لبنان... سجلات التنصت على الهاتف تفضح المستور

وثائق أعدها أحمد أصفهاني تغطي الحرب الأهلية التي عُرفت بـ«صيف الدم» عام 1958

أزمات لبنان ليست كلها نتاج الصراعات الدولية والإقليمية فقط.. فثمة مشكلات داخلية ناجمة عن بنية الدولة الطائفية والإقطاعية
أزمات لبنان ليست كلها نتاج الصراعات الدولية والإقليمية فقط.. فثمة مشكلات داخلية ناجمة عن بنية الدولة الطائفية والإقطاعية
TT

لبنان... سجلات التنصت على الهاتف تفضح المستور

أزمات لبنان ليست كلها نتاج الصراعات الدولية والإقليمية فقط.. فثمة مشكلات داخلية ناجمة عن بنية الدولة الطائفية والإقطاعية
أزمات لبنان ليست كلها نتاج الصراعات الدولية والإقليمية فقط.. فثمة مشكلات داخلية ناجمة عن بنية الدولة الطائفية والإقطاعية

صدر عن «دار كتب للنشر» في بيروت قبل أيام كتاب: «لبنان وصيف الدم 1958 - وثائق التنصت على الهاتف» من إعداد وتقديم الزميل أحمد أصفهاني، مع مقدمة للدكتور سليم مجاعص. وهذا الكتاب هو الرابع باللغة العربية الذي يعتمد على أوراق وأرشيف الأمير فريد شهاب (1908 - 1985) المدير العام لمديرية الأمن العام في لبنان منذ 1948 حتى 1958. فقد ترك الأمير فريد بعد وفاته ثروة من الوثائق السرية والخاصة، حافظ عليها نجلاه السيدة يمنى شهاب عسيلي، والأمير حارس فريد شهاب. وبعد مرور عقدين من الزمن على رحيله، صُنفت آلاف الوثائق ورُتبت وأُعدّ قسم منها للنشر في كتاب موسوعي صدر سنة 2005 تحت عنوان: «في خدمة الوطن: مختارات من الوثائق الخاصة للأمير فريد شهاب». وبعد ذلك صدر كتاب: «أنطون سعادة والحزب السوري القومي الاجتماعي في أوراق الأمير فريد شهاب المدير العام للأمن العام اللبناني» (دار كتب للنشر - بيروت 2006)، ثم جاء كتاب: «التنصت على الهاتف في لبنان: أنطون سعادة والحزب السوري القومي الاجتماعي نموذجاً (1947 - 1958)» (دار كتب للنشر 2014).
«لبنان وصيف الدم» هو الثاني في سلسلة كتب تتضمن مختارات كاشفة من سجلات التنصت على الهاتف التي نفذتها المديرية العامة للأمن العام في لبنان على مدى عقود. والكتاب الجديد يغطي الحرب الأهلية التي عُرفت بـ«صيف الدم» سنة 1958، وشهدت تدخلات إقليمية ودولية بلغت ذروتها بنزول القوات الأميركية على الشاطئ اللبناني بعد إطاحة النظام الملكي في العراق، وبروز تهديدات جدية للنظامين الأردني واللبناني المواليين للغرب.
إن وثائق التنصت الموجودة في الأرشيف لا تعطينا أي فكرة عن تاريخ التنصت على الهاتف في لبنان. وأول وثيقة من هذا النوع متوفرة بين أيدينا تعود إلى 24 يوليو (تموز) سنة 1946، والأخيرة إلى 1 سبتمبر (أيلول) سنة 1958، وهو تاريخ التغيير الجذري الذي حدث في قيادة الأمن العام بعد وصول فؤاد شهاب إلى سدة الرئاسة. لكن توجد فراغات كبيرة بين هذين التاريخين، بحيث غابت سنوات كاملة تقريباً مثل 1951 و1952 و1953 و1954 و1957. وليست هناك معلومات مؤكدة توضح سبب هذا النقص، وإن كانت السيدة يمنى، ابنة الأمير فريد، سبق أن أوضحت أن أباها أقدم في مطلع ثمانينات القرن الماضي على إحراق كم هائل من الوثائق؛ من بينها طبعاً سجلات التنصت.
تمتاز المقدمة التي كتبها الدكتور مجاعص باعتمادها بصورة أساسية على وثائق وزارة الخارجية الأميركية التي كُشف عنها منذ مدة. وهي تُظهر لنا جوانب مختلفة من الصراع الإقليمي المخيّم على المنطقة آنذاك. ومع أن القيادات السياسية اللبنانية المتناحرة أدخلت البلد في أتون الحرب الأهلية تحت شعارات براقة (مخادعة في معظم الأحيان)، إلا إن مصير الكيان اللبناني كان يقرَّر في القاهرة وواشنطن. وتُعطينا الوثائق تفاصيل مذهلة عن لقاءات الرئيس المصري جمال عبد الناصر مع السفير الأميركي في القاهرة، والمفاوضات الدائرة بينهما والتي أسفرت لاحقاً عن صفقة «الإجماع» على قائد الجيش فؤاد شهاب رئيساً للبنان.
من ناحية أخرى، يقدّم مُعد الكتاب أحمد أصفهاني عرضاً زمنياً يبدأ من تولي كميل شمعون الرئاسة سنة 1952 بعد إسقاط الرئيس بشارة الخوري، وصولاً إلى قرار الانحياز للمعسكر الغربي وفق مشروع «آيزنهاور». وزاد الطين بلة مساعي شمعون لتعديل الدستور بهدف التمديد لفترة رئاسية ثانية، ثم إقدامه على تزوير الانتخابات النيابية سنة 1957 لضمان الحصول على مجلس نيابي يوافق على التعديل الدستوري. ويوضح المؤلف أن سجلات التنصت كانت تحمل مؤشرات على أن الاستقطاب الحاد على الساحة اللبنانية سيؤدي حكماً إلى الحرب الأهلية، خصوصاً أن القيادات المحلية كانت مرتبطة بمشاريع خارجية متضاربة.
قد لا تكشف سجلات التنصت على الهاتف عن أسرار خطيرة جديدة مغايرة لما بتنا نعرفه عن تلك المرحلة. ومع ذلك، فثمة تفاصيل دقيقة تضع النقاط على الحروف، وتقدم للباحثين والمؤرخين القطع المفقودة التي تمكنهم من الرؤية الواضحة للصورة المتكاملة في تلك الحقبة الحرجة من تاريخ المنطقة، وفي الوقت نفسه تعرّي قيادات سياسية اختبأت لسنوات وراء شعارات مضللة دفع الشعب (وما زال يدفع حتى اليوم) أثماناً باهظة لها!
يقول المؤلف: «سجلات التنصت التي نعتمد عليها تعطينا صورة داخلية فاضحة عمّا كان يُحاك في الغرف المظلمة آنذاك. لم نبدأ فوراً بما حدث في ذلك الصيف، بل عدنا سريعاً إلى أحداث أساسية في سنوات 1955 و1956 و1957 كونها تشكل السياق العام للتطورات التي أوصلت اللبنانيين إلى (صيف الدم)».
لكن يجب ألا نقع في خطأ اعتبار أن أزمات لبنان كلها هي نتاج الصراعات الدولية والإقليمية فقط؛ فثمة مشكلات داخلية ناجمة عن بنية الدولة الطائفية والإقطاعية، تتكرر دورياً مع كل استحقاق انتخابي. وغالباً ما يحدث الدمج بين المحلي والخارجي عندما يستقوي طرف ما بالآخرين من أجل تحقيق الانتصار الداخلي. وهذا ما حدث في فترة الخمسينات بعد أن توضحت خطوط المواجهة بين الدولة اللبنانية ممثلة من جهة في كميل شمعون وسامي الصلح اللذين أيدتهما القوى الغربية و«حلف بغداد»، وفي المقابل معارضة متنوعة المذاهب ومتناقضة الاتجاهات تدعمها القاهرة ودمشق من جهة أخرى.
وفي ظل أجواء التوتر والاستقطاب وغياب الحد الأدنى من التوافق اللبناني الداخلي فيما يتعلق بالعلاقات مع الدول المجاورة والموقف من الأحلاف الأجنبية، باتت كل مسألة محلية موضع شقاق ونزاع بين الحكومة والمعارضة. وقد سعى كل طرف منهما إلى توظيف القضايا الداخلية التي تهمه في المجال الأوسع للصراعات الإقليمية، كما ساهمت تلك الممارسات في زيادة الاحتقان السياسي والأمني، فتراكمت المواضيع الخلافية التي لم يعد من الممكن معالجتها ما دام التحدي والقطيعة والتحريض أصبحت من السمات الأساسية والوحيدة في التعامل بين رجال السياسة. وعندما تصل الأحوال إلى هذا المستوى بالذات، يكون التدخل الخارجي نتيجة حتمية لعجز الحكومة والمعارضة معاً.
وتكشف لنا وثائق التنصت لسنوات 1955 و1956 و1957 كيف أن الأطراف اللبنانية المتناحرة راحت تصعّد لهجتها مع كل حادثة جديدة، حتى ولو كانت أقل من عادية.

عينة من سجلات التنصت
13 مايو 1958:
> الساعة 12:05: قال مصباح سلام لعبد الله اليافي بمنزل العويني: ما بيصير نضل هيك والقيادة بتكون إما هون أو هونيك، صائب قاعد وحده ما بيقدر يدير الحركة وحده، وهوديك يللي راحوا مشوارهم ليش ما بيعطونا خبر لنعرف شو جد معهم؟ يطلعوا منها هالمناورات. يافي: من وين بدنا نروح لعندك؟ الرصاص مشتغل بين الجيش والأهالي على الطريق الجديدة. سلام: بتقدروا تجوا، الجماعة هون كلهم منتظرين وهلق وصل كامل بك الأسعد. وهلق وصل سليم من المطار. يافي: من وين مرقوا؟ سلام: بتجوا على سان سيمون ومنها على الأونيسكو، على كركون الدروز رأساً لهون. يافي: طيب.
> الساعة 14:25: قال عبد الحميد غالب لمحمود رياض في دمشق: اليوم الساعة 2 طلبني محمد علي حمادة من وزارة الخارجية وبلغني الحضور لوزارة الخارجية الساعة 5 لتسلم بلاغ رسمي. سألته هل هذا البلاغ عام أم خاص؟ قال لي عام. وأنا بعتت الخبر لمصر لكن حبيت قول لك حتى تتصل فيهم تلفونياً والبلاغ ما بعرف شو فيه. رياض: كيف الحالة في بيروت؟ غالب: الحالة عدم، والرصاص والانفجارات بكل مكان. رياض: إن شاء الله تنتهي بخير. أنا في المكتب لغاية الساعة 7. غالب: أنا بتصل فيك بهالوقت لحتى قول لك النتيجة.
> الساعة 15:45: قال رفيق نجا لعدنان الحكيم (منزل): شو عندك؟ عدنان: من الساعة 12 لهلق والرصاص بينزل على بيتي من القوميين. رفيق: وعندي كمان عم يقوصوا حوالي البيت. بلغني إنه الكتائب نازلين للسوق يفتحوا البلد. وأنا بعتت ناس يشوفوا إذا صحيح. بدي منك تبعت حدا من عندك. عدنان: نحن عم ندافع بلحمنا. إذا السلاح موجود عند صائب وعم يعطيهم لجماعته شو عم يجينا نحن؟ شبابنا لما علقوا مع القوميين أخذوا 6 – 7 فرودة ولحقوهم. بدي نجدة ما عندنا شي والسلاح كان لازم ينعطى منه قسم كبير لبيت النجاد. عبكره شبابنا علقوا معهم على الناصرة وإجوا العسكرية ضربوا واحد من جماعتنا بالحربة. نجا: قتل شاب عندنا هون على البوابة صار له ساعتين مشلوح ما حدا عم يتطلع فيه وما انعرف مين هو. عدنان: ريمون إده باعت لي خبر إنه بتستقيل الوزارة وبيجي الجنرال ومعه تقي الدين أو هنري فرعون والمعارضة بتسمي اثنين وبيطلب شو رأينا بالحل؟ قلت له نحن والهيئة الوطنية منعطي آخر رأي وما منقبل إلا ما ينزل الرئيس. مش هيك رأيك؟ نجا: ما في شك. عدنان: وهلق بدو يجي عند حسين العويني ويعطيهم هالحل. نجا: طيب. عدنان: وإنت إذا اتصلت بالجماعة قل لهم يبعتوا لنا سلاح. نجا: طيب.

2 يوليو 1958:
> الساعة 18:25: منير فتحة قال لعبد الله آليافي بمنزل حسين العويني: في بلبلة بالمحلة. عبد الله: شو القصة؟ منير: في معين حمود وابن يوسف الحكيم وابن درويش من شان فوزي الحص. عبد الله: يا أبو سعيد ما تحكي هالأشياء على التلفون. بدك تجي لعندي لهون لتقدر تحكيني هالأشياء. منير: راح ناس لعندك. عبد الله: إي طيب.
سيدي الرئيس: إن صائب سلام أقدم على خطف قواد طريق الجديدة أي معين حمود وصلاح درويش والسوري يوسف الحكيم وسجنهم، والقيامة قائمة بهذا السبب في طريق الجديدة. (ملاحظة من الأمن العام).
> الساعة 16:40: أحمد الحاج قال لخالد جارودي في بيت العويني: سيارتي رقمها 28515 «فيات» كانت واقفة قدام مكتبي على البور. سرقوها جماعة النجادة وأخذوها لعند عدنان الحكيم. راجعت صائب سلام وعبد الحميد سلام قالوا ما بيحطوا إيدهم فيها طالما النجادة سرقوها. حكيت عدنان الحكيم قال بدّه 500 ليرة ليتركها، وإذا ما دفعت لهم الليلة راح يحرقوها. شايلين لها نمرتها. لونها طحينة ورمادي. أنا قبلت إدفع لهم 200 ليرة ما كان يقبلوا لأن إلى شريك فيها إسمه موريس زريق يهودي. خالد: هلق بحاكيه لعدنان وبجاوبك. واتصل خالد بعدنان الحكيم فقال له عدنان: يدفع المطلوب منه. خالد: راح يدفع 200 ليرة. عدنان: 500 إلا قرش ما منقبل، وقفل الخط. واتصل خالد بأحمد الحاج وأخبره، فقال أحمد: إذا بده يعنّد راح تكلّفه حياته (...) لعدنان الحكيم الكذاب.



كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

روي بلانت جونيور
روي بلانت جونيور
TT

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

روي بلانت جونيور
روي بلانت جونيور

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load»، الذي أرّخ فيه لمسيرة فريق «بيتسبرغ ستيلرز» عام 1973. كتب بلانت حينها واصفاً الصخب العارم: «يا له من أمر عظيم ذلك الذي تمنحنا إياه كرة القدم؛ إنها تتيح لنا في لحظات نادرة أن نتحرر من كل قيد وننغمس في فوضى صاخبة ومبهجة».

غير أن تشاك كلوسترمان يجادل في كتابه الجديد الذي يحمل عنوان «كرة القدم»، بأن هذا الصخب والهرج سيبلغان المنتهى في وقت أقرب مما نتصور، ربما في غضون أربعة أو خمسة عقود؛ فكرة القدم، في نظره، محكوم عليها بالفناء.

يرى المؤلف أن هذه الرياضة دخلت بالفعل في «دوار الموت» (وهو تعبير قد يشبه في قوته تمريرة لـ«جوش ألين» بسرعة 62 ميلاً في الساعة). ويشبه كلوسترمان كرة القدم بسباقات الخيول؛ تلك الرياضة التي هيمنت يوماً على الخيال الجمعي للأمة قبل أن تتحول إلى نشاط هامشي غريب ومهجور.

إنني أستمتع بالقراءة لكلوسترمان؛ فهو يمتلك روح الفيلسوف الذي يحلل الأمور بعمق، وهو في القضايا الشعبية «المفكر الذي يبارز كبار المفكرين» تأملاً. وثمة ملحوظتان سريعتان لا بد من ذكرهما بشأن كتابه «كرة القدم»؛ وهو الكتاب الذي استمتعت به رغم إسهابه في التفاصيل الدقيقة، على الأقل بالنسبة لمشجع عابر ومشتت الذهن مثلي.

الملحوظة الأولى هي أن إطلاق تنبؤات جنونية بعيدة المدى ليس بالأمر الشجاع تماماً، فكما قال جون ماينارد كينز ذات مرة: «على المدى الطويل، سنكون جميعاً في عداد الموتى». وكلوسترمان يدرك ذلك جيداً، إذ يكتب: «الأحياء ليسوا جمهوري المستهدف»، وكأنه يتقمص روح الروائية آن رايس (بنزعتها الجنائزية) بدلاً من روح غرانتلاند رايس (المحلل الرياضي الشهير).

أما الملحوظة الثانية، فهي أن حجته هذه لا تشغل سوى حيز متواضع من الكتاب، وتحديداً في بدايته ونهايته؛ فمادة «فناء كرة القدم» تشبه طبق «البانكيك» الذي يُقدم كطبق جانبي لطبق «بط بكين» الرئيسي؛ إذ إن المحتوى الأكثر دسامة يكمن في التفاصيل المطوية بالداخل.

يجادل كلوسترمان مثلاً بكلمات قد تمزق قلوب البعض بأن كرة القدم هي «النموذج الأكثر نجاحاً ووضوحاً للاشتراكية الأميركية»، وذلك بسبب الطريقة التي تُوزع بها عائدات البث التلفزيوني بالتساوي بين الفرق الاثنين والثلاثين (بينما قد يصفها آخرون بأنها مجرد تكتل احتكاري تجاري آخر).

كما يستفيض كلوسترمان في شرح الأسباب التي تجعل جيم ثورب يتربع على عرش أعظم لاعبي هذه الرياضة، ولماذا تبدو كرة القدم الكندية مثيرة للسخرية، ولماذا لم يقتنع الكثيرون بصورة حاكم ولاية داكوتا الشمالية، تيم والز، كمدرب لكرة القدم، رغم أنه كان كذلك بالفعل، ورغم إصرار كامالا هاريس على مناداته بلقب «المدرب». ويكتب كلوسترمان، الذي نشأ في ولاية «حمراء» (محافظة) هي داكوتا الشمالية:

«لم يبدُ والز مدرباً لكرة القدم إلا في عيون الناخبين الذين لا تربطهم صلة مسبقة بهذه الرياضة؛ فقد جسدت صورته المفهوم الليبرالي لـ(الرجولة غير السامة)، فكان بمثابة نسخة عكسية من مارغريت ثاتشر».

يتناول كلوسترمان وضع فريق «دالاس كاوبويز» بوصفه «فريق أميركا» قائلاً: «الكل يقبل هذه التسمية، لكن لا أحد يؤمن بها حقاً»، ويحلل سر براعة نيك نولتي في فيلم «نورث دالاس فورتي»، مشيراً إلى أن «كل ما كان عليه فعله هو تجسيد دور الشخص الضجر الذي يعاني من آثار الثمالة، وهما أقوى نقاط قوته كأداء تمثيلي».

ثم يغوص بعمق في عوالم «دوري الفانتازيا»، وألعاب الفيديو مثل «مادن إن إف إل»، لا سيما المراهنات، مسلطاً الضوء على ذلك «الشر الانتشائي» الكامن في تمني الفوز ببعض الرهانات ضد «فارق النقاط». ويكتب أن مباريات كرة القدم الحقيقية قد تكون مملة، لكن النسخة التي تدور في رؤوس المراهنين نادراً ما تكون كذلك: «ركلة ميدانية محجوبة واحدة كفيلة بنقل ملايين الدولارات غير المرئية، وربما تكون سبباً في انهيار زواج أحدهم». ويرى أن واضعي خطوط المراهنات في لاس فيغاس هم من بين أكثر الأشخاص كفاءة في العالم.

ويساور كلوسترمان الشك في أن فضيحة مراهنات كبرى، قد تصل لدرجة التسبب في «زوال» هذه الرياضة، ستلوح في الأفق يوماً ما، لكنه يعتقد أن المراهنة تُثري اللعبة، «على الأقل من الناحية الحوارية»؛ إذ يكتب: «الاستماع لشخص يتحدث عن فريقه في (الفانتازيا) يشبه الاستماع لشخص يتحدث عن حديقة منزله، أما الاستماع للشخص نفسه وهو يروي إخفاقاته في المراهنات، فهو أمر مثير للاهتمام إلى أبعد الحدود».

كما يخوض في نقاش حول العلاقة بين كرة القدم والعِرق، وهو نقاش لافت للنظر، جزئياً، لأنه يتناول الموضوع من زوايا غير معتادة، واضعاً تساؤلات من شاكلة:

ماذا يعني غياب اللاعبين السود تقريباً عن مركز «الهداف»؟ هل هذا دليل على التحيز، أم هو تقليل من شأن هذا المركز؟ وهل حقيقة ندرة اللاعبين البيض في مركز «الظهير الركني» تشير إلى أن هذا المركز هو الأكثر تطلباً من الناحية البدنية في خط الدفاع الخلفي، بما أن اللاعبين البيض غالباً ما يتألقون في مركزي «الظهير القوي» و«الظهير الحر»؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يتجاوز متوسط راتب لاعب «الظهير» متوسط راتب «الظهير الركني»؟

ينثر كلوسترمان في طريقه الحِكَم والعبارات الموجزة وكأنها زجاجات مشروبات فارغة يلقيها وهو يركض؛ فيقول: «لا شيء أكثر زيفاً من التواضع الزائف»، و«عالم الرياضة علماني بقدر علمانية إيران»، و«لا يمكنك هزيمة جدار من الطوب في التنس»، وأخيراً «الحياة غير عادلة، لكنها أحياناً تكون غير منصفة لصالحك».

يذكرني كلوسترمان بنسخة عصرية من أولئك الشباب الثرثارين في فيلم باري ليفينسون الرائع «داينر»، وهم يتساجلون حول الأسطوانات الموسيقية وفريق «بالتيمور كولتس» بحماس محموم وكأن سمعة أمهاتهم تتوقف على نتيجة الجدال. كما يذكرني بالصحافي والمعلق الساخر «درو ماغاري»، مع فارق أن كلوسترمان يتسم بالبرود بينما يتوقد ماغاري حماساً؛ وكم وددت رؤيتهما - كجهاز ترطيب وجهاز تجفيف - وهما يتصارعان في قبو رطب واحد.

يجادل كلوسترمان بأن كرة القدم هي «عضو» لا يتجزأ من جسد المجتمع، سيُبتر في نهاية المطاف. ويكتب: «اللعبة لن تختفي تماماً، تماماً كما لا يزال بإمكانك سماع موسيقى الجاز على إذاعة (إن بي آر)، أو تدخين سجائر (لاكي سترايك) القديمة داخل الكازينوهات»؛ لكن المقدر لها هو الخروج من تلك المكانة المركزية التي تحتلها في الحياة الأميركية.

الأسباب وراء ذلك عديدة، لكنني سوف أوجزها في سببين؛ الأول مباشر وبسيط: يرى كلوسترمان أن المعلنين سيعودون إلى رشدهم ويدركون أن إنفاق مبالغ طائلة «مقابل 30 ثانية من العرض (الذي يتم تجاهله غالباً) هو استثمار سيئ».

أما السبب الثاني فيتطلب توضيحاً أعمق، وخلاصته هي أن سباقات الخيول انحسرت من المخيلة الأميركية لأن الناس فقدوا صلتهم اليومية الوثيقة بالخيول. وشيء مماثل سيحدث لكرة القدم؛ فنحن نفقد بالفعل صلتنا الفطرية بها.

يعود هذا التراجع جزئياً إلى أن أعداداً أقل من الأمهات - حتى في الولايات المهووسة بهذه الرياضة - سيرغبن في ممارسة أبنائهن للعبة، وذلك بدافع الخوف من إصابات الرأس (الارتجاجات). وعليه، فإن معظم الشباب لن يعرفوا هذه الرياضة إلا من خلال شاشات التلفاز وألعاب الفيديو، لتصبح بذلك منفصلة تماماً عن التجربة الحياتية المُعاشة.

كما يلقي المؤلف باللوم على «الرابطة الوطنية للرياضة الجامعية» (NCAA) بسبب سلسلة من القرارات الخاطئة؛ من بينها إنهاء الاتحادات التقليدية، وإتاحة «بوابة الانتقالات» التي تسمح للاعبين بجني أموال طائلة، مما جعل اللعبة الجامعية تشبه إلى حد بعيد نظيرتها الاحترافية. إن كرة القدم الجامعية - كحال الكثير من تفاصيل الحياة الأميركية - تفقد ذلك الطابع المحلّي الشعبي الغريب الذي كان يمنحها نكهتها الخاصة؛ ومن ثمّ، فإن الارتباط الوجداني بها محكوم عليه بالانحسار لا محالة.

للمفكر إتش إل مينكين فكرة طريفة لإنقاذ الموقف: إذ يرى أن المباريات الجامعية ستكون أكثر إثارة إذا لعب أعضاء هيئة التدريس بدلاً من الطلاب، وستكون أفضل بكثير لو لعب أعضاء مجلس الأمناء بأنفسهم!

يمتاز كلوسترمان بقدرة فائقة على صياغة أفكاره بنبرة تنبؤية واثقة، إلا أن أجمل ما في كتاباته هو مراقبته لنفسه وهو يضع أفكاره تلك في قفص الاتهام؛ فهو القاضي وهيئة المحلفين، وهو الشهود والحاجب، وهو المدعي العام ومحامي الدفاع، كلٌ في آن واحد.

وكما كتب في مؤلف آخر له: «إن أفضل فرضية هي تلك التي تقبل بشكل تلقائي احتمالية كونها خاطئة منذ البداية».

*خدمة: «نيويورك تايمز»


النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن
TT

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

عن دار «العربي» بالقاهرة، صدر كتاب «النيل – نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت الذي يرصد فيه حضور النهر في الفكر الأوروبي عبر حقب زمنية مختلفة وبأسلوب يجمع بين التحليل الدقيق أكاديمياً والأسلوب الأدبي. يقع الكتاب في 544 صفحة من القطع الكبير وقامت بترجمته المترجمة منة الخازندار.

في البداية، يشير المؤلف إلى أن دار النشر المسؤولة عن إصدار النسخة العربية من الكتاب سألته كيف يمكن لمؤرخ نرويجي لا تربطه أي صلات سابقة بالقارة الأفريقية أن يقضي جل سنوات حياته في البحث والكتابة عن نهر النيل، فأجاب بأن السبب الأساسي وراء ذلك هو ما أصابه من «الولع المائي» في مدينة بيرجن النرويجية، عاصمة الساحل الإسكندنافي المطير.

وذكر كيف أنه منذ عقود انتقل من الجانب الشرقي من النرويج حيث تهطل الأمطار بمعدل طبيعي إلى المدينة التي يزيد فيها معدل الهطول لدراسة تاريخ العالم. ونظراً لكونه ينتمي إلى طبقة الطلاب المعدمين، فقد كانت أرضية السيارة القديمة التي يستقلها مهترئة بفعل الصدأ. كان يتعيّن عليه انتعال حذاء مطر مطاطي في الأيام المطيرة حتى لا يبتل بنطاله.

وفي صباح يوم ملبد بالغيوم حيث كان المطر ينهمر بلا هوادة، قاد سيارته بحذر من مسكن الطلاب إلى الجامعة ووجد نفسه دون قصد ينظر إلى أسفل حيث قدمه، وفجأة خطر له أنه ينتعل حذاء المطر المطاطي، أخضر اللون ذا الرقبة الطويلة ذاته يومياً منذ وصوله إلى هنا طوال فصل الخريف، متسائلاً: ما الذي كان يحدث حولي؟

أدرك حينها أن الأمطار الخريفية تتحكم في حياته بشكل كامل، وحيث إن جميع المجتمعات تحتاج إلى المياه للنمو، وحيث إن مصادر المياه وخريطتها في الوقت ذاته تختلف من مكان إلى آخر وتكون دائماً في حالة تغير مستمرة، فقد رأى أن مثل هذا التركيز على علاقة المجتمع بالمياه يمكن أن يكون مفيداً لفهم الأنماط المختلفة للتنمية على مستوى العالم وقام بتحويل أبحاثه التي كانت تستهدف تاريخ العالم إلى برنامج بحثي شخصي يستمر على مدار عدة أعوام ويستهدف المياه والمجتمع في جميع أنحاء العالم.

منذ ذلك الحين أنتج أكثر من 20 كتاباً عن الدور الذي لعبته المياه في التاريخ وسافر متتبعاً مسارات العديد من أكبر وأهم الأنهار في العالم، من الصين والهند واليابان شرقاً، إلى فرنسا وألمانيا وإسبانيا غرباً، ومن فنلندا والسويد شمالاً، إلى جنوب أفريقيا والأرجنتين جنوباً، لكن كان أكثر ما أثار خياله وشغفه حبّاً، نهر النيل.

وفي عام 2023 ترأس مؤتمر الرابطة نصف السنوي الذي ينعقد في مكتبة الإسكندرية في مصر، كما تمكن بدعم من وزير الموارد المائية المصري الدكتور محمود أبو زيد، والسفير المصري في النرويج الدكتور مجدي حفني، من إطلاق برنامج أبحاث حوض النيل مع باحثين مشاركين من عشر دول من حوض النيل، كما أنهى فيلمه الوثائقي الثالث والأخير عن المياه بعنوان «تحقيق بشأن النيل» الذي أعاده مرة أخرى إلى التجول في منطقة حوض النيل.

فسيفساء النيل

يشير تارييه تافيت إلى أنه في الطابق الرابع بمتحف أثري متواضع يبعد نحو 35 كيلومتراً عن روما ستجد العمل الفني البارز الذي لا يعلم به كثيرون وهو «فسيفساء النيل» والذي يعود تاريخه إلى 2000 عام. يبلغ عرضه ستة أمتار ويتخطى ارتفاعه الأربعة أمتار ويصور النيل ومظاهر الحياة على ضفتيه بشكل إبداعي ويتناوله من مناظير مختلفة ومتعددة.

يصور الجزء العلوي منه عناصر أفريقية ويحاكي الجزء السفلي مناظر خاصة بالحياة على شواطئ البحر المتوسط. ورغم ضرورة مشاهدة الأعمال الفنية المصنوعة من الفسيفساء من مسافة لتبين تفاصيلها، مع ضرورة الالتزام بالوقوف خلف الحواجز الموضوعة لحماية الأعمال الفنية من اقتراب المتفرجين الذي قد يلحق بها ضرراً، لكن الرسوم الكاملة والزاهية بشكل استثنائي التي تكونها الأحجار الملونة الملتصق بعضها ببعض بواسطة الملاط تظهر جلية من جميع المسافات.

ولكن الأمر الإبداعي حقاً في «فسيفساء النيل» الموجودة في بلدة «بالسترينا» هو تصوير النيل وتصوير الشعوب وهي تمارس حياتها بنظرة حديثة تماماً كما لو كان الفنان الذي أبدعها قد نظر إلى النيل وهو على متن طائرة. ويعد أيضاً هذا العمل الفني مصدراً تاريخياً تعبيرياً مثيراً للإعجاب، فهو يؤكد بقاء النيل كشريان حياة المجتمع ومحور اهتمامه إلى الأبد، كما رسم البحر المتوسط كمحتضن لتاريخ القارة الذي سطرته المياه.

وتصور «فسيفساء النيل» المكانة المحورية التي يشغلها النيل في حياة أولئك الذين يعيشون على ضفافه كما تنقل لنا كذلك كيفية تشكل النيل كجزء من تاريخ أوروبا الثقافي عبر الحضارات المختلفة، لا سيما اليونانية والرومانية. وتذكرنا اللوحة بماض كان يُعبد فيه النيل كنهر مقدس ولم تقتصر عبادته على الكهنة بالمعابد الضخمة المنتشرة على ضفافه في مصر بل امتدت أيضاً إلى أوروبا.

ويضم المتحف البريطاني في لندن واحداً من عدة تماثيل للإلهة إيزيس «حامية الطبيعة وإلهة الخصوبة»، حيث يصورها هذا التمثال وهي تحمل في يدها اليسرى جرة بها مياه النيل المقدسة كوسيلة للخلاص.

روائع إبداعية

ويلاحظ المؤلف أن النحاتين في العصور الرومانية والنهضة اعتادوا تصوير النيل ككيان مهيب مقدس، كما في تمثال «إله النيل» في الفاتيكان وهو واحد من أشهر التماثيل الرومانية في القرن الأول الميلادي الذي يصور النيل كرجل عجوز مستلقٍ يحيط به 16 طفلاً يرمزون لارتفاع منسوب النيل بـ16 ذراعاً لضمان الخصوبة.

وهناك أيضاً تمثال رخامي في «ساحة النيل» بمدينة نابولي الإيطالية، يعود للقرن الثاني الميلادي، ويظهر فيه «الإله النيل» متكئاً على أبو الهول، بينما تنافس الرسامون الأوروبيون في القرن التاسع عشر على توثيق حياة النيل اليومية، كما في تجربة ديفيد روبرتس الذي اشتهر بلوحاته الدقيقة للمعابد والقرى على ضفاف النيل، مثل لوحاته لجزيرة فيلة ومدينة الجيزة. ويشير كذلك إلى ليون بيليه في لوحته الشهيرة «فلاحات على ضفاف النيل» الموجودة في متحف أورسيه، التي تصور النساء وهن يملأن الجرار بوقار ودقة واقعية، فضلاً عن لوحة «على ضفاف النيل» للفنان شارل ثيودر فرير التي تصور هدوء النهر بلمسات رومانسية.


عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية
TT

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

«ياسر عرفات/ وجهات نظر إسرائيلية» كتاب جديد لماجد كيالي، من إصدار «دار كنعان»، دمشق (2026). يتحدث الكتاب عن مكانة الزعيم الفلسطيني الراحل، ودوره في استنهاض الشعب الفلسطيني، على صعيد الهوية والكيانية والكفاح الوطني. كما يقدم عرضاً للمواقف الإسرائيلية المختلفة من ياسر عرفات. ويركز الكتاب بشكل خاص على مرحلة مفاوضات «كامب ديفيد 2» (2000)، كلحظة فصلية مكثفة، تتعلق بمكانة هذا الرجل، ودوره في الكفاح السياسي، بوجهيه التفاوضي، والمسلح، ونظرته إلى ذاته كالممثل للوطنية الفلسطينية، بتناقضاتها، في الصراع، بين الحلم والواقع، والطموح والممكن، والقوة والحق، ويتضمن الكتاب فصلاً موسعاً كشهادات ومقالات لشخصيات سياسية وصحافية إسرائيلية.

يقع الكتاب في 206 صفحات، من القطع المتوسط.

من الكتاب: «عرفات انتصر بشكل قاطع... فعرفات وضع المشكلة الفلسطينية على الخريطة بشكل يستحيل تجاهله... لقد حدد للفلسطينيين هويتهم وعناصر تميزهم في العالم العربي وأشكال نضالهم، وقد وحدهم من الناحية التنظيمية، وبث فيهم الحوافز، وهناك أجيال كاملة من الفلسطينيين ترعرعت في ظلال أسطورة ورمزية عرفات...؟»، كما يقول البروفسور شاؤول مشعال، باحث في شؤون الحركة الوطنية الفلسطينية في جامعة تل أبيب، «يديعوت أحرونوت»، (29-10-2004).

لم يعرف الشعب الفلسطيني في تاريخه زعيماً، قاده أو شغله وملأ تاريخه، كما عرف ياسر عرفات، إذ كان هذا الرجل بحق ظاهرة استثنائية في تاريخ شعبه، وربما في تاريخ حركات التحرر الوطني، على الصعيدين العربي والدولي، بغض النظر عن الخلاف أو التوافق معه، أو الإعجاب به من عكس ذلك، إذ نهض بشعبه وبقضيته من نقطة الصفر، في ظروف دولية وعربية صعبة بل ومستحيلة، وفي ظل اختلال بيّن في موازين القوى لصالح إسرائيل».