رحيل رفعت سلام... شاعر «وردة الفوضى الجميلة»

من أبرز جيل السبعينات وأحد مؤسسي «إضاءة 77» الشعرية

رفعت سلام
رفعت سلام
TT

رحيل رفعت سلام... شاعر «وردة الفوضى الجميلة»

رفعت سلام
رفعت سلام

لم يكن رفعت سلام موقناً بالأمل كحقيقة معاشة بالفعل، أو حتى ممكنة، وهو يرد على دعابة خاطفة حاولت أن أخفف بها من وطأة الألم عنه، قبل أيام على رحيله الموجع، قلت له: كيف ييأس من الأمل شاعر الأمل؟! لكن صوته المتناثر المتقطع في الهاتف لم يترك لي فرصة للرجاء، أشفقت عليه وحساسية وضعه الصحي، كنت أسمع ذبذبة صدره ولهاث أنفاسه المضطربة، وكأنهما اجتهاد أخير في الكدح من أجل أن يظل وتر اللحن مشدوداً، في طوايا الحضور والغياب.
رحل صاحب «وردة الفوضى الجميلة» وغيّبه الموت عن عمر ناهز 69 عاماً، وبعد صراع مرير استمر قرابة العام مع سرطان الرئة. وشيع جثمانه أول من أمس (الأحد)، ودفن بمقابر العائلة بقرية «منية شبين القناطر» مسقط رأسه، بمحافظة القليوبية المجاورة للعاصمة القاهرة.
ولد رفعت سلام في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 1951 بمدينة «مينا القمح» بمحافظة الشرقية، حيث كان والده الموظف الحكومي بالشرطة دائم التنقل، وترعرع في كنف أسرة قروية بسيطة، عادت بعد أربع سنوات للاستقرار بمسقط رأسها بمحافظة القليوبية. في عام 1969 التحق بجامعة القاهرة، درس الصحافة، وتخرج في كليه الآداب 1973، وزامله في الدراسة الشاعر الراحل حلمي سالم، وقد أثمرت هذه الزمالة في تلك الفترة عن ديوانهما الشعري المشترك «الغربة والانتظار».
عكست تجربة ذلك الديوان الثنائية إشارات قوية على ميلاد صوتين شعريين سيكون لهما شأن في الشعر المصري، كما شكلت بذرة لفكرة العمل المشترك، وإمكانية تنميتها في عمل جماعي شعري، يغامر ويضخ دماء جديدة في القصيدة، وهي فكرة أصبحت ضرورة يفرضها واقع الحياة الثقافية آنذاك، خاصة بعد الظروف السياسية القاسية التي عاشتها البلاد عقب نكسة 1967، وحالة الحرب واللاحرب، التي تحولت إلى قناع للسلطة في عهد الرئيس السادات، وعصا غليظة لمطاردة المثقفين والكتاب والشعراء؛ ما اضطر عدد من طليعتهم إلى الخروج المؤقت إلى بلدان عربية وأوروبية: صلاح عد الصبور، أحمد عبد المعطي حجازي، محمد عفيفي مطر، محمود أمين العالم، وغالي شكري، ومن تبقى في الداخل، عاش رهين المرض العضال والاكتئاب، أمل نقل، ونجيب سرور، وغيرهما.
في هذا الوضع، الذي أصبح فيه الفرار من الوطن عيناً أخرى أكثر قلقاً عليه، كان لا بد من المشاكسة والمغامرة، ومواجهة الخنوع والعسف والخذلان في الداخل، وأن يخرج شعراء وكتاب وفنانون يحيون الأمل من جديد عبر كتابة مغايرة، وبوسائل ترسخ لفكرة الاستقلالية بعيداً عن تيار التبعية للسلطة. كانت ظاهرة «كتابة الماستر» بذرة التحول لاستعادة تجربة الجماعات الأدبية، بما لها من جذور قوية في الواقع المصري، من أبرزها «جماعة الخبز والحرية» في الفن التشكيلي، جماعة «أبوللو» في الشعر، جماعة مجلة «جاليري 68» في الأدب.
تحت همّ التجريب والمغامرة والحاجة إلى أفق جمالي مغاير في الشعر والنظر النقدي إليه، انبثقت تجربة مجلة «إضاءة 77» الشعرية، التي أسسها أربعة شعراء: حلمي سالم، رفعت سلام، حسن طلب، وكاتب هذه السطور، ومع العددين الأول والثاني، اتسعت قماشتها وتحولت إلى جماعة شعرية. لكن التجربة مع فورة الحماس وردود الفعل الإيجابية المشجعة، لم تستطع أن تجتاز أول اختبار لها في الرأي واختلاف وجهة النظر بين أعضائها الأربعة إلا بالخسارة، إذ قرر رفعت سلام الخروج من المجلة، إثر خلاف حاد مع حلمي سالم رفيق ديوانه المشترك، وأسس مجلة «كتابات»، التي كان لها الفضل في التكريس لموجة شعراء السبعينات في الشعر المصري، وأنها عتبة حقيقية لجيل متميز... الطريف هنا أن الاحتكام للديمقراطية سقط أيضاً في هذا الاختبار بعد أن تساوت كفتا الميزان بين الأعضاء الأربعة حول جوهر الخلاف بين الشاعرين الصديقين، ووصل الأمر للتأكيد على أن بقاء أحدهما بالمجلة مرهون بخروج الآخر. وقد اختار رفعت الخروج بملء إرادته وبهدوء؛ حرصاً على تجربة المجلة الوليدة وضمان استمراريتها.
اتسم رفعت سلام على المستوى الشخصي بالصلابة والانضباط في العمل، فدائماً كانت نظرته عملية للأمور والأشياء، وفي التعامل مع الواقع بكل معطياته ومفارقاته ينفر من فكرة الأشياء المعلّقة، من أنصاف الحلول، أنصاف الرؤى والأفكار، بل كثيراً ما يسخر من نظرة «البين بين» أو «البينية» حتى في التعامل مع الزمن كمقوم فني يمنح الشعر خصوصيته، وألقه الجمالي والفلسفي. فمنتصف الوقت كدلالة شعرية، مجازية لا تعني تحديداً زمنياً قاطعاً وفاصلاً، بين الأشياء وظلالها، فزمنها هو زمن الشعر نفسه، المنساب في دبيب البشر وخطى الطبيعة في المكان والزمان.
رفت سلام، ابن ذات شعرية نزقة، تعشق الرسوخ والقلق والتوتر والفوضى، وترى أنها مركز الثقل والثبات والحركة في النص. ربما لذلك انشغل في وقت مبكر، ومنذ ديوانه الثاني «إشراقات» بفكرة تعدد الأصوات في الشعر، من منطلق أن الصوت هو الذي يمنح الدلالة أو العلامة حسيتها ورائحتها الخاصة، وهو الذي يحدد سقف المتن والهامش، وطبيعة الجدل بينهما، وكذلك طبيعة التعامل مع شخوص ورموز وأساطير من تراثات معرفية شتى (نيتشه، رامبو، بودلير) وغيرهم، فكلما تعددت الأصوات، وتجاورت وتقاطعت، برز الإحساس بالزمن في غلالته الصورية والنفسية، وبرزت جسور الوصل والقطع بين الماضي والحاضر، بين الحافة والهاوية، وعلى الأخص بين الحلم والذاكرة من ناحية، وبينهما وبين الواقع من ناحية أخرى. وفي شعره دائماً ما يقترن حضور الصوت بحضور الأنا، كتجسيد لكينونة فاعلة وراسخة لها ما يميزها، حتى في لحظات الهشاشة والتفتت تبقى مجدولة بعلاقة مركبة وحميمة بين الوعي واللاوعي مثلما يقول في ديوانه «إشراقات»، «لم أغب طويلاً، ألف عام كنت أبحث عن نسيان، وامرأة، ومكان في الأوتوبيس؛ فتهت في الزحام، ونسيت، لم أغب، ولم، ولم... أنا الحارس النائم عند الحائط الهديم، جئتكم هديماً بعدما فقدت ورقة التوت، والخيط الذي انقطع؛ فهويت، فانتهيت».
يرتبط الصوت دائماً بمتوالية التذكر والنسيان، الصراخ، والخفوت، كما يسعى دائماً إلى الدمج بين ضمائر المخاطب والغائب والمتكلم، للإيهام بالربط بين تعدد المستويات في النص، وتعدد طرق النظر إلى الكينونة والوجود، وتمثلاتها المتباينة في الحضور والغياب. ومع ذلك تتمحور مركزية الرؤية في شعره، حول الإقرار باليقين، ونفيه ضمنياً في الوقت نفسه، فلا يبقى سوى التوتر والقلق والضجر وحيرة السؤال محركاً للصراع، لكنه مع ذلك صراع مبني على الاحتمال، أن يكون أو لا يكون، وهو ما نلمحه بقوة خاصة في ديوانه «هكذا قلت للهاوية»:
«قد يتسع الوقت.
قد..
حتى ينمو الأبدُ وئيداً في جسدي
لكن..
هل من غفران يرجى
إذ تنفلتين، مراوغةً، موغلة، تشتعلين على حد الحلم الناري،
فينفلت الزمن دخاناً وتراباً، تنحدر صخور الوقت إلى الهاوية،
وتنفلتين، فينفلت الأبد المائيُّ إلى جسدي المنهوك
صراخاً وعويلاً مجنوناً.
وتروغين.
فهل أخلع جسدي عني،
أم يمتد الأبد المائيُّ وئيداً دون عناء.
لا شيء إذن..
لا شيء».
لقد ترك رفعت سلام أثراً يبقى، سواء في الشعر بدواوينه التسعة، أو بمقالاته ورواه النقدية في المسرح، وقضايا التراث والشعر، ومنها كتبه: «بحثاً عن التراث«، «بحثاً عن الشعر«، «المسرح الشعر العربي»، أو في جهده الوافر في الترجمة، بخاصة الأعمال الشعرية لكوكبة من الشعراء العالميين: بوشكين، ريتسوس، بودلير، كفافيس، رامبو، ويتمان... وغيرهم.
كما عاش مهموماً بكل ما هو إنساني، يعلي من قيم العدل والجمال والحرية، وكان حلمه، أن يرى قصيدته تتكلم من تلقاء نفسها، تحاوره تأخذ بيده، وهو يعبر الشارع، وهو يجلس على المقهى، وهو يتحدث مع الشعراء والأصدقاء.
ترجمت مختارات من شعر وبعض دواوينه إلى عديد من اللغات في العالم، وحصل على جائزة كفافيس الدولية للشعر من اليونان عام 1993. كتبت عنه الكثير من الدراسات النقدية، وشكل شعره موضوعاً لأطروحات ماجستير ودكتوراه في جامعات مصرية وعربية.
رغم حالته الصحية تشبث رفعت سلام بالعطاء إلى أقصى مدى، فمع بدايات مرضه أصدر عديداً من الكتب ما بين الترجمة والشعر، وكأنه في سباق محموم مع الذات والزمن يريد أن يعتصرهما حتى آخر نقطة، من هذه الأعمال ديوانه «أرعى الشياه على المياه« وترجمته الأعمال الشعرية للشاعر الأميركي والت ويتمان. وفي سياق عمله الوظيفي، أشرف على القسم الثقافي وتولى رئاسة تحريره في «وكالة أنباء الشرق الأوسط« الرسمية، كما عمل مديراً لمكتبها في الجزائر لسنوات عدة.
في حوار معه يصف علاقته بالتراث على نحو يبدو متسقاً مع رؤيته الشعرية، «علاقتي بالتراث العربي وثيقة باعتباري الوريث الثقافي والشعري له، بلا قطيعة ولا تماهٍ به. هو تراثي الذي أدخل دائماً في حوار معه، ندّاً لند؛ يسكنني الكثير من أصواته العميقة، المرهفة، وتطاردني وجوهٌ أخرى ظلامية غابرة، لا في الوعي فحسب، بل في الحياة اليومية الراهنة».



عادة نوم بسيطة قد تُنقذك

معظم البالغين يحتاجون إلى نحو 7 ساعات من النوم ليلاً (بيكسلز)
معظم البالغين يحتاجون إلى نحو 7 ساعات من النوم ليلاً (بيكسلز)
TT

عادة نوم بسيطة قد تُنقذك

معظم البالغين يحتاجون إلى نحو 7 ساعات من النوم ليلاً (بيكسلز)
معظم البالغين يحتاجون إلى نحو 7 ساعات من النوم ليلاً (بيكسلز)

يشكو كثير من الناس من الشعور الدائم بأن الوقت لا يكفي، وأن يومهم يمضي في سباق متواصل لإنجاز المهام المتراكمة. ورغم محاولات تحسين الإنتاجية عبر تنظيم الجداول أو تقليل المشتتات، قد يكون الحل أبسط مما نتخيل: موعد نوم ثابت. فحسب الكاتبة وخبيرة إدارة الوقت لورا فاندركام، فإن غياب انتظام النوم لا يحرمك من الراحة فحسب، بل قد يكون سبباً رئيسياً في الشعور بالتسرع وضيق الوقت خلال النهار.

توضح فاندركام أن معظم الناس يستيقظون في وقت ثابت نسبياً بسبب التزامات العمل أو الدراسة، لكن قلة منهم يلتزمون بموعد نوم محدد. ونتيجة لذلك، قد يتمكن الشخص من الحفاظ على مستوى عام من الإنتاجية، لكنه يواجه صعوبة في التركيز المستمر طوال اليوم. ومع تراجع التركيز، تبدأ المهام في التراكم، ما يدفع إلى إنجازها على عجل. وعندما يسود التسرع، تزداد الأخطاء، فيضطر الشخص إلى إعادة العمل أو محاولة تدارك ما فاته، ليُهدر بذلك الوقت الذي كان يسعى إلى توفيره.

وتشير فاندركام، مؤلفة ثمانية كتب في إدارة الوقت، إلى أن المشكلة لا تكمن في قلة ساعات النوم على مدار الأسبوع، بل في عدم انتظامها. فقد يسهر الشخص لوقت متأخر في إحدى الليالي ويستيقظ مبكراً جداً، ثم يعوّض ذلك في الليلة التالية بالنوم في وقت عشوائي، بينما تكون عطلات نهاية الأسبوع غير منتظمة تماماً. هذا التذبذب المستمر، في رأيها، ينعكس سلباً على الأداء الذهني والتنظيم اليومي.

في ربيع عام 2021، أجرت فاندركام استطلاعاً شمل أكثر من 150 مشاركاً، أمضوا تسعة أسابيع في تطبيق تسع قواعد محددة مسبقاً لتعزيز الإنتاجية، من بينها الالتزام بموعد نوم ثابت. وتقول إن أحد المشاركين وصف تحديد موعد النوم بأنه «القاعدة الأقل جاذبية، لكنها الأكثر تأثيراً على الإطلاق»، في إشارة إلى الدور الكبير الذي يلعبه انتظام النوم في تحسين الأداء اليومي.

وتدعم نتائج علمية حديثة هذا الطرح؛ إذ توصلت دراسة نُشرت في يوليو (تموز) 2025 في مجلة «نيتشر» الطبية إلى نتيجة مماثلة. فقد تابع الباحثون أكثر من 79 ألف بالغ عامل في اليابان، ووجدوا أن عدم انتظام مواعيد النوم يرتبط بانخفاض الإنتاجية وزيادة الشعور بالانفصال عن العمل.

وترى فاندركام أن موعد النوم «يُحدد مسار اليوم بأكمله»؛ لأنه يساعد الفرد على معرفة عدد ساعات العمل المتاحة أمامه، ما يُسهّل تنظيم المهام بصورة واقعية. وتوضح أن الناس يدركون أن لليوم بداية واضحة، لكنهم غالباً ما يتعاملون مع نهايته على أنها مفتوحة وغير محددة. والحقيقة، كما تقول، أن اليوم له نهاية فعلية، وكل ما نخطط لإنجازه يجب أن يتناسب مع هذا الإطار الزمني، في عملية تشبه ترتيب قطع أحجية بحيث تتلاءم مع المساحة المتاحة.

وتشير فاندركام إلى أنها حددت لنفسها موعداً ثابتاً للنوم عند الساعة الحادية عشرة مساءً منذ سنوات، مؤكدة أن هذا الروتين يمكّنها من اتخاذ قرارات أكثر عقلانية بشأن كيفية استثمار وقتها خلال النهار.

من جانب آخر، توضح راشيل سالاس، اختصاصية طب الأعصاب وأستاذة في جامعة جونز هوبكنز، أن اضطراب النوم قد يؤثر سلباً في إيقاع الساعة البيولوجية، أي النمط الطبيعي للنوم والاستيقاظ في الجسم. وتنصح سالاس بمراقبة الوقت الذي يستيقظ فيه الجسم تلقائياً من دون منبه لبضعة أيام، ثم إجراء تعديلات تدريجية بمقدار 30 دقيقة عند الحاجة للوصول إلى جدول أكثر اتساقاً.

وتشدد سالاس على أن النوم حاجة إنسانية أساسية، وأن تأثيره يمتد إلى مختلف جوانب الصحة، من الإدراك والذاكرة إلى الهضم. وتؤكد أنه من الصعب التفكير في جانب من جوانب الصحة لا يتأثر بجودة النوم وكفايته.

وحسب «مايو كلينك»، يحتاج معظم البالغين إلى نحو سبع ساعات من النوم ليلاً، مع الإقرار بأن احتياجات النوم تختلف من شخص لآخر. وتنصح فاندركام بأنه بعد تحديد عدد الساعات التي تجعلك تشعر باليقظة والنشاط الذهني يومياً، يمكنك استخدام هذا الرقم لتحديد موعد نومك المثالي.

وتختم بقاعدة بسيطة: انظر إلى وقت استيقاظك اليومي، ثم اطرح منه عدد الساعات التي تحتاجها للنوم، لتحصل على موعد نوم واضح وثابت. فتنظيم نهاية اليوم، في نظرها، هو الخطوة الأولى لاستعادة السيطرة على بدايته.

الرأي


مصر: مخاوف من تأثيرات «حرب إيران» على «الانتعاشة السياحية»

السياحة الثقافية من أكثر الأنماط جذباً للسائحين في مصر (المتحف المصري)
السياحة الثقافية من أكثر الأنماط جذباً للسائحين في مصر (المتحف المصري)
TT

مصر: مخاوف من تأثيرات «حرب إيران» على «الانتعاشة السياحية»

السياحة الثقافية من أكثر الأنماط جذباً للسائحين في مصر (المتحف المصري)
السياحة الثقافية من أكثر الأنماط جذباً للسائحين في مصر (المتحف المصري)

في الوقت الذي كانت مصر تتوقع فيه تحقيق انتعاشة سياحية لافتة في عام 2026 على غرار ما حققته في العام الماضي؛ فإن «حرب إيران» فجَّرت مخاوف من حدوث تأثيرات سلبية في هذا القطاع الحيوي، خصوصاً بعد تحذير أميركا لرعاياها من عدم السفر إلى 14 دولة بمنطقة الشرق الأوسط.

وأعرب خبراء سياحة ومرشدون سياحيون عن مخاوفهم من تأثيرات إلغاء بعض الحجوزات السياحية، خصوصاً من دول غرب ووسط آسيا التي تمر رحلاتها عادة بمنطقة الخليج العربي.

ووفق ثروت عجمي، رئيس غرفة شركات السياحة بالأقصر (جنوب مصر) فإن «الصراع الحالي لا بد أن يكون له تأثير في مصر، وإن كان لم يظهر حتى الآن بشكل واضح، لكن هناك مؤشرات تؤدي لمخاوف من هذه التأثيرات من بينها وضع الولايات المتحدة مصر ضمن 14 دولة حذرت من زيارتها».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «لدينا الآن مجموعات من السائحين الأميركيين من المتوقع أن يكملوا برنامجهم السياحي، ويسافروا لكن بعد التحذير الأميركي أعتقد أن فرص مجيء أفواج أخرى في المدة القليلة المقبلة ستكون ضعيفة».

ونشرت السفارة الأميركية بالقاهرة بياناً على صفحتها بـ«فيسبوك» ذكرت فيه أنه «يجب على الأفراد الذين يخططون للسفر أن يكونوا على استعداد للتغييرات في خططهم؛ حيث قد تحدث إغلاقات في الأماكن الجوية في البلدان المجاورة»، وأكد البيان أنه «نظراً للتوترات العالية في المنطقة، تظل بيئة الأمن معقدة، ويمكن أن تتغير بسرعة».

حركة الطيران بالشرق الأوسط تأثرت بأحداث حرب إيران (وزارة الطيران المدني)

وأشار الخبير السياحي المصري، أيمن الطرانيسي، إلى «تزايد المخاوف في القطاع السياحي المصرى من أن تلقي تداعيات الحرب في إيران بظلالها على مؤشرات الانتعاشة السياحية التي بدأت تتشكل مؤخراً».

وقال الطرانيسي لـ«الشرق الأوسط» إن «إلغاء عدد من السائحين القادمين من شرق آسيا حجوزاتهم بسبب اضطراب حركة الطيران يعكس حساسية القطاع لأي توترات إقليمية حتى إن كانت خارج الحدود المباشرة. ويأتي ذلك في وقت كانت فيه شركات السياحة تعول على تنوع الأسواق لتعويض سنوات التراجع».

ووجَّه وزير السياحة المصري، شريف فتحي، رسالة طمأنة حول أوضاع السياحة المصرية مع بدء اندلاع الصراع، وقال في كلمة أمام لجنة السياحة والطيران بمجلس النواب (البرلمان المصري)، قبل يومين، إن «مصر دولة آمنة ومستقرة، وإن التطورات الإقليمية والأحداث الجيوسياسية الحالية التي تشهدها المنطقة لم تؤثر في الحركة السياحية الوافدة إليها».

ولفت رئيس غرفة شركات السياحة بالأقصر إلى أن السوق السياحية الأوروبية تعد مصر بعيدة عن مناطق الاضطرابات، ورغم ذلك فإن التحذير الذي أطلقته أميركا لرعاياها سيؤثر في بقية الأسواق خصوصاً الصينية منها».

وخلال اللجنة البرلمانية التي ناقشت استراتيجية وزارة السياحة للترويج للأنماط المختلفة، وتعظيم فرص الاستثمار السياحي، أكدت النائبة سحر طلعت مصطفى، رئيس لجنة السياحة والطيران المدني بمجلس النواب، أنه في ضوء المستجدات الإقليمية الراهنة بالمنطقة، تبرز أهمية تعزيز جاهزية قطاع السياحة للتعامل بكفاءة مع أي تطورات محتملة، بما يضمن الحفاظ على استقرار الحركة السياحية الوافدة لمصر.

وتعوّل مصر على قطاع السياحة كواحد من أهم مصادر الدخل القومي، حيث حققت في العام الماضي دخلاً يصل إلى 24 مليار دولار، وفق مركز معلومات مجلس الوزراء، وحصلت على جائزة أفضل وجهة تراثية من منتدى السياحة العالمي، وتطمح مصر في جذب 30 مليون سائح بحلول عام 2031.


ريما داس: اخترت سرد «ليس بطلاً» من منظور الأطفال

حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)
حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)
TT

ريما داس: اخترت سرد «ليس بطلاً» من منظور الأطفال

حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)
حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)

يقدم الفيلم الهندي «ليس بطلاً» للمخرجة ريما داس عملاً إنسانياً هادئاً يتأمل التحولات الصغيرة التي تصنع فارقاً عميقاً في حياة الأطفال والكبار على حد سواء، وينتمي الفيلم، الذي حصد تنويهاً من لجنة تحكيم مسابقة «أجيال» بمهرجان «برلين السينمائي» في نسخته الماضية، للأعمال ذات الإنتاج المشترك مع تقديمه بشراكة هندية سنغافورية.

تدور أحداث الفيلم خلال صيف مفصلي في حياة طفل في الحادية عشرة يُدعى «ميفان»، يجد نفسه مُقتلعاً من إيقاع المدينة السريع إلى قرية أجداده البعيدة، حيث الزمن أبطأ، والعلاقات أكثر تعقيداً مما تبدو عليه للوهلة الأولى، لنشاهد في افتتاحية الفيلم، صدمة الانتقال لطفل اعتاد على الراحة والسرعة والاتصال الدائم، يُلقى به في فضاء لا يعترف بالعجلة ولا بالمكافآت الفورية.

حصد الفيلم تنويهاً من لجنة التحكيم في «برلين السينمائي» (إدارة المهرجان)

القرية ليست مجرد مكان جغرافي، بل هي عالم مغاير بقوانينه الخاصة، حيث كل شيء يتطلب انتظاراً، وكل علاقة تحتاج إلى وقت كي تتشكل، من هنا، يبدأ الصراع الصامت بين «ميفان» والمحيط الجديد، ويتجسد في علاقته المتحفظة بعمته الشابة «باهي»، وهي علاقة مثقلة بمشاعر غير منطوقة وماضٍ لم يُحسم بعد.

تنسج المعالجة الدرامية خيوطها عبر تفاصيل الحياة اليومية، والذهاب إلى المدرسة، والاحتكاك بأطفال القرية، ومراقبة الحيوانات والطبيعة، والانخراط تدريجياً في روتين يبدو بسيطاً لكنه يحمل دروساً عميقة، فلا يعتمد الفيلم على أحداث كبرى أو تحولات درامية صاخبة، بل يراهن على التراكم البطيء للحظات الصغيرة التي تُعيد تشكيل وعي الطفل بذاته وبالآخرين.

العلاقة بين ميفان وعمته تشكل العمود الفقري العاطفي للفيلم، فالتوتر بينهما لا يُحل عبر مواجهات مباشرة، ولكن من خلال صمت طويل يسمح للمشاعر الدفينة أن تطفو تدريجياً إلى السطح، حضور «ميفان» الهادئ داخل المنزل يُعيد فتح جراح قديمة، ويكشف هشاشة الكبار بقدر ما يكشف ارتباك الصغار.

صناع الفيلم خلال حضورهم في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

تطرح المعالجة أيضاً ثنائية لافتة بين العالم الرقمي وإيقاع القرية البطيء، فالطفل «ميفان»، ابن المدينة، يحمل داخله ضجيج التكنولوجيا وتوقعات الإنجاز السريع، بينما تفرض عليه القرية زمناً مختلفاً، بلا شاشات تُكافئه فوراً ولا مقارنات تُحفزه على السباق، هذا الاحتكاك بين السرعة والسكون لا يُدان فيه أي طرف، بل يُقدَّم بوصفه سؤالاً مفتوحاً حول ما نكسبه وما نخسره حين يتغير إيقاع حياتنا.

تقول مخرجة الفيلم ريما داس لـ«الشرق الأوسط» إن «ليس بطلاً» يمثل بالنسبة لها امتداداً لمسار فني تنشغل فيه دائماً بالطفولة بوصفها مساحة صدق خالص، مشيرة إلى أن فكرة الفيلم انطلقت من تساؤل بسيط لكنه عميق، وهو ماذا لو لم تكن البطولة مرتبطة بالإنجازات الكبرى أو التحولات الصاخبة؟ وماذا لو كانت البطولة في القدرة على البقاء، والتحمل؟

وأوضحت أن شخصية «ميفان» لم تُكتب على أنها بطل تقليدي، بل هي شخصية طفل يعيش ارتباكه بالكامل، من دون أن يملك أدوات تحليل مشاعره، بل يختبرها كما هي، بعفوية وتناقض، لافتة إلى أن اسم الفيلم «ليس بطلاً» يحمل موقفاً فكرياً واضحاً مرتبطاً بـ«مقاومة لفكرة الانتصار الدائم».

مخرجة الفيلم خلال حديثها في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأشارت إلى أنها لم تكن مهتمة بتقديم قصة نضج تقوم على التغلب أو الفوز، بل على التعلم البطيء، وعلى تقبل الفشل والانتظار والارتباك باعتباره جزءاً طبيعياً من النمو، لافتة إلى أن أكثر أشكال الشجاعة التي تلمسها في الحياة اليومية هي تلك الهادئة، التي لا تُعلن نفسها، بل تظهر في تفاصيل صغيرة متمثلة في الإصغاء، والصبر.

وعن اختيارها السرد من منظور طفل في الحادية عشرة، أوضحت أن الأطفال يرون العالم بلا فلاتر جاهزة، كما أنهم قادرون على احتضان التناقضات من دون الحاجة إلى تبريرها، مشيرة إلى أن «ميفان» لا يحلل مشاعره، بل يعيشها، وهو ما منح الفيلم مساحة لمراقبة علاقات معقدة من دون إصدار أحكام، عبر هذا المنظور الطفولي الذي سمح بأن يظهر الانتماء بوصفه تجربة تُكتسب تدريجياً، وليس مفهوماً يُشرح أو يتم فرضه.

قدم الفيلم جانباً إنسانياً (مهرجان برلين)

وتطرقت إلى حضور التكنولوجيا في الفيلم، مؤكدة أنها لم تكن تسعى إلى إدانتها، بل إلى مراقبة ما يحدث حين يلتقي إيقاع السرعة الرقمية بسكون القرية، مشيرة إلى أن الأطفال اليوم يتعرضون لضغط الضوضاء، والآراء المتدفقة، والمقارنات المستمرة، والمكافآت الفورية، حتى لو لم يدركوا أثر ذلك بشكل واعٍ.

وأوضحت أن الفيلم يحاول عكس هذه الحالة، وطرح سؤال حول ما نفقده وما نكسبه حين يتغير إيقاع الزمن من حولنا، لافتة إلى أن تجربتها في العمل مع الأطفال تغيّرت عبر السنوات، فبعدما كان الأطفال ينصتون إليها باعتبارها المخرجة التي تقود المشهد في تجاربها السابقة، أصبحت اليوم تشعر بأنها مطالبة بالإنصات إليهم أكثر، لأن عالمهم تغيّر، وأصواتهم باتت تحمل وعياً مختلفاً.