«تويتر»... من «سلاح» في يد السياسيين إلى «رقيب» عليهم

ترمب يبحث عن بدائل بعد إغلاق حسابه

نشر ترمب فيديو على «تويتر» الجمعة يتعهد فيه انتقالاً سلمياً للسلطة (رويترز)
نشر ترمب فيديو على «تويتر» الجمعة يتعهد فيه انتقالاً سلمياً للسلطة (رويترز)
TT

«تويتر»... من «سلاح» في يد السياسيين إلى «رقيب» عليهم

نشر ترمب فيديو على «تويتر» الجمعة يتعهد فيه انتقالاً سلمياً للسلطة (رويترز)
نشر ترمب فيديو على «تويتر» الجمعة يتعهد فيه انتقالاً سلمياً للسلطة (رويترز)

«تكميم الأفواه خطير وليس أميركياً. للأسف، فإن هذه الاستراتيجية ليست جديدة على اليسار. إنهم عملوا على إسكات الأصوات المعارضة لسنوات. لا نستطيع السماح لهم بإسكات 75 مليون أميركي. هذا ليس الحزب الشيوعي الصيني». هكذا ندد وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، بوقف شركة «تويتر» حساب الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترمب نهائياً، بعد أيام من هجوم الكابيتول.
وقرّر عملاق التواصل الاجتماعي، أول من أمس (الجمعة)، تعليق حساب ترمب الشخصي بشكل دائم. وسارع الرئيس المنتهية ولايته للتغريد مستخدماً الحساب الرسمي لرئيس الولايات المتحدة، وقال: «لن يتم إسكاتنا»، متوجهاً إلى «75 مليون وطني» صوّتوا له. وتحدّث عن ردّ ضد الشبكة التي «تحظر حرية التعبير»، واحتمال إطلاق منصته الخاصة في مستقبل قريب، وذلك عبر سلسلة تغريدات سرعان ما حذفها «تويتر» لـ«منع الالتفاف على حسابٍ تمّ تعليقهُ سابقاً».
وقال الموقع في بيان: «بعد المراجعة الدقيقة للتغريدات الأخيرة على حساب (دونالد ترمب) وللسياق الحالي (...) علّقنا الحساب نهائياً بسبب خطر حدوث مزيد من التحريض على العنف» من جانب الرئيس الأميركي. وتابع مشيراً إلى محادثات على المنصة وخارجها: «هناك خطط من أجل مظاهرات مقبلة مسلحة، تسري على (تويتر) وأماكن أخرى، بما يشمل تنفيذ هجوم ثانٍ على الكابيتول في 17 يناير (كانون الثاني) 2021».
وكان «فيسبوك» و«إنستغرام»، ومواقع أخرى مثل «سناب شات» أو «تويتش»، قد علقت أيضاً حسابات الرئيس المنتهية ولايته لفترة غير محددة.
- انتقادات... وانتقادات مضادة
رحّب كثيرون، خصوصاً في الأوساط الديمقراطية، بتجميد حساب ترمب، منتقدين في الوقت ذاته تباطؤ الشركة في محاسبة سيد البيت الأبيض لنشره أخباراً زائفة وتحريضه على العنف خلال السنوات الأربع الماضية. فقد تكثفت الانتقادات طوال الأسبوع لشبكات التواصل الاجتماعي، معتبرةً أنها «متراخية جداً» أو «بطيئة» في التحرك.
ودعا عدد متزايد من الشخصيات والمنظمات إلى منع ترمب من استخدام هذه المنصات، بدءاً بالسيدة الأميركية الأولى السابقة ميشيل أوباما، وصولاً إلى نقابة موظفي «غوغل»، وفق وكالة الصحافة الفرنسية. وكتب رئيس منظمة «ميديا ماترز فور أميركا» غير الحكومية، أنغيلو كاروسون: «حين يتحرك (تويتر) ومواقع أخرى الآن، فإن ذلك يشبه قيام كبار المسؤولين في الحكومة بتقديم استقالاتهم قبل أيام على انتهاء الولاية (ترمب)، هذا أمر قليل جداً ومتأخر جداً». وأضاف: «لو تحركوا في وقت أبكر، لكان من الممكن تجنب الأحداث الرهيبة التي وقعت الأربعاء».
وعد البعض أن تأخر «تويتر» وغيرها من المنصات في اتّخاذ قرارات حازمة بشأن خرق قوانين استخدامها يعود للحفاظ على مصالحها المالية، خصوصاً أن أسهم «تويتر» تراجعت فور إغلاق حساب ترمب، الذي يحظى بأكثر من 88 مليون متابع.
في المقابل، تسبب قرار المنصّة التي استخدمها الرئيس الأميركي «سلاحاً» لبناء قاعدة شعبية واسعة ووظّفها انتخابياً في عامي 2016 و2020، في موجة غضب واسعة داخل الولايات المتحدة وخارجها. وقارن ابن الرئيس دونالد ترمب، جونيور، في تغريدة على «تويتر» بين قرار الأخير إيقاف حساب والده، فيما لا يزال حساب المرشد الإيراني علي خامنئي وحسابات «أنظمة ديكتاتورية أخرى» نشطة.
وتزامن تصريح ترمب الابن مع حجب موقع «تويتر» تغريدة نشرتها حسابات تابعة للموقع الإلكتروني الرسمي للمرشد الإيراني بشأن اللقاحات الأميركية والبريطانية المضادة لفيروس «كورونا» المستجد، معتبراً أنها «تخالف» قواعده لا سيما المتعلقة بـ«كوفيد - 19».
بدوره، قال السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، مخاطباً «تويتر»: «إن قراركم حظر الرئيس ترمب بشكل دائم خطأ جسيم. يمكن للمرشد الإيراني أن يغرّد، لكن ترمب لا يستطيع ذلك. ذلك يكشف الكثير عن الأشخاص الذين يديرون (تويتر)». وتابع: «أنا مصمم أكثر من أي وقت مضى على إلغاء المادة 230 (التي تمنح) شركات التكنولوجيا الكبيرة الحصانة من الدعاوى القضائية».
وفي الجانب الآخر من الخطاب السياسي، عَلَت أصوات من اليسار لتُحذّر من احتمال المساس بحرية التعبير وممارسة شركات التكنولوجيا دور الرقابة.
وقالت كايت روان، من جمعية الدفاع عن الحقوق المدنية: «نتفهم الرغبة في تعليق (حساب الرئيس)، لكن يجب أن يقلق الجميع حين يكون لدى هذه الشركات القدرة على شطب حسابات أشخاص عن منصاتها، التي بات لا غنى عنها كوسيلة تعبير لمليارات الأشخاص».
لكنّ ذلك لم يمنع الموقع من مواصلة تجميد حسابات عدد من مؤيديه، لخرقها قوانين الاستخدام، بما فيها حساب مستشاره السابق للأمن القومي مايكل فلين الذي أُعفي عنه مؤخراً، وكذلك محامية حملته الانتخابية السابقة سيدني باول، وموقع حملته الانتخابية، وموقع ما يُعرف بـ«كيو أنون»، وهي منظمة تروّج لنظريات المؤامرة.
- البحث عن بدائل
قال ترمب إنه يتفاوض مع عدد من المنصات بشأن الانضمام إليها، وإنه سيعلن ذلك قريباً. ويُعتقد على نطاق واسع أن يصبح موقع «بارلر» المنصة البديلة لترمب، خصوصاً أنه شهد في الأيام والساعات الأخيرة سباقاً غير مسبوق للانضمام إليه من مؤيدي الرئيس المنتهية ولايته، ما أدى إلى تعطل خدمته بسبب عدم قدرته على استيعاب العدد الكبير من طلبات التسجيل. لكنّ الموقع بات الآن أمام أزمة وجودية، بعد توجيه «غوغل» و«أبل» تحذيراتهما له مساء أول من أمس (الجمعة). وأبلغت شركة «أبل» التطبيق يوم الجمعة، بأنه يتعين عليه تكثيف الرقابة على المحادثات فيه. فيما أوقفت «غوغل» تطبيق «بارلر» على متجرها «غوغل بلاي» إلى أن يقوم بتطبيق شروطها بشكل أفضل، وأن يحذف المحتوى المحرّض على العنف. وقالت «أبل» في رسالة إلكترونية إلى «بارلر»، إنها تلقت شكاوى من أن الناس استخدموا التطبيق الذي يحاكي «تويتر»، للتخطيط لأعمال الشغب التي جرت يوم الأربعاء في واشنطن. وقالت «أبل» إنها منحت التطبيق 24 ساعة للامتثال لشروطها قبل إزالته من متجرها. وأوضحت لاحقاً أن التطبيق لم يقم بإزالة «المحتوى الذي يشجع على النشاط غير القانوني ويشكل خطراً جسيماً على صحة وسلامة المستخدمين».
كان الرئيس التنفيذي للتطبيق، جون ماتزي، قد أعلن في مقابلة مع صحيفة «تايمز»، بعد يوم واحد من أحداث الأربعاء، أنه «لم يشعر بالمسؤولية عمّا جرى لأننا ساحة محايدة تلتزم بالقانون». وقال ماتزي لصحيفة «وول ستريت جورنال»، الجمعة، إنه واثق من أنه «يمكننا الاحتفاظ بقيمنا، وإسعاد (أبل) بسرعة».
من جانبها، قالت «غوغل» في بيان إنها سحبت التطبيق لأن «بارلر» لم يطبّق سياسات الاعتدال الخاصة بها، على الرغم من التذكير الأخير منها، وبسبب المنشورات المستمرة على التطبيق التي سعت إلى التحريض على العنف. وقال البيان: «ندرك أنه يمكن أن يكون هناك نقاش معقول حول سياسات المحتوى وأنه قد يكون من الصعب على التطبيقات إزالة جميع المحتويات المخالفة على الفور، ولكن بالنسبة إلينا لتوزيع تطبيق عبر (غوغل بلاي) فإننا نطلب من التطبيقات تنفيذ إشراف قوي للمحتوى الفاضح».
- سلطة شركات التكنولوجيا
وأظهرت قرارات «أبل» و«غوغل» مثالاً صارخاً على قوة أكبر شركات التكنولوجيا في التأثير على ما هو مسموح به على الإنترنت، وعلى المواقع والتطبيقات غير الخاصة بها. ومن المرجح أيضاً أن تؤجج هذه القرارات الغضب بين اليمينيين الذين يعتقدون أن وادي السيليكون يكتم الأصوات المحافظة، خصوصاً عندما يقترن بسلسلة من الإجراءات الأخرى لتلك الشركات ضد ترمب وأنصاره منذ يوم الأربعاء. وفي نظر العديد من مؤيدي ترمب، كان «بارلر» ملاذاً آمناً مما تسمى رقابة شركات التكنولوجيا الكبرى، وهو المكان الذي يمكنهم فيه تبني نظريات المؤامرة، وحتى التخطيط لتجمعات عنيفة دون القلق من التعرض للحظر. وكان التطبيق واحداً من أكثر التطبيقات التي تم تنزيلها في الأشهر الأخيرة في الولايات المتحدة. ولكن من الواضح الآن أن التطبيق لن يكون قادراً على الحفاظ على مجانّيته إذا أراد أن يكون قادراً على الحفاظ على نطاقه الواسع، في ظل سيطرة «أبل» و«غوغل» على أنظمة تشغيل الهواتف الذكية حول العالم، ويقتسمان السوق في الولايات المتحدة. وإذا سُحب تطبيق «بارلر» منهما نهائياً، فلن يتمكن الأشخاص من تنزيله على أجهزة الشركتين، لكن سيحافظ الأشخاص الذين قاموا بتنزيله سابقاً على قدرة استخدامه، لكن التطبيق لن يتمكن بعد اليوم من القيام بأي تحديث ما سيؤدي إلى تقادمه في النهاية وتعطله تدريجياً.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».