لبنان... سجلات التنصت على الهاتف تفضح المستور

وثائق أعدها أحمد أصفهاني تغطي الحرب الأهلية التي عُرفت بـ«صيف الدم» عام 1958

أزمات لبنان ليست كلها نتاج الصراعات الدولية والإقليمية فقط.. فثمة مشكلات داخلية ناجمة عن بنية الدولة الطائفية والإقطاعية
أزمات لبنان ليست كلها نتاج الصراعات الدولية والإقليمية فقط.. فثمة مشكلات داخلية ناجمة عن بنية الدولة الطائفية والإقطاعية
TT

لبنان... سجلات التنصت على الهاتف تفضح المستور

أزمات لبنان ليست كلها نتاج الصراعات الدولية والإقليمية فقط.. فثمة مشكلات داخلية ناجمة عن بنية الدولة الطائفية والإقطاعية
أزمات لبنان ليست كلها نتاج الصراعات الدولية والإقليمية فقط.. فثمة مشكلات داخلية ناجمة عن بنية الدولة الطائفية والإقطاعية

صدر عن «دار كتب للنشر» في بيروت قبل أيام كتاب: «لبنان وصيف الدم 1958 - وثائق التنصت على الهاتف» من إعداد وتقديم الزميل أحمد أصفهاني، مع مقدمة للدكتور سليم مجاعص. وهذا الكتاب هو الرابع باللغة العربية الذي يعتمد على أوراق وأرشيف الأمير فريد شهاب (1908 - 1985) المدير العام لمديرية الأمن العام في لبنان منذ 1948 حتى 1958. فقد ترك الأمير فريد بعد وفاته ثروة من الوثائق السرية والخاصة، حافظ عليها نجلاه السيدة يمنى شهاب عسيلي، والأمير حارس فريد شهاب. وبعد مرور عقدين من الزمن على رحيله، صُنفت آلاف الوثائق ورُتبت وأُعدّ قسم منها للنشر في كتاب موسوعي صدر سنة 2005 تحت عنوان: «في خدمة الوطن: مختارات من الوثائق الخاصة للأمير فريد شهاب». وبعد ذلك صدر كتاب: «أنطون سعادة والحزب السوري القومي الاجتماعي في أوراق الأمير فريد شهاب المدير العام للأمن العام اللبناني» (دار كتب للنشر - بيروت 2006)، ثم جاء كتاب: «التنصت على الهاتف في لبنان: أنطون سعادة والحزب السوري القومي الاجتماعي نموذجاً (1947 - 1958)» (دار كتب للنشر 2014).
«لبنان وصيف الدم» هو الثاني في سلسلة كتب تتضمن مختارات كاشفة من سجلات التنصت على الهاتف التي نفذتها المديرية العامة للأمن العام في لبنان على مدى عقود. والكتاب الجديد يغطي الحرب الأهلية التي عُرفت بـ«صيف الدم» سنة 1958، وشهدت تدخلات إقليمية ودولية بلغت ذروتها بنزول القوات الأميركية على الشاطئ اللبناني بعد إطاحة النظام الملكي في العراق، وبروز تهديدات جدية للنظامين الأردني واللبناني المواليين للغرب.
إن وثائق التنصت الموجودة في الأرشيف لا تعطينا أي فكرة عن تاريخ التنصت على الهاتف في لبنان. وأول وثيقة من هذا النوع متوفرة بين أيدينا تعود إلى 24 يوليو (تموز) سنة 1946، والأخيرة إلى 1 سبتمبر (أيلول) سنة 1958، وهو تاريخ التغيير الجذري الذي حدث في قيادة الأمن العام بعد وصول فؤاد شهاب إلى سدة الرئاسة. لكن توجد فراغات كبيرة بين هذين التاريخين، بحيث غابت سنوات كاملة تقريباً مثل 1951 و1952 و1953 و1954 و1957. وليست هناك معلومات مؤكدة توضح سبب هذا النقص، وإن كانت السيدة يمنى، ابنة الأمير فريد، سبق أن أوضحت أن أباها أقدم في مطلع ثمانينات القرن الماضي على إحراق كم هائل من الوثائق؛ من بينها طبعاً سجلات التنصت.
تمتاز المقدمة التي كتبها الدكتور مجاعص باعتمادها بصورة أساسية على وثائق وزارة الخارجية الأميركية التي كُشف عنها منذ مدة. وهي تُظهر لنا جوانب مختلفة من الصراع الإقليمي المخيّم على المنطقة آنذاك. ومع أن القيادات السياسية اللبنانية المتناحرة أدخلت البلد في أتون الحرب الأهلية تحت شعارات براقة (مخادعة في معظم الأحيان)، إلا إن مصير الكيان اللبناني كان يقرَّر في القاهرة وواشنطن. وتُعطينا الوثائق تفاصيل مذهلة عن لقاءات الرئيس المصري جمال عبد الناصر مع السفير الأميركي في القاهرة، والمفاوضات الدائرة بينهما والتي أسفرت لاحقاً عن صفقة «الإجماع» على قائد الجيش فؤاد شهاب رئيساً للبنان.
من ناحية أخرى، يقدّم مُعد الكتاب أحمد أصفهاني عرضاً زمنياً يبدأ من تولي كميل شمعون الرئاسة سنة 1952 بعد إسقاط الرئيس بشارة الخوري، وصولاً إلى قرار الانحياز للمعسكر الغربي وفق مشروع «آيزنهاور». وزاد الطين بلة مساعي شمعون لتعديل الدستور بهدف التمديد لفترة رئاسية ثانية، ثم إقدامه على تزوير الانتخابات النيابية سنة 1957 لضمان الحصول على مجلس نيابي يوافق على التعديل الدستوري. ويوضح المؤلف أن سجلات التنصت كانت تحمل مؤشرات على أن الاستقطاب الحاد على الساحة اللبنانية سيؤدي حكماً إلى الحرب الأهلية، خصوصاً أن القيادات المحلية كانت مرتبطة بمشاريع خارجية متضاربة.
قد لا تكشف سجلات التنصت على الهاتف عن أسرار خطيرة جديدة مغايرة لما بتنا نعرفه عن تلك المرحلة. ومع ذلك، فثمة تفاصيل دقيقة تضع النقاط على الحروف، وتقدم للباحثين والمؤرخين القطع المفقودة التي تمكنهم من الرؤية الواضحة للصورة المتكاملة في تلك الحقبة الحرجة من تاريخ المنطقة، وفي الوقت نفسه تعرّي قيادات سياسية اختبأت لسنوات وراء شعارات مضللة دفع الشعب (وما زال يدفع حتى اليوم) أثماناً باهظة لها!
يقول المؤلف: «سجلات التنصت التي نعتمد عليها تعطينا صورة داخلية فاضحة عمّا كان يُحاك في الغرف المظلمة آنذاك. لم نبدأ فوراً بما حدث في ذلك الصيف، بل عدنا سريعاً إلى أحداث أساسية في سنوات 1955 و1956 و1957 كونها تشكل السياق العام للتطورات التي أوصلت اللبنانيين إلى (صيف الدم)».
لكن يجب ألا نقع في خطأ اعتبار أن أزمات لبنان كلها هي نتاج الصراعات الدولية والإقليمية فقط؛ فثمة مشكلات داخلية ناجمة عن بنية الدولة الطائفية والإقطاعية، تتكرر دورياً مع كل استحقاق انتخابي. وغالباً ما يحدث الدمج بين المحلي والخارجي عندما يستقوي طرف ما بالآخرين من أجل تحقيق الانتصار الداخلي. وهذا ما حدث في فترة الخمسينات بعد أن توضحت خطوط المواجهة بين الدولة اللبنانية ممثلة من جهة في كميل شمعون وسامي الصلح اللذين أيدتهما القوى الغربية و«حلف بغداد»، وفي المقابل معارضة متنوعة المذاهب ومتناقضة الاتجاهات تدعمها القاهرة ودمشق من جهة أخرى.
وفي ظل أجواء التوتر والاستقطاب وغياب الحد الأدنى من التوافق اللبناني الداخلي فيما يتعلق بالعلاقات مع الدول المجاورة والموقف من الأحلاف الأجنبية، باتت كل مسألة محلية موضع شقاق ونزاع بين الحكومة والمعارضة. وقد سعى كل طرف منهما إلى توظيف القضايا الداخلية التي تهمه في المجال الأوسع للصراعات الإقليمية، كما ساهمت تلك الممارسات في زيادة الاحتقان السياسي والأمني، فتراكمت المواضيع الخلافية التي لم يعد من الممكن معالجتها ما دام التحدي والقطيعة والتحريض أصبحت من السمات الأساسية والوحيدة في التعامل بين رجال السياسة. وعندما تصل الأحوال إلى هذا المستوى بالذات، يكون التدخل الخارجي نتيجة حتمية لعجز الحكومة والمعارضة معاً.
وتكشف لنا وثائق التنصت لسنوات 1955 و1956 و1957 كيف أن الأطراف اللبنانية المتناحرة راحت تصعّد لهجتها مع كل حادثة جديدة، حتى ولو كانت أقل من عادية.

عينة من سجلات التنصت
13 مايو 1958:
> الساعة 12:05: قال مصباح سلام لعبد الله اليافي بمنزل العويني: ما بيصير نضل هيك والقيادة بتكون إما هون أو هونيك، صائب قاعد وحده ما بيقدر يدير الحركة وحده، وهوديك يللي راحوا مشوارهم ليش ما بيعطونا خبر لنعرف شو جد معهم؟ يطلعوا منها هالمناورات. يافي: من وين بدنا نروح لعندك؟ الرصاص مشتغل بين الجيش والأهالي على الطريق الجديدة. سلام: بتقدروا تجوا، الجماعة هون كلهم منتظرين وهلق وصل كامل بك الأسعد. وهلق وصل سليم من المطار. يافي: من وين مرقوا؟ سلام: بتجوا على سان سيمون ومنها على الأونيسكو، على كركون الدروز رأساً لهون. يافي: طيب.
> الساعة 14:25: قال عبد الحميد غالب لمحمود رياض في دمشق: اليوم الساعة 2 طلبني محمد علي حمادة من وزارة الخارجية وبلغني الحضور لوزارة الخارجية الساعة 5 لتسلم بلاغ رسمي. سألته هل هذا البلاغ عام أم خاص؟ قال لي عام. وأنا بعتت الخبر لمصر لكن حبيت قول لك حتى تتصل فيهم تلفونياً والبلاغ ما بعرف شو فيه. رياض: كيف الحالة في بيروت؟ غالب: الحالة عدم، والرصاص والانفجارات بكل مكان. رياض: إن شاء الله تنتهي بخير. أنا في المكتب لغاية الساعة 7. غالب: أنا بتصل فيك بهالوقت لحتى قول لك النتيجة.
> الساعة 15:45: قال رفيق نجا لعدنان الحكيم (منزل): شو عندك؟ عدنان: من الساعة 12 لهلق والرصاص بينزل على بيتي من القوميين. رفيق: وعندي كمان عم يقوصوا حوالي البيت. بلغني إنه الكتائب نازلين للسوق يفتحوا البلد. وأنا بعتت ناس يشوفوا إذا صحيح. بدي منك تبعت حدا من عندك. عدنان: نحن عم ندافع بلحمنا. إذا السلاح موجود عند صائب وعم يعطيهم لجماعته شو عم يجينا نحن؟ شبابنا لما علقوا مع القوميين أخذوا 6 – 7 فرودة ولحقوهم. بدي نجدة ما عندنا شي والسلاح كان لازم ينعطى منه قسم كبير لبيت النجاد. عبكره شبابنا علقوا معهم على الناصرة وإجوا العسكرية ضربوا واحد من جماعتنا بالحربة. نجا: قتل شاب عندنا هون على البوابة صار له ساعتين مشلوح ما حدا عم يتطلع فيه وما انعرف مين هو. عدنان: ريمون إده باعت لي خبر إنه بتستقيل الوزارة وبيجي الجنرال ومعه تقي الدين أو هنري فرعون والمعارضة بتسمي اثنين وبيطلب شو رأينا بالحل؟ قلت له نحن والهيئة الوطنية منعطي آخر رأي وما منقبل إلا ما ينزل الرئيس. مش هيك رأيك؟ نجا: ما في شك. عدنان: وهلق بدو يجي عند حسين العويني ويعطيهم هالحل. نجا: طيب. عدنان: وإنت إذا اتصلت بالجماعة قل لهم يبعتوا لنا سلاح. نجا: طيب.

2 يوليو 1958:
> الساعة 18:25: منير فتحة قال لعبد الله آليافي بمنزل حسين العويني: في بلبلة بالمحلة. عبد الله: شو القصة؟ منير: في معين حمود وابن يوسف الحكيم وابن درويش من شان فوزي الحص. عبد الله: يا أبو سعيد ما تحكي هالأشياء على التلفون. بدك تجي لعندي لهون لتقدر تحكيني هالأشياء. منير: راح ناس لعندك. عبد الله: إي طيب.
سيدي الرئيس: إن صائب سلام أقدم على خطف قواد طريق الجديدة أي معين حمود وصلاح درويش والسوري يوسف الحكيم وسجنهم، والقيامة قائمة بهذا السبب في طريق الجديدة. (ملاحظة من الأمن العام).
> الساعة 16:40: أحمد الحاج قال لخالد جارودي في بيت العويني: سيارتي رقمها 28515 «فيات» كانت واقفة قدام مكتبي على البور. سرقوها جماعة النجادة وأخذوها لعند عدنان الحكيم. راجعت صائب سلام وعبد الحميد سلام قالوا ما بيحطوا إيدهم فيها طالما النجادة سرقوها. حكيت عدنان الحكيم قال بدّه 500 ليرة ليتركها، وإذا ما دفعت لهم الليلة راح يحرقوها. شايلين لها نمرتها. لونها طحينة ورمادي. أنا قبلت إدفع لهم 200 ليرة ما كان يقبلوا لأن إلى شريك فيها إسمه موريس زريق يهودي. خالد: هلق بحاكيه لعدنان وبجاوبك. واتصل خالد بعدنان الحكيم فقال له عدنان: يدفع المطلوب منه. خالد: راح يدفع 200 ليرة. عدنان: 500 إلا قرش ما منقبل، وقفل الخط. واتصل خالد بأحمد الحاج وأخبره، فقال أحمد: إذا بده يعنّد راح تكلّفه حياته (...) لعدنان الحكيم الكذاب.



دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ
TT

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً مستقلة وشراكاتٍ عابرة للمتوسط. غير أن الأرقام، رغم ارتفاعها النسبي، لا تزال متواضعةً قياساً بحجم الإنتاج الأدبي العربي، فيما تظلّ إشكاليةُ الوساطة الثقافية وفخّ التوقعات الاستشراقية يُلقيان بظلالهما على هذه الصورة البرّاقة في ظاهرها.

لم تعد دار «سندباد» تحتكر نشر الأدب العربي في فرنسا كما كانت في السابق؛ إذ دخلت دور نشر أخرى في منافسة فاعلة لاستقطاب المواهب العربية الجديدة. ففي هذا السياق، استقطبت «غاليمار» أسماءً عربية في سلاسل مختلفة، وفتحت كلٌّ من «غراسيه» و«بايار» و«لو بروي دو موند» و«إليزاد» أبوابها أمام كتّاب عرب ناشئين.

سعيد خطيبي

والحدثُ التأسيسي الأبرز في هذه المرحلة هو انطلاق مجموعة «خمسة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهي شراكة تجمع دار «فيليب ري» الباريسية بدار «بَرزَخ» الجزائرية بقيادة الناشر صفيان حاجج، تختصّ بترجمة الأدب المغاربي المكتوب بالعربية من خمسة بلدان هي: الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس. وفي أقلّ من عامين على انطلاقها، كشفت هذه المجموعة عن طاقة اكتشافية حقيقية؛ فقد كان من بين إصداراتها الأولى رواية الكاتبة التونسية أميرة غنيم «الكارثة بيت النبلاء» التي فازت بجائزة الأدب العربي عام 2024. أمّا دار «سندباد»، عرّاب هذا الحقل بلا منازع منذ خمسة عقود، فتواصل مسيرتها تحت إدارة الناشر السوري فاروق مردم بيه، وقد أصدرت حتى اليوم ما يزيد على ثلاثمائة عنوان، تضمّ الرواية والشعر والتراث الكلاسيكي، مستوعبةً أدبَ المشرق والمغرب معاً.

شادي لويس

وفي عام 2022، أطلقت الدار مجموعة «سندباد الصغير» للأدب مزدوج اللغة (عربي - فرنسي) الموجَّه إلى الناشئة، في محاولة جريئة لتجسير الهوّة بين جيلين ولغتين. وفي سياق برنامجها الأخير، أصدرت «سندباد» رواية «عين الطاووس» للبنانية حنان الشيخ بترجمة خالد عثمان، فضلاً عن «تاريخ قصير للخليقة وشرق القاهرة» للمصري شادي لويس، وكلاهما ضمن قائمة جائزة الأدب العربي 2025.

وإذا كان ثمة نصٌّ واحد استطاع في السنوات الأخيرة أن يختبر حدود المشهدين الأدبيين الأوروبي والعربي معاً، فهو رواية الفلسطينية عدانية شبلي «تفصيل ثانوي»، التي نشرتها «سندباد/أكت سود» عام 2020 بترجمة ستيفاني دوجول، فغدت ظاهرةً دولية نادرة في عالم الأدب العربي المُترجَم، وبلغت أصداؤها أرفع الجوائز الأدبية في أوروبا والولايات المتحدة.

عدانية شبلي

وعلى صعيد الأسماء التي شقّت طريقها إلى القارئ الفرنسي عبر هذه الدور، يبرز جيلٌ جديد، فالليبي محمد الناعس، الذي أصدرت له «لو برو دو موند» روايتَي «خبز على طاولة عمي ميلاد» و«نكهة الشاي المرّ»، رُشّح مرتين على التوالي لجائزة الأدب العربي، وباتت أعماله رهاناً تحريرياً ثابتاً لدى ناشره الفرنسي. أما الجزائري سعيد خطيبي فأصدرت له «غاليمار» في سلسلة «سيري نوار» رواية «نهاية الصحراء» بترجمة لطفي نية. ويوظف خطيبي التاريخ السياسي في بنية السّرد البوليسي.

وفي السياق ذاته، اختارت «بايار» نشر آخر أعمال المغربية ريم بطّال «سأنظر في عينيّ»، لتقطع بذلك مسافةً واسعة بين الكتابة النسائية العربية وجمهور فرنسي جديد. وأفرزت مجموعة «خمسة»، بدورها، اسمين تونسيين بارزين: أميرة غنيم بروايتها «الكارثة بيت النبلاء» الفائزة بجائزة الأدب العربي 2024، وأيمن دبوسي برواية «دفاتر الرازي». والحالة الأكثر رمزيةً في هذه الدورة هي حالة الكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، الذي أمضى اثنين وثلاثين عاماً خلف القضبان في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يُطلَق سراحه في أكتوبر 2025. وجد أبو سرور طريقه إلى «غاليمار» عبر روايته «حكاية جدار»، الصادرة بالفرنسية تحت عنوان «Je suis ma liberté» (أنا حريتي) بترجمة ستيفاني دوجول، وسرعان ما توّجته لجنة جائزة الأدب العربي لعام 2025 بالجائزة الكبرى بالإجماع، مانحةً إياه اعترافاً طالما حجبه عنه السجنُ وعزلةُ الأسر. ولم يكن هذا التتويج إعلاناً أدبياً فحسب، بل كان فعلاً سياسياً وأخلاقياً في الوقت ذاته.

وتوفّر أرقام السوق سياقاً لا غنى عنه لفهم هذا المشهد؛ فوفق بيانات نقابة الناشرين الفرنسيين (SNE)، بلغ رقم أعمال قطاع النشر في فرنسا 2945 مليون يورو عام 2023، ثم تراجع إلى 2901 مليون يورو عام 2024، مع انخفاض في عدد النسخ المبيعة بنسبة 3.1 في المائة. وتمثّل الكتب المترجمة في الوقت الراهن ما بين 19 و20 في المائة من مجمل الإنتاج النشري الفرنسي، مما يجعل فرنسا من أكثر الأسواق الثقافية الغربية انفتاحاً على الآداب الأجنبية. وبحسب أحدث بيانات «ليفر إيبدو/إلكتر» المتعلقة بعام 2025، بلغ عدد العناوين المترجمة إلى الفرنسية 12892 عنواناً؛ تستأثر العربية منها بنسبة 0.9 في المائة؛ أي ما يناهز مائة وستة عشر عنواناً، مسجّلةً ارتفاعاً بمقدار 0.2 نقطة مئوية قياساً بالعام السابق. وتجدر الإشارة إلى أن العقود المُبرمة على الأدب العربي تشمل في حالات كثيرة الحقوق العالمية لا الحقوق الفرنسية وحدها، مما يفتح آفاق الانتشار لتتجاوز الحدود الأوروبية.

وتُعدّ «جائزة الأدب العربي»، التي انطلقت عام 2013 بتعاون بين مؤسسة جان لوك لاغارديير ومعهد العالم العربي في باريس، مرجعاً أساسياً لقياس حضور الأدب العربي في سوق النشر الفرنسي. وقد تجلّى هذا الحضور في دورة عام 2025 عبر تنوع غير مسبوق شمل ثمانية أعمال لكتّاب من سبع دول عربية أصدرتها دور نشر فرنسية كبرى. كما شهدت هذه الدورة خطوةً لافتة بإنشاء منحة مالية مخصصة للمترجمين، ولم يكن هذا الزخم النشري ليكتمل في غياب جيل جديد من المترجمين ورثوا شعلة أسلافهم وأضافوا إليها. فإلى جانب ستيفاني دوجول الذي يُترجم منذ ثلاثة عقود أعمال حنان الشيخ وعدانية شبلي ومصطفى خليفة، ثمة لطفي نية المتخصص في الأدب الجزائري والمغاربي العامل مع «غاليمار» ومجموعة «خمسة»، وصواد لبّيزة التي ترجمت رواية أميرة غنيم فنالت بذلك جائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة عام 2024، وهي جائزة مشتركة تمنحها المنظمةُ الدولية للفرنكفونية والمنظمةُ العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، وسارة رولفو التي تُترجم النثر الليبي.

بيد أن المشهد لا يخلو من نقاط ظل تستوجب التأمل النقدي؛ فرغم هذا الزخم التراكمي، تظلّ مكانة الأدب العربي في المنظومة النشرية الفرنسية هشّةً في بعض مفاصلها. فعدد الترجمات السنوية يبقى محدوداً قياساً بضخامة الإنتاج الأدبي العربي. وقد أفاد مردم بيه بأن مبيعات نجيب محفوظ (الكاتب العربي الأكثر قراءة في فرنسا) تراجعت من عشرة آلاف نسخة إلى نحو ألف وخمسمائة في غضون عقود، عاكسةً تراجعاً أعمق في انفتاح القارئ الفرنسي على الآداب الأجنبية المترجمة. يُضاف إلى ذلك أن الأسماء العربية المألوفة في هذا المشهد لم تتجدد كثيراً خلال العقود الماضية، مما يُضيّق النافذة أمام التجديد والتنوع الجغرافي والأسلوبي.

ويُلاحَظ كذلك أن الكاتب العربي لا يصل إلى دور النشر الكبرى في الغالب إلا عبر بوابة الجائزة الدولية أو الصدى الإعلامي خارج فرنسا، مما يعني أن الاعتراف لا ينبثق دائماً من قراءة مباشرة، بل كثيراً ما يتغذّى من سلطة الصدى الخارجي. ويظلّ الفخّ الأخطر هو الفخّ الاستشراقي المتجدّد: فالنص العربي الذي يتناول الحرب أو الديكتاتورية أو المرأة المقهورة أو أزمة الهوية يجد طريقه إلى دور النشر الفرنسية أسهل بكثير مما يجده النص المنصرف إلى أسئلة جمالية بحتة أو جدل فلسفي داخلي. وهو ما يعني أن ثمة مِصفاةً خفيّة تصوغ ملامح الأدب العربي المقبول في الفضاء الفرنسي، فتُعيد في نهاية المطاف إنتاجَ توقعات المتلقي عوضاً عن تحريرها.

وفي مواجهة هذه الإشكالية، تبقى باريس رمزاً للتكريس الأدبي بامتياز: فالنشر في فرنسا يمنح الكاتب العربي رأسمال رمزياً يتجاوز حدود اللغة؛ إذ كثيراً ما فتح الانتشار الأوروبي أبواب الترجمة في لغات أخرى، وأمدّ مسيرات مهنية كانت ستظلّ محلية لولا ذلك. غير أن هذه المعادلة تخفي وراءها سُلَّم قيم ضمنياً: يُقيَّم النص العربي في نهاية المطاف بمقدار ما يستهوي القارئ الفرنسي ويلبّي فضوله، أكثر مما يُنصَت فيه إلى ما يقوله عن نفسه وعن قارئه الطبيعي.


ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر
TT

ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر، ومنهم أحمد مصطفى البابي الحلبي الذي وُلد في أزقة قرية الباب بريف «حلب» 1816 ثم هاجر إلى القاهرة ليشبع شغفه في مجال الطباعة ونشر الكتب وتتحول مطبعته إلى واحدة من أشهر وجهات التراث العربي في الفترة من عام 1859 حتى 1960.

هذا ما يكشف عنه الباحث أشرف مؤنس في كتابه «مطبعة البابي الحلبي – ودورها في حركة الطباعة والنشر في مصر والعالم العربي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، مشيراً إلى أن المطبعة استهدفت في البداية خدمة الأزهر الشريف وطلابه من خلال نشر كتب الفقه والتفسير والحديث واللغة مع الحرص على دقة النصوص وجودة الإخراج الفني، لكنها توسعت فيما بعد لتشمل كنوز التراث في الشعر والأدب.

ولا يقتصر تميز مطبعة الحلبي على بعدها الطباعي، بل يمتد إلى إدارتها العائلية المتوارثة وسياستها التجارية الرشيدة التي ضمنت لها الاستمرار والانتشار داخل مصر وخارجها حيث يمثل أحمد مصطفى البابي الحلبي، مؤسس هذه النهضة العائلية، أنموذجاً للرجل العصامي الذي جمع بين الوعي الثقافي وروح الريادة الاقتصادية فأسس تقليداً أسرياً ظل فاعلاً لأكثر من قرن كامل.

انتقل الحلبي إلى مصر في أوائل عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر ضمن موجة الهجرة العلمية والتجارية إلى القاهرة حيث كان لمصر جاذبية اقتصادية وثقافية كبرى، واستقر في حي «الجمالية» قرب الجامع الأزهر، وكان مركزاً للحياة الدينية والفكرية والتجارية.

ومن خلال متابعته الواعية لمجريات الحياة آنذاك سرعان ما أدرك الحلبي مبكراً حاجة طلاب الأزهر والعلماء إلى كتب مطبوعة بدلاً من الاعتماد على المخطوطات القديمة، حبيسة الخزائن، كما تأثر بأفكار رواد النهضة الفكرية المصرية آنذاك؛ مثل رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وعلي باشا مبارك (1823-1893) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905).

وبفضل خبراته واتصالاته مع العلماء والأدباء، أسّس مطبعته الخاصة التي عُرفت في البداية باسم «المطبعة الميمنية» قبل أن يتغير اسمها لاحقاً إلى «مطبعة الحلبي» لتكون واحدة من أوائل المطابع الأهلية في مصر، واعتمدت أسلوب الطباعة بالحروف العربية، محلية الصنع، ما أضفى طابعاً خاصاً على مطبوعاتها، تميز بصرامة في التدقيق والمراجعة وقلة الأخطاء المطبعية، مع جمال الإخراج الفني.

بعد وفاة المؤسس أحمد الحلبي في عام 1898 عن عمر ناهز 82 عاماً، تولى أبناء إخوته إدارة المطبعة حيث لم ينجب أحمد أبناء من صُلبه؛ ولذا استدعى أبناء إخوته الذكور من بلدته «الباب»، ومنهم مصطفى وعيسى وبكري ليشاركوه في إدارة المطبعة.

تحولت المطبعة من نشاط فردي إلى مؤسسة عائلية لها امتداد تجاري وثقافي، وتوسع الإنتاج ليشمل كتب التراث الإسلامي والمعاجم والمراجع الجامعية، فضلاً عن طباعة رسائل أكاديمية، كما غدت مرجعاً للطلاب والباحثين في العالم العربي واشتهرت بطباعتها المتقنة للكتب التراثية.

شهدت الأربعينيات وبداية الخمسينيات ذروة نشاط المطبعة؛ فقد بلغ حجم الإنتاج السنوي للمطبعة نحو 7.5 مليون نسخة، ونشرت أكثر من 440 كتاباً بين عامي 1900 و1949، ما جعلها رائدة في نشر كتب التراث الإسلامي عالمياً؛ حيث أصبحت من أكبر دور النشر في الشرق الأوسط.

اعتمدت المطبعة نهجاً ريادياً في توظيف التقنيات الطباعية المتقدمة وتطوير الخطوط العربية، مما أضفى على إصداراتها هوية بصرية متفردة عُرفت بـ«طبعة الحلبي»، امتازت بدقة التنفيذ وسلامة المتون. وإلى جانب ثقلها المعرفي، شكلت المطبعة ركيزة اقتصادية مهمة؛ إذ أصبح «حي الحسين» بسببها وجهة عالمية لصناعة النشر، ومقصداً رئيساً للوراقين وطلاب الأزهر والمستشرقين من شتى البقاع.

اللافت أيضاً أن المطبعة مثلت جسراً حضارياً يربط عراقة التراث بمتطلبات الحداثة؛ حيث ساهمت بفاعلية في النهضة الثقافية عبر رفد الجامعات بالمادة العلمية الرصينة. وعلى مدار عقود، ظلت مطبوعاتها المرجع الأوثق للباحثين في العلوم الشرعية واللغوية، ما رسخ مكانتها كحارس للذاكرة العربية.

تصدرت «أمهات الكتب» قائمة منشوراتها، لا سيما في علوم التفسير والقرآن، مثل «تفسير الطبري» و«القرطبي» اللذين ظهرا في طبعات فاخرة ومنقحة. كما أولت عناية فائقة بالسنة النبوية، فأخرجت «فتح الباري» وشروح «صحيح مسلم»، فضلاً عن المراجع الفقهية الكبرى التي غطت أصول المذاهب الأربعة وفروعها بدقة متناهية.

ولم تقتصر رسالتها على العلوم الدينية، بل شملت كنوز الأدب مثل «لسان العرب» و«الأغاني»، ودواوين فحول الشعراء كالمتنبي وشوقي. وفي حقل التاريخ والسير، برزت طبعاتها لكتابي «تاريخ الأمم والملوك» و«البداية والنهاية»، لتكرس بذلك حضوراً لافتاً في المكتبة العربية.


تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية
TT

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث التي تؤهله للانتشار العالمي، مع التركيز على المعوقات التي تعترض نقله إلى اللغة العربية، عبر اللغة الصينية الأصلية، وليس عبر لغات وسيطة، في وقت يشهد تصاعداً في التواصل بين بكين والعواصم العربية على المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية.

ويندرج الكتاب ضمن حقل «دراسات الترجمة»، التي تعاني من الندرة بالمكتبة العربية؛ إذ يسلط الضوء على مسار ترجمة الإبداع الصيني للغة الضاد، لا سيما الأعمال التي تعد من «الروائع العالمية»، وتحديداً المنتمية لمدرسة «البحث عن الجذور»، التي يعد مو مويان من أهم أقطابها، بهدف التعرف على الروح الصينية الحقيقية، والابتعاد عن الصورة السطحية النمطية التي تختصر حضارة «بلاد التنين الأحمر» في شعب غريب الأطوار يأكل الحشرات، أو مجرد البراعة في الرياضات القتالية، كما في أفلام بروس لي ورياضة «الكاراتيه» التي صدّرتها هوليوود للعالم.

ويرى المؤلف أن الهدف السينمائي هنا يتمثل في تشويه الانطباع حول بلد يرى الغرب مصلحته في تسطيح صورته الذهنية، مع حصد أرباح مادية بالتأكيد، ومن هنا تبرز ضرورة الانفتاح عبر الترجمة على الأدب الصيني المعاصر، للمساهمة في تقويم تلك المفاهيم الضحلة.

ويشدد علي عطا على ضرورة إدراج دراسات الترجمة بمناهج اللغة الصينية في الأكاديميات العربية، مع ملاحظة صدور مؤلفات عديدة حول الأدب الصيني في القرن العشرين مترجمةً للعربية، مقابل غياب تام لترجمات تخص أدب الربع الأول من القرن الحالي. ويسري ذلك النقص على نقد الأعمال الصينية المترجمة، فلا يتوفر كتاب بحثي يحللها نقدياً ضمن سياق الترجمة أو الأدب المقارن، رغم ما تعرِض مقدمات المترجمين لهذا الجانب أحياناً.

ويشيد المؤلف في هذا السياق ببحث قدمته دكتورة دينا بيومي بعنوان «المهمشون في الرواية الصينية والرواية المصرية المعاصرة»، وقد وازنت من خلاله بين رواية «مذكرات بائع الدماء» للصيني يوهوا، ورواية «شكاوى المصري الفصيح» للكاتب المصري يوسف القعيد، والتي خلصت فيها إلى أن النصين يشكلان مادة ثرية لبيان حجم مكابدة هذه الفئات داخل الوسطين: الصيني والمصري؛ إذ برع الأديبان في تجسيد واقع شعوبهما الموجع والمضني في الخمسينات والستينات بالنسبة للجانب الصيني، والسبعينات بالنسبة للجانب المصري.

وترصد دراسات أكاديمية عربية تصاعد الشغف بالنقل عن الصينية للعربية بالأعوام الأخيرة، مع بروز كوادر متخصصة وظهور مؤسسات نشر مهتمة بهذا الحقل، إلا أنه رغم ذلك، لا تزال هناك عقبات تخص ندرة الكوادر المحترفة، وهو ما يبرز الحاجة الشديدة لمزيد من المساندة الجامعية للتعريب من الصينية للعربية، إما عبر تقديم مسارات تدريبية احترافية، وإما عبر مساندة دور النشر والمبادرات الاستقصائية.

في المقابل، يلاحظ باحثون صينيون أنه رغم النجاحات، تواجه الصين والعرب تحديات في الترجمة والنشر؛ منها نمطية الكتب المترجمة وتذبذب جودتها وضعف انتشارها السوقي، فرغم التوجه العربي العام نحو الصين، يظل شغف الشباب العرب بالثقافتين اليابانية والكورية أكبر.

كما يفتقر الشباب الصيني للمعرفة بالمنطقة العربية مقارنة بالثقافة الغربية، ما يعكس قصوراً في النشر بالجانبين. ولتجاوز ذلك، يقترح هؤلاء الباحثون تنويع موضوعات الترجمة، وتكثيف جهود التسويق والتوزيع، مع ضرورة استقطاب القراء من مختلف المجالات للاهتمام بالإبداعات الثقافية المتميزة لتعزيز تأثيرها وجاذبيتها.