يوسف الصائغ... التركة الضائعة

خلّف مذكرات بألف صفحة ومخطوطات غير مطبوعة

يوسف الصائغ -  جميل صدقي الزهاوي
يوسف الصائغ - جميل صدقي الزهاوي
TT

يوسف الصائغ... التركة الضائعة

يوسف الصائغ -  جميل صدقي الزهاوي
يوسف الصائغ - جميل صدقي الزهاوي

ربما يكون الشاعر العراقي يوسف الصائغ أكثر حظاً من غيره من شعراء وكتاب العراق ومفكريه. نعم، هو كذلك؛ فمصير كتبه يختلف عن مصير كتب الزهاوي مثلاً، التي سلمتها عجوز كانت تستضيفه أحياناً بمنطقة الصابونية (الميدان)، وسط بغداد، لشاب وجدته يشبه صاحبها في أزمنة سابقة. فلما رفضت وزارة الثقافة، نهاية السبعينيات، تسلم مخطوطات الزهاوي من ذلك الشاب بحجة أن المخطوطة لا تعد تراثاً إلا بعد مضي مائتي عام من تأليفها، أخذها ذلك الشباب معه في رحلة التشرد هرباً من بطش النظام وقتها. وبطريقة وأخرى وصلت تلك المخطوطات لدور النشر. راوي القصة وشاهدها، د. عاصم عبد الأمير، يقول إنه كان يسمع إذاعة «مونت كارلو»، نهاية التسعينيات، ثم تصدر، فجأة، خبر ظهور مخطوطات الزهاوي نشرة الأخبار. قصة يوسف الصائغ مع كتبه مختلفة؛ فهو قد طبع كتبه في الشعر والرواية والمسرح في حياته، وحظي بسمعة كبيرة ومكانة مرموقة في الشعر والأدب العراقي والعربي عامة بسببها، مثل الزهاوي. ولا مقارنة بينهما مطلقاً سوى في المصائر التعيسة لحياتهما، أولاً، ولنتاجهما الأدبي ثانياً. لا يجد الزهاوي أحداً يترك عنده مخطوطات كتبه سوى امرأة مجهولة لا نعرف عنها أمراً يستحق الذكر سوى ما ذكره شاهد القصة الوحيد، فيما يترك يوسف الصائغ ما لم يطبعه من مخطوطات لدى راويته أثير محمد شهاب. تختلف قصة الصائغ؛ في الأقل إنه قد ترك مخطوطاته الثلاث لدى شخص معروف لدينا.
ثلاث مخطوطات سلمها يوسف الصائغ لأثير محمد شهاب عام 2002. قال له احتفظ بها عندك. المخطوطات الثلاث عبارة عن رواية بلا عنوان، ومجموعة شعرية (بلا عنوان أيضاً. وثمة من يقول إن هيثم فتح الله عزيزة قد طبع هذه المجموعة، لكن ابنة الصائغ لم تقتنع بها، فلم تُوزع) ضمنها الصائغ عدداً من قصائده غير المنشورة، وقصائد منتخبة من مجاميعه السابقة المنشورة. وهناك جزء ثالث من «الاعتراف الأخير»، وهي المخطوطة الوحيدة التي حملت عنواناً صريحاً وواضحاً لا لبس به. هل هذا كل شيء؟
يجزم لنا راويته أن القصة لم تنته بهذه المخطوطات الثلاث؛ فلديه مذكرات تقول زوجته الرابعة السيدة صباح الخفاجي إنها زادت عن ألف صفحة. ومعها مجموعة قصص موجودة عندها أيضاً. وهناك مخطوط كتاب نشر بحلقات في جريدة «الأديب» الأسبوعية، وهي بعنوان «أنا والشعر والشعراء». ولا تنتهي تركة الصائغ من دون ذكر كم كبيٍر تجاوز الألف من التخطيطات، تتعلق بموضوعات شغلت العراقيين، منها مائة وخمسون تخطيطاً عن أداة الإنارة القديمة لدى العراقيين والمعروفة بـ«اللالة»، فضلاً عن مساحة محترمة للجسد في تخطيطاته. هذه التخطيطات موزعة بين السيد هيثم فتح الله عزيزة وشقيقته «جانيت». نحن، إذن، إزاء تركة ضخمة غير منشورة، ثلاث مخطوطات موجودة وبخط الصائغ، فيما مخطوطتا المذكرات والقصص لا نعرف عنهما أمراً ذا بال، وكذلك الحال مع التخطيطات. فهل انتهى حصر التركة؟ يهز أثير محمد شهاب رافضاً هذا التصنيف والحصر الأخير لتركة الصائغ. فماذا بقي؟ لقد بقي، كما يشدد راويته، أمران. الأول، أنني لست متأكداً أن ما لدينا هو كل ما كتبه الصائغ؛ فربما أعطى لمن يثق به مخطوطات أخرى. وهذه «الأخرى» تتعلق بنسخ مختلفة من المخطوطات الثلاث. وتتصل كذلك بمخطوطات لا نعرف عنها أمراً. والثاني، أن هناك طبعات مختلفة، ربما، عن حياة الصائغ تتعارض مع ما أعرفه أنا مثلاً. فهل كان يوسف الصائغ يتعمد تضليل الآخرين؟ كلا، إنما لدى الصائغ قدرة لافتة على تقديم حياته بطرائق مختلفة، فلو قُدر لك أن تسمع رواية الفنان مقداد عبد الرضا عنه، فستجد نسخة مختلفة عن الصائغ. فكم نسخة لدينا عن الصائغ؟ يجيب راويته: ثمة نسخ كثيرة من الصائغ، ومثلها تركته ذات النسخ المتعددة.
ولكن لِم لم يدفع الصائغ هذه المخطوطات للنشر في حياته، لا سيما أنه كان شخصية ثقافية نافذة، وكانت لديه مقالات ثابتة في المجلات والصحف العراقية الصادرة آنذاك؟ لماذا تركها خلفه؟ المخطوطات الثلاث تحمل أو تحيل ضمناً إلى تواريخ بعيدة عن لحظة رحيله. الرواية مثلاً مؤرخة بتاريخ «الثلاثاء 27\5\1980»، فيما يرد في الجزء الثالث من الاعتراف الأخير ما يفيد بأنها كتبت قبل عام 1995؛ لماذا هذا التاريخ بالتحديد؟ لأن الصائغ يذكر في كتابه أستاذه بدار المعلمين العالي الدكتور صفاء خلوصي، ويدعو له بطول العمر، والمعروف أن «خلوصي» قد رحل عن دنيانا عام 1995. تبقى المجموعة الشعرية فلا تاريخ يحيل إليه سوى ما ذكره أثير محمد شهاب؛ إنه قد تسلمها منه عام 2002. فلماذا أحجم الصائغ، إذن، عن نشر ما لدينا الآن من مخطوطات كتبه في حياته؟ وقد يكون السؤال أكثر تراجيدية عندما نسأل عن مغزى أن يترك الصائغ مصير كتبه غير المطبوعة بيد غيره؟
ربما نجد بعض الإجابة في مخطوطة الرواية؛ فهي بلا عنوان، وليس لدي تفسير مقنع لتغييب العنوان سوى أن الصائغ ربما كان يتحرج من عنوان ذي طبيعة إشهارية تفرض على روايته تأويلاً مسبقاً. هل هذا كل شيء؟ كلا، فمن يقرأ الرواية يجد أنها تقع في خطأ فادح لا يصدر مطلقاً من كاتب وشاعر مثل يوسف الصائغ. يتعلق هذا الخطأ بالتسلسل الزمني لأحداث الرواية، نتحدث عن حوار جرى بين ضياء وهيام، ثم يرد ذكر طفل ضياء وسلوى «سمير»، ثم نعرف أن «سمير» قد ولد لاحقاً على حدث اللقاء بين ضياء وهيام. فكيف يقع الصائغ بهذا الخطأ؟ كيف لرواية تمكث عنده اثنين وعشرين عاماً، ولا يعود إليها مصححاً؟ هل هناك نسخة أخرى من الرواية جرى فيها تصحيح هذا الخطأ، وهذا ما يفترضه راويته أثير محمد شهاب، ويضيف: «لقد اختفت الرواية عندما سلمها لأحدهم، وهو يطلب منه نشرها، وضاع عنوان الشخص، واختفت الرواية، وذات يوم وجد الصائغ المخطوطة».
نبقى في سياق الرواية، أو ما سماه الصائغ نفسه «رواية»، فهي أقرب إلى الحوارية منها إلى الرواية بالمعنى الذي اعتمده الصائغ نفسه في كتابة رواياته الثلاث المطبوعة في حياته «اللعبة والمسافة والسرداب 2». فهل كان عدم قناعته بمستوى «الرواية» وراء عدم نشرها وبقائها مخطوطة طيلة عقدين كاملين ويزيد؟
ربما، لكنني أعتقد أن «الرواية» تعيد تأويل مشكلة الصائغ السياسية. كيف؟ تكرر الرواية التيمات الرئيسة في أدب الصائغ كله: الضحية، والخيانة، والاعتراف، وإلى حد ما إشكالية المسيحي الذي يصبح مسلماً ليتزوج ممن يحب «لم يكن الصائغ متديناً، ولم يشكل الدين عنده قضية كبيرة، ولم يضيره مطلقاً أن يتزوج من مسلمتين، وقد يعني هذا الأمر أنه صار مسلماً؛ بحكم القوانين النافذة في هذه القضية». تتمركز الرواية حول خيانة ضياء لزوجته سلوى مع صديقتها هيام. تعيد الرواية توظيف الخيانة الزوجية فتعطيها بعداً ومعنى يتصل بزمن كتابة الرواية عام 1980 المنفتح على علاقة الصائغ بالحزب الشيوعي العراقي، وما ترتب على صعود الديكتاتور وتصفية الشيوعيين. من يقرأ مخطوطة «الرواية» سيجد أن أقرب شخصيات الرواية إلى الصائغ هي «سلوى» التي يخونها الجميع زوجها وصديقتها، فتجد نفسها في مشكلة كبرى؛ فلا هي قادرة على الانفصال عن زوجها، ولا هي قادرة على مواصلة الحياة معه كما لو أن شيئاً لم يقع. تنتهي الرواية بسؤال ضياء المقتضب لزوجته، رداً على رغبتها بالانتقام لكرامتها بقولها إن من حقها كذلك أن تخونه: «وستخوينني؟»، فتجيبه سلوى «كلا... كيف يخيل لك أني يمكن أن أخونك... إنني أحبك يا ضياء... إنني أحبك والمحبون لا يخونون...». هل أريد القول إن مخطوطة «الرواية» تقدم قراءة مختلفة لمقال الصائغ الشهير «مقدمة لقصيدة عن حب فاشل»، التي أعلن فيها انفصاله عن الحزب الشيوعي الراقي، مع أن مخطوطة الرواية كتبت قبل المقال بثلاثة أعوام؟ نعم، أزعم أن الأمر كذلك.
المخطوطات الثلاث المكتوبة بخط الصائغ هي الآن بعهدة علي وجيه، بعد أن سلمها أثير محمد شهاب له، ووجيه هو من سيتولى طباعتها، بعد موافقة عائلة الصائغ، فما وصلني منها مجرد نسخ مطبوعة على الحاسبة. ولو قدر لي أن أكون صاحب قرار فيما يخص نشر هذه المخطوطات، فإنني سأحجب مخطوطة «الرواية» عن النشر، وأتركها في مكان يسمح للباحثين بقراءتها أو العودة إليها؛ فهي لا تقدم إضافة حقيقية لأدب الصائغ، إنما تضيء حقبة مهمة من حياته يجري تأويلها اعتماداً على ما كتبه الصائغ نفسه في ظروف ملتبسة جداً، ثم ما كتبه من سماهم روايته «إخوة يوسف» عنه، لا سيما بعد رحيله. تنسجم هذه الرغبة مع عدم وجود وصية خاصة من الصائغ لراويته أو غيره بنشر مخطوطاته. سألت أثير محمد شهاب: هل أوصاك الصائغ بنشر مخطوطاته؟ أجاب: لا، لكنه لو كان حياً لما اعترض. ولم يقل إن ماكس برود، القائم على تنفيذ وصية كافكا، قد فعل خيراً عندما لم يحقق رغبة صديقه بحرق كتبه. ثم أضاف: سيكون الصائغ سعيداً في قبره بعد نشر المخطوطات. وكدت لحظتها أن أعقب على جملته الأخيرة: نعم، يشعر الزهاوي بالامتنان لوفاء صاحبته له؛ فقد حفظت تراثه، وهو ما تنكرت له دولة كاملة بمؤسستها المختلفة.

* أكاديمي وناقد عراقي



«الإغلاق المُبكر» يُعيد صياغة سهرات مصريين

«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المُبكر» يُعيد صياغة سهرات مصريين

«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)

مع انحسار أضواء الإسكندرية عند التاسعة مساءً، اصطحب الخمسيني نادر طه زوجته وأبناءه الـ3 إلى «الكورنيش»؛ لقضاء بعض الوقت في ظلِّ «الإغلاق المبكر» للمحال التجارية والكافيهات.

وقال طه، الذي يعمل مديراً للمبيعات بإحدى الشركات الخاصة، لـ«الشرق الأوسط»: «نحن دائمو التردد على الإسكندرية، نحضر إليها من مسقط رأسنا بالشرقية بشكل دوري، هذه المرة صادف وجودنا تطبيق قرار الإغلاق المبكر، ولأننا نحب السهر، فكان البديل أمامنا خلال ساعات الليل هو جلسة الكورنيش؛ لتجنُّب الشعور بالضيق والملل في المنزل».

بطول امتداده؛ يشهد كورنيش الإسكندرية إقبالاً ملحوظاً من المواطنين هذه الأيام للتنزه وقضاء أوقاتهم في الهواء الطلق، وذلك عقب بدء تطبيق قرار غلق المحال التجارية في تمام الساعة التاسعة مساءً.

أحد شوارع الجيزة خلال فترة «الإغلاق المبكر» (الشرق الأوسط)

وتهدف الحكومة المصرية من قرار «الإغلاق المبكر»، الذي دخل حيز التنفيذ مساء السبت الماضي، لمدة شهر واحد، إلى «تقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً».

وينصُّ القرار على «غلق المحال العامة كافة بما في ذلك المراكز التجارية (المولات) والمطاعم والكافيهات والبازارات، يومياً ابتداءً من الساعة التاسعة مساءً، عدا يومي الخميس والجمعة وأيام عطلات الأعياد والمناسبات الرسمية فيكون الغلق في العاشرة مساءً، مع استمرار خدمة توصيل الطلبات للمنازل».

وجاء توافد المواطنين على الكورنيش بوصفه المتنفس الرئيسي لأهالي المدينة، حيث فضَّل الكثيرون التجمع على البحر بعد أنْ أغلقت المراكز التجارية والمقاهي والكافيهات، المنتشرة بطول الكورنيش، أبوابها بحلول موعد الغلق.

كورنيش الإسكندرية متنفس رئيسي لأهالي المدينة (الشرق الأوسط)

ويأتي اللجوء إلى الكورنيش بوصفه حيلةً للتعامل مع الإغلاق المبكر، حيث اضطر «السكندريون» وضيوفهم إلى إعادة صياغة عادات السهر والتجمعات الليلية، فبينما كان المقهى أو المركز التجاري يُشكِّل مكاناً للتنزه يومياً، تحوَّل الكورنيش والأماكن المفتوحة إلى البديل الطبيعي، حيث يفضِّل كثيرون البحر والهواء الطلق مساحةً عامةً مجانيةً.

وهو ما يشير إليه الأب الخمسيني، مستكملاً حديثه: «جلستنا بالأمس على الكورنيش كانت بمنطقة محطة الرمل، واليوم اخترنا الجلوس على الصخور المواجهة للبحر بمنطقة كليوباترا، وما يشجِّعنا على تلك الجلسة هو وجود العشرات غيرنا، الذين يتردَّدون ليلاً هنا للاستمتاع بالهواء رغم الإظلام الجزئي على طريق الكورنيش، كما أن وجود بعض الباعة الجائلين، الذين نشتري منهم المشروبات، يُغنينا عن الكافيهات».

وقرَّر مجلس الوزراء، برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، أخيراً تعديل مواعيد غلق المحال العامة لتكون الساعة 11 مساءً بدلاً من 9 مساءً، اعتباراً من الجمعة المقبل، 10 أبريل (نيسان) الحالي، وحتى الاثنين 13 أبريل 2026، وفق توصيات اللجنة المركزية لإدارة الأزمات بمناسبة أعياد المسيحيين.

ولا يقتصر التحول للأماكن المفتوحة على الإسكندرية، ففي القاهرة أصبح «كورنيش النيل» و«ممشى أهل مصر» والمنشآت السياحية به بمثابة «رئة» بديلة للمصريين، وكذلك السائحين العرب والأجانب، استجابةً بديلةً لقرار الغلق في مناطق العاصمة المصرية الأخرى، واستثناءً سياحياً، بعد أن أعلنت الحكومة استثناء المنشآت السياحية الواقعة على ضفاف نهر النيل داخل نطاق محافظتَي القاهرة والجيزة من الإغلاق.

المراكب النيلية تواصل رحلاتها وسط أجواء احتفالية (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)

يفتح الممشى أبوابه أمام الزوار الراغبين في استنشاق الهواء النقي والتمتع بمشهد المياه، ومعه يستعيد نهر النيل مكانته بوصفه متنفساً جماعياً، وبديلاً جاذباً لتغيير ثقافة السهر والتجمعات، كاسراً رتابة ساعات الليل المتأخرة، إذ تتحوَّل ممراته بعد التاسعة مساءً إلى الوجهة الأمثل للعائلات والشباب.

وتعكس المشاهدات الميدانية استمرار العمل بالممشى بكامل طاقته، فالمرافق والخدمات، بدءاً من منافذ التذاكر وصولاً إلى المطاعم والمقاهي المطلة مباشرة على النهر، تعمل بشكل كامل لما بعد منتصف الليل، بينما تواصل المراكب النيلية رحلاتها القصيرة التي تضفي أجواء احتفالية على المكان.

كذلك يبرز خلال أيام الإغلاق المبكر «ممشى الزمالك»، بوصفه «رئة» أخرى يتنفس من خلالها زواره روح وجماليات القاهرة، وسط أرستقراطية حي الزمالك. يحتلُّ الممشى موقعاً فريداً في مواجهة «ممشى أهل مصر»، وهو مناسب للنزهات العائلية، بعيداً عن صخب المدينة وضجيجها.

وبجوار الممشى، تفتح حديقة «المسلة» التراثية ذراعيها للزوار خلال ساعات الإغلاق، وهي خيار مثالي لمَن ينشد الهدوء والجمال في قلب القاهرة، إذ تجمع الحديقة عبق التاريخ والحداثة، كونها تضم مطاعم ومقاهي راقية، تمنح الزائر تجربةً استثنائيةً بينما تغلق مثيلاتها في أنحاء القاهرة.

الخبير السياحي، محمد فاروق، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «قرارات الإغلاق المبكر وإطفاء الأنوار في الميادين الرئيسية، بدأت تعيد صياغة سهرات المصريين والزوار الأجانب على حد سواء، فالقاهرة والمدن الساحلية المصرية كانت تُعرَف بأنها المدن التي لا تنام، فالحياة اليومية والفلكلور الشعبي الذي يملأ الشوارع ليلاً يمثلان جزءاً أصيلاً من المنتَج السياحي المصري، ولأنهما بَدَوَا مفقودَين هذه الأيام، لذا شهدنا إقبالاً لافتاً من المصريين والزوار على المساحات المفتوحة».

وتابع: «للأسف الشديد قرارات ترشيد الإنارة بالشوارع الرئيسية والأماكن العامة تحدُّ من وجود أماكن السهر، لذا لجأ كثيرون إلى ممشى أهل مصر بالقاهرة وكورنيش الإسكندرية، لاسيما أنه يتوافر فيهما الشعور بالراحة النفسية والحيوية».

ويبيِّن فاروق أنَّ قرار الإغلاق المبكِّر يوثر بالسلب على السياحة في مصر، مقترحاً بجانب استثناء المنشآت النيلية أن تكون هناك حلول أخرى، مثل أن يتم تنظيم حفلات في الأماكن التراثية والأثرية لتدارك الموقف، ولفتح أفق جديدة للترويج السياحي وللحد من أي آثار سلبية.

وانتقد مصريون قرار الإغلاق المبكر وإظلام الشوارع في ساعات الليل الأولى في مشاهد لم يعتادوها إلا خلال فترة إغلاق «كورونا» قبل نحو 6 سنوات.


فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
TT

فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)

لا يعيش رواد الفضاء الذين يسبحون في مدار القمر في إطار مهمة «أرتيميس 2» حياة مختلفة كثيراً عما يجري على الأرض عادة، فهم مثلاً يأكلون الفطائر والكسكس ويلتقطون صوراً بهواتفهم المحمولة ويواجهون مشكلات في البريد الإلكتروني ويصلحون مرحاضاً معطّلاً.

وتستمرّ رحلة الأعضاء الأربعة من طاقم «أرتيميس 2» نحو عشرة أيّام في مدار القمر على متن كبسولة «أورايون» التي تساوي مساحتها مساحة شاحنة صغيرة، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان الاستعداد لهذه المهمّة التي تقودها وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» بمثابة تحضّر للتخييم، على ما قالت كريستينا كوك.

ويضمّ الصندوق 58 فطيرة و43 كوب قهوة وبروكلي وصدور لحم مشوي مع خمسة أنواع من الصلصات الحادة، فضلاً عن شراب القيقب ذائع الصيت في كندا لأن أحد رواد الفضاء كندي.

لكن المرحاض تعرّض لمشكلة.

وخلافاً لمهمة «أبولو» التي لم يكن لروادها سوى أكياس لقضاء حاجاتهم تُرك بعضها على سطح القمر، تحظى طواقم «أرتيميس» بمراحيض فعلية.

وتولّت كريستينا كوك إصلاح المرحاض في الساعات الأربع والعشرين الأولى من الرحلة. وقالت، مساء الخميس: «أنا فخورة بأنني سمكرية الفضاء»، مضيفة: «اسمحوا لي بأن أذكّركم بأنه الجزء الأهمّ في المركبة. وقد تنفّسنا جميعاً الصعداء عندما حُلّ الوضع».

مشاكل معلوماتية

استخدام المرحاض يتسبب بجلبة كبيرة في المركبة إلى درجة ينبغي وضع سمّاعات لتجنب الضجيج عند استخدامها.

وصرّح جيريمي هانسن: «إنه المكان الوحيد الذي يمكننا أن نشعر فيه بالعزلة لفترة وجيزة».

وبعد المرحاض، واجه الطاقم مشكلات معلوماتية. وخلال بثّ حيّ لـ«ناسا» سُمع قائد المهمّة ريد وايزمن وهو يشكو من مشاكل في بريده الإلكتروني. وعولج الأمر من «مركز هيوستن» في تكساس.

وفي ظلّ انعدام الجاذبية، لا بدّ أيضاً من التفكير في كيفية النوم خلال رحلة تستمر عشرة أيام. وتمثل الحل في وضع أكياس نوم معلّقة بالجدران لتفادي السباحة في وسط المركبة.

وقال ريد وايزمن مازحاً: «تنام كريستينا ورأسها إلى الأسفل في وسط المركبة، مثل الوطواط المعلّق»، مشيراً إلى أن «الوضعية مريحة أكثر مما تعتقدون».

«كأنني طفل»

يؤثّر انعدام الجاذبية على اللياقة البدنية، لذا لا بدّ من التمرّن نصف ساعة في اليوم. وقد زوّدت المركبة بتجهيزات تشبه تلك المتوافرة في النوادي الرياضية.

وسمحت «ناسا» في الآونة الأخيرة باستخدام الهواتف الذكية على متن مركباتها الفضائية.

وقال مدير الوكالة جاريد آيزكمان في فبراير (شباط): «نعطي لطواقمنا فرصة الاحتفاظ بلحظات خاصة لعائلاتهم ومشاركة صور وتسجيلات ملهمة مع العالم أجمع».

وفي خضمّ مهمّة كلّفت مليارات الدولارات في ظلّ مواجهة جيوسياسية مع الصين، يبقى إعجاب البشر بالفضاء الخارجي طاغياً.

ولم يخف جيريمي هانسن في معرض ردّه على أسئلة الصحافيين فرحه، قائلاً: «أشعر كأنني طفل».

وعند إقلاع الصاروخ، قال فيكتور غلوفر وهو أوّل شخص أسود يسافر إلى القمر: «تحاولون الحفاظ على حسّ المهنية، لكن الطفل في داخلي يريد أن يطلق صيحات فرح».


مصر: ترميم مصحف نادر احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»

صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
TT

مصر: ترميم مصحف نادر احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»

صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)

احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»، أبرزَ المتحفُ القومي للحضارة المصرية، أحدَ المصاحف النادرة الموجودة ضمن مقتنياته، ليُقدِّم نسخةً جديدةً منه بعد الترميم تُبيِّن جماليات الطباعة القديمة، وقيمة المخطوطات العربية النادرة.

وتحتفل كثير من المؤسسات في الوطن العربي بـ«يوم المخطوط العربي»، الذي يحلُّ في 4 أبريل (نيسان) كل عام تخليداً لأهمية المخطوطات العربية، وما حملته بين طياتها من أعمال أدبية ودينية وتاريخية وعلمية رسخت بها هوية التراث الثقافي العربي.

ويحتفظ «المتحف القومي للحضارة المصرية» بمجموعة من المخطوطات العربية النادرة، ومنها مصحف نادر عُثر عليه في «مسجد سيدي علي المليجي»، وتمت كتابته على ورق عالي الجودة، وقد رُمِّم جزء من هذا المخطوط بعد تنظيفه من خلال تقويته واستكمال بعض أجزائه المفقودة، وتجميع ملازمه بأسلوب الخياطة القديم نفسه، وفق بيان للمتحف، السبت.

وقد قامت بترميم المخطوط متخصصة الترميم بالمتحف، رحاب جلال.

المصحف النادر قبل وبعد الترميم (متحف القومي للحضارة المصرية)

وكان «المعهد العربي للمخطوطات»، قد أعلن الاحتفال بـ«يوم المخطوط العربي» وفق قرار من المعهد، التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، التابعة لجامعة الدول العربية.

وأشار المعهد، في فيديو تعريفي بـ«يوم المخطوط العربي»، إلى مرور 14 عاماً على الاحتفال بهذا اليوم الذي انطلق في 2013 تحت عنوان «رحلة إلى الماضي»، وحمل في كل عام اسماً مختلفاً مثل «ألف حكاية وحكاية»، و«أسرار من الماضي وأفكار للمستقبل»، والدورة الأحدث لهذا العام تحت عنوان «المخطوط العربي... رحلة التحول والتجديد».

وقدَّم المعهد دعوةً للمؤسسات المعنية في الوطن العربي وخارجه، من مكتبات وطنية وجامعات ومراكز بحثية وجمعيات ثقافية للمشارَكة في الاحتفال بالمخطوط العربي عبر تبادل الخبرات، وعرض المبادرات، وإبراز الجهود المبذولة لصون مخطوطات التراث.

غلاف المصحف الذي تم ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)

ويضم «المتحف القومي للحضارة المصرية» كثيراً من الآثار الإسلامية، خصوصاً المخطوطات التي تتنوع بين كتب دينية وعلمية وتاريخية، وسبق أن أبرز جانباً منها في معارض مختلفة مرتبطة بالمناسبات أو الأعياد والمناسبات الدينية الإسلامية.

ويضم «المتحف القومي للحضارة المصرية» كثيراً من القطع الأثرية، لا سيما الإسلامية منها، التي تزخر بنماذج راقية من الفنون والزخارف والخطوط العربية، وتعكس تطور الكتابة وجمالياتها عبر العصور، بما يجعلها شاهداً حياً على عبقرية الفنان المصري، وقدرة اللغة العربية على التجدد والتألق.

كما يضم المتحف، الذي افتُتح عام 2021 في احتفالية ضخمة تمَّ خلالها نقل 22 مومياء ملكية إليه، وفق صفحة وزارة السياحة والآثار، مجموعةً متنوعةً من القطع الأثرية تلقي الضوء على التراث المادي واللامادي لمصر، مما يساعد الزائرين على فهم الحضارة المصرية عبر عصورها المختلفة بداية من عصور ما قبل التاريخ إلى العصور: المصري القديم، واليوناني، والروماني، والقبطي، والإسلامي، وحتى العصر الحديث، كما يضم المتحف قاعةً خاصةً للنسيج المصري.