يوسف الصائغ... التركة الضائعة

خلّف مذكرات بألف صفحة ومخطوطات غير مطبوعة

يوسف الصائغ -  جميل صدقي الزهاوي
يوسف الصائغ - جميل صدقي الزهاوي
TT

يوسف الصائغ... التركة الضائعة

يوسف الصائغ -  جميل صدقي الزهاوي
يوسف الصائغ - جميل صدقي الزهاوي

ربما يكون الشاعر العراقي يوسف الصائغ أكثر حظاً من غيره من شعراء وكتاب العراق ومفكريه. نعم، هو كذلك؛ فمصير كتبه يختلف عن مصير كتب الزهاوي مثلاً، التي سلمتها عجوز كانت تستضيفه أحياناً بمنطقة الصابونية (الميدان)، وسط بغداد، لشاب وجدته يشبه صاحبها في أزمنة سابقة. فلما رفضت وزارة الثقافة، نهاية السبعينيات، تسلم مخطوطات الزهاوي من ذلك الشاب بحجة أن المخطوطة لا تعد تراثاً إلا بعد مضي مائتي عام من تأليفها، أخذها ذلك الشباب معه في رحلة التشرد هرباً من بطش النظام وقتها. وبطريقة وأخرى وصلت تلك المخطوطات لدور النشر. راوي القصة وشاهدها، د. عاصم عبد الأمير، يقول إنه كان يسمع إذاعة «مونت كارلو»، نهاية التسعينيات، ثم تصدر، فجأة، خبر ظهور مخطوطات الزهاوي نشرة الأخبار. قصة يوسف الصائغ مع كتبه مختلفة؛ فهو قد طبع كتبه في الشعر والرواية والمسرح في حياته، وحظي بسمعة كبيرة ومكانة مرموقة في الشعر والأدب العراقي والعربي عامة بسببها، مثل الزهاوي. ولا مقارنة بينهما مطلقاً سوى في المصائر التعيسة لحياتهما، أولاً، ولنتاجهما الأدبي ثانياً. لا يجد الزهاوي أحداً يترك عنده مخطوطات كتبه سوى امرأة مجهولة لا نعرف عنها أمراً يستحق الذكر سوى ما ذكره شاهد القصة الوحيد، فيما يترك يوسف الصائغ ما لم يطبعه من مخطوطات لدى راويته أثير محمد شهاب. تختلف قصة الصائغ؛ في الأقل إنه قد ترك مخطوطاته الثلاث لدى شخص معروف لدينا.
ثلاث مخطوطات سلمها يوسف الصائغ لأثير محمد شهاب عام 2002. قال له احتفظ بها عندك. المخطوطات الثلاث عبارة عن رواية بلا عنوان، ومجموعة شعرية (بلا عنوان أيضاً. وثمة من يقول إن هيثم فتح الله عزيزة قد طبع هذه المجموعة، لكن ابنة الصائغ لم تقتنع بها، فلم تُوزع) ضمنها الصائغ عدداً من قصائده غير المنشورة، وقصائد منتخبة من مجاميعه السابقة المنشورة. وهناك جزء ثالث من «الاعتراف الأخير»، وهي المخطوطة الوحيدة التي حملت عنواناً صريحاً وواضحاً لا لبس به. هل هذا كل شيء؟
يجزم لنا راويته أن القصة لم تنته بهذه المخطوطات الثلاث؛ فلديه مذكرات تقول زوجته الرابعة السيدة صباح الخفاجي إنها زادت عن ألف صفحة. ومعها مجموعة قصص موجودة عندها أيضاً. وهناك مخطوط كتاب نشر بحلقات في جريدة «الأديب» الأسبوعية، وهي بعنوان «أنا والشعر والشعراء». ولا تنتهي تركة الصائغ من دون ذكر كم كبيٍر تجاوز الألف من التخطيطات، تتعلق بموضوعات شغلت العراقيين، منها مائة وخمسون تخطيطاً عن أداة الإنارة القديمة لدى العراقيين والمعروفة بـ«اللالة»، فضلاً عن مساحة محترمة للجسد في تخطيطاته. هذه التخطيطات موزعة بين السيد هيثم فتح الله عزيزة وشقيقته «جانيت». نحن، إذن، إزاء تركة ضخمة غير منشورة، ثلاث مخطوطات موجودة وبخط الصائغ، فيما مخطوطتا المذكرات والقصص لا نعرف عنهما أمراً ذا بال، وكذلك الحال مع التخطيطات. فهل انتهى حصر التركة؟ يهز أثير محمد شهاب رافضاً هذا التصنيف والحصر الأخير لتركة الصائغ. فماذا بقي؟ لقد بقي، كما يشدد راويته، أمران. الأول، أنني لست متأكداً أن ما لدينا هو كل ما كتبه الصائغ؛ فربما أعطى لمن يثق به مخطوطات أخرى. وهذه «الأخرى» تتعلق بنسخ مختلفة من المخطوطات الثلاث. وتتصل كذلك بمخطوطات لا نعرف عنها أمراً. والثاني، أن هناك طبعات مختلفة، ربما، عن حياة الصائغ تتعارض مع ما أعرفه أنا مثلاً. فهل كان يوسف الصائغ يتعمد تضليل الآخرين؟ كلا، إنما لدى الصائغ قدرة لافتة على تقديم حياته بطرائق مختلفة، فلو قُدر لك أن تسمع رواية الفنان مقداد عبد الرضا عنه، فستجد نسخة مختلفة عن الصائغ. فكم نسخة لدينا عن الصائغ؟ يجيب راويته: ثمة نسخ كثيرة من الصائغ، ومثلها تركته ذات النسخ المتعددة.
ولكن لِم لم يدفع الصائغ هذه المخطوطات للنشر في حياته، لا سيما أنه كان شخصية ثقافية نافذة، وكانت لديه مقالات ثابتة في المجلات والصحف العراقية الصادرة آنذاك؟ لماذا تركها خلفه؟ المخطوطات الثلاث تحمل أو تحيل ضمناً إلى تواريخ بعيدة عن لحظة رحيله. الرواية مثلاً مؤرخة بتاريخ «الثلاثاء 27\5\1980»، فيما يرد في الجزء الثالث من الاعتراف الأخير ما يفيد بأنها كتبت قبل عام 1995؛ لماذا هذا التاريخ بالتحديد؟ لأن الصائغ يذكر في كتابه أستاذه بدار المعلمين العالي الدكتور صفاء خلوصي، ويدعو له بطول العمر، والمعروف أن «خلوصي» قد رحل عن دنيانا عام 1995. تبقى المجموعة الشعرية فلا تاريخ يحيل إليه سوى ما ذكره أثير محمد شهاب؛ إنه قد تسلمها منه عام 2002. فلماذا أحجم الصائغ، إذن، عن نشر ما لدينا الآن من مخطوطات كتبه في حياته؟ وقد يكون السؤال أكثر تراجيدية عندما نسأل عن مغزى أن يترك الصائغ مصير كتبه غير المطبوعة بيد غيره؟
ربما نجد بعض الإجابة في مخطوطة الرواية؛ فهي بلا عنوان، وليس لدي تفسير مقنع لتغييب العنوان سوى أن الصائغ ربما كان يتحرج من عنوان ذي طبيعة إشهارية تفرض على روايته تأويلاً مسبقاً. هل هذا كل شيء؟ كلا، فمن يقرأ الرواية يجد أنها تقع في خطأ فادح لا يصدر مطلقاً من كاتب وشاعر مثل يوسف الصائغ. يتعلق هذا الخطأ بالتسلسل الزمني لأحداث الرواية، نتحدث عن حوار جرى بين ضياء وهيام، ثم يرد ذكر طفل ضياء وسلوى «سمير»، ثم نعرف أن «سمير» قد ولد لاحقاً على حدث اللقاء بين ضياء وهيام. فكيف يقع الصائغ بهذا الخطأ؟ كيف لرواية تمكث عنده اثنين وعشرين عاماً، ولا يعود إليها مصححاً؟ هل هناك نسخة أخرى من الرواية جرى فيها تصحيح هذا الخطأ، وهذا ما يفترضه راويته أثير محمد شهاب، ويضيف: «لقد اختفت الرواية عندما سلمها لأحدهم، وهو يطلب منه نشرها، وضاع عنوان الشخص، واختفت الرواية، وذات يوم وجد الصائغ المخطوطة».
نبقى في سياق الرواية، أو ما سماه الصائغ نفسه «رواية»، فهي أقرب إلى الحوارية منها إلى الرواية بالمعنى الذي اعتمده الصائغ نفسه في كتابة رواياته الثلاث المطبوعة في حياته «اللعبة والمسافة والسرداب 2». فهل كان عدم قناعته بمستوى «الرواية» وراء عدم نشرها وبقائها مخطوطة طيلة عقدين كاملين ويزيد؟
ربما، لكنني أعتقد أن «الرواية» تعيد تأويل مشكلة الصائغ السياسية. كيف؟ تكرر الرواية التيمات الرئيسة في أدب الصائغ كله: الضحية، والخيانة، والاعتراف، وإلى حد ما إشكالية المسيحي الذي يصبح مسلماً ليتزوج ممن يحب «لم يكن الصائغ متديناً، ولم يشكل الدين عنده قضية كبيرة، ولم يضيره مطلقاً أن يتزوج من مسلمتين، وقد يعني هذا الأمر أنه صار مسلماً؛ بحكم القوانين النافذة في هذه القضية». تتمركز الرواية حول خيانة ضياء لزوجته سلوى مع صديقتها هيام. تعيد الرواية توظيف الخيانة الزوجية فتعطيها بعداً ومعنى يتصل بزمن كتابة الرواية عام 1980 المنفتح على علاقة الصائغ بالحزب الشيوعي العراقي، وما ترتب على صعود الديكتاتور وتصفية الشيوعيين. من يقرأ مخطوطة «الرواية» سيجد أن أقرب شخصيات الرواية إلى الصائغ هي «سلوى» التي يخونها الجميع زوجها وصديقتها، فتجد نفسها في مشكلة كبرى؛ فلا هي قادرة على الانفصال عن زوجها، ولا هي قادرة على مواصلة الحياة معه كما لو أن شيئاً لم يقع. تنتهي الرواية بسؤال ضياء المقتضب لزوجته، رداً على رغبتها بالانتقام لكرامتها بقولها إن من حقها كذلك أن تخونه: «وستخوينني؟»، فتجيبه سلوى «كلا... كيف يخيل لك أني يمكن أن أخونك... إنني أحبك يا ضياء... إنني أحبك والمحبون لا يخونون...». هل أريد القول إن مخطوطة «الرواية» تقدم قراءة مختلفة لمقال الصائغ الشهير «مقدمة لقصيدة عن حب فاشل»، التي أعلن فيها انفصاله عن الحزب الشيوعي الراقي، مع أن مخطوطة الرواية كتبت قبل المقال بثلاثة أعوام؟ نعم، أزعم أن الأمر كذلك.
المخطوطات الثلاث المكتوبة بخط الصائغ هي الآن بعهدة علي وجيه، بعد أن سلمها أثير محمد شهاب له، ووجيه هو من سيتولى طباعتها، بعد موافقة عائلة الصائغ، فما وصلني منها مجرد نسخ مطبوعة على الحاسبة. ولو قدر لي أن أكون صاحب قرار فيما يخص نشر هذه المخطوطات، فإنني سأحجب مخطوطة «الرواية» عن النشر، وأتركها في مكان يسمح للباحثين بقراءتها أو العودة إليها؛ فهي لا تقدم إضافة حقيقية لأدب الصائغ، إنما تضيء حقبة مهمة من حياته يجري تأويلها اعتماداً على ما كتبه الصائغ نفسه في ظروف ملتبسة جداً، ثم ما كتبه من سماهم روايته «إخوة يوسف» عنه، لا سيما بعد رحيله. تنسجم هذه الرغبة مع عدم وجود وصية خاصة من الصائغ لراويته أو غيره بنشر مخطوطاته. سألت أثير محمد شهاب: هل أوصاك الصائغ بنشر مخطوطاته؟ أجاب: لا، لكنه لو كان حياً لما اعترض. ولم يقل إن ماكس برود، القائم على تنفيذ وصية كافكا، قد فعل خيراً عندما لم يحقق رغبة صديقه بحرق كتبه. ثم أضاف: سيكون الصائغ سعيداً في قبره بعد نشر المخطوطات. وكدت لحظتها أن أعقب على جملته الأخيرة: نعم، يشعر الزهاوي بالامتنان لوفاء صاحبته له؛ فقد حفظت تراثه، وهو ما تنكرت له دولة كاملة بمؤسستها المختلفة.

* أكاديمي وناقد عراقي



السعودية: إنقاذ حياة 12 مريضاً بأعضاء 5 متوفين دماغياً

نجح المركز في التنسيق لإجراء 5 عمليات استئصال أعضاء من متبرعين متوفين دماغياً (واس)
نجح المركز في التنسيق لإجراء 5 عمليات استئصال أعضاء من متبرعين متوفين دماغياً (واس)
TT

السعودية: إنقاذ حياة 12 مريضاً بأعضاء 5 متوفين دماغياً

نجح المركز في التنسيق لإجراء 5 عمليات استئصال أعضاء من متبرعين متوفين دماغياً (واس)
نجح المركز في التنسيق لإجراء 5 عمليات استئصال أعضاء من متبرعين متوفين دماغياً (واس)

أسهم فريق المركز السعودي لزراعة الأعضاء في إنقاذ حياة اثني عشر مريضاً بينهم أربعة أطفال، وإنهاء معاناتهم مع أمراض الفشل العضوي، وإعادة البهجة والسرور إلى أسرهم، بعد نجاحه في التنسيق لإجراء 5 عمليات استئصال أعضاء من متبرعين متوفين دماغياً، بينها أربعة عمليات خلال 48 ساعة فقط، بالتعاون مع جهات طبية داخل المملكة وخارجها.

وأُجريت عمليتَي زراعة قلب؛ إحداها لطفل أسهمت في إنهاء معاناة مريضين مع الفشل القلبي، وزراعتًي كبد لمريضين آخرين بينهم طفل عانى من الفشل الكبدي، وأُخريين لزراعة رئتين لمريضين آخرين، بالإضافة إلى 6 عمليات زراعة كلى أنهت معاناة طفلين وأربعة مرضى آخرين مع أمراض الفشل الكلوي وجلسات الغسيل.

وأوضح الدكتور طلال القوفي، المدير العام للمركز، أن توزيع الأعضاء تم وفق الأخلاقيات الطبية، بما يضمن عدالة التوزيع حسب الأولويات الطبية للمرضى، مضيفاً أن هذا النجاح جاء نتيجة للتعاون والتنسيق المشترك بين مختلف الجهات المعنية.

وأشاد القوفي بالجهود المبذولة من إدارة الإخلاء الطبي الجوي، والفرق الطبية المشاركة في تلك الحالات داخل السعودية وخارجها، مُعبِّراً عن عظيم امتنانه لعوائل المتبرعين الذين آثروا التبرع بأعضاء ذويهم، سائلاً الله أن يجزيهم خير الجزاء في الدنيا والآخرة.

وتَعاوَن المركز على تنفيذ هذه الخطوة مع جهات طبية في كل من مستشفيات: «الملك عبد الله» في بيشة، و«الملك فهد» بالهفوف، «والولادة والأطفال» بأبها، بالإضافة إلى البرنامج الإماراتي للتبرع وزراعة الأعضاء والأنسجة البشرية «حياة» ضمن برنامج تبادل الأعضاء بين دول الخليج.

وتعدّ زراعة الأعضاء الحل الوحيد لمرضى الفشل العضوي النهائي، حيث تنبثق أهميتها من تقليص قوائم انتظار المرضى الذين ليس لهم حل أو أمل في العلاج بعد مشيئة الله؛ إلا من خلال إجراء عملية زراعة عضو جديد لهم. ويستطيع الأشخاص التسجيل في «برنامج التبرّع بالأعضاء» أو التراجع عنه عبر منصة «توكلنا».


احتفالات صاخبة بانتهاء «الثانوية العامة» في مصر ورسائل تتجاوز الفرح

احتفالات الطلبة والأهالي بانتهاء الثانوية العامة في مصر (متداولة على «إكس»)
احتفالات الطلبة والأهالي بانتهاء الثانوية العامة في مصر (متداولة على «إكس»)
TT

احتفالات صاخبة بانتهاء «الثانوية العامة» في مصر ورسائل تتجاوز الفرح

احتفالات الطلبة والأهالي بانتهاء الثانوية العامة في مصر (متداولة على «إكس»)
احتفالات الطلبة والأهالي بانتهاء الثانوية العامة في مصر (متداولة على «إكس»)

للوهلة الأولى، قد يظنُّ مَن يتابع المشهد أنه أمام حفل زفاف، أو احتفال بتحقيق رقم قياسي عالمي، أو بصعود فريق محلي إلى دوري الأضواء، لكن المفاجأة أنّ هذه المَشاهد كانت لطلاب يُعبّرون عن فرحتهم بانتهاء امتحانات الثانوية العامة.

وشهدت محافظات ومدن مصرية عدة هذه الاحتفالات، إذ استأجر بعض الطلاب فرقاً موسيقية شعبية تعزف على الطبول و«المزمار البلدي»، بمشاركة دراجات نارية تؤدّي حركات استعراضية، فيما اكتفت بعض الطالبات باستقبال باقات الورود وكلمات التهنئة.

وشملت الاحتفالات عروض الغوريلا، ورشّ الملح، وإطلاق الألعاب النارية، وسط الزغاريد والهتافات، في مناطق مختلفة من القاهرة، والإسكندرية، وكفر الشيخ، والإسماعيلية، والغربية، والأقصر، وبنها، وجنوب سيناء.

ولفت ظهور إحدى الأمهات في مقطع فيديو بمحافظة الإسماعيلية وهي تحطم «القُلة»، وهي إناء فخاري مخصص لحفظ مياه الشرب، في تقليد شعبي يُعبّر عن التخلّص من أزمة مؤرقة، فيما أهدت أم في محافظة المنوفية ابنتها هاتف «آيفون بروماكس 17».

الطالبات استقبلن الورود والهدايا (متداولة على «إكس»)

ويرى خبراء ومتخصّصون أنّ هذه الاحتفالات تعكس «حجماً غير مسبوق من الضغوط والتوتّر» المصاحبَيْن لامتحانات الثانوية العامة في مصر، إلى حدّ جعل مجرد انتهائها مناسبة تستحق الاحتفال، بصرف النظر عن النتيجة المُرتَقبة بعد نحو أسبوعين.

وعدَّ الخبير التربوي الدكتور تامر شوقي هذه المظاهر «مؤشّراً على حجم الأزمة التي يعيشها المجتمع المصري، بعدما تحوَّلت الثانوية العامة إلى ما يشبه الكابوس الذي يُلقي بظلاله على الطالب والأسرة طوال مدّة الامتحانات، ويتجسَّد في كمٍّ غير طبيعي من التوتر والخوف والقلق، وهو ما يفسر انفجار الفرحة بهذا الشكل بمجرّد انتهائه».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنّ «هناك عوامل أسهمت في تحول هذه الشهادة إلى (بعبع) يخيف المجتمع، منها النظرة المبالغ فيها إليها بوصفها الفرصة الأولى والأخيرة للطالب، وأنها ستحدّد مصيره والجامعة التي سيلتحق بها، فضلاً عن محدودية المقاعد المتاحة في الجامعات الحكومية، وعدّ المجموع الذي يحققه الطالب معياراً لـ(الشرف) أو (العار) الذي سيصيبه ويصيب عائلته».

ووفق البوابة الإلكترونية الرسمية لوزارة التربية والتعليم، بلغ إجمالي المتقدّمين لامتحانات الثانوية العامة في مصر لعام 2026 نحو 921 ألفاً و709 طلاب وطالبات، فيما أُجريت الامتحانات داخل 2032 لجنة أساسية موزَّعة على مستوى الجمهورية ضمن 613 مجمعاً امتحانياً.

الأهالي يحتفلون بأبنائهم (متداولة على «إكس»)

وانتهى، يوم الخميس، ما بات يُعرف في مصر بـ«ماراثون الثانوية العامة»، الذي انطلق في 21 يونيو (حزيران) الماضي لطلاب الشعبتين الأدبية والعلمية.

وألقت الاستشارية النفسية الدكتورة غادة السمان باللائمة في أزمات الثانوية العامة على ما وصفتها بـ«العقلية القديمة» لدى بعض العائلات، التي تنظر إلى هذه الشهادة على أنها «مفترق طرق» ومحطة فاصلة في «تحديد مصير» الأبناء.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنّ «من أخطر ما يؤثّر في الصحة النفسية للطلاب أن يقيّموا ذواتهم وفق مجموع درجاتهم في هذه الشهادة. فإذا حقق أحدهم مجموعاً مرتفعاً، اعتقد أنه يستحق حبّ عائلته، وإذا تعثَّر، اعتقد أنه ابن غير بار وسيصبح مكروهاً، وهو ما قد يصيب الطلبة بأمراض نفسية خطيرة، مثل الاكتئاب، والوسواس القهري، والقلق المرضي».


أزمة «حق الأداء العلني» تتصاعد... وخيري بشارة يُلوّح بالقضاء

خيري بشارة يشعل الجدل بتحرّك قانوني بشأن «حق الأداء العلني» (حسابه في فيسبوك)
خيري بشارة يشعل الجدل بتحرّك قانوني بشأن «حق الأداء العلني» (حسابه في فيسبوك)
TT

أزمة «حق الأداء العلني» تتصاعد... وخيري بشارة يُلوّح بالقضاء

خيري بشارة يشعل الجدل بتحرّك قانوني بشأن «حق الأداء العلني» (حسابه في فيسبوك)
خيري بشارة يشعل الجدل بتحرّك قانوني بشأن «حق الأداء العلني» (حسابه في فيسبوك)

لوَّح المخرج المصري خيري بشارة باتخاذ إجراءات قانونية لتحصيل حق الأداء العلني عن فيلمه الشهير «آيس كريم في جليم»، الذي تقاسم بطولته عمرو دياب وسيمون، وعُرض في تسعينات القرن الماضي، وتحوَّل إلى أحد أيقونات السينما المصرية.

وتفاعل بشارة مع مطالبات صنَّاع الأعمال بالحصول على حق الأداء العلني، مؤكداً في تدوينة عبر حسابه في «فيسبوك» رغبته في تحريك الأمر قضائياً، والبحث عن محامٍ يتولّى القضية. وجاءت التدوينة بعد ساعات من اجتماع عقدته نقابة الممثلين، بحضور عدد من الفنانين، من بينهم يحيى الفخراني، وليلى علوي، وإلهام شاهين، وعضو مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان) ياسر جلال، لمناقشة الخطوات المُتَّخذة في هذا السياق.

وكانت غرفة صناعة السينما قد رفضت، في اجتماع الأسبوع الماضي، مطالب الممثلين بالحصول على حق الأداء العلني لأعمالهم الفنية، مؤكدة رفضها تحرير عقود موحَّدة طالبت بها النقابات الفنية، وتمسّكها بأحقية المنتجين وحدهم في المستحقات المالية.

وقال نقيب الممثلين أشرف زكي لـ«الشرق الأوسط»، إن «اجتماعاً سيُعقد في النقابة لمناقشة حقوق الأداء العلني وآلية تفعيلها، وما إذا كانت ستشمل الأعمال القديمة التي سبق تقديمها، أم سيقتصر تطبيقها على الأعمال الجديدة»، مشيراً إلى أنّ جميع المقترحات تُناقش بجدّية، ووفق الأطر القانونية، بما يحقّق مصلحة الجميع.

وأكد المحامي ياسر قنطوش، الذي فوَّضته جمعية المؤلفين والملحنين أخيراً لاتخاذ إجراءات قانونية لحماية حقوق المبدعين، أنّ «القانون لا يسري بأثر رجعي»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «في المقابل، هناك حقوق أصيلة لمؤلّفي الأعمال يتوجَّب سدادها»، مشيراً إلى أن الأمر يحتاج إلى نقاش وحوار للوصول إلى صيغة ترضي جميع الأطراف.

جانب من اجتماع الممثلين (حساب ليلى علوي في فيسبوك)

وكان عضو مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان المصري)، الفنان ياسر جلال، قد تقدَّم في مايو (أيار) الماضي بمقترح إلى لجنة الثقافة والإعلام بالمجلس لتفعيل حق الأداء العلني، وفق قانون حماية الملكية الفكرية (رقم 82 لسنة 2002)، بما يكفل حصول فناني الأداء، من ممثلين ومطربين وعازفين، على هذا الحقّ باعتباره من الحقوق المجاورة.

وقال عضو مجلس الشيوخ أحمد خالد ممدوح إنّ «حقّ الأداء العلني يفترض أن يُطبق على جميع الأعمال، سواء التي ستُقدم مستقبلاً أو التي سبق أن قدمها فنانون راحلون، بحيث تُوزَّع العوائد على ورثتهم الشرعيين، وهو أسلوب متعارف عليه عالمياً»، لافتاً إلى أنّ «بعض الشركات كانت تنصّ في عقودها على تنازل الفنانين عن حق الأداء العلني».

وأضاف أنه «مع تفهُّم وجهة نظر المنتجين، فإنّ الحوار سيكون قادراً على الوصول إلى صيغة توافقية بين مختلف الأطراف، خصوصاً مع تحرُّك النقابات الفنية لتمثيل الفنانين».

من جهته، أكد رئيس مجلس إدارة جمعية أبناء فناني مصر، ونجل الفنان الراحل توفيق الدقن، المحامي ماضي الدقن، لـ«الشرق الأوسط»، أنّ القواعد القانونية عامة ومجرَّدة، وتنطبق على المصنفات التي تُعرض عبر أي وسيلة، مشيراً إلى أنّ «الجمعية لديها قاعدة بيانات لورثة الفنانين الراحلين، وقد حصلوا بالفعل على أحكام قضائية سابقة بشأن حقوق الأداء العلني».

وأضاف أن «تطبيق القانون يظلُّ مهمة الدولة بالأساس، وليس لأي جهة حق منح أو منع تطبيقه، فضلاً عن أنّ العقود التي تتضمَّن تنازلات عن حقوق الأداء العلني والملكية تعد منقوصة»، موضحاً وجهة نظره بـ«انتشار المنصات والقنوات والمواقع التي تعرض الأعمال حالياً، والتي لم تكن موجودة وقت إبرام العقود التي تضمنت تنازلاً عن حقوق الأداء»، وفق تعبيره.

ورأى أنه «من الخطأ الربط بين كرامة الفنانين وعائلاتهم وحق الأداء العلني، لأن ما يُطالب به حق متعارف عليه عالمياً، ويستند إلى أساس قانوني واضح»، لافتاً إلى ضرورة وجود حوار حقيقي بين مختلف الأطراف للوصول إلى تفاهمات.