«ثورة الفلاحين»... أكبر أزمة سياسية يواجهها رئيس وزراء الهند

غضب 119 مليون مزارع و144 مليون عامل في القطاع الزراعي

مزارعات يجلسن على حدود العاصمة دلهي التي أصبحت محاطة بالكامل من قبل المزارعين (إ.ب.أ)
مزارعات يجلسن على حدود العاصمة دلهي التي أصبحت محاطة بالكامل من قبل المزارعين (إ.ب.أ)
TT

«ثورة الفلاحين»... أكبر أزمة سياسية يواجهها رئيس وزراء الهند

مزارعات يجلسن على حدود العاصمة دلهي التي أصبحت محاطة بالكامل من قبل المزارعين (إ.ب.أ)
مزارعات يجلسن على حدود العاصمة دلهي التي أصبحت محاطة بالكامل من قبل المزارعين (إ.ب.أ)

تهدد مظاهرات المزارعين في الهند، للاحتجاج على قوانين زراعية جديدة، بأن تصبح أكبر أزمة سياسية يواجهها رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، خلال فترة توليه منصبه. وسوف يكون الانصياع لطلبات المزارعين وإلغاء القوانين اعترافاً غير معهود بالهزيمة من جانب رئيس الوزراء الهندي، الذي تعهد بأن تصلح القوانين قطاع الزراعة. وقال مودي أمس، في تغريدة، «نحن نتخذ كل هذه المبادرات لزيادة دخل المزارعين وجعلهم أكثر رخاء. الإصلاحات سوف تساعد في جذب الاستثمارات في الزراعة، وتعود بالفائدة على المزارعين».
وفرض عشرات الآلاف من المزارعين حصاراً عند مدخل العاصمة الهندية دلهي. وقد جاءوا مستعدين للاستمرار في التظاهر لما يصل إلى «ستة شهور»، ضد الإصلاحات الزراعية التي أقرتها الحكومة في تشريع جديد، وتقول إنه من شأنها تعزيز النمو الاقتصادي بالبلاد. لكنها أيضاً أثارت غضباً عالمياً للطريقة التي تعاملت بها السلطات الهندية مع المحتجين السلميين، وأخذت طابعاً سياسياً واقتصادياً ودولياً. في المقابل، ردت الهند بحدة على الدعم الدولي لمظاهرات المزارعين لديها باعتباره يعتمد على «معلومات مغلوطة» و«لا أساس له»، مشددة على أن الأمر برمته يخض شأناً داخلياً لدولة ديمقراطية.
وبمرور الوقت، تحول غضب المزارعين إلى حركة متكاملة الأركان ضد حكومة مودي، مع إظهار شخصيات من مختلف فئات المجتمع تضامنهم معهم. ويقول نقاد التشريع الجديد، إن هذه الإصلاحات يمكن أن تؤدي إلى استغلال المزارعين من جانب الشركات الكبرى. وأكد وزير الدولة لشؤون الزراعة كايلاش شودري، أن أقصى ما لدى الحكومة استعداد لتقديمه هو «تعديلات». ومثلما فعلت الحكومة طوال الوقت، سعى شودري إلى إلقاء اللوم عن مشاعر الغضب بين المزارعين على أحزاب المعارضة و«المحرضين». وفي الأمس نظم المزارعون إضراباً عن الطعام في مواقع على طول حدود العاصمة الهندية، التي يتواجدون بها بأعداد كبيرة منذ 19 يوماً. وقال جورباكس سينغ، أحد زعماء الاحتجاجات في ولاية البنجاب بشمال الهند، حيث بدأ هو وزعماء آخرون إضراباً عن الطعام في موقع احتجاج رئيسي، «نريد إلغاء القوانين».
ولكن استمرار الاضطرابات قد يسبب فوضى في أسواق الطعام، ويؤثر بصورة سلبية على المستهلكين، كما من المرجح أن يعوق الانتعاش ما بعد أزمة فيروس كورونا. وقال الكاتب أندي موخرجي، في تقرير نشرته وكالة «بلومبرغ»، إن الخلاف يتركز على الاستراتيجية التي يجب اتباعها. الأسواق أم المنظمات؟
هذه معضلة قديمة، تبناها الاقتصادي رونالد كوس عام 1937. مودي يحبذ الأسواق، وقد تعهد بتحويل الاقتصاد بأكمله إلى منطقة تجارة حرة تعود بالفائدة على 119 مليون مزارع و144 مليوناً من العاملين في المزارع، بالإضافة لأسرهم.
بغض النظر عن كيفية حل المشكلة في نهاية المطاف، تطرح الاحتجاجات أسئلة مفتوحة حول مسار الاقتصاد السياسي الهندي والنموذج التنموي بها، ودور الدولة والأسواق في قطاع يوظف أكبر عدد من الأشخاص في البلاد، ومستقبل السياسة في المناطق الريفية في الهند بشكل عام.
وعبر رئيس الوزراء الكندي، جاستن ترودو، عن دعمه لها. وأعلن ترودو أنه: «ستدافع كندا دائماً عن حق الاحتجاج السلمي وحقوق الإنسان. الوضع مقلق ونحن جميعاً قلقون جداً، ولذلك فقد تواصلنا عبر وسائل متعددة مباشرة مع السلطات الهندية لتسليط الضوء على مخاوفنا». واعتبرت نيودلهي أن تصريحات ترودو حول قضية محلية في الهند غير مبررة، وأن التعليقات تشكل «تدخلاً غير مقبول» في الشأن الداخلي، وتهدد بإلحاق الضرر بالعلاقات بين البلدين. وبالفعل، استدعت الحكومة الهندية دبلوماسيين كنديين، وأبلغتهم احتجاجها على تصريحات رئيس الوزراء ترودو.
أصبحت ولاية البنجاب الشمالية، التي يطلق عليها «سلة خبز الهند»، مركز مشاعر الغضب في أوساط المزارعين، ما أدى إلى توقف جميع الخدمات العامة، وذلك مع إقدام المتظاهرين على إغلاق الطرق والطرق السريعة وخطوط السكك الحديدية. وامتدت الاحتجاجات إلى عدد من الولايات. وتأتي البنجاب في طليعة موجة الغضب، لكون أبنائها من بين المستفيدين الرئيسيين من الثورة الخضراء في سبعينيات القرن الماضي، التي غيرت وجه الزراعة في الهند، ومعها حياة المزارعين داخل الولاية. وحتى اليوم، عقدت أربع جولات من المحادثات، شارك في اثنين منها هيئة مؤلفة من ثلاثة وزراء وبضعة عشرات من الممثلين عن نقابات المزارعين.
ما سر غضب المزارعين؟
مشاعر السخط في صفوف المزارعين تستعر منذ سنوات عديدة، وقد نظموا من حين لآخر مسيرات احتجاجية ضخمة في جميع أنحاء البلاد، اعتراضاً على ما وصفوه بـ«إهمال» الحكومة لقطاع الزراعة وسط تزايد الخصخصة.
ويدعي مزارعون وتجار أن الحكومة تريد وقف نظام دعم الحد الأدنى السعري باسم الإصلاحات، ويخشون من أن تتركهم القوانين الجديدة تحت رحمة الشركات. في المقابل، أكدت الحكومة أن القوانين الزراعية الجديدة ستجلب للمزارعين فرصاً أفضل وستدخل تقنيات جديدة في مجال الزراعة.
ويقول خبراء زراعيون إن الملايين من صغار المزارعين في الهند فقدوا دخولهم بسبب انخفاض أسعار محاصيلهم وارتفاع تكاليف النقل والتخزين. ويخشى المزارعون من أن تفتح القوانين الجديدة الباب أمام إخضاع القطاع الزراعي لسيطرة الشركات التجارية، الأمر الذي تنفيه الحكومة. كما يساور المزارعين قلق كبير من أن تؤدي القوانين الزراعية الجديدة التي مررها البرلمان في سبتمبر (أيلول) إلى إلغاء نظام دعم الحد الأدنى السعري، الذي ألفه المزارعون ويبيعون بفضله محاصيلهم بسعر مضمون. ويعتبر هذا النظام في الأساس ضماناً للمزارعين إذا لم يحصلوا على سعر أفضل في أسواق المحاصيل التي يغطيها النظام. حينها، تتدخل الحكومة لشراء المحاصيل بسعر ثابت، ولذلك أصبح يجري النظر إلى هذا النظام على نطاق واسع باعتباره حماية للمزارعين من الخسارة.
من جهتها، تؤكد الحكومة أن القوانين الجديدة ستحرر التجارة الزراعية، وتمنح المزارعين الحرية لبيع منتجاتهم خارج الأسواق المنظمة والدخول في عقود مع المشترين بسعر متفق عليه مسبقاً. ويسعى المزارعون، من ناحيتهم، للحصول على ضمانات بأن الحكومة لن تنهي هذا الوضع. وفي الوقت الذي يرغب المزارعون في إلغاء القوانين الزراعية الثلاثة، وسن قانون جديد يضم بنداً يكفل عدم المساس بنظام دعم الحد الأدنى السعري، تصر الحكومة على أنه لن يجري إلغاء النظام. وتشير أرقام إلى أن أكثر عن نصف المزارعين في الهند مدينون بسبب رداءة المحاصيل. وفي عام 2019، أقدم 28 شخصاً يعتمدون على الزراعة على الانتحار كل يوم، مع انتحار 20638 شخصاً خلال عامي 2018 و2019، وفقاً للمكتب الوطني الهندي لسجلات الجرائم.
بعد وصوله إلى السلطة عام 2014، وعد مودي بمضاعفة دخول المزارعين بحلول عام 2022. ومع ذلك، لم يتحسن الوضع. وتتعرض الحكومة حالياً لضغوط لجلب استثمارات خاصة إلى قطاع الزراعة الذي أصيب بالجمود على مدى العقود الماضية.
التداعيات السياسية
يشكل المزارعون جمهوراً انتخابياً سياسياً قوياً داعماً لحزب «بهاراتيا جاناتا» الذي يترأسه مودي. ووجهت أحزاب المعارضة اتهامات لـ«بهاراتيا جاناتا» الحاكم بانحيازه للأثرياء ومعاداته للمزارعين. وينفي الحزب الحاكم هذه الاتهامات، متهماً أحزاب المعارضة بتحريض المزارعين للتظاهر ضد قوانين الإصلاح الزراعي الجديدة «التقدمية». ويقول معارضون سياسيون إن حكومة مودي مررت القوانين على عجلة، دون مناقشة حقيقية.
ومع ذلك، يرى محللون أن «دعم» المعارضة للمزارعين يأتي انطلاقاً من رغبتها في استغلالهم في الوقوف في وجه «بهاراتيا جاناتا»، الذي أقصاهم على نحو ممنهج عن مواقع السلطة والنفوذ السياسيين.
في هذا الصدد، قال المحلل نيتين باي إن «حكومة مودي المتغطرسة لم تتعاون مع المزارعين، وكان بإمكانها أن تتجنب مظاهرات المزارعين واحتجاجاتهم لو أنها تبنت عملية تشاور اجتماعية واسعة النطاق في صياغة القوانين الزراعية الجديدة من خلال المسار البرلماني. إلا أن تخطي الرحلة والقفز إلى الوجهة المقصودة مباشرة ترتب عليه أن جميع أصحاب المصلحة المعنيين بالقطاع الزراعي تلقوا صدمة بدلاً عن الحصول على تفسير، وقرار جاهز بدلاً عن جلسة استماع، وفي كثير من الحالات، مخاوف وجودية بدلاً عن التوقعات الإيجابية».
تنديد عالمي
في هذا الصدد، ذكر الكاتب الصحافي جاسبريت أوبيروي، في مقال له، أن «الضغط السياسي للسيخ هو قوة قوية في المشهد السياسي الكندي. إلى جانب تحقيق التوازن السياسي بالداخل، كان لدى ترودو أيضاً ثأر أو اثنان ينبغي له تسويتهما مع نظيره الهندي مودي. وخلال السنوات الست الماضية، انتهى بالزعيمين الأمر عند مفترق طرق في مناسبات متعددة، لا سيما فيما يتعلق بمسألة عدم استجابة كندا لمطالب الهند بقمع أصوات الخالستاني (أرض السيخ المنفصلة) السائدة في كندا. ويستمر التعبير المستمر عن مخاوف عالمية، في الوقت الذي أبدت الأمم المتحدة تأييدها الغضب السائد أوساط المزارعين الهنود، مؤكدة أن من حقهم الاحتجاج السلمي، ويجب على السلطات السماح لهم بالقيام بذلك. وقال ستيفان دوغاريك، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، «فيما يتعلق بمسألة الهند، ما أود قوله هنالك هو ذاته ما قلته لآخرين عند إثارة مثل هذه القضايا، وهو أن للناس الحق في التظاهر سلمياً، وعلى السلطات السماح لهم بذلك». وفي لندن، كتبت مجموعة من 36 برلمانياً من أحزاب مختلفة خطاباً إلى وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب، يطلبون منه تقديم احتجاج لدى نظيره الهندي، إس. جايشانكار، فيما يخص التداعيات على البريطانيين من أبناء البنجاب جراء مظاهرات المزارعين ضد الإصلاحات الزراعية الجديدة في الهند. كما أعرب الحزب الشيوعي الأسترالي عن تضامنه مع المزارعين الهنود الغاضبين.



شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟