيز. لكن بعد استقبال أحد الأهداف، دخل راميرز في شجار مع برونو هنريكي، وذهبت للتحدث معه، فقال لي: (أغلق فمك أيها الزنجي). يتعين عليه أن يتعلم احترام الناس».
وعلق كثير من اللاعبين البارزين على الحادث، حيث قال مهاجم إيفرتون، ريتشارليسون، الذي لعب إلى جانب جيرسون مع كثير من فرق الشباب في البرازيل، لزميله السابق على موقع «تويتر»: «لن ينجحوا في إسكاتنا؛ سوف نصرخ بصوت أعلى وأعلى! نحن معاً يا أخي! أحرقوا العنصريين!».
وبعد المباراة، دخل المدير الفني لنادي باهيا، مانو مينيزيس، في شجار مع جيرسون بجوار خط التماس، واتهمه بـ«الخداع». وأشار مينيزيس الذي تولى قيادة منتخب البرازيل قبل عقد من الزمان، وقاده للوصول إلى المباراة النهائية لدورة الألعاب الأولمبية في لندن 2012، إلى أن جيرسون اتهم راميرز بالعنصرية للحصول على بعض المكاسب في مباراة صعبة. وتسببت تلك الضجة في حرج شديد لنادي باهيا الذي كان دائماً ما يفتخر بأنه أحد أكثر الأندية البرازيلية مناهضة للعنصرية وكراهية المثليين. وبعد نهاية المباراة، أعلن النادي أنه أوقف راميرز وأقال مينيزيس. وقال النادي إنه أقال المدير الفني بسبب سوء النتائج (يحتل النادي المركز السادس عشر في جدول ترتيب الدوري البرازيلي، بعد الخسارة أمام فلامنغو بأربعة أهداف مقابل ثلاثة)، لكن يبدو أن التصريحات التي أدلى بها المدير الفني قد لعبت دوراً في إقالته من منصبه.
يقول الصحافي البرازيلي المتخصص في شؤون كرة القدم، برييلر بيريس: «من المؤكد أن موقفه كان له تأثير كبير على القرار الذي اتخذه نادي باهيا بإقالته من منصبه في اليوم نفسه». ومع ذلك، يشير بيريس إلى أن هذا لا يعني أن باقي الأندية الأخرى كانت ستتصرف بهذه السرعة أو بهذا الشكل الحاسم لمعاقبة المسيئين، مضيفاً: «لو حدث هذا الأمر في فريق آخر، ربما كنا سنرى سلوكاً مختلفاً تماماً. باهيا معروف باتخاذه للإجراءات الإيجابية، وهو ما ساهم في تبني النادي لموقف لا يتسامح على الإطلاق مع المسيء، لذا قام بإيقاف لاعبه، وتجنب إلقاء اللوم على الضحية».
ويضيف: «رغم ذلك، لا يزال النادي بحاجة إلى التحسن. لقد كانت إقالة روجر ماتشادو، المدير الفني صاحب البشرة السمراء الملتزم اجتماعياً، وتعيين مانو بدلاً منه بمثابة خطأ؛ لم ينظر النادي إلى المسؤولية الاجتماعية، ونظر فقط إلى الجانب الرياضي للأمور. وبسبب تلطيخ صورتهم نتيجة هذه القضية، فقد دفعوا الثمن غالياً. يتعين على نادي باهيا أن يجعل لاعبيه وموظفيه أكثر وعياً بموقفهم، من خلال تعليمهم أهمية إظهار المواقف المناهضة للعنصرية، وأن النادي وجماهيره لن يتسامحوا أبداً مع العنصرية».
وتقدم جيرسون بشكوى إلى الشرطة، بينما تقدم راميرز باعتذار في وقت لاحق في مقطع فيديو نشره النادي على قنوات التواصل الاجتماعي الخاصة به. ويؤكد راميرز أنه لم يطلب من جيرسون أن يغلق فمه، وأنه لم يقل أي شيء عنصري، مشيراً إلى أنه ربما يكون قد أسيء فهمه.
واستعان نادي باهيا بمتخصص في اللغة، خلص إلى أنه لم يكن هناك أي خطأ من جانب لاعب الفريق. ومنذ ذلك الحين، تم رفع الإيقاف عن اللاعب، وأعيد إلى صفوف الفريق. ويقول النادي إنه سيتخذ خطوات لمنع مزيد من الحوادث العنصرية، بما في ذلك كتابة فقرات «مناهضة للعنصرية وكراهية الأجانب وكراهية المثليين» في عقود لاعبيه، وإشراك اللاعبين في دورات لمناهضة العنصرية في فترة الاستعداد للموسم الجديد. كما اقترح النادي بروتوكولاً مناهضاً للتمييز في المباريات، وأيد فكرة الاحتفال بيوم وطني لمكافحة العنصرية في كرة القدم في البرازيل.
وانتقد داني ألفيس الذي بدأ مسيرته الكروية في باهيا، ولعب تحت قيادة مينيزيس في منتخب البرازيل، وعاد الآن إلى البرازيل ليلعب مع نادي ساو باولو، العقوبات المفروضة على مينيزيس وراميرز، وكتب على «إنستغرام»: «يبدو من العار بالنسبة لي أننا تطورنا في كثير من الأشياء المبتذلة، لكن في الأشياء التي كان يجب علينا تطويرها حقاً، أصبحنا أكثر غباءً! ما دامت لا توجد عقوبة شديدة، فلن ينتهي الأمر أبداً».
ويتفق بيريس مع ذلك، قائلاً: «الإقالة لا تكفي لما فعله مينيزيس، خاصة أن سلوكه كان مستهجناً. لا يمكن لمدير فني محترف في كرة القدم أن يتصرف بالطريقة التي تصرف بها في مواجهة تقرير عن العنصرية، حيث قام بتوجيه اللوم إلى الضحية وتشويه سمعته. لقد كانت هذه أسوأ حلقة في مسيرته المهنية».
ويقول بيريس إن قضيتي لويس إدواردو وجيرسون «تعكسان العنصرية البنيوية في المجتمع الذي لا يزال يهمش أصحاب البشرة السمراء، كما حدث مع جواو ألبرتو في سوبر ماركت كارفور في يوم الوعي بأهمية أصحاب البشرة السمراء، ومساهمتهم في المجتمع. في كرة القدم، هناك تسامح أكبر مع العنصرية، ويُنظر إلى الجرائم العنصرية على أنها جزء من الثقافة الرياضية، وهو أمر واضح عندما يتعامل مانو مينيزيس مع اتهام بالعنصرية على أنه استفزاز في كرة القدم. لقد أصبح غياب أصحاب البشرة السمراء عن المناصب القيادية -مثل المديرين الفنيين والمديرين التنفيذيين ورؤساء الأندية- أمراً طبيعياً، رغم أن كرة القدم مليئة بالرياضيين العظماء من أصحاب البشرة السمراء. إن عدم تمثيل أصحاب البشرة السمراء بالشكل المناسب في أقوى الأدوار والمناصب الرياضية هو أحد الأسباب التي تجعل الجرائم العنصرية تمر دون عقاب بشكل عام، في الوقت الذي يتم فيه إلقاء اللوم على الضحايا».



نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.