ناشرون عرب: الرهان على الكتاب الإلكتروني

تحديات عالم النشر ما بعد «كورونا»

ناشرون عرب: الرهان على الكتاب الإلكتروني
TT

ناشرون عرب: الرهان على الكتاب الإلكتروني

ناشرون عرب: الرهان على الكتاب الإلكتروني

هل يمكن الحديث عن إمكانية تعافي صناعة النشر في الوطن العربي بعد انحسار جائحة «كورونا»؟ هل من مؤشرات على بدء تشكل نمط أو تجربة أو رؤية جديدة لصناعة النشر مستنبطة من دروس الأزمة التي تسبب فيها الوباء؟ هل من دراسات لتوجهات القراء بعد الأزمة تسمح بمعرفة أولويات القراء وما استجد لديهم من اهتمامات بعد الأزمة وبسببها؟ هل راجعت دور النشر سياسات النشر لديها وأعادت النظر في برامج وقوائم النشر لديها في ضوء المتغيرات الجديدة، أم أنها ستواصل إصدار ما كان مبرمجاً لديها؟
هنا آراء عدد من الناشرين في بعض البلدان العربية:
المغرب: لا جديد تحت شمس النشر
من المغرب، يرى عبد القادر عرابي، مدير مؤسسة «آفاق للدراسات والنشر» بمراكش، أن صناعة النشر الوطنية المغربية «لن تسترجع عافيتها قبل نهاية 2021، وهي متوقفة حالياً وستظل كذلك ربما إلى بداية الصيف المقبل».
ويرى عرابي أنه «لا جديد تحت شمس قطاع النشر»، حيث «واصلت المؤسسات إخراج ما تراكم لديها»، فيما «الاتحادات المهنية لم تكلف نفسها عناء تكليف جهات متخصصة لدراسة الحالة، مع «مبادرات محتشمة لاتحاد الناشرين العرب يطغى عليها الطابع الاحتفالي الرسمي أكثر من الميول البحثية التي يمكنها بلورة رؤية جديدة للقطاع في مرحلة ما بعد (كورونا). والأمر نفسه بالنسبة إلى الحكومات التي تكتفي لحد الساعة بتقديم المنح والإعانات ليتجاوز القطاع أزمته الاقتصادية الظرفية دون بلورة سياسات مؤمنة بالجدوى الاقتصادية والعلمية والاجتماعية لقيام صناعات نشر وطنية مندمجة في المشروع التنموي العام».
وجواباً عن سؤال: «كيف سيكون قارئ ما بعد (كورونا)؟»، يقول: «الارتجال هو السائد. بالنسبة لبلادنا وقارئنا، ما من مؤشر على أن هناك تحولاَ. نحن بصدد قارئ هلامي لا نعرف توجهاته، ولا أظن أن ببلدنا داراً تُنتج أعمالاً لكتلة قارئة تمت دراستها وتتم الاستجابة لاحتياجاتها وتطلعاتها».
من جهته، يراهن يوسف كرماح، صاحب دار النشر «ألورا»، وهي دار فتية أُنشئت بمدينة طنجة في ذروة جائحة (كورونا)، على مرحلة ما بعد الكساد الذي تشهده سوق الكتاب. وينحصر عمل الدار حالياً في مكتبات البيع، والتسويق الشبكي، وأيضاً الاعتماد على الكتاب الإلكتروني.

قطاع النشر السعودي والكويتي وصراع الجائحة
‏من السعودية، يقول خالد بن عبد العزيز العتيق، الرئيس التنفيذي لشركة «مدارك للنشر والتوزيع»، وعضو لجنة الثقافة والترفيه بغرفة الرياض، إن «قطاع النشر في السعودية، يحاول، في الوقت الحاضر والمستقبلي، إخماد الخسائر، والسعي إلى ‏الخروج بأقل الأضرار. ونحن في شركة (مدارك للنشر والتوزيع)، وهي إحدى شركات مجموعة (أنوفا ‏الاستثمارية)، نسعى لتفعيل وابتكار طرق جديدة للوصول إلى القارئ و‏تسويق منتجها الثقافي. وبدأت في تسويق إصداراتها الثقافية عبر موقعها الإلكتروني والدخول إلى عالم التجارة ‏الإلكترونية، حيث شكّلت مبيعاتها خلال الفترة تحسناً طفيفاً على مستوى التجارة ‏الإلكترونية، مع ارتفاع إجمالي المبيعات عبر موقعها الخاص مقارنةً بمبيعات الموقع ‏العام الماضي. لكنّ هذا ‏التحسن في المبيعات لا يشكل في المجمل أكثر من 10% من مبيعات معرض دولي واحد».
ومن الكويت، يقول فهد الهندال، أديب وناشر «دار الفراشة»: «إن الضربة الموجعة التي وجهتها جائحة (كورونا) إلينا لنا كناشرين تمثّلت في إلغاء المعارض المتبقية من الموسم السابق والحالي أيضاً، ومنها معرض الكويت للكتاب الدولي. وكان ممكناً تأجيله لمطلع العام القادم 2021. وما يخفف من هذه المعاناة هو الاعتماد على البيع عبر (الأون لاين) والتوصيل فقط، وهو لا يغطي خسائر الشهور الماضية».
أما فهد العودة، من دار «كلمات»، وهي دار نشر سعودية - كويتية، فيتحدث عن البدائل التي اعتمدوها تعويضاً عن ضعف تسويق الكتاب الورقي: «لقد كثفنا جهود الخدمات الإلكترونية، وأقمنا حملات توعوية عدة تجذب الناس للقراءة وتحثهم عليها بعنوان (في عزلتك، القراءة خير صديق)، كما حرصنا على تكثيف حضورنا على منصات التواصل الاجتماعي».
من جهته، يتفق مسفر السبيعي، مدير عام «مركز الأدب العربي» السعودي، مع زملائه على تقلص حجم المبيعات خصوصاً المبيعات المحصّلة عن طريق المتاجر الورقية، لكن في المقابل، كما يضيف، ارتفعت أرقام المبيعات عن طريق متاجر «الأون لاين»، حيث أصبحت تمثل بديلاً مقنعاً للقارئ للحصول على كتابه الورقي، مع نمو الطلب على النسخة الإلكترونية للكتب من منصات التحميل المختلفة بوصفها بديلاً أسرع وأسهل وأقل كلفة.
أما عن خطط المركز في العام المقبل، فيأتي في طليعتها دخول عالم إنتاج ونشر الكتاب المترجم، وعمل تعاقدات مع المترجمين، ودور النشر العالمية، والسعي للحصول على حقوق النشر لها وترجمتها ونشرها وإتاحتها للقارئ العربي، مع تعزيز وزيادة دور المركز في إنتاج ونشر كتب أدب الأطفال وسلاسل الناشئين، واستقطاب المزيد من الكتاب والمبدعين العرب والمساهمة في نشر نتاجهم الأدبي والفكري وإتاحته في السوق السعودية.

ناشرون مصريون: وضع الكتاب كارثي ويحتاج لتدخل حكومي
يصف محمد هاشم، مدير دار «ميريت» للنشر والتوزيع، وضع الكتاب في مصر بـ«الكارثي»، فهو يعاني -حسب قوله- من حالة من الجمود لم يسبق لها مثيل، ولتجاوز ذلك «تحاول الدار التواصل مع شركات التوزيع لتوصيل الكتاب للمحافظات، فضلاً عن محاولات للعمل على تحويل بعض مطبوعاتنا لكتب إلكترونية».
ويبدي هشام أبو المكارم، مدير دار «أوراق» للنشر والتوزيع، تفاؤله بواقع ما بعد «كورونا»: «الشيء المبشّر في الأزمة هو نجاح مواقع بيع الكتب (أون لاين) عن طريق الإنترنت في تحقيق مبيعات لا بأس بها بحيث انتشرت ثقافة شراء الكتب من الأسواق الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى عودة تدريجية لبعض المعارض العربية للكتاب، لذا أتوقع أن تنفرج الأزمة خلال النصف الأول من العام القادم خصوصاً مع ما يتردد عن وجود لقاح للفيروس سيتم طرحه قريباً لمواجهة مخاطر (كورونا)».
أما بالنسبة لخطط دار «صفصافة» للنشر والتوزيع، فيقول مديرها محمد البعلي: «لقد قمنا باعتماد ثلاث خطوات للحد مما نواجهه من مخاطر الكساد: أولاها التحكم في النفقات، عن طريق تأجيل بعض المشاريع والتوسعات، وضغط النفقات في بعض الجوانب، وهي لا تمس العمالة ولا الأجور. أما الخطوة الثانية، فتتمثل في أن نركز أكثر فيما نصدره، وانتقاء عناوين متميزة، والتركيز في مجال الترجمة من أجل إصدار عناوين في غاية التميز والفرادة. أما الخطوة الثالثة فهي السعي لتقديم خدمات متعلقة بالنشر. بالطبع هناك بعض القراء تعود على قراءة الكتب الإلكترونية، لكن الكتاب الورقي ما زال يحتفظ بجمهور كبير، وهو ما يجعل صموده مستمراً في السوق، وأظن أن ذلك سوف يستمر لفترات مقبلة لا بأس بها».
من ناحيتها تقول فاطمة البودي، مديرة دار «العين» للنشر، إنها لا تستطيع التكهن بما سيحدث بعد «كورونا». وكانت الدار، كما تذكر، قد عززت الطبعة الورقية بطبعة إلكترونية في نفس وقت النشر، مع اللجوء إلى منصات أكثر لإتاحة الكتاب إلكترونياً بصورة كبيرة. وبما أن القراءة الإلكترونية أخذت مساحات كبيرة، فهي تعتقد أن الكتاب الإلكتروني سيتسيد الموقف.

ناشرون لبنانيون: مشكلتنا الكبرى هي القراصنة قبل وبعد «كورونا»
رغم التأثيرات السلبية للانهيار الاقتصادي في لبنان، وما خلّفه وباء «كورونا» من تعقيدات، صعّبت مهمة دور النشر اللبنانية منذ مطلع عام 2020، فإن الشكوى الكبرى اليوم هي من القرصنة، الآن وما بعد «كورونا» كما يبدو.
عن ذلك، تقول رنا إدريس، مديرة «دار الآداب»: «مطلع الصيف كنا أمام خيارين، إما طباعة الكتب التي دفعنا غالياً حقوق ترجمتها من العام الماضي وإما الانتظار، وهذا ما فعله بعض الزملاء. أما نحن فقررنا المضي في الطباعة، ولو تكبدنا بعض الخسائر. في السابق كنا نبيع الكتاب في المعارض قبل أن يتمكن المزوّر من تحقيق مآربه. أما اليوم فقد أصبح القرصان أسرع منّا، والكتاب يُسرق ويُباع حتى قبل أن نبدأ بتسويقه وتغطية تكاليفه».
هذه المشكلة تعاني منها أيضاً «الدار العربية للعلوم» التي يقول مؤسسها بسام شبارو: «إن التزوير منتشر من لبنان إلى سوريا والعراق والأردن ومصر، وصولاً إلى إيران، حيث إن المزورين يرون أنهم يقومون بمهمات إنسانية لخدمة البشرية. ومنذ أصبحت أجهزة الاسكانر سريعة التصوير متاحة سهّلت المهمة على السرقة». وبالتالي فإن السؤال الكبير بالنسبة إلى شبارو: «هل المستقبل للمزورين أم للناشرين؟».
دار «هاشيت - أنطوان» في بيروت، تعاني الأمر نفسه، ويرى رئيس مجلس إدارتها إميل تيان، أن القرصنة ليست أقل خطورة على النشر من الوباء والأزمة الاقتصادية، خصوصاً أن كلفة الشحن والنقل باتت أغلى من ذي قبل. ونسبة المبيع انخفضت بطبيعة الحال بسبب توقف المعارض. «هاشيت - أنطوان»، عوّضت بعض خسائرها بالتسويق «أونلاين» عبر المواقع الإلكترونية. أما بسام شبارو، «الدار العربية للعلوم ناشرون»، فيقول إن داره لم تتوقف عن العمل سوى أيام قليلة: «نحن قررنا أن نستمر بالوتيرة السابقة نفسها. تأثرنا بنسبة 20% إلى 30%، وعدد النسخ التي نطبعها ينخفض منذ سنوات، لكننا فعّلنا المبيع أونلاين، ولا نزال نُصدر كل يوم كتاباً».



بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.


حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
TT

حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)

كثّفت القيادة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والعسكرية والتنفيذية، ضمن مساعيها لتثبيت مسار التعافي، وتعزيز حضور الدولة، وبعث رسائل طمأنة للشركاء الدوليين حول جدية الإصلاحات، ووحدة القرار السياسي والأمني، وقدرة الحكومة على إدارة المرحلة المقبلة.

وخلال سلسلة لقاءات أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، وأعضاء المجلس، ورئيس الحكومة، أن اليمن اليوم أقرب إلى الاستقرار مما كان عليه خلال السنوات الماضية، وأن الدعم الدولي في هذه المرحلة سيصنع الفارق الاستراتيجي، ليس لليمن فحسب، بل لأمن المنطقة والممرات المائية الدولية.

ووصف العليمي، خلال لقائه القائم بأعمال سفارة الولايات المتحدة لدى اليمن جوناثان بيتشا، الشراكة التاريخية مع واشنطن بأنها «تمثل ركيزة أساسية في دعم الشرعية اليمنية، ومكافحة الإرهاب، وحماية الأمن الإقليمي والدولي».

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني استقبل القائم بأعمال السفارة الأميركية (سبأ)

وثمّن رئيس مجلس القيادة اليمني الموقف الأميركي الحازم تجاه الحوثيين، والضغوط القصوى المفروضة على النظام الإيراني، عادّاً ذلك جزءاً من حماية النظام الدولي القائم على القواعد، ومنع تقويض الاستقرار في المنطقة.

وتطرق اللقاء إلى مستجدات الأوضاع الداخلية، حيث استعرض العليمي ما وصفه بالمؤشرات الإيجابية، وفي مقدمها تشكيل حكومة جديدة وفق معايير الكفاءة والسجل المهني، مع تمثيل جيد للمرأة والشباب، إلى جانب التحسن الملموس في الخدمات الأساسية، وانتظام صرف الرواتب، ومعالجة ملف الكهرباء، وإنهاء عسكرة المدن، وتوحيد القرار الأمني والعسكري تحت وزارتي الدفاع والداخلية.

وجدد رئيس مجلس القيادة التأكيد على التزام المجلس والحكومة بسلام عادل ودائم، ينهي الحرب ولا يشرعن السلاح خارج إطار الدولة.

توحيد القرار

وفي لقاء منفصل، استقبل العليمي وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط هاميش فالنكوفر، بحضور رئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني، حيث جرى بحث العلاقات الثنائية وأولويات الدعم البريطاني والدولي لتعزيز قدرات الحكومة اليمنية.

وأشاد رئيس مجلس القيادة اليمني بالمواقف البريطانية الثابتة إلى جانب الدول الوطنية، ودورها داخل مجلس الأمن بعدّها «حامل القلم»، وشريكاً مسؤولاً في صياغة حلول سياسية واقعية ومستدامة. وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وأوضح العليمي أن التحولات التي شهدها اليمن بدعم سعودي تؤكد أن الحديث عن فراغ أمني بعد إنهاء الترتيبات الموازية كان «سردية مضللة»، مشدداً على أنه لا يمكن بناء سلام دائم في ظل مراكز قرار متعددة.

وشدد رئيس مجلس الحكم اليمني على أن توحيد القوات تحت وزارتي الدفاع والداخلية يمثل الضامن الأساسي للأمن والاستقرار، ومكافحة الإرهاب، ونجاح أي عملية سياسية، مؤكداً أن استقرار اليمن مدخل حاسم لاستقرار المنطقة وتأمين الملاحة الدولية.

جاهزية عسكرية وإصلاحات

على الصعيد العسكري، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، خلال لقائه قيادات عسكرية بارزة على رأسهم رئيس هيئة الأركان صغير بن عزيز، على أهمية الحفاظ على مستوى عالٍ من الجاهزية القتالية، وتعزيز التنسيق العملياتي لمواجهة المشروع الإيراني وأدواته المتمثلة بالحوثيين.

وأشاد صالح بأداء القوات العسكرية، مؤكداً أن تضحياتها تشكل الركيزة الأساسية لتحقيق النصر واستعادة الدولة، مثمّناً في الوقت ذاته دور التحالف بقيادة السعودية في دعم القوات اليمنية، وجهوده الإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مجتمعاً مع قادة عسكريين رفيعين (سبأ)

وفي ملف الخدمات، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي أهمية الارتقاء بقطاع النقل، مشيداً بالدعم السعودي المتواصل، خصوصاً مشروع المرحلة الثالثة من تأهيل مطار عدن الدولي بكلفة تتجاوز 12 مليون دولار، وتدشين خط جوي جديد بين جدة وسقطرى.

من جانبه، أعلن رئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني أن الحكومة تعمل على إعداد برنامج حكومي عام قصير حتى نهاية العام، يركز على الأولويات العاجلة التي تمس حياة المواطنين مباشرة.

جاء ذلك خلال استقباله السفيرة الفرنسية لدى اليمن، التي أكدت دعم باريس الكامل للحكومة الجديدة، فيما شدد الزنداني على أهمية الشراكة مع فرنسا بعدّها شريكاً فاعلاً في دعم الشرعية والسلام والاستقرار.