سلمان.. صدر المجلس السياسي

تجده مشاركًا ومحاربًا ومقدمًا المشورة للملوك منذ أيام العدوان الثلاثي

الملك سلمان بن عبد العزيز مترئسا إحدى جلسات مجلس الوزراء السعودي في ديسمبر 2014 (أ.ف.ب)
الملك سلمان بن عبد العزيز مترئسا إحدى جلسات مجلس الوزراء السعودي في ديسمبر 2014 (أ.ف.ب)
TT

سلمان.. صدر المجلس السياسي

الملك سلمان بن عبد العزيز مترئسا إحدى جلسات مجلس الوزراء السعودي في ديسمبر 2014 (أ.ف.ب)
الملك سلمان بن عبد العزيز مترئسا إحدى جلسات مجلس الوزراء السعودي في ديسمبر 2014 (أ.ف.ب)

في العام 1938 ألقى الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود إحدى خطبه السياسية، وظهر في الصورة وعلى يساره في ذات الكرسي الذي يجلس عليه الملك عبد العزيز طفل صغير شارك في تصدر المشهد آن ذاك، الطفل كان الملك سلمان بن عبد العزيز ومذ ذاك وهو يتصدر المجلس السياسي في السعودية، في قراراته ومشورته أو اجتماعاته أو زياراته أو من خلال أحاديثه التي يصرح بها.
وبعد نحو 15 عاما عين الأمير الشاب سلمان عام 1954 أميرا لمدينة صنع القرار السياسي السعودي العاصمة الرياض التي شهدت ولادة تأسيس حكم والده وأجداده ليقود دفة التنمية والتطور والمشاركة في القرار السياسي، ولم يلبث إلا سنتين وتحديدا عام 1956 ليخرج ذلك الشاب وبعد عامين من توليه إمارة الرياض متطوعا مع إخوته استعدادا للمشاركة ضمن قوات المقاومة الشعبية أثناء العدوان الثلاثي على مصر وهو يعتمر بدلته العسكرية مع أخويه الملك الراحل فهد والأمير تركي، ولم يتوقف عند هذا الحد بل ألقى كلمة في اجتماع أمانة الرياض وذلك يوم 21 ديسمبر (كانون الأول) 1956 لدعم مدينة بورسعيد عقب تعرضها للتخريب خلال العدوان الثلاثي على مصر، وقبله كان أهل الجزائر أمام حرب الاستقلال لتهب الحكومة السعودية لمساعدة الشعب الجزائري ليتولى الأمير الشاب وبتكليف من أخيه الملك سعود بن عبد العزيز رئاسة اللجنة الشعبية لجمع التبرعات لحرب الجزائر وقبلها جمع التبرعات لمنكوبي حرب السويس في عام 1956. كانت لجان شعبية من المواطنين إلا أنها أوكلت المهمة لسلمان لمعرفة الملك سعود رحمه الله بأخيه الشاب ليكون بداية عمله الاستشاري وغير المعلن مع إخوته الملوك كمستشار خاص لهم على مر التاريخ بداية من أخيه الملك سعود وحتى الملك الراحل عبد الله وليكون أحد أهم أعمدة وأركان الحكم في السعودية، وأمين سر العائلة المالكة، ورئيس مجلسها، وذلك لما عُرف عنه من حكمة ومعرفة وسعة اطلاعٍ وقدرة في المحاورة والاستماع، ومعرفته الدقيقة بطباع مجتمعه، ومؤسسات بلاده.
الملك السابع للسعودية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز كان لصيقا لستة ملوك ومؤثرا في القرار الخارجي والداخلي برجاحة العقل وصواب الرأي، يقول لـ«الشرق الأوسط» الدكتور عبد الله العسكر عضو مجلس الشورى: السنوات الكثيرة التي قضاها الملك سلمان أميرا لمنطقة الرياض، إضافة إلى مركزه الرئيسي في مفاصل الدولة وشؤون الحكم، ونظرا لمكانته لدى الملوك والأمراء والمسؤولين في الدولة جعل منه مرجعية سياسية وتاريخية وإعلامية وإدارية يُعتد بها، ويضيف العسكر «الملك سلمان كان يحرص منذ الـخمسينات على المجلات العربية والصحف وذلك في عهد الرئيس المصري جمال عبد الناصر وكان لديه إلمام تام بجميع الأحزاب السياسية والثقافية في ذلك الوقت، والذي يدعمه شغفه الكبير في تتبع الحركات والحقبات السياسية في العالم العربي»، مضيفا أن هذا التراكم المعرفي أوجد لديه دراية كبيرة بكافة الحراك السياسي في المنطقة.
وسعى الملك سلمان بن عبد العزيز منذ نعومة أظفاره للنهوض ببلاده داخليا وخارجيا، ليقود مجهودات ضخمة لتكون بلاده ضمن مجموعة الكبار من دول العالم المتقدم صانعي القرار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وهو الذي أنابه أخوه الملك سعود عام 1958 لافتتاح معرض صناعة الزيت الذي أقامته شركة الزيت بالرياض، والمشاركة في اتخاذ القرار السياسي عبر لقاءاته المتعددة مع الزعماء والقادة الذين يفدون إلى الرياض، وفي فترة حكم أخيه الملك فيصل كان حاضرا يقف خلف الملك يقدم المشورة واستقبال الوفود السياسية، والتي منها على سبيل المثال استقبال الرئيس اللبناني شارل حلو، والوزير الأميركي هنري كيسنجر وغيرهما من القادة السياسيين، وفي عام 1981 وفي عهد الملك خالد كان للملك سلمان دور كبير في ملف طائرات «الأواكس» ليستقبل الوفد الأميركي وهذه الطائرات كانت إحدى المشاكل التي واجهتها السعودية مع الولايات المتحدة الأميركية والتي انتهت بتسلم السعودية عام 1986 عددا من طائرات الأواكس والتي تعتبر من أهم الطائرات في العالم لدورها في الحروب الجوية الحديثة.
وفي عهد الملك فهد بن عبد العزيز كان الملك سلمان حاضرا في المشهد السياسي ليقوم بعدد من الزيارات الرسمية للكثير من الزعماء في العالم ممثلا عن الملك فهد والتي تمثلت في زيارته للراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، ومن ثم زيارته للراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح أمير الكويت لبحث سبل دعم العلاقات بين البلدين ومناقشة تطورات الأوضاع في المنطقة، وذلك قبل الغزو العراقي. وكان للملك سلمان زيارات مهمة حينما كان أميرا للرياض وممثلا عن الملك وذلك عام 1989 والتي من أهمها زيارته لواشنطن واجتماعه مع الرئيس الأميركي جورج بوش في البيت الأبيض ووزير خارجيته جيمس بيكر.
وفي أيام حرب الخليج كان الملك سلمان حاضرا يتابع ويقدم الاستشارة من قصر الحكم في الرياض وينقل رسائل الملك فهد لعدد من زعماء العالم وكان له دور في المباحثات مع قوات التحالف بوجود الملك فهد في ذلك الوقت. يقول الدكتور عبد الله العسكر «الملك سلمان لديه معرفة دقيقة بتفاصيل التاريخ العربي والسعودي خصوصا ويستقري المستقبل لإلمامه العالي بالتاريخ وأزعم أن الملك سلمان قد انخرط في العمل السياسي دون أن يكون في الواجهة كونه كان يقدم الرأي والمقترحات للملوك».
زيارات الملك سلمان السياسية استمرت تارة شرقا نحو اليابان ملتقيا ولي عهدها الأمير ناروهيتو ورئيس مجلس النواب سويشيرو ايتو خلال زيارته لطوكيو، وأخرى ملتقيا رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف، وبعدها إلى الصين للتباحث حول العلاقات الثنائية بين البلدين، وبعد ذلك إلى كوريا الجنوبية والتي كانت عام 1997. وتارة غربا ملتقيا الملك خوان كارلوس ملك إسبانيا، وبعدها زائرا المملكة المتحدة البريطانية ملتقيا ولي عهدها، لتجده بعدها مفتتحا مع مستشار ألمانيا غيرهارد شرودر معرض العلاقات السعودية - الألمانية في الرياض، عام 2005. وهنا يشير الدكتور العسكر «أن قرب الملك سلمان من إخوته الملوك لدرجة أنه أصبح مؤتمن الملوك منذ عهد الملك سعود وحتى عهد الملك عبد الله رحمهم الله جميعا، ويأتي ذلك لما يتميز به الملك سلمان من ثقافة عالية سواء على المستوى المحلي أو في التاريخ أو الثقافة العامة أو الحركات السياسية والحزبية في الوطن العربي»، مضيفا أنه في عهد الملك فيصل كان للملك سلمان علاقات واسعة بالنخب العربية الثقافية والسياسية وخاصة في لبنان وسوريا والعراق ومصر، وهذا يأتي كونه قارئا من الطراز الأول.
الملك سلمان كان له دور كبير في نقل حضارة بلاده ورسالتها الإنسانية والسياسية وهو الذي قاد معرض المملكة بين الأمس واليوم والذي دار حول أغلب دول العالم وأقيـم في عـدد من الدول العربية والأوروبية وفي الولايات المتحـدة وكندا بين عامي 1985 وحتى 1992. يقول عساف أبو ثنين عضو مجلس الشورى وهو من رافق الملك سلمان بن عبد العزيز لنحو 30 عاما كسكرتير خاص «للملك سلمان جهود لا تحصى ولا تعد، يقوم بها منذ زمن طويل لخدمة المملكة في علاقاتها الخارجية، ويسخر صداقاته وعلاقاته مع قادة هذه الدول ومسؤوليها لخدمة المملكة العربية السعودية».
وحينما تولى أخوه الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز مقاليد الحكم كان الملك سلمان حاضرا يشد من عضد أخيه لينطلق نحو موسكو عام 2006 ليجري مباحثات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وليسلمه رسالة من أخيه الملك عبد الله بن عبد العزيز تتناول تطورات الوضع في المنطقة والعلاقات السعودية – الروسية، وحينما انتهى من هذه المهمة انطلق نحو قضية العرب الكبرى مجتمعا بالرئيس الفلسطيني محمود عباس لبحث الأزمة الفلسطينية، وليستمر على هذا النهج في مواصلة الذود والدفاع عن مصالح بلاده والأمة العربية والإسلامية وتقديم الاستشارة لإخوته الملوك، حتى تولى وزارة الدفاع عام 2011. لتستمر أداوره السياسية مستقبلا ومجتمعا ومناقشا مع الوفود السياسة التي يستقبلها في قضايا الأمة.
وفي عام 2012 انطلق الملك سلمان نحو الولايات المتحدة الأميركية ليلتقي الرئيس الأميركي باراك أوباما في البيت الأبيض وتم خلال اللقاء استعراض العلاقات الثنائية بين البلدين بالإضافة إلى بحث جملة من الموضوعات الثنائية والإقليمية محل الاهتمام المشترك، إضافة إلى وزير الدفاع الأميركي، ليجتمع بعدها بالأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ليستعرضا آخر التطورات على الساحتين الإقليمية والدولية، استمرت مهام الملك سلمان السياسية ليتوجه إلى مدريد ليقابل الملك خوان كارلوس ملك مملكة إسبانيا في قصر زار زويلا في مدريد.
وحينما تولى مهام ولاية العهد عام 2012 استمر الملك سلمان يقود مهام بلاده السياسية مفتتحا أعمال القمة الاقتصادية الثالثة نيابة عن أخيه الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، ومن ثم مترئسا وفد بلاده إلى أعمال مؤتمر القمة الإسلامية الثانية عشرة بالقاهرة، ومن ثم زائرا الرئيس عبد الله غل رئيس الجمهورية التركية، ومن ثم ممثلا لبلاده في الدورة الرابعة والثلاثين للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في دولة الكويت، لتستمر زيارات الملك سلمان أثناء ولايته للعهد إلى الشرق بين باكستان واليابان والصين.
أصبحت المهام السياسية التي تولاها الملك سلمان بشكل يومي ما بين بحث الوضع السوري مع رئيس الائتلاف الوطني السوري، أحمد الجربا، والمشاركة في حفل تنصيب الرئيس المصري المنتخب عبد الفتاح السيسي، إلى جانب عدد من القادة الخليجيين والعرب وممثلي الدول الأجنبية، وملتقيا وزير الخارجية الإيراني ليعلن الطرفان رغبة البلدين استقرار المنطقة، بعدها التقى الرئيس الفرنسي لبحث ملف الإرهاب وأزمات المنطقة وصفقة الأسلحة الفرنسية للجيش اللبناني.
استمر الملك سلمان يقوم بواجبه ومهامه في المشهد السياسي بشكل يومي متابعا ومناقشا ومجتمعا وزائرا للقيادات السياسية والتي كان آخرها تمثيل بلاده في قمة العشرين بأستراليا نيابة عن الملك الراحل عبد الله، والتقى خلالها رئيس وزراء أستراليا توني أبوت، والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ورئيسة صندوق النقد الدولي كرستين لاغارد، كل على حدة، والرئيس فرنسوا هولاند رئيس الجمهورية الفرنسية، ورئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون، ومستشارة ألمانيا الاتحادية، أنجيلا ميركل. ورئيسة كوريا الجنوبية، بارك كون هاي، ورئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، ورئيس الوزراء السنغافوري، لي هسين لونج، كل على حدة. ولم يغفل الملك سلمان خلال اجتماعاته المتعددة أن يناقش القضايا الإقليمية والدولية مع زعماء تلك الدول المحورية.
وحينما وقف ابن مدينة تكساس الرئيس الأميركي السابق جورج بوش خلال زيارته لمركز الملك عبد العزيز للسعودية في العاصمة السعودية الرياض عام 2008 أمام صورة تحكي نشأة الدولة السعودية الأولى والثانية والثالثة برفقة الملك سلمان بن عبد العزيز حينما كان أميرا للرياض، استوقفه الملك سلمان قائلا له «هذه الدولة قامت على العقيدة الإسلامية، ولن تزال إلا بعد أن تتخلى عن عقيدتها» كانت رسالة سياسية من الملك سلمان للرئيس الأميركي أن هذه الدولة قامت على الشريعة الإسلامية ولن تحيد عنها وأن وجودها مرتبط بالعقيدة الإسلامية. وهو ما يؤكده باستمرار أن 3 أساسيات لا يقبل فيها الصفح ولا الشفاعة وهي ما تمس الدين وأمن الوطن، وحقوق الناس ودماؤهم وأعراضهم. وهنا يقول الدكتور العسكر «آراؤه السياسية واضحة من خلال تصريحاته وخاصة عندما أصبح وليا للعهد ولديه أفكار ورؤى وفلسفة في السياسة»، مشيرا إلى أن نظرية «المصالح» التي تعتد في السياسة وهي نظرية توجه البوصلة السياسية، لا يميل لها الملك سلمان كونه يميل إلى المدرسة الكلاسيكية وهي التي لا تغفل المصالح لكن لا تغفل أيضا الصدق والشفافية والمبادئ.



محمد بن سلمان وماكرون يعقدان اجتماعاً ثنائياً بقصر الإليزيه

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال اجتماع ثنائي بقصر الإليزيه في باريس الاثنين (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال اجتماع ثنائي بقصر الإليزيه في باريس الاثنين (واس)
TT

محمد بن سلمان وماكرون يعقدان اجتماعاً ثنائياً بقصر الإليزيه

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال اجتماع ثنائي بقصر الإليزيه في باريس الاثنين (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال اجتماع ثنائي بقصر الإليزيه في باريس الاثنين (واس)

عقد الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، اجتماعاً ثنائياً مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بقصر الإليزيه في باريس، الاثنين.

واستقبل الرئيس الفرنسي، بقصر الإليزيه، ولي العهد السعودي، الذي يجري زيارة دولة إلى باريس، بتوجيه من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، واستجابة لدعوة ماكرون.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لدى اجتماعه مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بقصر الإليزيه (واس)

وتحمل زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس أهمية سياسية واستراتيجية في ظل تنامي العلاقات السعودية - الفرنسية، واتساع مجالات التعاون بين البلدين.

كان لقاء ودي جمع ولي العهد السعودي والرئيس الفرنسي، بقصر الإليزيه، مساء الأحد، كما شهدا تتويج أبطال النسخة الثالثة من «كأس العالم للرياضات الإلكترونية 2026».


نمو الاقتصاد السعودي... عامل جذب للاستثمارات الأجنبية

السعودية وفرنسا عززتا التعاون الثقافي بـ9 برامج تنفيذية خلال زيارة الرئيس الفرنسي في ديسمبر 2024 (واس)
السعودية وفرنسا عززتا التعاون الثقافي بـ9 برامج تنفيذية خلال زيارة الرئيس الفرنسي في ديسمبر 2024 (واس)
TT

نمو الاقتصاد السعودي... عامل جذب للاستثمارات الأجنبية

السعودية وفرنسا عززتا التعاون الثقافي بـ9 برامج تنفيذية خلال زيارة الرئيس الفرنسي في ديسمبر 2024 (واس)
السعودية وفرنسا عززتا التعاون الثقافي بـ9 برامج تنفيذية خلال زيارة الرئيس الفرنسي في ديسمبر 2024 (واس)

استبق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لقاءه بالأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، بتغريدة ترحيب جاء فيها: «تمثل زيارة ولي العهد السعودي إلى فرنسا مرحلة مهمة. فإزاء التحديات التي تشهدها المنطقة، عملت فرنسا والسعودية من أجل تعزيز السلام والاستقرار، وهما تواصلان التشاور من أجل هذا الغرض. إن شراكتنا تنهض على العمل؛ أكان في المشاريع الكبرى أو في التكنولوجيات المتقدمة، أو الاستثمارات والفعاليات الدولية، مثل كأس العالم للرياضات الإلكترونية التي جرت هذا الصيف. لقد حققنا معاً الكثير، ونريد أن نذهب أبعد من ذلك».

وكتب ماكرون في تغريدة ثانية أن فرنسا الفخورة باستضافتها كأس العالم للرياضات الإلكترونية «بطلب من السعودية» ترى أن هذا النجاح «ثمرة طموحنا المشترك مع المملكة السعودية، من أجل تطوير وتقريب المواهب والبلدين بعضهما من بعض».

طموحات اقتصادية مشتركة

لا تعكس كلمات ماكرون واقع الحال للعلاقات السعودية- الفرنسية فحسب؛ بل والطموحات أيضاً. فالمعطيات والأرقام من الجانبين السعودي والفرنسي تبين أن العلاقات الاقتصادية بينهما -بالمعنى الواسع للكلمة، وبما يشمل كل الأنشطة التي لها جانب اقتصادي- مزدهرة وتتجه تصاعدياً. ولكن الطرفين يطمحان إلى دفعها إلى الأمام.

ومن أهداف زيارة الأمير محمد بن سلمان الحالية إلى باريس، تسريع بلوغ الطموحات المتبادلة؛ خصوصاً أن الاجتماع الأول لمجلس الشراكة الاستراتيجية بين الطرفين الذي رأى النور نهاية عام 2024، وعقد اجتماعه الأول اليوم (الاثنين) في قصر الإليزيه برئاسة ولي العهد والرئيس الفرنسي، يشكل الرافعة الضرورية لتحقيق الأهداف المشتركة.

وما كان لهذه الطموحات أن تتحقق لولا توفُّر العناصر الضرورية من الجانبين، والرغبة المشتركة في بلوغ الأهداف المرجوة.

تتعين الإشارة كذلك إلى أن الاقتصاد السعودي الذي يتجه بقوة نحو قطاعات استراتيجية جديدة، يبحث عن شراكات واعدة تنضم إلى ما نُسج بين الطرفين في العقود الماضية. وبكلام آخر، فإن البحث اليوم عن كيفية إطلاق الاقتصاد الجديد (وعناوينه: الذكاء الاصطناعي، والعالم الرقمي، والأنشطة الصناعية الإبداعية وعديمة الكربون، واحترام البيئة) يشكل الطموحات التي تسعى «رؤية 2030» لبلوغها.

ومن الجانب الفرنسي، ثمة رغبة في أن تتوافق الأجندات السعودية والفرنسية، استعداداً لمواكبة المشاريع الكبرى التي تسير فيها السعودية، إلى جانب ما تحقق حتى الآن ما بين الجانبين.

الذهاب نحو «الاقتصاد الجديد»

تركز الورقة المسماة «إحاطة إعلامية» الصادرة عن وزارة الاستثمار السعودية، على مكامن القوة في الاقتصاد السعودي -وهي كثيرة- وما يحتضنه من محفزات توفر الضمانات التي يريدها المستثمر القادر على الاستفادة من أكبر اقتصادات المنطقة.

وفي جردة لما هو قائم بين الطرفين اليوم، تبيِّن الورقة السعودية أن حجم المبادلات التجارية بين البلدين بلغ العام الماضي 10.1 مليار يورو، بزيادة 7.2 في المائة عن العام السابق. أما الاستثمارات الفرنسية المباشرة في الاقتصاد السعودي فقد بلغ رصيدها في عام 2024 ما يزيد على 16 مليار يورو، موزعة على 18 قطاعاً، وتشمل 651 ترخيصاً.

واللافت أن الرئيس الفرنسي يستثمر كل فرصة متوفِّرة لدعوة الطرف السعودي للاستثمار في الاقتصاد الفرنسي، كما يدعو المستثمرين الفرنسيين للذهاب إلى السعودية، لما تزخر به من فرص واعدة.

وقالت مصادر رئاسية في معرض تقديمها لزيارة ولي العهد، إنها تأمل أن يكون افتتاح مكتب لصندوق الاستثمار السعودي في باريس مقدمة لرفع رصيد الاستثمارات السعودية الضعيف نسبياً. ومن جانبها، تروج باريس لقدرات اقتصادها على اجتذاب الاستثمارات الأجنبية، وتذكِّر بأن فرنسا تحولت في السنوات الأخيرة إلى قطب جاذب للاستثمارات الدولية.

ووفق وكالة التصنيف الدولية «أرنست أند يونغ» في تقريرها لعام 2026، فإن فرنسا احتلت -للسنة السابعة على التوالي- المرتبة الأولى في أوروبا كوجهة لمشاريع الاستثمار الدولية؛ حيث اجتذبت العام الماضي 852 مشروعاً، متفوقة على بريطانيا (730 مشروعاً) وعلى ألمانيا (548 مشروعاً). أما مجمل المشاريع الاستثمارية للدول الأوروبية الـ47 فقد بلغ 5026 مشروعاً.

النمو الاقتصادي عامل جذب

حقيقة الأمر أن منتدى رجال الأعمال الذي التأم في باريس، الاثنين، في 3 ورش عمل، واختتم بحضور ولي العهد والرئيس ماكرون، كان هدفه الأول التركيز على الاستثمارات وعلى الفرص الجديدة للطرفين. واللافت كان الحضور الفرنسي الواسع؛ حيث تلاقى مسؤولو الشركات الفرنسية الكبرى مع نظرائهم من الجانب السعودي.

وحتى اليوم، يتركز الحضور الفرنسي في قطاعات: الطاقة، والمياه، والنقل، والخدمات اللوجستية، والبناء والتشييد، والضيافة، والصحة. غير أن الأمور أخذت تتغير. وتلحظ الورقة السعودية أن دخول شركات فرنسية جديدة إلى السوق السعودية يساهم في دفع الاستثمارات إلى قطاعات جديدة، مثل: الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الرقمية، والثقافة، والصناعات الإبداعية، والتعدين.

وتفيد الأرقام المتوفَّرة بأن صندوق الاستثمارات العامة السعودي ضخ نحو 7.36 مليار يورو في فرنسا بين 2017 و2024، بما يدعم نحو 29 ألف وظيفة. كذلك، فإن مذكرة التفاهم التمويلية بين صندوق الاستثمارات العامة ومجموعة «بي بي إي فرنس» الحكومية، وضعت إطاراً لضخ 8.56 مليار يورو من الاستثمارات الجديدة.

«رؤية» فرنسية

وأجرت «الشرق الأوسط» مجموعة من الحوارات مع مسؤولي شركات فرنسية وسعودية. وقال لوران جيرمان، المدير العام لمجموعة «إيجيس» الفاعلة في حقل الاستشارات الهندسية للبنى التحتية والتنظيم الحضري، إنه يحضر منتدى رجال الأعمال لسببين: الأول، للقاء كثير من زبائنه الذين حضروا إلى باريس بهذه المناسبة. والثاني، للنظر في إمكانية الفوز بمشاريع جديدة. وأفاد جيرمان بأن شركته التي حصدت 300 مليون يورو من أنشطتها في السعودية، تستخدم 1700 متعاون غالبيتهم سعوديون، تجاوباً مع عملية السعودة التي تسعى إليها الحكومة. وبنظره، فإن الاقتصاد السعودي جذاب للغاية؛ إذ إنه يحقق نسبة نمو تصل إلى 4 في المائة، وهي أعلى من المعدلات العالمية. ولذا، فإن شركته عازمة على مزيد من الاستثمارات في السعودية، وتريد بدورها مواكبة «رؤية 2030» التي أُطلقت قبل 10 أعوام. ومن المشاريع الأخرى التي عملت فيها «إيجيس»: القدية، والدرعية، والعلا، إضافة إلى مترو الرياض.

من جانبها، قالت فلورانس فيرزيلين، نائبة الرئيس التنفيذي لشركة «EMER» المتفرعة عن مجموعة «داسو سيستمز»، إن مجموعتها مهتمة تماماً بالسوق السعودية للسبب الذي ذكره لوران جيرمان، وهي أن نسبة النمو الاقتصادي في السعودية هي الأكثر ارتفاعاً في المنطقة الخليجية، وأيضاً على المستوى العالمي.

وحسب فلورانس فيرزيلين، فإن شركتها الكبرى التي تصل مبيعاتها إلى 5 مليارات يورو، تركز على الرقمنة والذكاء الاصطناعي، من أجل تصور مجسمات افتراضية تساعد على تسريع الانتقال إلى الإنتاج الحقيقي. ولذا، فإن المجموعة التي تنتمي إليها تعمل من أجل إنتاج الطائرات والسيارات الكهربائية، وإنشاء البنى التحتية والمشاريع النووية، وأيضاً إنتاج الأدوية. أما زبائنها في السعودية فأولهم شركة «أرامكو»، ثم السكك الحديدية، ونيوم، والعلا، وشركات الإنتاج الغذائي، ولها بعض الأنشطة في المجال الدفاعي. ونوَّهت بإدراك السعودية أهمية الاقتصاد الرقمي، وكيفية الاستفادة منه في التطبيقات العملية.


استقبال رسمي فرنسي لولي العهد السعودي في «الإليزيه» و«الإنفاليد»

TT

استقبال رسمي فرنسي لولي العهد السعودي في «الإليزيه» و«الإنفاليد»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى استقباله ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الإليزيه (واس)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى استقباله ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الإليزيه (واس)

استقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بقصر الإليزيه في باريس، الاثنين، الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، الذي يجري زيارة دولة إلى فرنسا.

وكان الأمير محمد بن سلمان زار، خلال وقت سابق، الاثنين، قصر الإنفاليد في باريس، حيث جرت له مراسم استقبال رسمية لدى وصول موكبه إلى ساحة الشرف، واستقبله رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو.

ورافقت ولي العهد السعودي مجموعة من الخيالة التابعة للحرس الجمهوري الفرنسي ودراجات نارية استعراضية ترحيباً بزيارته، ثم عزف السلام الملكي السعودي والنشيد الوطني الفرنسي.

واستعرض حرس الشرف الذي اصطف تحية للأمير محمد بن سلمان، وعرَّف قائد الحرس بالوحدات العسكرية المشاركة في مراسم الاستقبال، قبل أن يصافح ولي العهد السعودي الوزراء وكبار المسؤولين في الحكومة الفرنسية، فيما صافح ليكورنو الأمراء والوزراء السعوديين.

وبدأ الأمير محمد بن سلمان، الأحد، زيارته الرسمية بلقاء ثنائي مع الرئيس ماكرون في قصر الإليزيه، أعقبه حضور الحفل الختامي لبطولة كأس العالم للرياضات الإلكترونية 2026 التي استضافتها العاصمة الفرنسية باريس.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الإليزيه (واس)

وشهد ولي العهد السعودي، بحضور الرئيس الفرنسي، تتويج نادي «إيه جي. إيه إل» بلقب بطولة كأس العالم للرياضات الإلكترونية 2026، في نسختها الثالثة التي تقام خارج السعودية للمرة الأولى.

وتحمل زيارة الدولة التي يقوم بها الأمير محمد بن سلمان إلى باريس، بتوجيه من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، واستجابة لدعوة الرئيس ماكرون، أهمية سياسية واستراتيجية في ظل تنامي العلاقات السعودية - الفرنسية، واتساع مجالات التعاون بين البلدين.

مراسم استقبال عسكرية لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في ساحة الشرف بمتحف الجيش الفرنسي (واس)

بدوره، أكد ماكرون أن زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا تكتسب أهمية استراتيجية بالغة، عاداً إياها خطوة بارزة ومهمة في مسار العلاقات الثنائية ولتعزيز السلام والاستقرار.

وقال الرئيس الفرنسي، في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»، إنه «في ظل ما تشهده المنطقة من تحديات راهنة، دأبت فرنسا والسعودية دائماً على العمل معاً لتعزيز السلام والاستقرار، وستواصلان مشاوراتهما في هذا الصدد».

دراجات نارية استعراضية رافقت ولي العهد السعودي ترحيباً بزيارته في قصر الإنفاليد (واس)

وأشار ماكرون إلى أن شراكة السعودية وفرنسا تُبنى من خلال العمل الملموس عبر المشاريع الكبرى، والتقنيات المتطورة، والاستثمارات المتبادلة، والفعاليات الدولية المشتركة، مثل كأس العالم للرياضات الإلكترونية في باريس، مضيفاً: «لقد أنجزنا بالفعل الكثير معاً، وبإمكاننا المضي قدماً نحو آفاق أبعد».

ونوَّه قصر الإليزيه، في وقت سابق، بأن الزيارة تعكس «حيوية الحوار» بين البلدين، وتتيح تعزيز الشراكة الاستراتيجية، مشيراً إلى أن الأمير محمد بن سلمان وماكرون سيعقدان، للمرة الأولى، اجتماع مجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي - الفرنسي.