وزير التجارة الخارجية المغربي: الرباط ماضية قدما في سياسة تحرير أسواقها رغم الانتقادات

محمد عبو قال لـ {الشرق الأوسط} إن تفاقم العجز التجاري مرتبط بغلاء الطاقة والقمح .. والتجارة مع أميركا تضاعفت أربع مرات

محمد عبو الوزير المغربي المنتدب المكلف التجارة الخارجية («الشرق الأوسط»)
محمد عبو الوزير المغربي المنتدب المكلف التجارة الخارجية («الشرق الأوسط»)
TT

وزير التجارة الخارجية المغربي: الرباط ماضية قدما في سياسة تحرير أسواقها رغم الانتقادات

محمد عبو الوزير المغربي المنتدب المكلف التجارة الخارجية («الشرق الأوسط»)
محمد عبو الوزير المغربي المنتدب المكلف التجارة الخارجية («الشرق الأوسط»)

قال محمد عبو، الوزير المغربي المنتدب المكلف التجارة الخارجية، لـ«الشرق الأوسط»، إن العجز التجاري المغربي ارتفع بنسبة 445 في المائة ما بين الفترة من عام 2000 إلى عام 2013، وبلغت قيمته مستوى أعلى من قيمة الصادرات. وأشار عبو إلى أن هذا العجز ناتج عن عوامل هيكلية مرتبطة بالنموذج التنموي المغربي المتمحور حول الطلب الداخلي، غير أن عوامل ظرفية كغلاء أسعار الطاقة منذ سنة 2005، وارتفاع أسعار القمح والأغذية في السوق العالمية أسهمت في تفاقمه.
وأكد عبو أن المغرب عازم على المضي في تحرير التجارة رغم الانتقادات التي توجه لاتفاقية التجارة الحرة التي أبرمها مع أكثر من 50 بلدا، والتي يعدها البعض سببا رئيسا في تفاقم العجز التجاري للبلاد. وقال إنه يجب أن لا نتعامل مع نتائج هذه الاتفاقيات من منظور محاسبي صرف، وإنما يجب الأخذ بعين الاعتبار آثارها على دينامية التنمية والاستثمارات، والتي أدت بدورها إلى ارتفاع واردات المغرب على التجهيزات والمواد الأولية والمواد نصف المصنعة مساهمة في تفاقم العجز التجاري، إلا أنها تسهم أيضا في وضع أسس اقتصاد قوي ومتنوع وتنافسي في المستقبل.
حول تطورات التجارة الخارجية للمغرب، وإشكالية تفاقم العجز التجاري وخطط الحكومة لمواجهته، وتقييمه لاتفاقيات التجارة الحرة التي أبرمها المغرب، تحدث الوزير عبو لـ«الشرق الأوسط».. وفي ما يلي نص الحوار.
* بلغ العجز التجاري المغربي مستوى أصبح فيه حجم الواردات يفوق ضعف حجم الصادرات.. أين يكمن الخلل؟
- الميزان التجاري يعاني من عجز هيكلي مرتبط بالنموذج التنموي للاقتصاد المغربي الذي يرتكز أساسا على الطلب الداخلي، حيث إن جزءا كبيرا من هذا الطلب يلبى عبر الواردات. وعرف العجز التجاري للسلع تفاقما ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، إذ انتقل من 44 مليار درهم (الدولار يساوي 8.40 درهم) عام 2000 إلى 196 مليار درهم في عام 2013. والسبب الرئيس في هذا التدهور هو ارتفاع الأسعار العالمية للطاقة والمواد الغذائية، والذي أسهم بحصة 70 في المائة من هذا العجز، كما أن جزءا مهما من هذا العجز يتكون من الواردات الضرورية، والمتعلقة بالحاجيات التنموية لبلادنا، مثل مواد التجهيز التي شكلت21 في المائة من قيمة وارداتنا في 2013، والمنتجات نصف المصنعة التي مثلت21 في المائة، والطاقة بنسبة 32 في المائة، والمواد الأولية التي مثلت نسبة خمسة في المائة من قيمة الواردات المغربية خلال سنة 2013.
وبالإضافة إلى التزايد المتسارع للواردات، أسهمت عوامل أخرى في تفاقم العجز التجاري، منها على الخصوص محدودية العرض المغربي القابل للتصدير كما وكيفا، الشيء الذي لا يمكِّن من تحقيق نمو سريع للصادرات يوازي أو يفوق نمو الواردات. وهناك أيضا أثر الأزمة الاقتصادية التي أثرت سلبا على أهم شركائنا التجاريين في الاتحاد الأوروبي، وكذلك احتدام المنافسة في هذه الأسواق.
* ما الحلول التي تقترحها الحكومة لتجاوز هذا الوضع؟
- إشكالية عجز الميزان التجاري من القضايا ذات الأولوية بالنسبة للحكومة نظرا لارتباطها بالتنمية من جهة، وبضرورة الحفاظ على التوازنات الماكرو اقتصادية، من جهة ثانية. وهي بالتالي تستدعي تضافر كل الجهود من القطاع العام والقطاع الخاص. وفي هذا الصدد، فإن الحكومة وبتشارك مع جميع المتدخلين في قطاع التجارة الخارجية منكبة على تقييم مدى نجاعة الآليات المعتمدة وتحديد الإجراءات التصحيحية اللازمة لتجاوز الإكراهات التي أثرت بشكل كبير في عجز ميزاننا التجاري. وتتمحور خطة الطريق المعتمدة للنهوض بالتجارة الخارجية بصفة عامة حول النقط التالية: الرفع من مستوى التنسيق بين كل المتدخلين لترشيد الوسائل وضمان مردودية أكبر، تحسين القدرة التنافسية للشركات، وتعزيز العرض الإنتاجي المغربي والرفع من جودته وملاءمته لمتطلبات الأسواق العالمية، واعتماد الإصلاحات الضرورية لملاءمة الإطار القانوني للتجارة الخارجية مع تطور قواعد وممارسات التجارة الدولية.
ويظل التقييم المستمر للإجراءات والبرامج التي سيجري اعتمادها حجر الزاوية لهذه الرؤية قصد تصحيح المسار عند الاقتضاء. وتجدر الإشارة إلى أن المغرب بدأ يجني ثمار مخططاته التنموية القطاعية، الهادفة إلى تنويع اقتصاده وملاءمته مع متطلبات العولمة. وفي هذا السياق، تميزت سنة 2013 بتراجع العجز التجاري للسلع بنسبة 2.8 في المائة مقارنة مع سنة 2012، وذلك على الرغم من تراجع مبيعات الفوسفات ومشتقاته بنحو 22 في المائة. ويرجع الفضل في تراجع العجز التجاري لسنة 2013 على الخصوص إلى ديناميكية القطاعات الصناعية الجديدة، إذ ارتفعت صادرات السيارات بنسبة 21 في المائة، والإلكترونيك بنسبة 12 في المائة، وصناعة الطائرات 13.4 في المائة، وصناعة الأدوية 17.6 في المائة.
* هناك من يعد أن اتفاقيات التجارة الحرة التي أبرمها المغرب من بين الأسباب المباشرة لتفاقم العجز التجاري حيث استفادت منها الأطراف الأخرى أكثر مما استفاد المغرب.. ما رأيكم في ذلك؟
- إبرام اتفاقيات التبادل الحر يندرج ضمن خيار الانفتاح الذي نهجته بلادنا منذ عقد الثمانينات من القرن الماضي في إطار التوجيهات الملكية الرامية إلى إدراج المغرب في المدار الاقتصادي العالمي مع تعزيز تنافسيته والرفع من مواقعه في الأسواق الدولية. وبالفعل يظهر التقييم الأولي لحصيلة اتفاقيات التبادل الحر المبرمة مع شركائنا التجاريين، أن حجم ومعدلات نمو الواردات يفوق حجم نمو الصادرات مما أثر سلبا على الميزان التجاري مع جل هذه البلدان. والواقع أن معظم الواردات تتشكل من مواد التجهيز والمواد نصف المصنعة الضرورية للقطاعات المنتجة المغربية، مما يسهم في تخفيض تكلفتها عند استيرادها عبر هذه الاتفاقيات، علما بأن المغرب لا ينتج مثل هذه المواد. ويجب أيضا أن نسجل أن تدهور الميزان التجاري مع البلدان التي تربطنا معها اتفاقيات التجارة الحرة واكبته دينامية جديدة للاستثمارات الخارجية، والتي عرفت قفزة نوعية خلال السنوات الأخيرة، الشيء الذي يؤكد أهمية هذا الإطار الجديد في استقطاب الاستثمارات، سواء الأميركية منها أو الأوروبية أو غيرهما. وعليه، لا يمكن حصر قراءة هذه الاتفاقيات في مقاربة محاسباتية فقط، فالهدف منها هو جلب الاستثمارات وإحداث مناصب الشغل والدفع بالنسيج الإنتاجي الوطني إلى تحسين تنافسيته وجودته. كما أن تفاقم العجز التجاري ليس مرتبطا حتما باتفاقيات التبادل الحر المبرمة مع شركائنا، ولكن يرجع كذلك إلى الوضعية الاقتصادية للمغرب والمتميزة بتنامي الاستثمارات الذي ينعكس على ارتفاع وارداتنا من مواد التجهيز والمواد الأولية ونصف المصنعة، وذلك في إطار مواكبة الأوراش الكبرى التي تعرفها بلادنا، إضافة إلى الطلب المتزايد على بعض المكونات التي يجري تصنيعها وإعادة تصديرها إلى الاتحاد الأوروبي في إطار معاهدات تراكم المنشأ والأنظمة الاقتصادية الجمركية.
* بالنسبة لاتفاقية التجارة الحرة مع أميركا، هل كانت نتائجها في مستوى الأهداف التي وضعها لها المغرب؟
- أود الإشارة في البداية إلى أن اتفاقية التبادل الحر المبرمة بين المغرب والولايات المتحدة التي دخلت حيز التنفيذ ابتداء من أول يناير (كانون الثاني) 2006، تعد خيارا يكرس الانفتاح الذي نهجته بلادنا منذ عقد الثمانينات من القرن الماضي قصد إدراج المغرب في الاقتصاد العالمي. وتشمل هذه الاتفاقية جميع قطاعات النشاط الاقتصادي، كتجارة السلع والخدمات بما في ذلك الخدمات المالية، والاستثمار، وحقوق الملكية الفكرية. وشكلت هذه الاتفاقية فرصة بالنسبة للمغرب لتحديث وملاءمة تشريعاته التي عرفت عدة تعديلات خاصة فيما يتعلق بالملكية الفكرية وقطاع الخدمات، مع مراعاة التزامات المغرب في إطار المنظمة العالمية للتجارة. وجاءت هذه الاتفاقية وفق تصور نابع من مراعاة المصالح الاقتصادية للمغرب، إذ إنها تهدف إلى تنويع الشراكة الاقتصادية وتحسين ولوج السوق الأميركية وجلب الاستثمارات الأجنبية عبر استغلال موقع بلادنا كأرضية للإنتاج والتصدير. وبعد مضي سبع سنوات من تطبيق اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين، نلاحظ أن حجم صادراتنا نحو أميركا تضاعف أربع مرات. ويرجع هذا التطور إلى الإعفاءات الجمركية التي استفادت منها المنتجات المغربية، سواء أكانت صناعية أو زراعية، وكذا الإجراءات المتعلقة بتسهيل الولوج للأسواق إثر تطبيق اتفاقيات الاعتراف المتبادل بالشهادات الخاصة بالمواد الزراعية والحيوانية. أما وارداتنا من أميركا فتضاعفت بدورها ثلاث مرات، وتكون في معظمها من المواد الأساسية التي يحتاجها المغرب، خصوصا المواد النفطية والوقود والغازات البترولية التي تشكل وحدها 56 في المائة من مجموع المواد المستوردة من أميركا. وتسهم هذه الاتفاقية في تخفيض تكلفة هذه المواد عند استيرادها علما بأن المغرب لا ينتج مثل هذه المواد. وتأتي هذه النتائج تثمينا للعمل المشترك بين القطاعين الحكومي والخاص من أجل تطوير صادراتنا إلى هذا البلد، وتحسين عرضنا التصديري وتنويعه والرفع من تنافسيته، مع تكثيف الحملات الترويجية المناسبة لولوج السوق الأميركية.
* هناك أيضا مفاوضات التجارة الحرة الشاملة التي انطلقت السنة الماضية مع الاتحاد الأوروبي.. كيف تسير المفاوضات، وماذا ينتظر منها المغرب؟
- أود أن أذكر أن المفاوضات الرسمية بشأن إبرام اتفاق تبادل حر شامل ومعمق انطلقت رسميا بين المغرب والاتحاد الأوروبي في مارس (آذار) 2013، تلتها جولتان من المفاوضات في كل من بروكسل والرباط خلال السنة الماضية. والجدير بالذكر أن هذا الاتفاق يتجاوز المفهوم التقليدي لتحرير التجارة، ويتمحور حول إزالة الحواجز غير الجمركية، بحيث يشمل المجالات التنظيمية ذات الاهتمام المشترك، كتدابير الحماية التجارية، والحواجز الفنية أمام التجارة، والإجراءات الصحية والصحة النباتية، وتجارة الخدمات والاستثمار والتجارة الإلكترونية، والصفقات الحكومية، والملكية الفكرية، والمنافسة، والجوانب المتصلة بالطاقة والشفافية والتنمية المستديمة. وتستند هذه المفاوضات إلى منهج واقعي ومتوازن ومرن في مجال التقارب التشريعي، مع الأخذ بعين الاعتبار الفرق في مستوى التنمية الاقتصادية والأولويات التنظيمية للمغرب. وللإشارة فإن هذا الاتفاق لا يعد اتفاقا منفصلا عن اتفاقية الشراكة المبرمة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، بل هو استكمال لها. ونعد هذا الاتفاق بمثابة حلقة جديدة في مسلسل التحرير الذي نهجناه، وذلك في أفق تحسين تنافسية صادراتنا وتسهيل ولوجها للسوق الأوروبية وإنعاش الاستثمارات.
* التجارة مع البلدان العربية رغم كل شيء تبقي في مستوى ضعيف.. لماذا؟
- لا بد هنا من التأكيد أن المغرب حرص دائما على تقوية علاقاته الاقتصادية والتجارية مع أشقائه العرب بالنظر إلى خصوصية الروابط التي تجمعه بهذه الدول، والمتمثلة في الصلات الحضارية المشتركة بأبعادها الشاملة والتي تعود إلى مراحل زمنية مبكرة. وانطلاقا من الإيمان العميق بهذه المبادئ، عمل المغرب على تنويع الإطار القانوني المنظم لعلاقاته التجارية مع الدول العربية، فبلدنا عضو في اتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري بين الدول العربية والتي جرى بموجبها إحداث منطقة تجارة حرة عربية كبرى، وهو أيضا منخرط في الاتحاد الجمركي العربي، ومرتبط باتفاقيات ثنائية للتجارة الحرة مع الكثير من الدول العربية منها الإمارات العربية والأردن ومصر وتونس، وهو عضو فعال في إطار الاتفاقية المتوسطية للتبادل الحر (اتفاقية أغادير) والتي تجمعه مع كل من تونس ومصر والأردن. ويسعى المغرب أيضا، إلى جانب أشقائه من دول المنطقة المغاربية، إلى إخراج الاتحاد المغاربي للتبادل الحر إلى حيز الوجود، عبر التبني النهائي للاتفاقية المغاربية للتبادل الحر الموقعة بالأحرف الأولى في يونيو (حزيران) 2010 في طرابلس. وينسق المغرب مع الدول العربية في إطار منظمة التعاون الإسلامي لإنجاح مسلسل الاندماج داخل الفضاء الإسلامي من خلال معاهدة التعريفة التفضيلية بين الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي. ورغم ضعف المبادلات التجارية مع هذه البلدان، فإنها عرفت مستوى قياسيا في 2012، حيث بلغ حجمها الإجمالي 7.9 مليار دولار، وهو أعلى معدل لهذه المبادلات بالنسبة للمغرب منذ دخول اتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري بين الدول العربية حيز التنفيذ. ومع ذلك يجب بذل مزيد من الجهود على المستوى العربي حتى تحقق منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى الأهداف التي أنشئت من أجلها، خاصة الرفع من مستوى التبادل التجاري بين الدول العربية، وهو ما يستلزم تجاوز بعض المعوقات كغياب خطوط نقل مباشرة الذي يتسبب في طول مدة العبور وارتفاع التكاليف بالنسبة للمتعاملين الاقتصاديين.
* هل سيواصل المغرب سياسة الانفتاح من خلال إبرام اتفاقيات جديدة للتجارة الحرة؟ وما المحطات المقبلة؟
- اختار المغرب منذ عقد الثمانينات نهج سياسة الانفتاح الاقتصادي والتجاري، واليوم سيواصل هذا الانفتاح قصد تنويع مواقعه في الأسواق العالمية وتخفيف التبعية لأوروبا، وخصوصا في الظرفية الحالية التي تعرف تراجعا في الطلب الداخلي للاتحاد الأوروبي، الشريك الأول للمغرب. وفي هذا الصدد، وضعنا استراتيجية جديدة لتنويع الأسواق وتحديد فرص جديدة للتجارة والاستثمار، والتي استهدفت البلدان الواعدة في أفريقيا وأميركا ودول الخليج. فبالنسبة للقارة الأفريقية، هناك روابط جد متينة تجمع المغرب بهذه البلدان، متمثلة في الصلات الحضارية المشتركة بأبعادها الدينية والثقافية والاقتصادية، مما شكل حافزا لبذل الجهود لتطوير العلاقات التجارية مع البلدان الأفريقية، خاصة جنوب الصحراء، من خلال إعادة تحديد الإطار القانوني الذي يحكم العلاقات التجارية مع هذه البلدان قصد تقريب أسواقها من الفاعلين المغاربة والرفع من قيمة المبادلات التجارية والاستثمارات معها. أما بالنسبة لشمال أميركا، فان المغرب انخرط في مفاوضات مع كندا بخصوص اتفاقية التبادل الحر. ولضمان الاستفادة الكاملة من هذه الاتفاقية. يحرص فريق الخبراء المشرف على هذه المفاوضات على الأخذ بعين الاعتبار البعد التنموي بين البلدين عبر المعاملة التمييزية للمغرب وحماية المواد الحساسة التي تحتاج إلى فترة انتقالية لتكون أكثر استعدادا لمواجهة المنافسة الأجنبية.



من العلا... 3 دروس سعودية لتمكين الاقتصادات الناشئة

وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)
وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)
TT

من العلا... 3 دروس سعودية لتمكين الاقتصادات الناشئة

وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)
وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)

بعث مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة في نسخته الثانية العام الحالي، رسالة حاسمة إلى العالم مفادها أن «زمن التبعية قد انتهى».

وأطلق وزير المالية السعودي محمد الجدعان، من قلب الحدث الذي يشارك فيه وزراء مالية ومحافظو بنوك مركزية وقادة مؤسسات دولية، «بيان الثقة»، مختصراً رؤية المملكة لتمكين الاقتصادات الناشئة في 3 رسائل حاسمة: الأولى، أن استقرار الاقتصاد الكلي هو «الأساس المتين» لأي نهضة تنموية وليس عائقاً لها كما يُشاع؛ والثانية، أن مصداقية السياسات لا تُبنى ببراعة الخطط الورقية، بل بـ«جسارة التنفيذ» على أرض الواقع؛ والثالثة، أن الأسواق الناشئة لم تعد تابعة، بل باتت «المحرك السيادي» الذي يقود 70 في المائة من النمو العالمي.

من جهتها، رسمت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، مشهداً قلقاً حيال ارتفاع مستويات الدَّين، معتبرةً أن تمكين القطاع الخاص هو المخرج الآمن لتعزيز النمو.


التجربة السعودية ترسم خريطة طريق الاقتصادات الناشئة

TT

التجربة السعودية ترسم خريطة طريق الاقتصادات الناشئة

وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)
وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

رسائل كثيرة بعثها مؤتمر العلا في نسخته الثانية، لكنَّ أبرزها أنَّ «زمن الانتظار» خلف الاقتصادات المتقدمة قد انتهى؛ فاليوم تقف الأسواق الناشئة لا كأنها قوة مكملة، بل بوصفها محركاً سيادياً يقود أكثر من 70 في المائة من النمو العالمي. هذه الرسائل لم تكن مجرد استعراض للأرقام، بل كانت «بيان ثقة» يرتكز على ثلاثة دروس جوهرية قدمها وزير المالية السعودي محمد الجدعان من واقع التجربة السعودية، لتكون بمثابة بوصلة للاقتصادات الناشئة.

لقد وضع الجدعان العالم أمام حقيقة اقتصادية صلبة أنَّ مصداقية السياسات لا تُقاس ببراعة الخطط، بل بجسارة التنفيذ. وتجسد ذلك في دروسه الثلاثة؛ أولها أن استقرار الاقتصاد الكلي والانضباط المالي هما حجر الزاوية لأي نهوض، وثانيها أن الإصلاحات الهيكلية لا قيمة لها دون مؤسسات قادرة على تنفيذها، إذ تنبع المصداقية من الحوكمة والشفافية لا من الوعود. أما الدرس الثالث، فهو أن التعاون الدولي متعدد الأطراف بات ضرورة وجودية لحماية هذه الأسواق من الصدمات المتكررة.

هذه «الثلاثية» (الاستقرار، وكفاءة المؤسسات، والتعاون) هي التي تلخص فلسفة التحول الجديدة؛ حيث لم تعد الأسواق الناشئة مجرد ساحة للتجارب، بل أصبحت هي المنصة التي تُصاغ منها الحلول لمواجهة تحديات الدين وتباطؤ التجارة. غير أنَّ هذه الرسائل لم تغفل الجانب التنبيهي؛ إذ إنَّ هذه الأسواق - ورغم تفوقها النموذجي على الاقتصادات المتقدمة - لا تزال تتحرك فوق أرضية ملغومة بالديون المرتفعة، مما يجعل من دعوة الجدعان لتحويل المؤسسات إلى «أدوات تنفيذية مرنة» المرتكز الذي لا يقبل المساومة لضمان استدامة النمو.

وكانت انطلقت أعمال النسخة الثانية من مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة 2026، الأحد، الذي تحتضنه محافظة العلا الواقعة (غرب السعودية) بالشراكة بين وزارة المالية وصندوق النقد الدولي، وبمشاركة رفيعة المستوى من صُنّاع القرار الاقتصادي، ووزراء مالية، ومحافظي بنوك مركزية، وقادة مؤسسات مالية دولية، ونخبة من الخبراء والمختصين من مختلف دول العالم.

«مجموعة العشرين»

وفي كلمته الافتتاحية، أوضح الجدعان أن هذه الاقتصادات أصبحت المُحرِّك الرئيسي للنشاط الاقتصادي الدولي بعد أن تضاعفت حصتها في الاقتصاد العالمي بأكثر من مرتين منذ عام 2000، لافتاً إلى أن أكبر 10 اقتصادات ناشئة في «مجموعة العشرين» تمثل وحدها الآن أكثر من نصف نمو العالم.

وتابع أن الاقتصاد العالمي يمرُّ بلحظة تحول عميق، تقودها الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، التي باتت تُشكِّل اليوم نحو 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من حيث القوة الشرائية، وتسهم بأكثر من 70 في المائة من النمو العالمي.

جانب من حضور وزراء ومسؤولين في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأشار إلى أنه رغم هذا الدور المحوري، فإن هذه الاقتصادات تواجه بيئةً دوليةً تزداد تعقيداً وتشرذماً، مع ارتفاع مستويات الديون، وتباطؤ نمو التجارة العالمية، وزيادة التعرُّض للصدمات الجيوسياسية.

وحذَّر الجدعان من أن أكثر من نصف البلدان منخفضة الدخل تعاني حالياً من ضائقة ديون، أو تقع تحت خطرها، في وقت تراجعت فيه معدلات نمو التجارة إلى نحو نصف ما كانت عليه قبل الجائحة، مما يفرض ضرورة تبني استجابة سياسية منسقة ونابعة من الملكية الوطنية للدول؛ لضمان فاعلية مواجهة هذه التحولات الهيكلية.

الإصلاحات الهيكلية

وشدَّد على أن التجربة السعودية خلال العقد الماضي عزَّزت دروساً أساسية، في مقدمتها؛ الاستقرار الاقتصادي الكلي هو الأساس المتين للنمو وليس عائقاً له، وأن مصداقية السياسات تأتي من كفاءة التنفيذ والقدرة على ترجمة الاستراتيجيات إلى نتائج ملموسة، وليس من مجرد الخطط.

وفي هذا السياق، أكد أن الإصلاحات الهيكلية جاءت ثانياً، وهي لا يمكن أن تحقق نتائجها المرجوة ما لم تدعمها مؤسسات قوية وقادرة على الإنجاز، مشيراً إلى أن الحوكمة والشفافية تظلان الضمانة الأساسية لتحويل الرؤى إلى أثر ملموس على أرض الواقع.

ولفت الجدعان إلى أن تعزيز التعاون الدولي، وتفعيل دور المؤسسات متعددة الأطراف يأتي ثالثاً، مثل صندوق النقد والبنك الدوليَّين، ليس فقط بوصفها جهات إقراض، بل بوصفها بمثابة مستشارين موثوقين لدعم الاقتصادات الناشئة في رحلتها وسط الصدمات المتكررة.

النمو دون المستويات

من جهتها، ذكرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، أن النمو العالمي لا يزال دون مستويات ما قبل الجائحة، محذرة من أن ذلك يثير القلق في ظل توقع التعرض لمزيد من الصدمات، مع تآكل الهوامش المالية في كثير من الدول، وارتفاع ضغوط الإنفاق ومستويات الدين.

وحدَّدت غورغييفا أولويَّتين للسياسات؛ الأولى إطلاق نمو يقوده القطاع الخاص عبر تقليص البيروقراطية، وتعميق الأسواق المالية، وتعزيز المؤسسات وتحسين الحوكمة، إلى جانب تمكين الشباب من اكتساب مهارات وظائف المستقبل وتشجيعهم على ريادة الأعمال.

أما الثانية، فتعزيز التكامل في عالم يشهد تبدل التحالفات وأنماط التجارة، عبر اغتنام فرص التعاون الإقليمي وعبر الأقاليم، وخفض الحواجز بما يحافظ على التجارة بوصفها محركاً للنمو.

وأبانت غورغييفا أن إطلاق المؤتمر، العام الماضي، جاء اعترافاً بالدور المتنامي للاقتصادات الناشئة في عالم يشهد تحولات واسعة في الجغرافيا السياسية والتكنولوجيا والتجارة.

وطبقاً لمديرة صندوق النقد الدولي، فإن السياسات الجيدة تؤتي ثمارها، وإن معدلات النمو في الاقتصادات الناشئة تبلغ نحو 4 في المائة هذا العام، متجاوزة بفارق كبير نظيرتها في الاقتصادات المتقدمة، البالغة قرابة 1.5 في المائة، بينما تزيد حصة الاقتصادات الناشئة من الاقتصاد العالمي على 56 في المائة.

غورغييفا تتحدث إلى الحضور في مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

التجارة والاستثمار

من ناحيته، أكد وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم، على ضرورة السرعة والمرونة في صنع السياسات لاقتصادات الأسواق الناشئة، قائلاً: «الوقت ليس محايداً، فالتأخير يحمل تكلفة اقتصادية كلية تتراكم بمرور الوقت، لذلك تمكنت الدول التي استطاعت ضغط دورات اتخاذ القرار مع الحفاظ على الثقة والمصداقية من تحويل تلك السرعة إلى ميزة استراتيجية».

وزاد الإبراهيم، أن السعودية «ستظل منارة للبراغماتية في شراكاتها»، وستعمل كأنها حلقة وصل تخلق منصة للفرص من جميع أنحاء العال، مفيداً أن التجارة والاستثمار لا يزالان محركين أساسيين للنمو والمرونة لاقتصادات الأسواق الناشئة.

وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)

وأردف وزير الاقتصاد والتخطيط: «أمامنا اليوم فرصة لبحث آليات المواكبة مع نظام التجارة المتطور، واستكشاف كيف يمكننا تحقيق قيمة أكبر من خلال ذلك»؛ مؤكداً على الدور الاستراتيجي للمؤسسات في ضمان المواءمة مع نظام التجارة العالمي.

المخاطر الجيوسياسية

من جانبه، صرّح وزير المالية الصيني لان فوان آن، بأن الاقتصادات الناشئة والنامية تواجه 3 تحديات رئيسية، تشمل ضعف زخم النمو، واتساع فجوات التنمية، وازدياد أوجه القصور في منظومة الحوكمة الاقتصادية العالمية.

وتابع أن الاقتصاد العالمي سجَّل نمواً بنحو 3.3 في المائة خلال عام 2025، وهو أقل من متوسط ما قبل الجائحة، مؤكداً أن ذلك يعود إلى تصاعد الحمائية وازدياد عدم اليقين الجيوسياسي، وما نتج عن ذلك من تباطؤ في التجارة العالمية، وتجزؤ الاقتصاد الدولي.

وزير المالية الصيني في كلمته الخاصة خلال مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأكمل أن هذه التطورات أسهمت في تعطيل تخصيص الموارد عالمياً وتعميق الفجوة التكنولوجية، لا سيما في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، في وقت لا تزال فيه الدول النامية متأخرة في حجم الاستثمارات التقنية. وحسب لان فوان آن، فإن أوضاع الديون في الدول منخفضة الدخل واصلت التدهور، ما يقيّد نمو الاستهلاك والاستثمار، ويؤثر سلباً على جهود التنمية، مشيراً إلى أن دول الجنوب العالمي تمثل نحو 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتسهم بنحو 75 في المائة من النمو العالمي.

السياسات النقدية

من جهة أخرى، أفاد محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، بأن حالة عدم اليقين الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية، مشيراً إلى 4 أسباب رئيسية لذلك؛ تتمثل في التجزؤ الجيوسياسي، والتسارع الكبير في التطورات التكنولوجية - لا سيما الذكاء الاصطناعي- وتقلبات أسعار السلع، إضافة إلى النمو المتنامي للوساطة المالية غير المصرفية.

وأبان السياري أن آليات انتقال السياسات النقدية التقليدية بدأت تظهر علامات ضعف مع تراجع دور القنوات المصرفية التقليدية، في وقت تجاوزت فيه أصول الوساطة المالية غير المصرفية 51 في المائة من إجمالي الأصول المالية العالمية، ما أدّى إلى زيادة حساسية الأسواق لتقلبات السيولة، وظهور ضغوط متكررة عبر آليات، مثل طلبات تغطية الهوامش، وخصومات الضمانات، وعمليات خفض المديونية المتزامنة.

محافظ البنك السعودي المركزي في جلسة حوارية (الشرق الأوسط)

وزاد أن الصدمات التي تواجه النظام المالي العالمي أصبحت متعددة الأبعاد وأكثر تكراراً، وغالباً ما تكون خارجية بالنسبة للاقتصادات الناشئة التي تعاني أصلاً تحديات داخلية تزيد من حدة التقلبات.

وتحدث السياري عن تجربة المملكة، موضحاً أنها اعتمدت على هوامش احتياطية للحفاظ على الاستقرار المالي والأسواق، وأظهرت أهمية السياسات المعاكسة للدورات الاقتصادية في الحد من التقلبات، مشيراً إلى أن تراكم الاحتياطيات خلال فترات النمو يستخدم استراتيجياً لدعم ميزان المدفوعات وتخفيف أثر تقلبات أسعار السلع.

وشرح أن ربط الريال بالدولار الأميركي أسهم في ترسيخ استقرار الأسعار، لافتاً إلى أن متوسط التضخم خلال السنوات الخمس الماضية ظل دون مستوى 3 في المائة.

التضخم

أما محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، فيرى أن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات، مشيراً إلى أن مستوى النشاط الاقتصادي تأثر بهذه الضبابية مع تفاوت الزخم بين الدول والقطاعات والمناطق، غير أن الاقتصاد العالمي أثبت قدرة واضحة على التكيف مع مشهد سريع التغير.

وأردف، أن التضخم لم يرتفع بشكل ملحوظ خلال العام الماضي، رغم استمرار ضغوط تكاليف المعيشة في كثير من الدول، مضيفاً أن الأوضاع المالية العالمية كانت داعمة إلى حد كبير على الرغم من فترات التقلب وارتفاع عوائد السندات السيادية.

وفيما يتعلق بالنظام المالي، شرح أن الإصلاحات التي أعقبت الأزمة المالية جعلته أكثر متانة وقدرة على امتصاص الصدمات الكبيرة رغم انتقال جزء من الوساطة المالية من البنوك إلى المؤسسات غير المصرفية، مؤكداً أن البنوك لا تزال مصدراً أساسياً للائتمان والسيولة.

إصلاحات السعودية

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر العلا، أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، البروفسور بول أنتراس، أن السعودية تقدِّم نموذجاً استثنائياً في مشهد التحولات التجارية العالمية، يختلف جذرياً عن القوالب التقليدية للأسواق الناشئة. وعدّ أن العولمة لم تنتهِ، بل أعادت تشكيل نفسها فيما سماه «التكامل المجزأ».

ولفت أنتراس إلى أن «رؤية السعودية» وإصلاحاتها الهيكلية تضعانها في موقع متميز للاستفادة من «التكامل المجزأ» الذي يشهده العالم، مشدداً على أن رهان المملكة على التحول اللوجيستي والذكاء الاصطناعي هو المحرك الحقيقي لنمو مستدام يتجاوز ضجيج الأزمات العالمية.

أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد البروفيسور بول أنتراس خلال حديثه إلى الحضور في المؤتمر (الشرق الأوسط)

وعن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة على خطط الدول الناشئة للتحول نحو الصناعات المعقدة، أجاب أنتراس: «تحد أسعار الفائدة المرتفعة، مضافة إليها علاوة المخاطر التي تواجهها الأسواق الناشئة، دون شك من الاستثمارات. التصدير يتطلب ائتماناً واستثماراً وتحسيناً للجودة. ولكن الفائدة ارتفعت لسبب جوهري، وهو أنها تعكس توقعات نمو عالية ناتجة عن الذكاء الاصطناعي والتغيُّر التكنولوجي».

ووفق أنتراس، فإن هذا النمو هو المخرج، فـ«إذا تحقَّقت إمكانات النمو هذه، فستتحسَّن الإنتاجية بشكل كبير، مما يساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة على التنبؤ بالطلب بشكل أفضل والعثور على أسواق لم يتم استغلالها من قبل. لذا، نعم، الفائدة قوة سلبية، لكن إذا كانت مدفوعةً بإمكانات نمو حقيقية، فقد لا يكون الأمر بهذا السوء».


السعودية ومصر تؤكدان جاهزية موانئهما لعودة الملاحة بعد استقرار أوضاع المنطقة

رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
TT

السعودية ومصر تؤكدان جاهزية موانئهما لعودة الملاحة بعد استقرار أوضاع المنطقة

رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)

أكد سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية»، على جاهزية المواني السعودية وقناة السويس لاستقبال عودة الخطوط الملاحية الكبرى للعبور مرة أخرى من المنطقة بعد استقرار الأوضاع.

وعبر المزروع، خلال لقائه الفريق أسامة ربيع رئيس هيئة قناة السويس المصرية، على هامش فعاليات المؤتمر السنوي الدولي للنقل البحري واللوجيستيات (مارلوج) بالقاهرة، عن تقديره لجهود هيئة قناة السويس في تعزيز الاستدامة والاستقرار لحركة الملاحة العالمية المارة بمنطقة البحر الأحمر وباب المندب.

تجدر الإشارة إلى أن منطقة البحر الأحمر كانت تشهد فترة من الاضطرابات الملاحية، بسبب الهجوم على السفن التجارية، من قبل جماعة الحوثيين اليمنية، غير أن التوصل لوقف إطلاق النار في غزة، ساهم في توقف الحوثي بنسبة كبيرة عن تلك الهجمات، وعودة خطوط الملاحة الدولية الكبرى للمرور من قناة السويس، التي يمر بها نحو 12 في المائة من التجارة العالمية.

وأبدى المزروع رغبته في التعاون مع قناة السويس في مجال بناء المعديات، فضلاً عن التعاون مع شركات الهيئة العاملة في مجالات التكريك وأعمال الأرصفة، لا سيما مع اتجاه المملكة لتطوير ميناء جدة والقيام بالعديد من مشروعات البنية التحتية.

وشدَّد رئيس «الهيئة العامة للموانئ» بالمملكة العربية السعودية على أن التعاون مع هيئة قناة السويس يعكس قوة العلاقات الثنائية بين البلدين ووحدة الأهداف، متوقعاً أن تشهد الفترة المُقبلة مزيداً من التعاون البنَّاء بين الجانبين.

من جانبه، صرَّح الفريق أسامة ربيع، أنه بحث مع المزروع، سبل التعاون المستقبلي، والتباحث حول آليات التعاون في مجالات تقديم الخدمات اللوجيستية، وبناء الوحدات البحرية، وأعمال المواني والتكريك.

وأعرب ربيع، وفقاً لبيان صحافي صادر عن هيئة قناة السويس، عن تطلعه «لتعزيز علاقات الشراكة والصداقة ومد جسور التعاون لتشمل مجالات عمل جديدة بما يتناسب مع طبيعة المرحلة الراهنة في ضوء تطور مفهوم الخدمات البحرية واللوجيستية بهيئة قناة السويس وزيادة متطلبات المواني البحرية السعودية».

وأكد الفريق ربيع أن «هيئة قناة السويس تمتلك تجربة تعاون ناجحة مع (هيئة الموانئ السعودية) حيث قامت أكاديمية المحاكاة والتدريب البحري التابعة للهيئة بعملية نمذجة ناجحة لميناء رأس الخير في السعودية تمهيداً لتنفيذ عملية ازدواج لقناة الاقتراب في الميناء، وهو التعاون الذي شهد إشادة كبيرة من جانب وفد (هيئة الموانئ السعودية)».

واستعرض ربيع جهود توطين الصناعة البحرية في الترسانات والشركات التابعة لهيئة قناة السويس والتي شهدت طفرة كبيرة خلال العامين الماضيين تحت شعار «صنع في مصر» بجودة عالمية وأسعار تنافسية.

بدأت فعاليات المؤتمر السنوي الدولي للنقل البحري واللوجيستيات (مارلوج) في نسخته الخامسة عشر، والذي تنظمه الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري تحت رعاية جامعة الدول العربية وبالتعاون مع وزارة النقل المصرية بالقاهرة، خلال الفترة من 8 - 10 فبراير (شباط) الحالي.

وأشار رئيس الهيئة إلى أن إحصائيات الملاحة بالقناة خلال النصف الأول من العام المالي (2025/ 2026) شهدت تحسناً نسبياً مُسجلة نمواً في أعداد السفن العابرة بنسبة 5.8 في المائة، وارتفاعاً في الحمولات الصافية بنسبة 16 في المائة، بما انعكس إيجاباً على زيادة الإيرادات بنسبة 18.5 في المائة، وذلك مقارنة بالفترة ذاتها من العام المالي 2024/ 2025.

وأضاف أن حركة الملاحة بالقناة منذ بداية العام الحالي 2026 سجلت عبور 1315 سفينة بإجمالي حمولات صافية 56 مليون طن محققة إيرادات قدرها 449 مليون دولار مقابل عبور 1243 سفينة بإجمالي حمولات صافية قدرها 47 مليون طن، محققة إيرادات قدرها 368 مليون دولار، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.