«كورونا» يدشن أول اختبار لجيل لقاحات «الحمض الريبي»

طريقة إعدادها تمهد للتغلب على أمراض أخرى

رسم توضيحي للفيروس المسبب لـ«كوفيد-19» في أحد المستشفيات الألمانية (إ.ب.أ)
رسم توضيحي للفيروس المسبب لـ«كوفيد-19» في أحد المستشفيات الألمانية (إ.ب.أ)
TT

«كورونا» يدشن أول اختبار لجيل لقاحات «الحمض الريبي»

رسم توضيحي للفيروس المسبب لـ«كوفيد-19» في أحد المستشفيات الألمانية (إ.ب.أ)
رسم توضيحي للفيروس المسبب لـ«كوفيد-19» في أحد المستشفيات الألمانية (إ.ب.أ)

يستغرق تطوير واختبار لقاح جديد سنوات من العمل. وفي ظل جائحة كورونا، ضغطت الفرق البحثية الوقت لفترة تراوحت بين 12 و18 شهراً. وفي حين كانت الفريق البحثية تعمل على تطوير لقاحات، تقدمت شركتا «فايزر» و«موديرنا» بطلب للحصول على ترخيص استخدام طارئ من إدارة الغذاء والدواء الأميركية للقاح خاص بـ«كورونا»، إذ تمكنتا من إنتاج لقاح بعد ما يزيد قليلاً على 10 أشهر من نشر التسلسل الجيني الخاص بالفيروس.
وكلا اللقاحين مصنوع من «مرسال الحمض النووي الريبي» (mRNA)، وهو الجزيء الذي تستخدمه الخلايا بشكل طبيعي لنقل تعليمات الحمض النووي إلى آلية بناء البروتين في الخلايا. وقبل لقاحي كورونا، لم تتم الموافقة من قبل على لقاح يعتمد على مرسال الحمض النووي الريبي من قبل إدارة الغذاء والدواء الأميركية. ومع ذلك، جعلت سنوات كثيرة من البحث العلمي حول لقاحات الحمض النووي الريبي العلماء قادرين على البدء في اختبار مثل هذه اللقاحات ضد كورونا بسرعة. وبمجرد الكشف عن التسلسلات الفيروسية في يناير (كانون الثاني)، استغرق الأمر بضعة أيام فقط لشركتي الأدوية «موديرنا» و«فايزر»، جنبًا إلى جنب شريكها الألماني «بيوتنك»، للبدء في إنتاج اللقاح.

معلومات وراثية
يقول دانيال أندرسون، أستاذ الهندسة الكيميائية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عضو معهد كوخ التابع لمعهد كوتش لأبحاث السرطان التكاملية ومعهد الهندسة الطبية والعلوم، وذلك في تقرير نشره الموقع الإلكتروني لمعهد ماساتشوستس في 11 ديسمبر (كانون الأول) الحالي: «تتكون معظم اللقاحات التقليدية إما من أشكال ميتة أو ضعيفة من الفيروسات أو البكتيريا، وتثير هذه استجابة مناعية تسمح للجسم بمقاومة العوامل الممرضة الفعلية في وقت لاحق».
وبدلاً من توصيل فيروس أو بروتين فيروسي، تقدم لقاحات الحمض النووي الريبي معلومات وراثية تسمح لخلايا الجسم بإنتاج بروتين فيروسي، ويمكن لـ«مرسال الحمض النووي الريبي» الصناعي الذي يشفر البروتين الفيروسي استعارة هذه الآلية لإنتاج كثير من نسخ البروتين. وتعمل هذه البروتينات على تحفيز الجهاز المناعي لتكوين استجابة، دون التسبب في أي خطر للعدوى. ويوضح أندرسون أن «الميزة الرئيسية للقاحات مرسال الحمض النووي الريبي أنه من السهل جداً تصنيعها بمجرد أن يعرف الباحثون تسلسل البروتين الفيروسي الذي يريدون استهدافه».
وفي حين تثير معظم لقاحات كورونا استجابة مناعية تستهدف بروتين «سبايك»، الموجود على سطح الفيروس، ويعطيه شكله التاجي المميز، تقوم لقاحات «مرسال الحمض النووي الريبي» بتشفير أجزاء من البروتين الشائك، ويسهل إنتاج تسلسلات «مرسال الحمض النووي الريبي» في المختبر، في مقابل بروتين «سبايك» نفسه. يقول روبرت لانجر، الأستاذ بمعهد «ديفيد إتش كوخ»: «مع اللقاحات التقليدية، عليك القيام بكثير من التطوير، وتحتاج إلى مصنع كبير لصنع البروتين، أو الفيروس، ويستغرق نموها وقتاً طويلاً».
ويضيف: «ميزة لقاحات (مرسال الحمض النووي الريبي) أنك لست بحاجة إلى ذلك، فإذا قمت بحقن (مرسال الحمض النووي الريبي) مغلفاً بالنانو في شخص، فإنه يذهب إلى الخلايا، ومن ثم يكون الجسم مصنعك». وكان لانجر قد وضع بذره هذه اللقاحات، حيث قضى عقوداً في تطوير طرق جديدة لتوصيل الأدوية، بما في ذلك الأحماض النووية العلاجية، مثل «آر إن إيه» و«دي إن إيه»، في سبعينيات القرن الماضي، حيث نشر أول دراسة تظهر أنه من الممكن تغليف الأحماض النووية، وكذلك الجزيئات الكبيرة الأخرى، في جزيئات صغيرة وإيصالها إلى الجسم.
ويتذكر لانجر: «كان الأمر مثيراً للجدل في ذلك الوقت، وأخبرنا الجميع أن الأمر مستحيل، ولكن نشرت ورقة بحثية في مجلة (نيتشر) عام 1976، أظهرت أن الجسيمات الدقيقة المصنوعة من البوليمرات الصناعية يمكنها حمل وإطلاق جزيئات كبيرة بأمان، مثل البروتينات والأحماض النووية».
وفي السنوات اللاحقة، طور لانجر وأندرسون وغيرهما جزيئات دهنية تسمى الجسيمات النانوية الدهنية، وهي أيضاً فعالة جداً في توصيل الأحماض النووية. وتحمي هذه الناقلات الحمض النووي الريبي من الانهيار في الجسم، وتساعد على نقله عبر أغشية الخلايا، ويتم حمل لقاحي «موديرنا» و«فايزر» بواسطة جزيئات نانوية دهنية.

جسيمات نانوية
وعن السبب في التغليف، يقول لانجر: «مرسال الحمض النووي الريبي هو جزيء كبير محب للماء، ولا يدخل الخلايا بشكل طبيعي من تلقاء نفسه، وبالتالي يتم تغليف هذه اللقاحات في جسيمات نانوية تسهل توصيلها داخل الخلايا، وهذا يسمح للحمض النووي الريبي بالتوصيل داخل الخلايا، ثم ترجمته في البروتينات».
ورغم هذه المزايا، فإن أحد العيوب الكبيرة للقاحات مرسال الحمض النووي الريبي هو أنها يمكن أن تتحلل في درجات حرارة عالية، وهذا هو سبب تخزين اللقاحات الحالية في درجات حرارة منخفضة، ويجب تخزينها في درجة حرارة (-70) درجة مئوية.
ويشير أندرسون إلى أن إحدى الطرق لجعل لقاحات الحمض النووي الريبي أكثر استقراراً إضافة مثبتات، وإزالة الماء من اللقاح من خلال عملية تسمى «التجفيد» التي ثبت أنها تسمح بتخزين بعض لقاحات الرنا المرسال في الثلاجة، بدلاً من المجمد.
وتوفر الفاعلية المذهلة لكل من لقاحي «موديرنا» و«فايزر»، نحو 95 في المائة، الأمل في أن هذه اللقاحات لن تساعد فقط في إنهاء الوباء الحالي، ولكن أيضاً في المستقبل تساعد لقاحات الحمض النووي الريبي في المعركة ضد أمراض أخرى، مثل فيروس نقص المناعة البشرية والسرطان، كما يؤكد أندرسون، ويضيف: «أرى كثيراً من الأمل في هذه التكنولوجيا التي سيكون نجاحها مع (كوفيد-19) مقدمة لاستخدامها مع الأمراض الأخرى».



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».