علوية صبح تعود بالأمل في «أن تعشق الحياة»

بعد توقف عشر سنوات عن الكتابة

علوية صبح
علوية صبح
TT

علوية صبح تعود بالأمل في «أن تعشق الحياة»

علوية صبح
علوية صبح

«البدايات باتت تختلط بالنهايات، كما يمتزج النوم بالصحو. لم تعد هناك أي حدود بين الأشياء، ولا فاصل بين الأزمنة، حين يحرق الحاضر الماضي ويتحول إلى رماد. الحاضر الذي صار ملطخاً بالدم». من الكلمات الأولى لرواية علوية صبح الجديدة «أن تعشق الحياة» إلى الصفحة الأخيرة، ثمة امرأة في حالة صراع مستميت لاستنهاض جسدها المعتل، وهي تضخ الروح بجرعات من الصبر والعزيمة والحب والإبداع. المرأة الراقصة (بسمة) فقد جسدها بوصلته، تشتتت كلماتها على لسانها، كما أزمنتها في ذهنها، وتعطلت حركتها المعتادة، وباتت محكومة بتشنجات في الجسد، وجرعات عالية من المهدئات، كثيراً ما تفضي إلى هلوسة، أو استعادة تفاصيل مضت. يوم داهمها المرض، كانت في مقتبل العمر «بداية الثمانينات، من القرن الماضي، لم تكن تكفيني الحرب القذرة التي كنت أقاومها بأحلامي المتفجرة وبالرقص، وإنما فقدت فيها أبي وحبيبي الأول أحمد». هكذا تتوالى النكبات، على بسمة لكنها تستمد قوتها، من المطر والريح والبحر، والشعر والموسيقى والكتابة، وبالتأكيد من حلم العودة إلى المسرح من جديد.
الرواية تمزج بين السيرة الذاتية والتخييل. بمعنى أدق بين تجربة المرض - التي مرت بها صبح شخصياً وأوقفتها عشر سنوات عن الكتابة، كما حال بسمة مع الرقص - واللعبة الروائية بما تقتضيه من بناء لشخصيات وأحداث تدعم اللعبة السردية. فالنص يحتفظ إلى حد كبير، بنبض ذاتي، خصوصاً أنه يروى بصيغة «الأنا»، دون أن تتخلى علوية صبح هذه المرة أيضاً كما في رواياتها السابقة عن العودة إلى بيئتها الجنوبية، والمعتقدات الشعبية، والذكورية العارمة، لا سيما عند النساء. كما أن ثيمة الحرب الأهلية حاضرة. لكننا هذه المرة سنجد أنفسنا أمام امتداد جديد للعنف مع الربيع العربي. إنها المأساة ذاتها تتغير صيغها ويبقى مضمونها واحداً.
وتربط الراوية بين مرض الجسد ومرض المحيط العام. فهي تتألم في منزلها وحيدة، ولكن نافذتها في وحدتها، هو التلفزيون الذي تتدفق منه أخبار قطع الرؤوس وتفجر الدماء وسبي النساء. هذا التماهي بين الذات والاعتلال الجماعي، ليس رهناً بالحاضر. نفهم أن ما تعيشه الراوية هو بفعل ترسبات جاءتها من ماضٍ لم يكن أقل عنفاً، وطفولة معجونة بالخوف والأرق. وجسدها المعتل يصبح مرآة ترى فيه سلسلة من النزاعات العائلية، وانشطارات نفسية للمحيطين بها. «فقد تصدعت حياتنا مع التحولات التي شهدتها منطقتنا من نزاعات وحروب!»، بحيث بات الفصل صعباً بين ما يكابده الفرد، وما تتخبط فيه الجماعة.
وجع على وجع، يفاقمه تذكر مآسي الحرب، أو العودة إلى الوراء واسترجاع تجربة الأم الصعبة مع أب لم تجد فيه يوماً الصورة التي تتمناها، إلى أن يصاب في الحرب وتبتر رجلاه، وتضطر لخدمته. وهنا ترسم الكاتبة أحد أعنف مشاهد روايتها وأكثرها قسوة، في موقف نادر بين الأم والأب، ينتهي بالرجل إلى إحباط فانتحار. إحساس بالذنب يتلبس العائلة والراوية، التي تسال نفسها: «ألم يكن إهمالي له وانشغالاتي بالرقص وبأحمد (حبيبها الأول)، وتأففي من صوت بكائه في الليل أحياناً، هو ما جعلني شريكة في قتله؟».
يكاد يكون النص مبنياً على الثنائيات والتناقضات، حرب الخارج وحرب الجسد. الحاضر العنيف الذي يعيد إلى ماض ليس أقل عنفاً. الاعتلال الذي يأخذ إلى هاوية سحيقة، والفن الذي يبعث الأمل وينقذ من نهاية محتومة. الحب الحاضر دائماً، لكنه يبقى بحكم الغائب، ولا يتحقق، أو يبلغ خواتيمه السعيدة المأمولة أبداً. النساء اللواتي يشكلن عصب الحكاية، مقابل رجال يمرون كطيف هلامي، فهم إما يموتون أو يرحلون إلى أقدارهم المتقلبة. أنيسة صديقة بسمة الحميمة ليست في رضا من زواجها، وأمينة الصديقة الثانية لم تتزوج أصلاً، والأم لا ترى في الأب رجلاً تمنته، والراوية نفسها مع أحبتها الثلاثة، جميعهم وجودهم يأتي لاستكمال المشهد. أحمد هو الحبيب المرتجى، لكنه رحل قبل أن تبدأ الراوية القص، ويوسف الرسام، كان يفترض أن يكمل حكاية أحمد لكنه ينسحب بسبب ذهابه إلى تطرف تدريجي، حيث يطلب منها أن تتنقب أو ترحل. ثم الحبيب الأخير، الذي نفهم أنها تروي له حكايتها على وسائل تواصل افتراضية، وتبقى علاقتها به، مشرعة على احتمالات مفتوحة. لكن وللغرابة يصبح الافتراضي أكثر حقيقية من الواقع حين تقول: «ساورني إحساس أن الحب الافتراضي الذي عشته بكل نبض فيَّ هو الحب الحقيقي الأوحد، وكل ما عداه مجرد أوهام باطلة».
بسمة التي يشي اسمها بالفرح، على عكس ما هو عليه حالها، لا تتخلى عن قتالها الشرس من أجل العودة إلى المسرح متألقة في عروضها كما كانت. وبشريط حياتها، تعبر بنا الصفحات، نمر على فصول من عمرها تتلوها فصول قبل أن ننتقل معها إلى ضفة الشفاء. عمر تتخلله أحداث، وقصص، وصداقات، ومغامرات حب، تبقى جميعها مجرد جداول، تصب في قصة صراع بسمة. هي التي رغم كل معاركها الذاتية، كما تقول لها الممرضة غريس، «شيء واحد لم يتغير فيك: ابتسامتك التي كانت مرتسمة على وجهك. حتى حين كنت في أسوأ أحوالك».
الرواية الصادرة عن «دار الآداب»، والمزدانة بغلاف الفنانة نجاح طاهر التي اختارت لراقصة الباليه الثوب الزهري كناية عن الأمل، وحجبت الجذع والرأس بالعنوان، بينما تركت لذراعي الراقصة حرية الحركة، هو خير تعبير عن نزعة الانعتاق التي تنشدها القصة. فهي في مجملها، حكاية نساء. إذ إضافة إلى بسمة، هناك صديقتها أنيسة الكاتبة والصحافية، المتمردة الباحثة عن أحلامها رغم زواجها المحبط. هي أيضاً حكاية أمينة الصديقة التقليدية المقيدة، لكنها في الوقت نفسه تجد تعويضها في المنامات التي لا ترى فيها انفصالاً عن واقعها. هي كذلك حكاية الأم التقليدية، القاسية التي رغم محافظتها، تغضب وتثور بقوة، والشقيقات والجدات السبع اللواتي حتى في غيابهن حاضرات في المخيلة.
يمكن وصف رواية علوية صبح الجديدة «أن تعشق الحياة» بأنها قصة نضال امرأة عربية لا تختلف ملامح معاناتها عن مخاض مجتمعها. فبين اليأس والأمل ترفض الكاتبة أن تستسلم، وتخوض حرباً بأسلحة مبتكرة بالموسيقى ونصوص ابن عربي، ولوحات يوسف، وكتابات أنيسة وروايات أحمد، ورقصات مفضلتها الفنانة الألمانية بينا بوش، في مواجهة التطرف، والظلم والفقر والمرض. إنها رواية غاضبة ومسالمة في آن. حكاية امرأة تشن حرباً أنثوية على البشاعة وتنتصر.



باليه «أميرة النيل» يستلهم قصة حب أسطورية من مصر القديمة

البالية يجمع بين عراقة النص الكلاسيكي وروح المعالجة المعاصرة (دار الأوبرا)
البالية يجمع بين عراقة النص الكلاسيكي وروح المعالجة المعاصرة (دار الأوبرا)
TT

باليه «أميرة النيل» يستلهم قصة حب أسطورية من مصر القديمة

البالية يجمع بين عراقة النص الكلاسيكي وروح المعالجة المعاصرة (دار الأوبرا)
البالية يجمع بين عراقة النص الكلاسيكي وروح المعالجة المعاصرة (دار الأوبرا)

في استعادة فنية لواحد من أعمال الباليه العالمي، يستقبل المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية عرض باليه «أميرة النيل» الذي بدأ، الجمعة، ويستمر حتى الاثنين 9 فبراير (شباط) الحالي.

يعود العمل إلى الجمهور في صيغة تجمع بين عراقة النص الكلاسيكي، وروح المعالجة المعاصرة؛ فالعرض الذي تقدّمه فرقة «باليه أوبرا القاهرة» يستعيد أحد أشهر الأعمال التي رسّخت صورة جمالية عن عراقة الحضارة المصرية في الفكر الغربي، لكنه هذه المرة يعيد قراءتها من داخل الذاكرة الثقافية المصرية نفسها، حيث تدور أحداثه في إطار سردي يجمع بين الواقع والحلم.

ويشعر المشاهد منذ لحظاته الأولى بأنه يراهن على فخامة الأجواء، وهيبة الحضارة القديمة، والدهشة البصرية، وزخم المشاعر؛ إذ تبدأ الأحداث برجل إنجليزي، يصل إلى مصر في رحلة استكشافية، ويجد نفسه مضطراً إلى الاحتماء داخل أحد الأهرامات؛ هرباً من عاصفة رملية مفاجئة. وهناك وفي أجواء غامضة تتداخل فيها الأسطورة مع الخيال، يتناول مادة مخدرة تجعله يغفو، لينتقل عبر الحلم إلى مصر القديمة.

أزياء مستوحاة من الرموز الفرعونية والبيئة (الأوبرا المصرية)

في هذا العالم المتخيل، يتحول الرجل إلى شاب مصري نبيل، يعيش في بلاط الحاكم، وسرعان ما يلتقي ابنة الفرعون، التي تتجسد بوصفها رمزاً للجمال والقوة. وينشأ بين الاثنين حب عميق، لكنه حب محكوم بالمواجهة؛ إذ تصطدم مشاعرهما بقوانين السلطة والاختلاف والمصير.

فهل ينتصر الحب ويستمر مع محبوبته «أميرة النيل»، أم يعود من حلمه إلى الهرم، بعد أن يكون قد اكتسب تقديراً حقيقياً لسطوة الحب والقدر؟

وترى المديرة الفنية لفرقة «باليه أوبرا القاهرة»، الفنانة أرمينيا كامل، أن تقديم «أميرة النيل» يأتي في إطار رؤية فنية تؤمن بالاستلهام من الجذور الحضارية المصرية؛ وذلك بوصفها مادة حية ثرية على المستويات الإنسانية والجمالية، قابلة لإعادة التشكيل الراقي الملائم لفن الباليه. وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الحضارة المصرية القديمة، بما تحمله من ثراء بصري ودرامي، ومن مشاهد وصور وزخم سردي، تملك قدرة استثنائية على مخاطبة وجدان المتلقي المعاصر عبر الباليه».

يُذكر أن باليه «أميرة النيل» وُلد خلال فترة ازدهار ثقافي وفني ملحوظ في روسيا؛ ففي منتصف القرن التاسع عشر بدأ الباليه الروسي في ترسيخ هويته الخاصة، المتميزة عن نظيراتها في أوروبا الغربية.

ويشير الناقد الفني محمد كمال إلى أن هذا الباليه استلهم من رواية «المومياء» لتيوفيل غوتييه، التي شكّلت نسيجاً غنياً من الثقافة والأساطير المصرية القديمة؛ ما أتاح للمبدعين فرصة استكشافها.

وكان للتعاون بين ماريوس بيتيبا، أستاذ الباليه الفرنسي الذي استقر في روسيا، وتشيزاري بوني، الملحن الإيطالي، دور محوري في إخراج هذا الباليه إلى النور.

باليه «أميرة النيل» (دار الأوبرا المصرية)

فقد أثمرت تصميمات بيتيبا الراقصة المبتكرة، إلى جانب موسيقى بوني المؤثرة، عرضاً مذهلاً من الناحيتَين البصرية والموسيقية، حسب كمال. اللافت أن الباليه لا يتعامل مع قصة الحب بوصفها حكاية رومانسية تقليدية، بل يقدمها بصفتها سلسلة من الاختبارات الجسدية والدرامية؛ حيث تتحول المشاعر إلى حركات، والصراع إلى إيقاع.

ففي الفصل الثاني على سبيل المثال تتصاعد التوترات مع ملاحقة الحراس للعاشقين، وتتحول الرحلة إلى سلسلة من المطاردات والمشاهد الجماعية التي تبرز قوة الرقص الكلاسيكي في التعبير عن الإحساس بالخطر والهروب والرغبة في النجاة.

ويتداخل البعد الأسطوري مع الدراما في العرض عبر مشاهد تتكامل فيها الموسيقى والحركة والضوء، وفي أثناء ذلك يترسخ لدى المشاهد الإحساس بتفرد النيل، بوصفه قوة حامية وملاذاً للإنسان، وليس مجرد نهر عظيم.

وفي الفصل الأخير يتصاعد الصراع، وتتداخل السلطة بالعاطفة، قبل أن ينكسر الحلم فجأة، ويستيقظ البطل في نهاية قد تعيد المتفرج إلى نقطة البداية، لكنها تأتي محمّلة بدلالة جديدة؛ إذ يكتشف أنه قد أصبح مثل هذا البطل من حيث تغيّر نظرته إلى الحب والقدر والحياة.

وتتميز معالجة الباليه بأنها لا تعتمد على السرد المباشر، بل تترك للرقص والموسيقى مهمة نقل التحولات النفسية والدرامية.

وهو ما يتجلّى في تصميمات الرقص المستندة إلى أعمال ماريوس بيتيبا؛ حيث تتوازن الحركات الدقيقة مع المشاهد الجماعية المهيبة، وتتحول الأجساد إلى عنصر سردي أساسي.

أما الموسيقى التي وضعها المؤلف الإيطالي تشيزاري بوني، فتشكّل العمود الفقري للعمل، بما تحمله من ألحان غنية وزخارف أوركسترالية تتكرر، وتتحول مع تطور الأحداث.

ويقود الأوركسترا المايسترو محمد سعد باشا، في أداء يبرز التباين بين المقاطع الاحتفالية، والمشاهد الوجدانية، سيما في ثيمات الحب والمواجهة. صمم ياسر شعلان الإضاءة بحيث تواكب التحولات الزمنية والنفسية، متنقلة بين أجواء الحلم والاحتفال والتهديد، في حين قدّم جيانلوكا سايتو أزياء مستوحاة من الرموز الفرعونية والبيئة، جاءت غنية في تفاصيلها، من دون أن تقع في فخ الاستنساخ التاريخي.

ويعتمد العرض كذلك على مشروع وسائط متعددة من تصميم عبد المنعم المصري، يضيف بعداً بصرياً حديثاً، من خلال دمج الصور والخلفيات المتحركة مع المشاهد الراقصة، في انسجام يحافظ على إيقاع العرض، من دون أن يؤدي إلى تشتيت انتباه المتلقي.


9 أفلام نسائية في مسابقة برلين

عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)
عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)
TT

9 أفلام نسائية في مسابقة برلين

عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)
عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)

تتوالى الأيام سريعاً صوب بدء الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الذي ينطلق في الثاني عشر من هذا الشهر حتى الثالث والعشرين منه.

المؤشرات تعِد بدورة أكثر نجاحاً من الدورات الثلاث السابقة، لكنّ هذا لن يتأكد قبل العروض السينمائية للمسابقة وما يجاورها من أقسام. هذا لأنه من السهل إتقان الشؤون الإدارية المختلفة، ومن الأسهل، نسبياً، إنجاز سوق سينمائية كبيرة تقبل عليها مؤسسات وشركات لتأكيد وجودها على خريطة الإنتاجات السينمائية حول العالم، لكن اختيار الأفلام المشتركة في برامج المهرجان المختلفة هو المحك الذي سيمكّن الإعلام ونقاد السينما من الحكم على درجة نجاح المهرجان الفعلي، وإذا ما وفى بوعده العودة إلى سابق تألّقه.

أرقام

شيء واحد مؤكد إلى الآن هو أن هناك تسعة أفلام من إخراج نسائي بين عروض المسابقة المؤلّفة من 22 فيلماً. مسألة لم نكن نعيرها اهتماماً حتى وقت ليس بالبعيد عندما كانت المهرجانات تختار ما تختاره من الأفلام من دون أن تفرِّق كثيراً إذا ما كان الفيلم من إخراج امرأة أو رجل!

الذي حدث أن القوّة الناعمة (أو هكذا عُرفت) رأت أن المرأة ليست ممثَّلة بما يكفي في المهرجانات، فنادت بحضور أعلى، وكان لها ما أرادت. في العام الماضي شهد مهرجان برلين 8 أفلام من إخراج نساء، أي بفارق فيلم واحد عن هذا العام. الفيلم الإضافي سيؤكد، حسب معلومات، أن مهرجان برلين يؤكد ريادته في رعاية المخرجات. هذا في حين تشير مجلة «سكرين إنترناشيونال» إلى أن عدد الأفلام نسائية الإخراج التي كانت قد عُرضت قبل عامين لم يزد على ستة أفلام. لكن هل بات حُكماً أن تراعي المهرجانات نسبة معيّنة لتبرهن على أنها مؤيدة للمرأة؟ ماذا عن اختيار الأفلام حسب أهميّتها الفنية أساساً؟

الأمور ليست على ما يرام في هذا الشأن خارج إطار المهرجانات. في عام 2024، حسب دراسة لجامعة ساذرن كاليفورنيا (USC)، ومن بين 111 مخرجاً حققوا أفلاماً، كان نصيب المرأة 9 أفلام فقط، (أي امرأة واحدة مقابل كل 11 مخرجاً ذكراً) من بينها فيلما أنيميشن هم «إليو» لمادلين شرفيان (أنيميشن) وKPop Demon HUnters (بمشاركة مخرج رجل هو كريس أبلهانز)، وثلاثة أفلام رعب هي: «أعلم ما فعلت في الصيف الماضي» لجنيفر روبنسن، و«خمسة أيام عند فرايداي 2» لإيما تامي، و«جمعة أكثر غرابة»، (Freakier Friday)، لنيشا غاناترا.

توجُّه المرأة إلى تحقيق أفلام رعب يستأهل تحقيقاً منفصلاً من حيث أسبابه ونتائجه.

الدراسة الجامعية المذكورة تكشف بين دفّتيها عن تقارير عن 1900 فيلم جرى إنتاجها ما بين 2007 و2025، وتلاحظ كيف انطلقت القوّة الناعمة جيداً في العقدين الأول والثاني من القرن، ثم بدأت التراجع مع استمرار تفضيل شركات هوليوود الرئيسية اختيار مخرجين رجال لمعظم إنتاجاتها.

«جوزيفين» (مهرجان برلين)

مخرجات برلين

هذا لا علاقة وثيقة له باختيار المهرجانات إلا من خلال ملاحظة القوس البياني لسعي المرأة إلى إثبات حضورها في المشهد السينمائي.

أفلام برلين النسائية مثيرة للاهتمام لأنها تشكل نوع من التعدد في الخيارات المتاحة. على ذلك، فإن الجامع الآخر بين أفلامهن يتمحور حول موضوعات مجتمعية تقود المرأة غالبيّتها.

من «في همسة» لليلى بوزيد (يونيتي)

من بين المشتركات في دورة برلين الجديدة المخرجة التونسية ليلى بوزيد التي توفّر الفيلم العربي الوحيد في المسابقة وعنوانه «في همسة» (كان عنواناً لفيلم إسباني أُنتج سنة 2019 لهايدي حسن). فيلم بوزيد دراما عائلية حول «ليلى» التي تعود إلى تونس من باريس لحضور جنازة عمّها. الزيارة تكشف عن اختلافات كثيرة بين طريقتي عيش تؤدي إلى أزمات.

هناك بحث آخر تقوم به بطلة الفيلم الأميركي «جوزيفين» للمخرجة بث. د. أرايو، حول الزوجين (غيما تشان وشانينغ تاتوم) في سعيهما لحماية ابنتهما التي شهدت جريمة اغتصاب. في مؤتمرها الصحافي أكدت المديرة الفنية للمهرجان أن ما يرد في هذا الفيلم هو «حكاية شخصية».

تبتعد المخرجة البريطانية أشلي وولترز عن الموضوع النسائي في فيلم سمّته «أنيمول» (Animol)، إذ يدور فيلمها عن مجموعة من الشبّان الذين يعيشون في إصلاحية وكيف استطاع بعضهم خلق بعد جديد لحياتهم من خلال صداقاتهم هناك.

موضوع رجالي آخر تطرحه السويدية دارا ڤان دوسن، في «صلاة للميّت»، (A Preyer for the Dead)، حول رئيس شرطة مدينة حائر بين إنقاذ عائلته وبين إنقاذ البلدة التي تطالبه بتطبيق القانون.

من «قصص بيتية» (أدريان كامبيون - تريمافيلم)

في «قصص بيتية»، (Home Stories)، (ألمانيا)، تختار المخرجة إيڤا تروبيش موضوع الهوية. بطلة الفيلم ذات المكانة الاجتماعية تتعرّض لسؤال حول حياتها. تخرج من المقابلة مدركةً أن عليها أن تبحث عن هويّتها الخاصّة.

الأفلام الأخرى للمخرجات المشتركات هي «الرجل الأكثر وحدة في البلدة» لتيزا كوڤي (ألمانيا)، و«زوجتي تبكي» لأنجيلا شانالك (ألمانيا)، و«نايتبورن» لهانا بيرغهولم (فنلندا)، و«نينا روزا» لجنڤييڤ دولودي-دي سيلس (كندا)، و«غبار» لأنكي بلوند (بلجيكا).

Your Premium trial has ended


علماء آثار يكشفون دليلاً على أقدم عملية جراحية بالمخ في العالم

عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
TT

علماء آثار يكشفون دليلاً على أقدم عملية جراحية بالمخ في العالم

عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري

كشف علماء آثار عن دليل لما قد يكون أول عملية جراحية في المخ في العالم، إذ تم العثور على جمجمة بشرية من عصر الفايكنج وقد أُزيل جزء منها.

وتتميز البقايا، التي تعود لرجل يتراوح عمره بين 17 و24 عاماً، بوجود ثقب بيضاوي الشكل يبلغ قطره نحو 3 سنتيمترات. ويعتقد الخبراء أن الرجل عاش خلال القرن التاسع الميلادي، وفقاً لتقرير «وكالة الأنباء السويدية».

من المرجح أن الرجل خضع لعملية تثقيب الجمجمة، وهي إجراء جراحي قديم يتم فيه حفر ثقب في جمجمة شخص حي لعلاج حالات مثل الصداع النصفي، أو النوبات. وامتد عصر الفايكنج من نحو عام 750 إلى عام 1050 ميلادي.

واكتشف طلاب جامعة كامبريدج البقايا العام الماضي خلال حفريات تدريبية في حصن واندلبوري الذي يعود للعصر الحديدي.

لا تكمن أهمية هذا الاكتشاف في العملية الجراحية فحسب، بل في بنية الرجل الجسدية أيضاً. وكان طوله 6 أقدام و5 بوصات، مما جعله أطول بكثير من متوسط ​​طول الرجل في ذلك العصر، والذي كان يبلغ طوله عادةً 5 أقدام و6 بوصات، وفقاً لتقرير «وكالة الأنباء السويدية».

قالت الدكتورة تريش بيرز، أمينة مختبر داكوورث بجامعة كامبريدج، في التقرير: «ربما كان لدى الشخص ورمٌ أثّر على غدته النخامية، مما تسبب في زيادة إفراز هرمونات النمو، إذ يمكننا ملاحظة ذلك في الخصائص الفريدة لعظام أطرافه الطويلة، وفي أجزاء أخرى من هيكله العظمي».

أشارت بيرز إلى أن مثل هذه الحالة كانت ستؤدي إلى زيادة الضغط داخل الجمجمة، والتسبب في صداع شديد. ويبدو أن عملية ثقب الجمجمة كانت محاولة لتخفيف هذا الألم، وهو هدف «ليس نادراً في حالات إصابات الرأس اليوم».

وشكّل موقع الدفن نفسه لغزاً محيراً، إذ احتوت المقبرة الجماعية على مزيج من الجثث الكاملة، والمقطّعة، بما في ذلك مجموعة من الجماجم، وما وصفه الباحثون بـ«كومة من الأرجل». وتمّ استخراج أربعة هياكل عظمية كاملة، بعضها في وضعيات توحي بأنها كانت مقيّدة.

وبدا أن معظم الجثث كانت لشبان أُلقي بهم في الحفرة دون اكتراث، مما دفع علماء الآثار إلى الاشتباه في أن الموقع يُشير إلى آثار مناوشة، أو معركة، أو إعدام جماعي.

وقال أوسكار ألدريد، من وحدة كامبريدج الأثرية: «ربما كان المدفونون ضحايا عقاب بدني، وقد يكون ذلك مرتبطاً بواندلبري باعتبار أنه مكان مقدس، أو معروف للاجتماعات». وأضاف: «ربما تكون بعض أجزاء الجثث الممزقة قد عُرضت سابقاً بوصفها جوائز، ثم جُمعت ودُفنت مع الأفراد الذين أُعدموا، أو ذُبحوا بطريقة أخرى».