تعقيباً على مذكرات عمرو موسى... وقائع زيارة ولقاء

عمرو موسى وناجي صبري خلال زيارة الأول إلى بغداد في 2002 (غيتي)
عمرو موسى وناجي صبري خلال زيارة الأول إلى بغداد في 2002 (غيتي)
TT

تعقيباً على مذكرات عمرو موسى... وقائع زيارة ولقاء

عمرو موسى وناجي صبري خلال زيارة الأول إلى بغداد في 2002 (غيتي)
عمرو موسى وناجي صبري خلال زيارة الأول إلى بغداد في 2002 (غيتي)

وردت في مذكرات الأمين العام لجامعة الدول العربية السابق الأخ السيد عمرو موسى المنشورة في جريدتكم بتاريخ 7-12-2020 نقاط مغايرة للحقيقة بخصوص زيارته للعراق في 18-1-2002 وأمور أخرى ذات صلة بأزمة العلاقة بين العراق والأمم المتحدة آنذاك. وبما أنني تابعت زيارته منذ بدايتها في نيويورك كفكرة ورافقته بعد وصوله إلى بغداد من المطار إلى المطار، أي في كل لقاءاته، أود أن أعقب فيما يلي على هذه النقاط تبياناً للحقيقة:
أولاً: ورد في المذكرات قول السيد موسى إنه في زيارته نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة التقى الأمين العام للأمم المتحدة السيد كوفي أنان، وأكد عليه ضرورة بذل «مجهود واضح في منع حرب وشيكة على العراق». وقال له: «سأزور الرئيس العراقي في يناير (كانون الثاني) المقبل. أريد منك رسالة أستطيع أن أنقلها إليه لحلحلة الموقف فيما يخص استئناف عمل المفتشين الدوليين»، وأن السيد أنان وافق. بعد ذلك نسبت المذكرات للسيد موسى قوله: «رتَّبت مع وزير الخارجية العراقي ناجي صبري الحديثي، أمر زيارتي للعراق». وهذا يعني أنه قرر الزيارة وحدد موضوعها وموعدها، ثم التقى بي لترتيبها، فضلاً عن مسألة الرسالة.
وفي الحقيقة أنني التقيت السيد عمرو موسى، على هامش اجتماعات الجمعية العامة، وتحدثت معه عن أزمة العلاقة بين العراق والأمم المتحدة، وعن الحاجة الماسة إلى السعي من أجل التوصل إلى حل سياسي سلمي لهذه الأزمة يضمن سيادة العراق وأمن شعبه ومصالحه الوطنية. وأوضحت له توجهنا لبناء علاقة إيجابية مع الأمانة العامة للأمم المتحدة وأجهزتها العاملة في العراق وجهودنا لاستئناف الحوار والتفاوض والتفاعل معها باعتبار ذلك الخطوة الأولى الأساسية على طريق حل الأزمة. لمست منه تفهماً وتأييداً لتوجهنا. فطرحت عليه ضرورة أن يكون لجامعة الدول العربية دور في هذا المسعى. وقد أبدى الاستعداد لذلك. وهنا طرحت عليه فكرة زيارة العراق لتأكيد هذا الاستعداد، فضلاً عما ستقدمه الزيارة من دليل رمزي فعّال على تضامن جامعة الدول العربية مع شعب العراق في مواجهة ظروف الحصار والعدوان المتواصل عليه. فوافق ووجهت إليه في الحال دعوة رسمية. وتواصل معي بعد عودته إلى القاهرة لتحديد توقيت الزيارة، وتم ذلك وحددنا يوم 18-1-2002.
لذلك، فإن زيارة السيد موسى للعراق هي فكرتي. ولم تكن لديه أي فكرة عنها قبل لقائنا، وأنا الذي اقترحت عليه موضوعها وقررت توجيه الدعوة إليه في أثناء اللقاء. ولم يبلغني بأي شيء عما زعمته المذكرات من أنه التقى السيد أنان وأخذ منه رسالة إلى الرئيس صدام حسين. وهذه أول مرة أسمع أن الأمين العام للأمم المتحدة قد وجه رسالة إلى رئيس جمهورية العراق بيد السيد عمرو موسى. ولا أدري كيف فاتت على من كتب المذكرات (ولا أقول السيد موسى) أن رئيس أي منظمة دولية لا يوجّه رسائل إلى الدول بيد أشخاص من خارج منظمته، فما بالك برئيس أكبر منظمة دولية في العالم.
ثانياً: تسرد المذكرات (وفق أسلوب الإثارة والتهويل الدعائي) كيف ذهب السيد موسى في اليوم التالي للقاء الرئيس صدام حسين، فتقول إنه تحرك من مقر إقامته إلى «مقر قيادة عسكرية» ثم «مقر وحدة عسكرية»، وتقدم وصفاً درامياً لسكرتير رئيس الجمهورية الذي تزعم أن السيد عمرو تعرف عليه في هذا المكان، ثم اصطحبه بسيارته إلى مكان لقاء رئيس الجمهورية.
وفي الحقيقة فإنني والسيد موسى ومساعديه التقينا في بناية المجلس الوطني في منطقة كرادة مريم قبل الذهاب إلى مكان اللقاء برئيس الجمهورية. ثم جاء سكرتير الرئيس الفريق عبد حمود واصطحبني والضيف بسيارته إلى أحد القصور الرئاسية في منطقة الرضوانية. وتبعنا مساعدو الضيف بسيارة ثانية. وبناية المجلس الوطني ليست ثكنة عسكرية كما ورد في المذكرات، وإنما بناية كبيرة ذات طراز عمراني كلاسيكي جميل تقع على نهر دجلة على بعد أقل من 200 متر من القصر الجمهوري. وتضم مكاتب مدنية تابعة لرئاسة الجمهورية. ومن الطبيعي أن تُحمى البناية بسياج خارجي وأن يحرس بوابة مدخلها الخارجي بضعة حراس أمنيين مثل أي مبنى تابع لرئاسة الدولة في أي دولة في العالم. كما أن السيد موسى لم يتعرف على السكرتير في هذا المكان كما ورد في المذكرات. وإنما التقاه في الليلة السابقة حين حضر دعوة العشاء التي أقيمت على شرفه بحضور السيدين نائب رئيس الوزراء طارق عزيز ورئيس ديوان الرئاسة أحمد حسين ووزير التجارة الدكتور محمد مهدي صالح.
ثالثاً: تسرد المذكرات رواية مغايرة للواقع عما جرى في المقابلة مع الرئيس صدام حسين. فقد زعمت أن السيد موسى قد استشاط غضباً وخاطب الرئيس صدام بنبرة كأنها صرخة بوجهه، وأن الرئيس خاطبه بلقب دكتور...إلخ! لا صحة لهذا ولكل ما ورد عن اللقاء إطلاقاً. فقد بدأ اللقاء بحديث السيد موسى عن موقف الجامعة العربية من قضية العراق المتمثل بالحرص على سيادته واستقلاله وحرمة أراضيه ووقوفها معه ضد الانتهاكات والتهديدات، وضد استمرار الحصار على شعبه. ثم تطرق وفق إطار الزيارة الذي اتفقتُ معه عليه في نيويورك، إلى أهمية العمل من أجل الحل السياسي السلمي لأزمة العلاقة مع الأمم المتحدة من خلال التواصل مع أمانتها العامة والتحاور معها بشأن كل المسائل المعلقة بين الطرفين. ثم أشار إلى التوجه الدبلوماسي العراقي لإيجاد مخرج للأزمة التي تمر بها علاقة العراق بالأمم المتحدة من خلال استئناف التواصل والتفاوض مع الأمم المتحدة. وأبدى استعداد الأمانة العامة لجامعة الدول العربية للمساهمة في هذا التوجه.
وقد رد الرئيس صدام حسين بشرح موقف العراق من موضوع العلاقة مع الأمم المتحدة، واستعرض ما فرضته الولايات المتحدة وبريطانيا على مجلس الأمن من قرارات تعسفية وانتهاكاتهما لسيادة العراق واعتداءاتهما على مواطنيه ومواقعه وإصرارهما على مواصلة الحصار على شعبه. وتحدث عن تهديداتهما بشن الحرب عليه وغزوه، وعن ممارسات فرق التفتيش التابعة للأمم المتحدة المنتهكة لسيادة العراق وأمنه. وقد أبدى عدم ممانعته لاستئناف التفاوض مع الأمانة العامة. واختُتم اللقاء بتعهد السيد موسى بالاتصال بالأمين العام للأمم المتحدة للاتفاق على ترتيبات استئناف المفاوضات الشاملة بين العراق والأمم المتحدة في أسرع وقت. وبالفعل اتفقنا مع السيد أنان على بدء المفاوضات في 7-3-2002 في مقر الأمم المتحدة بنيويورك.
غير أن ما يثير الغرابة هو ما ورد في المذكرات عن غضب السيد موسى وصراخه بوجه الرئيس صدام حسين وغير ذلك من المزاعم. كيف قـَبِل الأخ عمرو أن ينسب إليه من كتب مذكراته هذه الكذبة الصارخة؟ فهو بذلك قد نَسبَ إلى سليل الدبلوماسية المصرية ذات التقاليد العريقة ما يتنافى وأبسط مواصفات الدبلوماسي الناجح، أي الكياسة والتهذيب وحُسن الكلام. ونَسَبَ إليه كلاماً يتناقض مع ألف باء الدبلوماسية التي تشترط في الدبلوماسي المفاوض تمتعه، إضافة إلى أعلاه، بحسن التصرف والحكمة والهدوء، والتحكم بالعواطف والابتعاد عن الانفعال والغضب.
رابعاً: نسبت المذكرات إلى السيد عمرو موسى قوله إن زيارته للعراق كانت لإقناع الرئيس صدام حسين بإعادة المفتشين، وأن السيد الرئيس قد وافق على إعادة المفتشين، وفوّضه التحدث باسم العراق.
لكن الحقيقة أن موضوع عودة المفتشين لم يُطرح في اللقاء. كما لم يطرح في جولة المفاوضات الأولى مع الأمم المتحدة التي عقدت في مقر المنظمة الدولية في نيويورك يوم 7-3-2002 والتي رأست فيها وفد العراق ورأس وفد الأمم المتحدة أمينها العام. كما لم يطرح في الجولة الثانية التي عقدت في المقر نفسه في 2-5-2002. ولم يطرح كذلك في الجولة الثالثة التي عُقدت في مقر الأمم المتحدة في فيينا يوم 5-7-2002 بناء على طلبي للابتعاد عن مضايقات المخابرات الأميركية لأعضاء الوفد العراقي. وقبيل نهاية الجولة الثالثة، التقاني السيد كوفي أنان على انفراد، وقال لي إنه بحاجة لوعد منا بأن تنظر حكومة العراق بعودة المفتشين، كي يتمكن من مواصلة المفاوضات والاتفاق معنا على جولة رابعة. لكنني اعتذرت لعدم تفويضي بذلك من حكومتي.
إذن، كيف تقول المذكرات إن السيد الرئيس قد وافق على عودة المفتشين وفوّض السيد عمرو موسى التحدث باسم العراق؟ هل ثمة دولة في العالم، حتى تلك التي لا يزيد سكانها على سكان حي من أحياء بغداد، تفوّضُ شخصاً من غير مواطنيها ولا يقيم فيها ولا يحتل وظيفة رسمية لديها بتمثيلها في العلاقات مع دول ومنظمات دولية؟
وفي التاسع من سبتمبر (أيلول) 2002. التقيت الرئيس صدام حسين قبل توجهي إلى نيويورك لحضور الدورة السابعة والخمسين للجمعية العامة للأمم المتحدة. وسألته عن أي موقف جديد بشأن عودة المفتشين فأجابني بالانتظار، أي أن الرفض ما زال قائماً. وبعد وصولي إلى الأمم المتحدة، دعت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية إلى اجتماع لوزراء الخارجية العرب في قاعة بمبنى المنظمة الدولية يوم 15-9-2002. وقبيل دخولي القاعة علمت أن وزير الخارجية الأميركي كولن باول بدأ مشاورات مع مستشاريه القانونيين لوضع مشروع قرار لمجلس الأمن يجيز لأي دولة شن الحرب على العراق بذريعة رفضه إعادة المفتشين. ويفرض مشروع القرار على العراق مطالب باهظة في مُهل زمنية قصيرة تستحيل تلبيتها حتى لو رغب العراق بالامتثال. وهكذا بتُ متيقناً من ضرورة إعادة المفتشين. كان محور اجتماع الوزراء العرب أزمة العراق والأمم المتحدة. ووجّه الأمين العام ووزراء عدة مناشدات إلى العراق للعمل على حل الأزمة والتعامل بمرونة مع قرارات مجلس الأمن. ومما أتذكره جيداً المناشدة المؤثرة لسمو الأمير الراحل سعود الفيصل، وزير خارجية المملكة العربية السعودية.
بعد خروجنا من الاجتماع سألني السيد عمرو عما سأفعله. أجبته: «سنعيد المفتشين»، فرحب بذلك. وتمنيت عليه أن يشاركني في ترتيب الأمر مع الأمين العام كي يكون قرار عودة المفتشين في إطار احترام الأمم المتحدة لحقوق العراق الثابتة في حماية سيادته وحرمة أراضيه وحق شعبه في رفع الحصار اللاإنساني بموجب الميثاق وقرارات مجلس الأمن والقانون الدولي. فأبدى استعداده لذلك. أرسلت في الحال برقية مشفرة إلى الرئيس صدام حسين طلبت فيها موافقته على إعادة المفتشين بلا شروط. بعد نحو 3 ساعات مساء اليوم نفسه، وصلتني الموافقة، أي بعد تسعة أشهر على زيارة السيد عمرو موسى لبغداد والتي تزعم المذكرات أن السيد الرئيس قد أبلغه في أثنائها الموافقة على عودة المفتشين!
اتصلت بالسيد عمرو وذهبنا سوية إلى السيد أنان وأبلغناه بالقرار. ثم شاركني في كل الاتصالات اللازمة حتى وصلنا إلى الصياغة النهائية لرسالة قرار العراق السماح بعودة المفتشين بالتنسيق مع السيد أنان وقدمتها إليه مساء يوم 16-9-2002. وقد استمرت صلة العمل الودية الطيبة التي جمعتني بالأخ عمرو موسى حتى آخر اجتماع وزاري عربي حضرته يوم 25-3-2003 في مقر الجامعة بعد بدء الغزو الأميركي للعراق. وبعد انتهائه، خرج السيد عمرو معي حتى البوابة الخارجية للمبنى على الشارع الرئيسي لتوديعي.
*وزير خارجية العراق (2001 - 2003)



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.