ما الذي نعرفه عن النسختين المتحورتين من فيروس «كورونا»؟

عاملة ترتدي معدات الوقاية الشخصية تعمل على اختبار لفيروس «كورونا» في بريطانيا (أ.ف.ب)
عاملة ترتدي معدات الوقاية الشخصية تعمل على اختبار لفيروس «كورونا» في بريطانيا (أ.ف.ب)
TT

ما الذي نعرفه عن النسختين المتحورتين من فيروس «كورونا»؟

عاملة ترتدي معدات الوقاية الشخصية تعمل على اختبار لفيروس «كورونا» في بريطانيا (أ.ف.ب)
عاملة ترتدي معدات الوقاية الشخصية تعمل على اختبار لفيروس «كورونا» في بريطانيا (أ.ف.ب)

يثير ظهور نسختين متحورتين جديدتين من فيروس سارس - كوف - 2 المعروف بفيروس «كورونا» المستجد في المملكة المتحدة وجنوب أفريقيا الكثير من القلق على المستوى العالمي لا سيما أنهما أكثر تسبباً للعدوى وفقًا للبيانات الأولى. فيما يلي ما نعرفه عنهما.
* ما هاتان النسختان المتحورتان؟
- كل الفيروسات تتحور. وهذا التحور هو عبارة عن طفرات أو تغييرات تحدث عندما تتكاثر الفيروسات.
لاحظ العلماء طفرات متعددة في فيروس سارس - كوف - 2 منذ ظهوره كانت غالبيتها العظمى غير ذات تأثير، لكن بعض هذه التحورات قد تمنح الفيروس ميزة للبقاء على قيد الحياة تتمثل على سبيل المثال في زيادة قابليته للانتقال والانتشار.
يعود منشأ المتغيرة بي 1.1.7 التي عدت أول تحول مهم (VOC 202012-01) «على الأرجح» إلى سبتمبر (أيلول) في جنوب شرقي إنجلترا، وفقا لجامعة إمبريال كوليدج لندن.
وانتشرت بسرعة في جميع أنحاء المملكة المتحدة قبل أن يعلن العثور عليها في عشرات البلدان حول العالم، من الولايات المتحدة إلى كوريا الجنوبية، مروراً بالهند وفرنسا والدنمارك.
ترتبط معظم هذه الحالات بالمملكة المتحدة، ولكن لم يتسن إيجاد أي صلة بأي بلد بالنسبة لعدد قليل من الحالات، ما يعني أن هذه المتغيرة ثبتت بالفعل نفسها على المستوى المحلي. وهذا ما يحدث كذلك في الدنمارك وهي من البلدان التي تقوم بسلسلة جينوم الفيروس على نطاق واسع، إذ حُددت 86 حالة (بوتيرة متزايدة).
وتنتشر نسخة متحورة أخرى باسم 501.في2 تمثل الآن غالبية الحالات في جنوب أفريقيا. واكتشفت في عينات تعود إلى أكتوبر (تشرين الأول) ثم رُصدت في عدد قليل من البلدان الأخرى حول العالم، بما في ذلك المملكة المتحدة وفرنسا.
ويرجح الخبراء أن عدد الحالات المكتشفة أقل من الواقع بالنسبة لكلا المتغيرين.
تظهر على النسختين المتحورتين طفرات عدة إحداها سُميت إن 501 واي وهي الآن محط الاهتمام. توجد هذه الطفرة على بروتين شوكة فيروس «كورونا» المستجد، وهي عبارة عن نتوء على سطحه يسمح له بالارتباط بمستقبِل في الخلايا البشرية لاختراقها ومن هنا فإنه يؤدي دوراً رئيسياً في العدوى الفيروسية.
من المعروف أن هذه الطفرة تزيد من قدرة الفيروس على الارتباط بمستقبِل الخلية. لكن «لا علاقة واضحة محددة بين الارتباط بمستقبِل الخلية وزيادة قابلية الانتقال، ولكن وجود مثل هذه العلاقة أمر معقول»، وفق المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها.
* زيادة قابلية انتقال الفيروس؟
- خلص العديد من الدراسات العلمية التي لم تخضع بعد لمراجعة النظراء وتستند بشكل أساسي إلى النمذجة، إلى أن النسخة المتحورة البريطانية أكثر قابلية للانتقال. وهذا يؤكد التقييمات الأولية للمجموعة الاستشارية لتهديدات الفيروسات التنفسية الجديدة والناشئة التي تقدم المشورة للحكومة البريطانية وقدرت أن انتقال العدوى زاد بنسبة 50 إلى 70 في المائة.
من ثم، ووفقاً لحسابات كلية لندن للصحة والطب الاستوائي فإن الفيروس المتحور البريطاني معدٍ أكثر بنسبة 50 إلى 74 في المائة.
في أحدث تقرير صدر الخميس، حلل باحثون في إمبريال كوليدج لندن آلاف جينومات فيروس سارس - كوف - 2 التي سلسلت بين أكتوبر وديسمبر (كانون الأول). وبعد اتباع طريقتين مختلفتين، استنتجوا أن لدى هذه النسخة المتحورة «ميزة كبيرة» تزيد من قدرتها على نقل العدوى بنسبة 50 إلى 75 في المائة، أو ترفع معدل تكاثر الفيروس بمقدار 0.4 إلى 0.7 مقارنة بالنسخ العادية.
وتظهر النتائج الأولية لنسخة جنوب أفريقيا أيضاً قابلية انتقال أعلى، ولكن تتوفر بيانات أقل عنها.
مع ذلك، يقول بعض الخبراء إن البيانات غير كافية لتقييم مدى عدوى النسختين على وجه اليقين.
يقول مدير الأمراض المعدية في وكالة الصحة الفرنسية العامة برونو كوانيار لوكالة الصحافة الفرنسية: «علينا أن نتوخى الحذر. النتيجة المتصلة بمعدل الانتقال هي مجموعة من العوامل التي تجمع بين خصائص الفيروس ولكن أيضاً تدابير الوقاية والمكافحة المطبقة» مثل التباعد الاجتماعي ووضع الكمامة وإغلاق المؤسسات التي تستقبل الجمهور، وما إلى ذلك.
* أكثر إشكالية؟
- يقول المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض إنه «لا توجد معلومات تفيد بأن العدوى التي تسببها هذه السلالات الفيروسية أكثر خطورة»، لكن خطر «دخول المستشفى والوفيات مرتفع».
ويضيف أن «قابلية الانتقال العالية تعني في نهاية الأمر عدداً أكبر من الحالات، ومن ثم حتى في حالة التسبب بنسب وفيات مماثلة، فهذا يعني ممارسة ضغط أكبر على النظام الصحي».
ويشدد عالم الأوبئة البريطاني آدم كوتشارسكي استناداً إلى الأدلة الإحصائية، على أن «ارتفاع قابلية العدوى بنسبة 50 في المائة من شأنه أن يطرح مشكلة أكبر بكثير من نسخة متحورة تسبب وفيات أعلى بنسبة 50 في المائة».
ويشرح عبر «تويتر» أنه مع معدل تكاثر من 1.1، ومعدل وفيات يبلغ 0.8 في المائة، و10 آلاف مصاب يمكن أن تكون لدينا 129 وفاة بعد شهر. وإذا زاد معدل الوفيات بنسبة 50 في المائة، فإن عدد الوفيات سيصل إلى 193 ولكن إذا زاد معدل الانتقال بنسبة 50 في المائة، فستكون لدينا 978 وفاة.
وسيكون التأثير أكبر بشكل خاص في البلدان التي تؤدي فيها زيادة طفيفة في قابلية الانتقال إلى رفع معدل التكاثر إلى أعلى من 1، ما يؤدي إلى تسريع انتشار الوباء.
حذر عالم الأوبئة أرنو فونتانيه، عضو المجلس العلمي الذي يقدم المشورة للحكومة الفرنسية، من أن النسخة المتحورة البريطانية «هي حقاً مصدر القلق في الوقت الراهن» لأنها «يمكن أن تدفعنا إلى وضع معقد للغاية».
بالإضافة إلى ذلك، تظهر الدراسات الأولى حول المتغير البريطاني أيضاً نسبة إصابات أكبر بين الشباب الذين تقل أعمارهم عن 20 عاماً، ما يطرح مسألة فتح المدارس أم إبقائها مغلقة.
ومن هنا، تقدر دراسة كلية لندن للصحة والطب الاستوائي أن تدابير الاحتواء مثل تلك التي طبقت في المملكة المتحدة في نوفمبر (تشرين الثاني) لن تكون فعالة بما يكفي للسيطرة على تفشي المرض «ما لم تُغلق المدارس والكليات والجامعات أيضاً».
* ما مدى فاعلية اللقاحات؟
- في حين أن حملات التطعيم بدأت للتو توفر الأمل في إيجاد مخرج من هذه الأزمة الصحية العالمية، يشكك البعض في قدرة اللقاحات على محاربة النسخ المتحورة الجديدة.
يقول المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض إنه «لا توجد في هذه المرحلة معلومات كافية متاحة لتقدير (إذا كانت النسختان تشكلان) خطراً على فاعلية اللقاحات».
لكن الأربعاء الماضي، قال هنري ووك، من المركز الأميركي للوقاية من الأمراض ومكافحتها، خلال مؤتمر صحافي إنه «بناء على ما نعرفه حالياً، يعتقد الخبراء أن اللقاحات الحالية ستكون فعالة ضد السلالتين».
من جانبها أكدت شركة بايونتيك الألمانية التي أنتجت مع فايزر الأميركية أول لقاح ضد كوفيد - 19 حصل على الترخيص، أنها قادرة إذا لزم الأمر، على إعداد لقاح جديد «في غضون ستة أسابيع».

* كيف يمكن محاربتها؟
- يعتقد برونو كوانيار أنه من «الوهم» الاعتقاد بأنه يمكننا القضاء على النسخ المتحورة أو منع انتشارها تماماً، مشيراً إلى أنه ينبغي التركيز على «تأخير نشرها قدر الإمكان».
ومن هنا يوصي المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض البلدان التي لا تنتشر فيها النسخ المتحورة الجديدة على نطاق واسع «ببذل جهود لإبطاء الانتشار، على غرار تلك التي بذلت في بداية الوباء» مثل اختبار الأشخاص القادمين من مناطق توجد فيها مخاطر مع إمكانية فرض الحجر الصحي والعزل والتعقب المعزز للمخالطين، والحد من السفر» إلى ما هنالك.
كما يدعو إلى مراقبة مدى انتشار هذه النسخ لا سيما عن طريق زيادة سلسلة جينوم العينات الفيروسية.
ويوضح البروفسور فونتانيه أن بعض اختبارات تفاعل البوليميراز المتسلسل للكشف عن الإصابة بـ(كوفيد - 19) يمكن أن تعطي مؤشراً لوجود النسخة البريطانية، وهذا يساعد على تحسين عملية التسلسل الجيني، مشدداً على ضرورة «المراقبة الشديدة للغاية».
على المستوى الفردي، يقول ووك إنه «نظراً لأن هاتين النسختين تنتشران على ما يبدو بسهولة أكبر، يجب أن نكون أكثر حرصاً في إجراءاتنا الوقائية لإبطاء انتشار (كوفيد - 19)»، موصيا بوضع قناع الوجه والتباعد الجسدي وغسل اليدين وتهوية الأماكن المغلقة دون إغفال تجنب أماكن الازدحام.


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».