الثقافة البريطانية من سعة العالم إلى ضيق الجزيرة

«بريكست»... صندوق أغلقوه على أنفسهم

مظاهرة ضد «بريكست» في لندن التي من المتوقع أن تفقد مكانتها الثقافية لمصلحة مدن أخرى على البرّ الأوروبي
مظاهرة ضد «بريكست» في لندن التي من المتوقع أن تفقد مكانتها الثقافية لمصلحة مدن أخرى على البرّ الأوروبي
TT

الثقافة البريطانية من سعة العالم إلى ضيق الجزيرة

مظاهرة ضد «بريكست» في لندن التي من المتوقع أن تفقد مكانتها الثقافية لمصلحة مدن أخرى على البرّ الأوروبي
مظاهرة ضد «بريكست» في لندن التي من المتوقع أن تفقد مكانتها الثقافية لمصلحة مدن أخرى على البرّ الأوروبي

قضى السياسيون البريطانيون ونظراؤهم الأوروبيون آلاف الساعات خلال نصف العقد الماضي وهم يضعون خططهم ويتفاوضون حول قضايا الأمن والتجارة وحقوق العمال وحدود آيرلندا الشمالية وحرية تنقل الأفراد وقوانين الزراعة وصيد الأسماك في إطار تنظيم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي «بريكست» بعد عضوية استمرت لثلاثة عقود. وقد تنفس الجميع الصعداء لدى توصل لندن وبروكسل إلى اتفاق اللحظة الأخيرة بهذا الشأن قبل أيام قليلة من نفاد المهلة المخصصة والتي انتهت قبل ساعة واحدة من انطفاء العام 2020. لكن بعد كل ذلك الوقت و1200 صفحة من نص الاتفاق بدا أن الطرفين تناولا مختلف جوانب إنهاء العلاقة المعقّدة بينهما دون أن يتطرقا للبحث بجدية حول التأثيرات السلبية المحتملة لـ«بريكست» على قطاعات الثقافة والفنون، وأُهملت مسائل تمويلها بشكل مثير للرثاء.
ومن الجليّ أن البريطانيين مع بداية هذا العام لن يعود بمقدورهم التحليق في الفضاء الثقافي الأوروبي المفتوح بين الـ27 دولة أعضاء الاتحاد الباقين والذي نجح في تعميق السلام بين أمم تحاربت بقسوة خلال النصف الأول من القرن الماضي عابراً الحدود وحواجز اللغة ومانحاً شعوب القارة فرصاً عديدة لتذوق مختلف الإبداعات الثقافية والفنية لدى الشعوب الأخرى: في الموسيقى والأدب والرسم والتصوير والمسرح والشعر والغناء والرقص والسينما والإنتاج التلفزيوني ومقتنيات المتاحف والنحت ومختلف فنون الأداء والتعبير الإنساني. وهذا يعني بالضرورة أن الجزيرة التي أنتجت بعضاً من أهم الأفكار والاختراعات الإنسانية ستحرم نفسها اختيارياً الاستفادة من بضائع سوق أفكار لا يقل حجمها عن 500 مليون من البشر، وستبدد في طريقها رصيداً ضخماً من القوة الناعمة للمملكة المتحدة، وغالباً ما ستفقد العاصمة لندن التي يُزعم أنها أعظم مدينة في أوروبا و«العاصمة الثقافية للعالم» مكانتها رويداً رويداً لمصلحة مدن أخرى على البر الأوروبي.
المؤكد الآن بعد تمرير قانون جديد لتنظيم تنقلات الأفراد بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا أن معظم المؤسسات الثقافية لن تتمكن من توظيف مبدعين وفنانين أوروبيين بسهولة، ولن يكون مجدياً من الناحية العملية استضافتهم مؤقتاً لتقديم أعمالهم والمشاركة في أنشطة ثقافية مع نظرائهم البريطانيين. وفي الحقيقة أن العام المنصرم شهد نوعاً من قطيعة ثقافية بين الجانبين تآمر لفرضها وباء «كوفيد - 19» مع الغموض في إجراءات التأمين والتأشيرات والقيود المتوقعة على الهجرة والتنقلات والاستفادة من الخدمات الطبية والاجتماعية. وقد قررت عدة مؤسسات ثقافية كبرى وجامعات في المملكة المتحدة الامتناع بالفعل عن تنظيم مشاريع ثقافية رئيسية بين سبتمبر «أيلول» 2019 لنهاية صيف 2021، مما ضاعف من هذه الفجوة في المبادلات الثقافية، وأُلغيت مشاركة المملكة المتحدة في برنامج «إيراسموس» الذي سمح عبر السنوات بتنقل ملايين التلاميذ والمعلمين والخريجين بين بلدان الاتحاد والذي كانت بريطانيا من أكثر الدول الأعضاء استفادة منه.
ولن يقتصر الأمر حتماً على موضوع انتقال الأفراد فحسب، إذ إن كثيراً من التقصير الحكومي البريطاني في دعم الأنشطة الثقافية والمظاهرات الفنية كان يعوَّض عبر التمويل الذي كانت تقدمه مؤسسات الاتحاد الأوروبي لمشاريع ثقافية وإبداعية في المملكة المتحدة بمعدل 50 مليون جنيه إسترليني سنوياً. كما سيفقد منتجو وموزّعو الثقافة والفنون البريطانيون ميزة التعامل بالمثل عبر القارة التي تتمتع بها الدول الأعضاء في الاتحاد. فالعديد من دور السينما البريطانية مثلاً، كما صانعي الأفلام والمهرجانات السينمائية، كانت تحصل على دعم وحوافز لتسهيل إنتاج وتوزيع وعرض المواد في الأسواق الأوروبية المختلفة، وكذلك تمكين الجمهور المحلي من مشاهدة أعمال مبدعة سوى تلك التي ينتجها العالم الأنغلوفوني: من اسكندنافيا، وفرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا وشرق أوروبا، وهذا التنوع كله سينتهي إلى عزلة إبداعية تكرّس على المدى المتوسط والبعيد المناخ الاستقطابي والشوفيني المتصاعد في البلاد، فيما ستجد دول منافسة مثل آيرلندا –ومستقبلاً اسكوتلندا إن نجحت في جهودها للعودة إلى الاتحاد الأوروبي- الفرصة سانحة لاقتطاع قطعة معتبرة من حصة استديوهات الإنتاج ومواقع التصوير البريطانية التي كانت تأتي عالمياً في المركز الثاني فقط بعد هوليوود.
وما ينطبق على صناعة السينما والأفلام والتلفزيون يمتد بشكل أو آخر إلى مختلف القطاعات الثقافية البريطانية التي شرعت منذ بعض الوقت بفقدان بعضاً من «نجومها» من الفنانين والأكاديميين الأوروبيين لمصلحة دول أوروبية أخرى وبعضهم على الأقل يشكّلون قيمة إضافية إبداعية أو في تخصصات دقيقة لن يسهل تعويضها محلياً. كما أن التغييرات بشأن إجراءات التصدير والضرائب والجمارك لن تكون بالتأكيد لصالح تجارة التحف والأعمال الفنية الثمينة، وستفقد لندن ميزات كبرى بصفتها سوقاً عالمية للتجارة الفنية الأوروبية لمصلحة عواصم الفن الأخرى مثل باريس وميلان وغيرها.
المعروف أن معظم المشتغلين بالثقافة والفنون صوّتوا ضد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وحسب اتحاد الصناعات الإبداعية فإن 94% من أعضاء اتحاد الصناعات الإبداعية في المملكة المتحدة أعربوا مبكراً عن معارضتهم لذلك التوجه بمجمله، فيما قال 100% من المشاركين في استطلاع لمجلس الفنون بإنجلترا إنهم قلقون على مستقبل الثقافة والفنون في البلاد. ويبدو الأمر الآن بعد تنفيذ «بريكست» بمثابة كابوس تحقق بالنسبة للعديد من الفنانين والكتاب والأكاديميين والوسطاء الثقافيين. وبصرف النظر عن المشكلات الأكثر واقعية المتمثلة في خسارة محتملة للإيرادات، أو انخفاض أعداد الجمهور أو تراجع فرص التبادل والتجارة الثقافية مع السوق الأوروبية المهمة، فإن الخشية الآن هي من تعزز الصدع الاجتماعي الصارخ الذي يفصل بين مخيمَي المغادرة والبقاء في المجتمع البريطاني، والتصاعد البغيض لمظاهر كراهية الأجانب والمهاجرين، وسقوط مزيد من المواطنين العاديين في مصيدة الانعزال والذعر من الآخر التي أطلقها السياسيون والصحافيون المنخرطون في الحنين الإمبراطوري الموهوم.
لعدة قرون كانت بريطانيا أعتى قوة استعمارية على وجه الأرض، وبنت إمبراطورية لا تغيب عن أرضها الشمس عبر مزيج شرير من العنف الممنهج، وقهر الشعوب وتجارة العبيد والمخدرات وكل أشكال الخداع السياسي والدبلوماسي. لكن كمصير كل إمبراطورية ووفق سنن التاريخ التي لا ترحم، تلاشت قواها نهاية المطاف لمصلحة صعود إمبراطورية أخرى أكثر عتواً وأقدر على فرض هيمنتها في عالم جديد. ربما لم يبقَ لبريطانيا بعدها سوى خيار إنساني عقلاني واحد: الإقلاع عن الغطرسة الإمبراطورية، والاعتراف بجرائمها التاريخية والاعتذار عنها أمام العالم، والمضيّ قدماً بشجاعة ولطف -بعيداً عن إدمان التسلط القديم والعداوات الموهومة مع الجيران- والانخراط في حوار بنّاء من أجل مستقبل أفضل للبشرية والكوكب المهدَّد بالفناء، ولعب دور القوة الدافعة من أجل السلام. لكنّ نخبة سياسيين محترفين مؤدلجين أقصت هذا الخيار الشجاع ووجدت في مسألة العلاقة مع الاتحاد الأوروبي –غير المنزّه حتماً عن الأخطاء- فرصة للاختباء من حكم التاريخ، والهروب من سعة العالم الفسيح إلى ضيق الجزيرة الصغيرة، والانعزال في الظلام ولعق جروح حقيقية وأخرى متوهَّمة، واستعراض عضلات تكلست منذ عقود، والتلهف لذلك الماضي الرهيب الذي حوّلته الرؤية النرجسية إلى منجز ذهبي برّاق.
«بريكست» كان خياراً انعزالياً رجعياً، ولعبة سياسيين ستدفع ثمنها الثقافة والفنون، ومعها جيل كامل من الشبان البريطانيين الذين سيفتحون عيونهم في ظلام صندوق أغلقته هذه الأمة على نفسها.



المتحف المصري الكبير ضمن قائمة عالمية لأفضل المعالم السياحية في 2026

المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
TT

المتحف المصري الكبير ضمن قائمة عالمية لأفضل المعالم السياحية في 2026

المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

جاء المتحف المصري الكبير ضمن الأماكن التي اختارها تقرير عالمي للزيارة خلال 2026، وفقاً لما نشرته مجلة «Time»، مسلطة الضوء على أفضل المعالم السياحية والأثرية على مستوى العالم التي يُنصح بزيارتها خلال عام 2026، وكان المتحف ضمن هذه القائمة.

ووفق بيان لوزارة السياحة والآثار، السبت، أشاد التقرير بالمجموعات الأثرية التي تُعرض بالمتحف، ووصفها بـ«الاستثنائية التي تجسّد عراقة الحضارة المصرية عبر آلاف السنين»، مشيراً إلى أن هذا الصرح الثقافي يمثّل إضافة نوعية وداعماً رئيسياً لقطاع السياحة في مصر.

وأضاف التقرير الذي نشرته «تايم»، أن المتحف يُجسّد نقلة نوعية في أساليب حفظ الآثار وصونها، حيث تم تزويد قاعاته بأحدث تقنيات التحكم البيئي بما يضمن الحفاظ الأمثل على القطع الأثرية، لافتاً إلى كنوز الملك توت عنخ آمون التي تُعدّ من أبرز ما يميّز المتحف.

وأشار التقرير إلى أن جاذبية المتحف بالنسبة للعديد من الزائرين تكمن في تقديم تجربة فريدة تجمع بين البساطة والعمق، حيث يتيح لهم فرصة مشاهدة أشهر كنوز الحضارة المصرية في موطنها الأصلي.

افتتاح المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

ويُعدّ المتحف المصري الكبير أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة «حضارة مصر القديمة»، ويمتد على مساحة 490 ألف متر مربع، ويضم أكثر من 57 ألف قطعة أثرية تروي تاريخ مصر عبر العصور، وتعود أقدم قطعة أثرية فيه إلى 700 ألف عام قبل الميلاد، في حين يرجع تاريخ أحدث قطعة إلى عام 394 ميلادياً. ويضم بهواً رئيسياً به تمثال للملك رمسيس الثاني، بالإضافة إلى الدرج العظيم الذي يمتد على مساحة نحو 6 آلاف متر مربع، بارتفاع يعادل 6 طوابق، وفق بيان سابق لرئاسة مجلس الوزراء المصري.

كما يضم المتحف 12 قاعة عرض رئيسية بمساحة نحو 18 ألف متر مربع، وقاعات عرض مؤقتة بمساحة نحو 1700 متر مربع، وكذلك قاعات لعرض مقتنيات الملك توت عنخ آمون على مساحة تقارب 7.5 ألف متر مربع، وتشمل أكثر من 5 آلاف قطعة من كنوز الملك تُعرض مجتمعة لأول مرة، بالإضافة إلى متحف الطفل بمساحة نحو 5 آلاف متر مربع، ومن المتوقع أن يجذب المتحف نحو 5 ملايين زائر سنوياً.

وعدّ الخبير الأثري والمتخصص في علم المصريات، أحمد عامر، المتحف المصري الكبير «صرحاً متكاملاً يجمع بين الآثار والحضارة والتاريخ والعراقة والتصميم الحديث»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن المتحف «يمثّل نقلة حضارية لعرض الآثار به، ويتفرد ويتميز بأسلوب العرض المتحفي. كما يضم المجموعة الكاملة للملك توت عنخ آمون، بالإضافة إلى ما يقرب من 20 ألف قطعة أثرية تُعرض لأول مرة».

وأشار عامر إلى أن المتحف قد حصد العديد من الجوائز منها جائزة «فيرساي» العالمية في عام 2024، إذ تم تصنيفه ضمن أجمل 7 متاحف في العالم خلال احتفالية نظمتها «اليونيسكو» في باريس، تقديراً لتميزه المعماري الذي يدمج التراث المصري بالمعايير البيئية العصرية، بالإضافة إلى جائزة الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين (فيديك) عام 2024، وأحدث انتعاشة كبيرة للسياحة الثقافية في مصر منذ افتتاحه.

وافتتح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 في حفل أسطوري حضره 119 وفداً دولياً تضمّن رؤساء وملوك وأمراء عدد من الدول، وشهدت الأيام الأولى لافتتاح المتحف أمام الجمهور زخماً كبيراً في الحضور، بمعدل نحو 19 ألف زائر يومياً، وفق ما أعلنه في ذلك الوقت الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف. في حين توقعت وزارة السياحة والآثار أن يزور المتحف يومياً نحو 15 ألف زائر.


رحيل سمير غريب مؤرخ السريالية المصرية

سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
TT

رحيل سمير غريب مؤرخ السريالية المصرية

سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)

عن عمر يناهز 72 عاماً، غيّب الموت في القاهرة مؤرخ السريالية المصرية، وأحد أبرز قيادات وزارة الثقافة المصرية سابقاً الكاتب سمير غريب، صاحب البصمات الواضحة ومؤسس العديد من المؤسسات الثقافية المصرية مثل صندوق التنمية الثقافية الذي شهدت فترة إدارته ازدهاراً، كما أسس جهاز التنسيق الحضاري ووضع إطار عمله، ولم يتمكن من تفعيل دوره بسبب قلة الإمكانات، وفق قول الفنان التشكيلي محمد عبلة، الذي أضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «سمير غريب أول من كتب عن السريالية في مصر، ووضعها في بؤرة الاهتمام. فحين كان في باريس تعرف على أعمال عدد من فنانيها، وكتب مجموعة من المقالات أصدرها في كتاب فيما بعد، كان وقتها ما زال عدد من فناني السريالية المصريين على قيد الحياة مثل أنور كامل، وكامل التلمساني، وهو ما ساعده في سبر أغوار كثير من الأمور لإصدار كتاب (السريالية في مصر) الذي يعد أهم وثيقة عن السريالية المصرية».

وقام سمير غريب بتنظيم معرض خلال شهري نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول) من عام 1987 بعنوان كتابه «السريالية في مصر» في المركز المصري للتعاون الثقافي الدولي بوزارة الثقافة بالقاهرة. وكان هذا المعرض هو الوحيد الذي جمع أعمالاً فنية ووثائق ومتعلقات شخصية لرواد السريالية في مصر، حصل عليها غريب من أُسر الفنانين رمسيس يونان، وفؤاد كامل، وكامل التلمساني، وسمير رافع، وإنجي أفلاطون، وبن بهمان، وإيمي نمر.

ونعت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، الكاتب سمير غريب، الرئيس الأسبق لجهاز التنسيق الحضاري، وقالت في بيان أصدرته الوزارة، السبت، إن مسيرة الكاتب الراحل حافلة بالعطاء الثقافي والفكري. وكان أحد القامات الثقافية البارزة، وصاحب إسهامات مهمة في دعم الحركة الثقافية في مصر، وأسس وأدار صندوق التنمية الثقافية، وتولى رئاسة دار الكتب والوثائق القومية، قبل أن يُكلَّف برئاسة الأكاديمية المصرية في روما، وصولاً إلى تأسيسه ورئاسته لجهاز التنسيق الحضاري.

وأشارت وزيرة الثقافة إلى أن «سمير غريب كان مثقفاً متفرداً جمع بين الفكر والنقد والعمل المؤسسي، وأثرى الثقافة بعدد كبير من المؤلفات، وكرّس جهده لخدمة الثقافة المصرية، والدفاع عن الهوية الحضارية، ما يجعله واحداً من الرموز التي ستظل حاضرة في الوجدان الثقافي».

سمير غريب خلال مناقشة كتابه «السريالية في مصر» (صفحته على «فيسبوك»)

ولد سمير غريب عام 1954 بمدينة منفلوط بمحافظة أسيوط، وتلقى تعليمه في مدارسها، قبل أن يلتحق بكلية الإعلام بجامعة القاهرة، حيث حصل على بكالوريوس الصحافة في مايو (أيار) 1975، وبدأ حياته العملية صحافياً في جريدة الأخبار، وفي منتصف الثمانينات كتب مقالات نقدية في الفن التشكيلي عن السريالية في مصر بمجلة الكواكب، ثم أصدرها في كتاب، قبل أن ينتقل للعمل بوزارة الثقافة التي تقلد فيها مناصب عديدة منها وكيل وزارة الثقافة ورئيس قطاع مكتب الوزير، ثم أسس صندوق التنمية الثقافية وتولى رئاسته في أهم فترات ازدهاره، وتولى خلال مسيرته منصب رئيس دار الكتب والوثائق القومية، ورئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، ومدير الأكاديمية المصرية للفنون في روما، وعضو مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر في مجلس الكاتب الكبير سعد الدين وهبة 1997.

وقال مدير مهرجان الإسكندرية السينمائي، الأمير أباظة، إنه عرف الراحل سمير غريب في منتصف الثمانينات عندما كان يكتب مقالاته عن «السريالية في مصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «التقينا خلال هذه المرحلة وتوثقت علاقتنا إلى أن جاء الفنان فاروق حسنى وزير الثقافة الأسبق وعينه وكيلاً للوزارة، ثم رئيساً لصندوق التنمية الثقافية، وقتها بدأ اهتمامه الحقيقي بدعم السينما حيث أسس أرشيفاً للصور السينمائية، وقام بشراء نيجاتيف هذه الصور، ودعم مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ومهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط».

و«أعاد سمير غريب مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام الوثائقية والروائية القصيرة بعد توقف سنوات، وعين الناقد السينمائي سمير فريد رئيساً له، كما أشرف على طباعة بانوراما السينما المصرية الروائية التي كانت حجر الأساس في حفظ تاريخ السينما المصرية والتي قام بها الناقد والمؤرخ السينمائي أحمد الحضري والناقد محمد عبد الفتاح، كما أنه قام بإعادة المهرجان القومي للسينما ودمجه مع المهرجان القومي للأفلام القصيرة»، وفق قول أباظة.

وأصدر الكاتب الراحل العديد من المؤلفات النقدية خلال مشواره انصب معظمها على الفن التشكيلي منها «السريالية في مصر» 1986، و«راية الخيال» 1993، و«نقوش على زمن: صفحات من تاريخ الفن التشكيلي» 1997، و«في تأريخ الفنون الجميلة» 1998، و«كتاب الفن» 2003.


هشام سلام: «مصريبثيكس» يُعيد رسم خريطة تطوّر القردة... ومدرسة مصرية تُنافس عالمياً

هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
TT

هشام سلام: «مصريبثيكس» يُعيد رسم خريطة تطوّر القردة... ومدرسة مصرية تُنافس عالمياً

هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)

بينما يرى البعض في الصحراء مجرّد رمال شاسعة، يُنقّب أستاذ علم الحفريات الفقارية ومؤسِّس مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية، الدكتور هشام سلام، وفريقه في «سلام لاب»، عن صفحات مطوية من تاريخ الأرض، يعود بعضها إلى أكثر من 300 مليون سنة.

ولم يكن سلام، العائد من جامعة أكسفورد عام 2010، يحمل معه مجرّد شهادة دكتوراه، بل كان يحمل رؤية واضحة لتوطين علم الحفريات في مصر، وتحويل البلاد من «ميدان للبعثات الأجنبية» إلى موطن للباحثين المصريين؛ لذلك أسَّس مركز دراسة الحفريات الفقارية، الأول من نوعه في الشرق الأوسط، المعني بدراسة التراث الطبيعي والكائنات التي عاشت قبل ظهور الإنسان.

هشام سلام وأعضاء من فريقه في معمل مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)

وأثبت سلام أنّ النجاح الحقيقي لا يُقاس بما تُحققه وحدك، وإنما بما تتركه في عقول الآخرين، ومن قلب جامعة المنصورة، انطلقت تجربة «سلام لاب» لتكسر القواعد التقليدية للبحث العلمي، مُغلَّفة بروح الإصرار بأن العودة من الخارج ليست نهاية المطاف، بل بداية لبناء مدرسة علمية مصرية خالصة في علم الحفريات الفقارية، قادرة على منافسة المؤسّسات الكبرى عالمياً.

وعلى مدار السنوات الماضية، أنجز فريق «سلام لاب» سلسلة من الاكتشافات البارزة في الحفريات الفقارية بمصر، أبرزها اكتشاف نوع جديد من الحيتان البرمائية التي عاشت قبل نحو 43 مليون سنة، وبقايا ثدييات عمرها 30 مليون سنة، وديناصور «منصوراسورس»، أول ديناصور من العصر الطباشيري في أفريقيا عاش قبل 75 مليون سنة، بالإضافة إلى حفريات أسماك قديمة تعود إلى 56 مليون سنة. كما توَّج الفريق جهوده باكتشاف «مصريبثيكس»، الذي يعيد رسم خريطة تطور القردة العليا، ويضع مصر على خريطة تطوّر الرئيسيات عالمياً.

هشام سلام واثنان من أعضاء فريقه خلال معسكر ميداني في صحراء مصر (سلام لاب)

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يقول سلام إنّ اكتشاف «مصريبثيكس» يُعد محورياً، لأنه يمثل أقرب الأسلاف المشتركة للقردة العليا الحالية، مثل الشمبانزي وإنسان الغاب، ويقترح أنّ أصول هذه القردة قد تعود إلى شمال أفريقيا والمنطقة العربية، ممّا يعيد تشكيل فهم تطوّر الرئيسيات عالمياً.

ويضيف أنّ أهمية الاكتشاف لم تقتصر على القيمة العلمية فقط، بل تضاعفت بنشره في مجلة «ساينس»، إحدى أكثر المجلات العلمية تنافسية، إذ لا تتجاوز نسبة قبول البحوث فيها 6 في المائة. كما يحمل الاسم «مصريبثيكس» دلالة وطنية واضحة، إذ استُلهم من اسم مصر ليعكس الارتباط العميق لهذا الاكتشاف بهويتنا الوطنية.

بالنسبة إليه، يمثّل هذا الإنجاز فخراً على المستويين الشخصي والوطني، فهو تتويج لحلم بدأ منذ سنوات ببناء مدرسة علمية مصرية في مجال الحفريات الفقارية، قادرة على المنافسة عالمياً.

ويؤكد أنّ أي نجاح فردي يظلّ محدوداً، بينما المدرسة العلمية الحقيقية تستمر وتكبر عبر الأجيال، ومنذ وقت مبكر، وضع هدفاً واضحاً يتمثّل في بناء جيل جديد من الباحثين يحمل الشغف والمسؤولية نفسيهما، وينقل الخبرة، ويخلق بيئة تدعم تطورهم العلمي، لأنّ الاستدامة الحقيقية لأي إنجاز علمي تعتمد على استمرارية الأجيال وتكاملها.

رسم تخيّلي لـ«مصريبثيكس» (سلام لاب)

ويرى سلام أنّ فكرة «سلام لاب» نشأت من إيمانه العميق بأنّ العمل الجماعي هو أساس أي إنجاز حقيقي، وما يميّز الفريق هو وضوح هدفه: العمل من أجل العلم، ومن أجل بعضهم البعض، ولرفع اسم مصر في المحافل العلمية الدولية، وهذه الروح المشتركة تجعل كلّ عضو يشعر بأنه جزء من رسالة أكبر، وليست وظيفة أو مشروعاً بحثياً.

ويشير سلام إلى أنه استطاع من خلال عمل الفريق إعادة تشكيل حضور مصر في علم الحفريات، بعدما كان هذا المجال يعتمد لمدّة طويلة على بعثات أجنبية، واليوم أصبح للباحثين المصريين دور قيادي، ويبرز اسم مصر بقوة في البحوث والمنشورات العلمية العالمية، ويُعترف بهذا الدور في المؤتمرات والمحافل الدولية.

من احتفالية جامعة المنصورة بإنجاز فريق هشام سلام بعد نشر بحثه الأخير في «ساينس» (سلام لاب)

ويصف سلام «سلام لاب» بأنه عائلة قبل أن يكون مختبراً؛ فالفريق ليس مجرّد مكان للعمل، بل مساحة تجمع أشخاصاً يحملون الحلم والشغف نفسه بالعلم. ومع الوقت والعمل الحقلي، والتحدّيات، والنقاشات العلمية، تتكوَّن روابط أقوى بكثير من الزمالة، ويصبح كلّ فرد سنداً للآخر، ويشعر الجميع بأنهم جزء من حلم أكبر.

وعن قدرته في إدارة فريق علمي متعدّد الأجيال، يشير إلى أن السرّ يكمن في إرساء فكرة واضحة لكلّ عضو. فلكلّ شخص دور مهم، وكل إسهام، مهما بدا بسيطاً، يمكن أن تصنع فرقاً. فكلّ جيل يتحمّل مسؤولية تمهيد الطريق للجيل التالي وتخفيف الصعوبات عنه، وعندما يدرك الفريق أنهم شركاء في النجاح، يصبح نجاح أيّ فرد نجاحاً للجميع، ويظل الفريق قوياً ومستداماً.

جزء من الفك السفلي لـ«مصريبثيكس» مع الضرس الثالث الأيمن لحظة الاكتشاف (سلام لاب)

ويرى سلام أنّ الباحث المصري يمتلك الذكاء والاجتهاد والطموح للوصول إلى العالمية، وما يحتاج إليه غالباً هو البيئة الداعمة من إمكانات أفضل، ومعامل متخصّصة، ودعم مؤسّسي مستمر. ويشير إلى أنّ جامعة المنصورة أحرزت خطوات مُشجِّعة في هذا الاتجاه، من خلال دعم المشروعات البحثية وتوسيع هذا الدعم بما يبعث على التفاؤل.

الدكتور هشام سلام وأحد أعضاء فريقه خلال معسكر ميداني في صحراء مصر (سلام لاب)

ويؤكد للشباب الباحثين أنّ الإحباط لا ينبغي أن يطفئ الشغف؛ فطريق الإنجاز ليس سهلاً، وكلّ تجربة ناجحة تمرّ بلحظات من التعب أو التعثُّر أو فقدان الأمل، لكنها ليست فشلاً، بل جزء من الطريق الصحيح نحو تحقيق الحلم، وتجربة «سلام لاب» تثبت أنّ الإصرار والصبر والإيمان قادرة على تحويل المستحيل إلى واقع، بشرط الاستمرار في التعلُّم وعدم الخوف من المحاولة من جديد.

ويختتم سلام حديثه بالتأكيد على أنّ حلمه العلمي مستمر ويتّسع مع كلّ إنجاز جديد، وكلّ خطوة نحو الأمام، مؤمناً بأنّ طموحات «سلام لاب» لا سقف لها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended