رحيل رفعت سلام... شاعر «وردة الفوضى الجميلة»

من أبرز جيل السبعينات وأحد مؤسسي «إضاءة 77» الشعرية

رفعت سلام
رفعت سلام
TT

رحيل رفعت سلام... شاعر «وردة الفوضى الجميلة»

رفعت سلام
رفعت سلام

لم يكن رفعت سلام موقناً بالأمل كحقيقة معاشة بالفعل، أو حتى ممكنة، وهو يرد على دعابة خاطفة حاولت أن أخفف بها من وطأة الألم عنه، قبل أيام على رحيله الموجع، قلت له: كيف ييأس من الأمل شاعر الأمل؟! لكن صوته المتناثر المتقطع في الهاتف لم يترك لي فرصة للرجاء، أشفقت عليه وحساسية وضعه الصحي، كنت أسمع ذبذبة صدره ولهاث أنفاسه المضطربة، وكأنهما اجتهاد أخير في الكدح من أجل أن يظل وتر اللحن مشدوداً، في طوايا الحضور والغياب.
رحل صاحب «وردة الفوضى الجميلة» وغيّبه الموت عن عمر ناهز 69 عاماً، وبعد صراع مرير استمر قرابة العام مع سرطان الرئة. وشيع جثمانه أول من أمس (الأحد)، ودفن بمقابر العائلة بقرية «منية شبين القناطر» مسقط رأسه، بمحافظة القليوبية المجاورة للعاصمة القاهرة.
ولد رفعت سلام في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 1951 بمدينة «مينا القمح» بمحافظة الشرقية، حيث كان والده الموظف الحكومي بالشرطة دائم التنقل، وترعرع في كنف أسرة قروية بسيطة، عادت بعد أربع سنوات للاستقرار بمسقط رأسها بمحافظة القليوبية. في عام 1969 التحق بجامعة القاهرة، درس الصحافة، وتخرج في كليه الآداب 1973، وزامله في الدراسة الشاعر الراحل حلمي سالم، وقد أثمرت هذه الزمالة في تلك الفترة عن ديوانهما الشعري المشترك «الغربة والانتظار».
عكست تجربة ذلك الديوان الثنائية إشارات قوية على ميلاد صوتين شعريين سيكون لهما شأن في الشعر المصري، كما شكلت بذرة لفكرة العمل المشترك، وإمكانية تنميتها في عمل جماعي شعري، يغامر ويضخ دماء جديدة في القصيدة، وهي فكرة أصبحت ضرورة يفرضها واقع الحياة الثقافية آنذاك، خاصة بعد الظروف السياسية القاسية التي عاشتها البلاد عقب نكسة 1967، وحالة الحرب واللاحرب، التي تحولت إلى قناع للسلطة في عهد الرئيس السادات، وعصا غليظة لمطاردة المثقفين والكتاب والشعراء؛ ما اضطر عدد من طليعتهم إلى الخروج المؤقت إلى بلدان عربية وأوروبية: صلاح عد الصبور، أحمد عبد المعطي حجازي، محمد عفيفي مطر، محمود أمين العالم، وغالي شكري، ومن تبقى في الداخل، عاش رهين المرض العضال والاكتئاب، أمل نقل، ونجيب سرور، وغيرهما.
في هذا الوضع، الذي أصبح فيه الفرار من الوطن عيناً أخرى أكثر قلقاً عليه، كان لا بد من المشاكسة والمغامرة، ومواجهة الخنوع والعسف والخذلان في الداخل، وأن يخرج شعراء وكتاب وفنانون يحيون الأمل من جديد عبر كتابة مغايرة، وبوسائل ترسخ لفكرة الاستقلالية بعيداً عن تيار التبعية للسلطة. كانت ظاهرة «كتابة الماستر» بذرة التحول لاستعادة تجربة الجماعات الأدبية، بما لها من جذور قوية في الواقع المصري، من أبرزها «جماعة الخبز والحرية» في الفن التشكيلي، جماعة «أبوللو» في الشعر، جماعة مجلة «جاليري 68» في الأدب.
تحت همّ التجريب والمغامرة والحاجة إلى أفق جمالي مغاير في الشعر والنظر النقدي إليه، انبثقت تجربة مجلة «إضاءة 77» الشعرية، التي أسسها أربعة شعراء: حلمي سالم، رفعت سلام، حسن طلب، وكاتب هذه السطور، ومع العددين الأول والثاني، اتسعت قماشتها وتحولت إلى جماعة شعرية. لكن التجربة مع فورة الحماس وردود الفعل الإيجابية المشجعة، لم تستطع أن تجتاز أول اختبار لها في الرأي واختلاف وجهة النظر بين أعضائها الأربعة إلا بالخسارة، إذ قرر رفعت سلام الخروج من المجلة، إثر خلاف حاد مع حلمي سالم رفيق ديوانه المشترك، وأسس مجلة «كتابات»، التي كان لها الفضل في التكريس لموجة شعراء السبعينات في الشعر المصري، وأنها عتبة حقيقية لجيل متميز... الطريف هنا أن الاحتكام للديمقراطية سقط أيضاً في هذا الاختبار بعد أن تساوت كفتا الميزان بين الأعضاء الأربعة حول جوهر الخلاف بين الشاعرين الصديقين، ووصل الأمر للتأكيد على أن بقاء أحدهما بالمجلة مرهون بخروج الآخر. وقد اختار رفعت الخروج بملء إرادته وبهدوء؛ حرصاً على تجربة المجلة الوليدة وضمان استمراريتها.
اتسم رفعت سلام على المستوى الشخصي بالصلابة والانضباط في العمل، فدائماً كانت نظرته عملية للأمور والأشياء، وفي التعامل مع الواقع بكل معطياته ومفارقاته ينفر من فكرة الأشياء المعلّقة، من أنصاف الحلول، أنصاف الرؤى والأفكار، بل كثيراً ما يسخر من نظرة «البين بين» أو «البينية» حتى في التعامل مع الزمن كمقوم فني يمنح الشعر خصوصيته، وألقه الجمالي والفلسفي. فمنتصف الوقت كدلالة شعرية، مجازية لا تعني تحديداً زمنياً قاطعاً وفاصلاً، بين الأشياء وظلالها، فزمنها هو زمن الشعر نفسه، المنساب في دبيب البشر وخطى الطبيعة في المكان والزمان.
رفت سلام، ابن ذات شعرية نزقة، تعشق الرسوخ والقلق والتوتر والفوضى، وترى أنها مركز الثقل والثبات والحركة في النص. ربما لذلك انشغل في وقت مبكر، ومنذ ديوانه الثاني «إشراقات» بفكرة تعدد الأصوات في الشعر، من منطلق أن الصوت هو الذي يمنح الدلالة أو العلامة حسيتها ورائحتها الخاصة، وهو الذي يحدد سقف المتن والهامش، وطبيعة الجدل بينهما، وكذلك طبيعة التعامل مع شخوص ورموز وأساطير من تراثات معرفية شتى (نيتشه، رامبو، بودلير) وغيرهم، فكلما تعددت الأصوات، وتجاورت وتقاطعت، برز الإحساس بالزمن في غلالته الصورية والنفسية، وبرزت جسور الوصل والقطع بين الماضي والحاضر، بين الحافة والهاوية، وعلى الأخص بين الحلم والذاكرة من ناحية، وبينهما وبين الواقع من ناحية أخرى. وفي شعره دائماً ما يقترن حضور الصوت بحضور الأنا، كتجسيد لكينونة فاعلة وراسخة لها ما يميزها، حتى في لحظات الهشاشة والتفتت تبقى مجدولة بعلاقة مركبة وحميمة بين الوعي واللاوعي مثلما يقول في ديوانه «إشراقات»، «لم أغب طويلاً، ألف عام كنت أبحث عن نسيان، وامرأة، ومكان في الأوتوبيس؛ فتهت في الزحام، ونسيت، لم أغب، ولم، ولم... أنا الحارس النائم عند الحائط الهديم، جئتكم هديماً بعدما فقدت ورقة التوت، والخيط الذي انقطع؛ فهويت، فانتهيت».
يرتبط الصوت دائماً بمتوالية التذكر والنسيان، الصراخ، والخفوت، كما يسعى دائماً إلى الدمج بين ضمائر المخاطب والغائب والمتكلم، للإيهام بالربط بين تعدد المستويات في النص، وتعدد طرق النظر إلى الكينونة والوجود، وتمثلاتها المتباينة في الحضور والغياب. ومع ذلك تتمحور مركزية الرؤية في شعره، حول الإقرار باليقين، ونفيه ضمنياً في الوقت نفسه، فلا يبقى سوى التوتر والقلق والضجر وحيرة السؤال محركاً للصراع، لكنه مع ذلك صراع مبني على الاحتمال، أن يكون أو لا يكون، وهو ما نلمحه بقوة خاصة في ديوانه «هكذا قلت للهاوية»:
«قد يتسع الوقت.
قد..
حتى ينمو الأبدُ وئيداً في جسدي
لكن..
هل من غفران يرجى
إذ تنفلتين، مراوغةً، موغلة، تشتعلين على حد الحلم الناري،
فينفلت الزمن دخاناً وتراباً، تنحدر صخور الوقت إلى الهاوية،
وتنفلتين، فينفلت الأبد المائيُّ إلى جسدي المنهوك
صراخاً وعويلاً مجنوناً.
وتروغين.
فهل أخلع جسدي عني،
أم يمتد الأبد المائيُّ وئيداً دون عناء.
لا شيء إذن..
لا شيء».
لقد ترك رفعت سلام أثراً يبقى، سواء في الشعر بدواوينه التسعة، أو بمقالاته ورواه النقدية في المسرح، وقضايا التراث والشعر، ومنها كتبه: «بحثاً عن التراث«، «بحثاً عن الشعر«، «المسرح الشعر العربي»، أو في جهده الوافر في الترجمة، بخاصة الأعمال الشعرية لكوكبة من الشعراء العالميين: بوشكين، ريتسوس، بودلير، كفافيس، رامبو، ويتمان... وغيرهم.
كما عاش مهموماً بكل ما هو إنساني، يعلي من قيم العدل والجمال والحرية، وكان حلمه، أن يرى قصيدته تتكلم من تلقاء نفسها، تحاوره تأخذ بيده، وهو يعبر الشارع، وهو يجلس على المقهى، وهو يتحدث مع الشعراء والأصدقاء.
ترجمت مختارات من شعر وبعض دواوينه إلى عديد من اللغات في العالم، وحصل على جائزة كفافيس الدولية للشعر من اليونان عام 1993. كتبت عنه الكثير من الدراسات النقدية، وشكل شعره موضوعاً لأطروحات ماجستير ودكتوراه في جامعات مصرية وعربية.
رغم حالته الصحية تشبث رفعت سلام بالعطاء إلى أقصى مدى، فمع بدايات مرضه أصدر عديداً من الكتب ما بين الترجمة والشعر، وكأنه في سباق محموم مع الذات والزمن يريد أن يعتصرهما حتى آخر نقطة، من هذه الأعمال ديوانه «أرعى الشياه على المياه« وترجمته الأعمال الشعرية للشاعر الأميركي والت ويتمان. وفي سياق عمله الوظيفي، أشرف على القسم الثقافي وتولى رئاسة تحريره في «وكالة أنباء الشرق الأوسط« الرسمية، كما عمل مديراً لمكتبها في الجزائر لسنوات عدة.
في حوار معه يصف علاقته بالتراث على نحو يبدو متسقاً مع رؤيته الشعرية، «علاقتي بالتراث العربي وثيقة باعتباري الوريث الثقافي والشعري له، بلا قطيعة ولا تماهٍ به. هو تراثي الذي أدخل دائماً في حوار معه، ندّاً لند؛ يسكنني الكثير من أصواته العميقة، المرهفة، وتطاردني وجوهٌ أخرى ظلامية غابرة، لا في الوعي فحسب، بل في الحياة اليومية الراهنة».



باليه «أميرة النيل» يستلهم قصة حب أسطورية من مصر القديمة

البالية يجمع بين عراقة النص الكلاسيكي وروح المعالجة المعاصرة (دار الأوبرا)
البالية يجمع بين عراقة النص الكلاسيكي وروح المعالجة المعاصرة (دار الأوبرا)
TT

باليه «أميرة النيل» يستلهم قصة حب أسطورية من مصر القديمة

البالية يجمع بين عراقة النص الكلاسيكي وروح المعالجة المعاصرة (دار الأوبرا)
البالية يجمع بين عراقة النص الكلاسيكي وروح المعالجة المعاصرة (دار الأوبرا)

في استعادة فنية لواحد من أعمال الباليه العالمي، يستقبل المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية عرض باليه «أميرة النيل» الذي بدأ، الجمعة، ويستمر حتى الاثنين 9 فبراير (شباط) الحالي.

يعود العمل إلى الجمهور في صيغة تجمع بين عراقة النص الكلاسيكي، وروح المعالجة المعاصرة؛ فالعرض الذي تقدّمه فرقة «باليه أوبرا القاهرة» يستعيد أحد أشهر الأعمال التي رسّخت صورة جمالية عن عراقة الحضارة المصرية في الفكر الغربي، لكنه هذه المرة يعيد قراءتها من داخل الذاكرة الثقافية المصرية نفسها، حيث تدور أحداثه في إطار سردي يجمع بين الواقع والحلم.

ويشعر المشاهد منذ لحظاته الأولى بأنه يراهن على فخامة الأجواء، وهيبة الحضارة القديمة، والدهشة البصرية، وزخم المشاعر؛ إذ تبدأ الأحداث برجل إنجليزي، يصل إلى مصر في رحلة استكشافية، ويجد نفسه مضطراً إلى الاحتماء داخل أحد الأهرامات؛ هرباً من عاصفة رملية مفاجئة. وهناك وفي أجواء غامضة تتداخل فيها الأسطورة مع الخيال، يتناول مادة مخدرة تجعله يغفو، لينتقل عبر الحلم إلى مصر القديمة.

أزياء مستوحاة من الرموز الفرعونية والبيئة (الأوبرا المصرية)

في هذا العالم المتخيل، يتحول الرجل إلى شاب مصري نبيل، يعيش في بلاط الحاكم، وسرعان ما يلتقي ابنة الفرعون، التي تتجسد بوصفها رمزاً للجمال والقوة. وينشأ بين الاثنين حب عميق، لكنه حب محكوم بالمواجهة؛ إذ تصطدم مشاعرهما بقوانين السلطة والاختلاف والمصير.

فهل ينتصر الحب ويستمر مع محبوبته «أميرة النيل»، أم يعود من حلمه إلى الهرم، بعد أن يكون قد اكتسب تقديراً حقيقياً لسطوة الحب والقدر؟

وترى المديرة الفنية لفرقة «باليه أوبرا القاهرة»، الفنانة أرمينيا كامل، أن تقديم «أميرة النيل» يأتي في إطار رؤية فنية تؤمن بالاستلهام من الجذور الحضارية المصرية؛ وذلك بوصفها مادة حية ثرية على المستويات الإنسانية والجمالية، قابلة لإعادة التشكيل الراقي الملائم لفن الباليه. وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الحضارة المصرية القديمة، بما تحمله من ثراء بصري ودرامي، ومن مشاهد وصور وزخم سردي، تملك قدرة استثنائية على مخاطبة وجدان المتلقي المعاصر عبر الباليه».

يُذكر أن باليه «أميرة النيل» وُلد خلال فترة ازدهار ثقافي وفني ملحوظ في روسيا؛ ففي منتصف القرن التاسع عشر بدأ الباليه الروسي في ترسيخ هويته الخاصة، المتميزة عن نظيراتها في أوروبا الغربية.

ويشير الناقد الفني محمد كمال إلى أن هذا الباليه استلهم من رواية «المومياء» لتيوفيل غوتييه، التي شكّلت نسيجاً غنياً من الثقافة والأساطير المصرية القديمة؛ ما أتاح للمبدعين فرصة استكشافها.

وكان للتعاون بين ماريوس بيتيبا، أستاذ الباليه الفرنسي الذي استقر في روسيا، وتشيزاري بوني، الملحن الإيطالي، دور محوري في إخراج هذا الباليه إلى النور.

باليه «أميرة النيل» (دار الأوبرا المصرية)

فقد أثمرت تصميمات بيتيبا الراقصة المبتكرة، إلى جانب موسيقى بوني المؤثرة، عرضاً مذهلاً من الناحيتَين البصرية والموسيقية، حسب كمال. اللافت أن الباليه لا يتعامل مع قصة الحب بوصفها حكاية رومانسية تقليدية، بل يقدمها بصفتها سلسلة من الاختبارات الجسدية والدرامية؛ حيث تتحول المشاعر إلى حركات، والصراع إلى إيقاع.

ففي الفصل الثاني على سبيل المثال تتصاعد التوترات مع ملاحقة الحراس للعاشقين، وتتحول الرحلة إلى سلسلة من المطاردات والمشاهد الجماعية التي تبرز قوة الرقص الكلاسيكي في التعبير عن الإحساس بالخطر والهروب والرغبة في النجاة.

ويتداخل البعد الأسطوري مع الدراما في العرض عبر مشاهد تتكامل فيها الموسيقى والحركة والضوء، وفي أثناء ذلك يترسخ لدى المشاهد الإحساس بتفرد النيل، بوصفه قوة حامية وملاذاً للإنسان، وليس مجرد نهر عظيم.

وفي الفصل الأخير يتصاعد الصراع، وتتداخل السلطة بالعاطفة، قبل أن ينكسر الحلم فجأة، ويستيقظ البطل في نهاية قد تعيد المتفرج إلى نقطة البداية، لكنها تأتي محمّلة بدلالة جديدة؛ إذ يكتشف أنه قد أصبح مثل هذا البطل من حيث تغيّر نظرته إلى الحب والقدر والحياة.

وتتميز معالجة الباليه بأنها لا تعتمد على السرد المباشر، بل تترك للرقص والموسيقى مهمة نقل التحولات النفسية والدرامية.

وهو ما يتجلّى في تصميمات الرقص المستندة إلى أعمال ماريوس بيتيبا؛ حيث تتوازن الحركات الدقيقة مع المشاهد الجماعية المهيبة، وتتحول الأجساد إلى عنصر سردي أساسي.

أما الموسيقى التي وضعها المؤلف الإيطالي تشيزاري بوني، فتشكّل العمود الفقري للعمل، بما تحمله من ألحان غنية وزخارف أوركسترالية تتكرر، وتتحول مع تطور الأحداث.

ويقود الأوركسترا المايسترو محمد سعد باشا، في أداء يبرز التباين بين المقاطع الاحتفالية، والمشاهد الوجدانية، سيما في ثيمات الحب والمواجهة. صمم ياسر شعلان الإضاءة بحيث تواكب التحولات الزمنية والنفسية، متنقلة بين أجواء الحلم والاحتفال والتهديد، في حين قدّم جيانلوكا سايتو أزياء مستوحاة من الرموز الفرعونية والبيئة، جاءت غنية في تفاصيلها، من دون أن تقع في فخ الاستنساخ التاريخي.

ويعتمد العرض كذلك على مشروع وسائط متعددة من تصميم عبد المنعم المصري، يضيف بعداً بصرياً حديثاً، من خلال دمج الصور والخلفيات المتحركة مع المشاهد الراقصة، في انسجام يحافظ على إيقاع العرض، من دون أن يؤدي إلى تشتيت انتباه المتلقي.


9 أفلام نسائية في مسابقة برلين

عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)
عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)
TT

9 أفلام نسائية في مسابقة برلين

عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)
عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)

تتوالى الأيام سريعاً صوب بدء الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الذي ينطلق في الثاني عشر من هذا الشهر حتى الثالث والعشرين منه.

المؤشرات تعِد بدورة أكثر نجاحاً من الدورات الثلاث السابقة، لكنّ هذا لن يتأكد قبل العروض السينمائية للمسابقة وما يجاورها من أقسام. هذا لأنه من السهل إتقان الشؤون الإدارية المختلفة، ومن الأسهل، نسبياً، إنجاز سوق سينمائية كبيرة تقبل عليها مؤسسات وشركات لتأكيد وجودها على خريطة الإنتاجات السينمائية حول العالم، لكن اختيار الأفلام المشتركة في برامج المهرجان المختلفة هو المحك الذي سيمكّن الإعلام ونقاد السينما من الحكم على درجة نجاح المهرجان الفعلي، وإذا ما وفى بوعده العودة إلى سابق تألّقه.

أرقام

شيء واحد مؤكد إلى الآن هو أن هناك تسعة أفلام من إخراج نسائي بين عروض المسابقة المؤلّفة من 22 فيلماً. مسألة لم نكن نعيرها اهتماماً حتى وقت ليس بالبعيد عندما كانت المهرجانات تختار ما تختاره من الأفلام من دون أن تفرِّق كثيراً إذا ما كان الفيلم من إخراج امرأة أو رجل!

الذي حدث أن القوّة الناعمة (أو هكذا عُرفت) رأت أن المرأة ليست ممثَّلة بما يكفي في المهرجانات، فنادت بحضور أعلى، وكان لها ما أرادت. في العام الماضي شهد مهرجان برلين 8 أفلام من إخراج نساء، أي بفارق فيلم واحد عن هذا العام. الفيلم الإضافي سيؤكد، حسب معلومات، أن مهرجان برلين يؤكد ريادته في رعاية المخرجات. هذا في حين تشير مجلة «سكرين إنترناشيونال» إلى أن عدد الأفلام نسائية الإخراج التي كانت قد عُرضت قبل عامين لم يزد على ستة أفلام. لكن هل بات حُكماً أن تراعي المهرجانات نسبة معيّنة لتبرهن على أنها مؤيدة للمرأة؟ ماذا عن اختيار الأفلام حسب أهميّتها الفنية أساساً؟

الأمور ليست على ما يرام في هذا الشأن خارج إطار المهرجانات. في عام 2024، حسب دراسة لجامعة ساذرن كاليفورنيا (USC)، ومن بين 111 مخرجاً حققوا أفلاماً، كان نصيب المرأة 9 أفلام فقط، (أي امرأة واحدة مقابل كل 11 مخرجاً ذكراً) من بينها فيلما أنيميشن هم «إليو» لمادلين شرفيان (أنيميشن) وKPop Demon HUnters (بمشاركة مخرج رجل هو كريس أبلهانز)، وثلاثة أفلام رعب هي: «أعلم ما فعلت في الصيف الماضي» لجنيفر روبنسن، و«خمسة أيام عند فرايداي 2» لإيما تامي، و«جمعة أكثر غرابة»، (Freakier Friday)، لنيشا غاناترا.

توجُّه المرأة إلى تحقيق أفلام رعب يستأهل تحقيقاً منفصلاً من حيث أسبابه ونتائجه.

الدراسة الجامعية المذكورة تكشف بين دفّتيها عن تقارير عن 1900 فيلم جرى إنتاجها ما بين 2007 و2025، وتلاحظ كيف انطلقت القوّة الناعمة جيداً في العقدين الأول والثاني من القرن، ثم بدأت التراجع مع استمرار تفضيل شركات هوليوود الرئيسية اختيار مخرجين رجال لمعظم إنتاجاتها.

«جوزيفين» (مهرجان برلين)

مخرجات برلين

هذا لا علاقة وثيقة له باختيار المهرجانات إلا من خلال ملاحظة القوس البياني لسعي المرأة إلى إثبات حضورها في المشهد السينمائي.

أفلام برلين النسائية مثيرة للاهتمام لأنها تشكل نوع من التعدد في الخيارات المتاحة. على ذلك، فإن الجامع الآخر بين أفلامهن يتمحور حول موضوعات مجتمعية تقود المرأة غالبيّتها.

من «في همسة» لليلى بوزيد (يونيتي)

من بين المشتركات في دورة برلين الجديدة المخرجة التونسية ليلى بوزيد التي توفّر الفيلم العربي الوحيد في المسابقة وعنوانه «في همسة» (كان عنواناً لفيلم إسباني أُنتج سنة 2019 لهايدي حسن). فيلم بوزيد دراما عائلية حول «ليلى» التي تعود إلى تونس من باريس لحضور جنازة عمّها. الزيارة تكشف عن اختلافات كثيرة بين طريقتي عيش تؤدي إلى أزمات.

هناك بحث آخر تقوم به بطلة الفيلم الأميركي «جوزيفين» للمخرجة بث. د. أرايو، حول الزوجين (غيما تشان وشانينغ تاتوم) في سعيهما لحماية ابنتهما التي شهدت جريمة اغتصاب. في مؤتمرها الصحافي أكدت المديرة الفنية للمهرجان أن ما يرد في هذا الفيلم هو «حكاية شخصية».

تبتعد المخرجة البريطانية أشلي وولترز عن الموضوع النسائي في فيلم سمّته «أنيمول» (Animol)، إذ يدور فيلمها عن مجموعة من الشبّان الذين يعيشون في إصلاحية وكيف استطاع بعضهم خلق بعد جديد لحياتهم من خلال صداقاتهم هناك.

موضوع رجالي آخر تطرحه السويدية دارا ڤان دوسن، في «صلاة للميّت»، (A Preyer for the Dead)، حول رئيس شرطة مدينة حائر بين إنقاذ عائلته وبين إنقاذ البلدة التي تطالبه بتطبيق القانون.

من «قصص بيتية» (أدريان كامبيون - تريمافيلم)

في «قصص بيتية»، (Home Stories)، (ألمانيا)، تختار المخرجة إيڤا تروبيش موضوع الهوية. بطلة الفيلم ذات المكانة الاجتماعية تتعرّض لسؤال حول حياتها. تخرج من المقابلة مدركةً أن عليها أن تبحث عن هويّتها الخاصّة.

الأفلام الأخرى للمخرجات المشتركات هي «الرجل الأكثر وحدة في البلدة» لتيزا كوڤي (ألمانيا)، و«زوجتي تبكي» لأنجيلا شانالك (ألمانيا)، و«نايتبورن» لهانا بيرغهولم (فنلندا)، و«نينا روزا» لجنڤييڤ دولودي-دي سيلس (كندا)، و«غبار» لأنكي بلوند (بلجيكا).

Your Premium trial has ended


علماء آثار يكشفون دليلاً على أقدم عملية جراحية بالمخ في العالم

عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
TT

علماء آثار يكشفون دليلاً على أقدم عملية جراحية بالمخ في العالم

عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري
عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري

كشف علماء آثار عن دليل لما قد يكون أول عملية جراحية في المخ في العالم، إذ تم العثور على جمجمة بشرية من عصر الفايكنج وقد أُزيل جزء منها.

وتتميز البقايا، التي تعود لرجل يتراوح عمره بين 17 و24 عاماً، بوجود ثقب بيضاوي الشكل يبلغ قطره نحو 3 سنتيمترات. ويعتقد الخبراء أن الرجل عاش خلال القرن التاسع الميلادي، وفقاً لتقرير «وكالة الأنباء السويدية».

من المرجح أن الرجل خضع لعملية تثقيب الجمجمة، وهي إجراء جراحي قديم يتم فيه حفر ثقب في جمجمة شخص حي لعلاج حالات مثل الصداع النصفي، أو النوبات. وامتد عصر الفايكنج من نحو عام 750 إلى عام 1050 ميلادي.

واكتشف طلاب جامعة كامبريدج البقايا العام الماضي خلال حفريات تدريبية في حصن واندلبوري الذي يعود للعصر الحديدي.

لا تكمن أهمية هذا الاكتشاف في العملية الجراحية فحسب، بل في بنية الرجل الجسدية أيضاً. وكان طوله 6 أقدام و5 بوصات، مما جعله أطول بكثير من متوسط ​​طول الرجل في ذلك العصر، والذي كان يبلغ طوله عادةً 5 أقدام و6 بوصات، وفقاً لتقرير «وكالة الأنباء السويدية».

قالت الدكتورة تريش بيرز، أمينة مختبر داكوورث بجامعة كامبريدج، في التقرير: «ربما كان لدى الشخص ورمٌ أثّر على غدته النخامية، مما تسبب في زيادة إفراز هرمونات النمو، إذ يمكننا ملاحظة ذلك في الخصائص الفريدة لعظام أطرافه الطويلة، وفي أجزاء أخرى من هيكله العظمي».

أشارت بيرز إلى أن مثل هذه الحالة كانت ستؤدي إلى زيادة الضغط داخل الجمجمة، والتسبب في صداع شديد. ويبدو أن عملية ثقب الجمجمة كانت محاولة لتخفيف هذا الألم، وهو هدف «ليس نادراً في حالات إصابات الرأس اليوم».

وشكّل موقع الدفن نفسه لغزاً محيراً، إذ احتوت المقبرة الجماعية على مزيج من الجثث الكاملة، والمقطّعة، بما في ذلك مجموعة من الجماجم، وما وصفه الباحثون بـ«كومة من الأرجل». وتمّ استخراج أربعة هياكل عظمية كاملة، بعضها في وضعيات توحي بأنها كانت مقيّدة.

وبدا أن معظم الجثث كانت لشبان أُلقي بهم في الحفرة دون اكتراث، مما دفع علماء الآثار إلى الاشتباه في أن الموقع يُشير إلى آثار مناوشة، أو معركة، أو إعدام جماعي.

وقال أوسكار ألدريد، من وحدة كامبريدج الأثرية: «ربما كان المدفونون ضحايا عقاب بدني، وقد يكون ذلك مرتبطاً بواندلبري باعتبار أنه مكان مقدس، أو معروف للاجتماعات». وأضاف: «ربما تكون بعض أجزاء الجثث الممزقة قد عُرضت سابقاً بوصفها جوائز، ثم جُمعت ودُفنت مع الأفراد الذين أُعدموا، أو ذُبحوا بطريقة أخرى».