سامبا ـ بانزا.. أمل «أفريقيا الوسطى»

الرئيسة المؤقتة وعمدة بانغي السابقة تواجه معضلة تحقيق الأمن وتنظيم انتخابات رئاسية خلال أقل من سنة

سامبا ـ بانزا.. أمل «أفريقيا الوسطى»
TT

سامبا ـ بانزا.. أمل «أفريقيا الوسطى»

سامبا ـ بانزا.. أمل «أفريقيا الوسطى»

كلمات مختصرة.. تلك التي اختارتها كاثرين سامبا - بانزا، بعيد انتخابها من طرف المجلس الوطني الانتقالي (البرلمان المؤقت) في أفريقيا الوسطى لتكون رئيسة للجمهورية بالوكالة.. «اتركوا السلاح جانبا، وغلّبوا لغة الحوار». هكذا وضعت تلك السيدة المتخصصة في قوانين التأمين، أصابعها على موضع الداء. وتدرك من خلال تجربتها حجم المخاطر المحدقة ببلادها، ومدى جسامة المسؤولية الملقاة على عاتقها لتحقيق الأمن والاستقرار، وتنظيم انتخابات رئاسية في أقل من عام، في بلد يشهد نزوح قرابة مليون شخص ويحتاج نصف سكانه لمساعدات إنسانية عاجلة؛ كما يواجه حربا بدأت تأخذ الطابع الديني بين أغلبية مسيحية وأقلية مسلمة.
أفريقيا الوسطى تلك الجمهورية الصغيرة التي تنام في حضن القارة السمراء، وتعد من بين أفقر عشرة بلدان أفريقية، ويمتلئ تاريخها السياسي بالانقلابات العسكرية والصراعات الدموية منذ عهد الاستعمار الفرنسي، مرورا بعصر الإمبراطور فيدل بوكاسا، وحتى الإطاحة بحكم الرئيس فرنسوا بوزيزي في مارس (آذار) 2013 على يد متمردي «سيليكا» القادمين من الشمال.
أمام هذه اللوحة القاتمة لم يجد البرلمان في أفريقيا الوسطى أفضل من كاثرين سامبا - بانزا ليمنحها الثقة من أجل قيادة البلاد إلى بر الأمان. بانزا البالغة من العمر 59 عاما والمولودة في العاصمة التشادية أنجمينا، لأب كاميروني وأم من أفريقيا الوسطى؛ عاشت طفولتها بهوية تجمع فيها الانتماء لثلاثة بلدان أفريقية، ولكن مع بلوغها الـ18 استقرت في بانغي عاصمة أفريقيا الوسطى، التي اختارتها فيما بعد وطنا وحملت جواز سفرها، دون أن تعلم ما تخبئه لها الأقدار.
في السنوات الأولى من حياتها ارتبطت كثيرا بأحد أخوالها يعمل في السلك الدبلوماسي وصاحب سمعة طيبة في أفريقيا الوسطى، كان «الوصي عليها منذ الطفولة»، كما قالت في إحدى المقابلات، قبل أن تضيف: «هو من غرس فيّ صفاءه وحبه للنباتات والطبيعة، والديكور والانسجام، ثقافته الواسعة كانت مصدرا دائما للإلهام، كما غرست فيّ زوجته الإسرائيلية تذوق الجمال».
على غرار أغلب شباب القارة السمراء إبان العقود التي تلت استقلال المستعمرات الفرنسية، غادرت بانزا أفريقيا الوسطى متوجهة إلى باريس لإكمال دراستها الجامعية، فحصلت على عدة شهادات جامعية، من أبرزها البكالوريوس في الإعلام والاتصال، وشهادة الدراسات العليا المتخصصة في قانون التأمين، قبل أن تعود في تسعينات القرن الماضي إلى بلادها، لتلتحق هنالك بفرع الشركة الفرنسية «آليانز»، الثانية على مستوى العالم في خدمات التأمين، وبعد سنوات من العمل أسست «بانزا» شركة تأمين خاصة بها أصبحت ذات شهرة واسعة في أفريقيا الوسطى.
تتحدث «بانزا» اللغة العربية بالإضافة إلى اللغة الفرنسية، وتوصف بأنها سيدة أعمال ناجحة، ويرى من عملوا معها في مجال الأعمال الخاصة أنها تمتلك «كفاءة عالية»، وتنأى بنفسها عن «ممارسة الفساد».
وعلى الرغم من نجاحها في مجال الأعمال والخدمات، فإنها اشتهرت أيضا كمناضلة حقوقية تنشط في صفوف «جمعية المحاميات في أفريقيا الوسطى»، وهي جمعية مختصة في مكافحة الختان وجميع أعمال العنف التي تتعرض لها المرأة، كما عملت أيضا مدربة في مجال حقوق الإنسان في إطار البرنامج الأفريقي لمنظمة العفو الدولية، مما منحها فرصة نسج علاقات قوية مع الكثير من المنظمات غير الحكومية التي تعمل في أفريقيا عموما، ومنطقة البحيرات الكبرى على وجه الخصوص.
بدأت «بانزا» الاقتراب من الحياة السياسية عام 2003، مباشرة بعد الانقلاب العسكري الذي قاده الرئيس الأسبق فرنسوا بوزيزي، وهو الانقلاب الذي أدخل البلاد في أتون حرب أهلية وأزمة سياسية خانقة، حينها كانت «بانزا» من بين لجنة الحكماء ونائب رئيس جلسات الحوار الوطني التي أخرجت البلاد من أزمتها. جلسات يرى مراقبون أن «بانزا» لعبت دورا محوريا في إنجاحها، لتنتخب بعد ذلك رئيسة للجنة المكلفة بالمتابعة والتقييم المستمر للنتائج التي أسفر عنها الحوار.
آلين امباغبا يامارا رئيس تحرير صحيفة «أفريقيا الوسطى الجديدة»، قال في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» من العاصمة بانغي، إن السيدة كاثرين سامبا - بانزا «عرفت كيف تشق طريقها في الحياة السياسية منذ عام 2003، فقد لفتت آنذاك انتباه الجميع بقدراتها على التفاوض خلال الأزمة التي وقعت بين الزعيمين دافيد داكو وآبيل غومبا؛ فصورتها وهي تمسك بالرجلين لتجمعهما حول طاولة الحوار، لا تزال عالقة بأذهان الجميع في أفريقيا الوسطى»، قبل أن يعود يامارا ليؤكد أن «مصدر قوة بانزا هو أنها غير محسوبة على أي حزب أو تيار سياسي في البلاد، وهذه وحدها نقطة تحسب لها»، فنجاح «بانزا» في إدارة جلسات الحوار الوطني سنة 2003، لم يجعلها ترتبط بأي من التشكيلات السياسية في أفريقيا الوسطى، حيث ظلت تدير أعمالها بالتوازي مع أنشطتها الحقوقية، على الرغم من أن زوجها كان ينشط في العمل السياسي، مما مكّنه من حمل عدة حقائب وزارية.
وفي ديسمبر (كانون الأول) 2012، عادت أفريقيا الوسطى من جديد إلى العنف، وذلك بعد توحد عدة حركات مسلحة متمردة في الشمال، تحت اسم «سيليكا»، التي ينتمي أغلب أفرادها إلى الطائفة المسلمة، حيث يشكل المسلمون أقل من 20 في المائة من تعداد السكان، ويملكون أكثر من 70 في المائة من اقتصاد البلاد.
متمردو «سيليكا» كانوا يتهمون الرئيس الأسبق فرنسوا بوزيزي بالتنكر لاتفاقيات وقعها مع المعارضة، فقرروا الشروع في عملية عسكرية تمكنوا خلالها من السيطرة على أغلب المدن، على الرغم من استنجاد الرئيس فرنسوا بوزيزي بتشاد التي أرسلت وحدات عسكرية لصد المتمردين، ولكن بعد قرابة أربعة أشهر من العمل المسلح سيطر المتمردون على القصر الرئاسي في العاصمة بانغي، وفر بوزيزي إلى الكونغو المجاورة، لينصب قائد «سيليكا»، ميشال دجوتوديا نفسه رئيسا للبلاد.
كان اليوم الذي دخل فيه المتمردون إلى بانغي محفورا في ذاكرة «بانزا» التي تقول في تصريحات سابقة: «مباشرة بعد دخول ميليشيات (سيليكا) إلى العاصمة بانغي، زارني في بيتي عشرات المسلحين وأخذوا أموالا وبعض السيارات»، قبل أن تقول: «لقد عشت جميع الصراعات العسكرية التي مرت بأفريقيا الوسطى منذ 1996 وحتى اليوم، وتعرضت حياتي للخطر في أكثر من مرة».
وتحمل «بانزا» مسؤولية ما تمر به أفريقيا الوسطى لرجال السياسة، الذين تتهمهم باستغلال الديانات لإحداث شرخ بين السكان، قبل أن تؤكد أن «جمهورية أفريقيا الوسطى طالما شكلت مثالا لانسجام مختلف الديانات»، ولكنها تعود في الوقت نفسه لتقول إن «الفرصة سانحة لعلاج هذا الشرخ».
بعد مرور شهرين من سيطرة المتمردين على مقاليد الحكم في أفريقيا الوسطى، اختار الحاكم الجديد للبلاد «بانزا» لشغل منصب عمدة العاصمة بانغي، فكان عليها أن تواجه وضعا إنسانيا كارثيا في مدينة أرهقها العنف ونهبت إداراتها وتعيش حالة من الفوضى العارمة والكراهية التي أدت إلى عنف ديني بين المسيحيين والمسلمين.
لاقى تولي «بانزا» لمنصب عمدة العاصمة ترحيبا واسعا في أوساط سكان المدينة، غير أن أبناءها الثلاثة (من بينهم اثنان يعيشان في فرنسا) عارضوا قبولها تولي مهمة يرونها مستحيلة، ولكن «بانزا» قالت: «لقد كنت دائما أناضل من أجل وصول المرأة إلى مناصب مهمة في الدولة، ورفضي لهذا المنصب سيكون مناقضا لما كنت أناضل من أجله». بينما يرى إيمانويل كريبي، صحافي ومحلل سياسي من دولة بنين، أن «قبول بانزا لمنصب عمدة بانغي كان قرارا صعبا، ولكن مسيرتها العملية والنضالية تؤكد أنها ليست ممن يتجنبون مواجهة المصاعب».
خلال توليها لمنصب عمدة العاصمة قامت «بانزا» بجولات في بعض الدول الأوروبية، خاصة فرنسا، للبحث عن دعم دولي لعاصمة منهكة، وللالتقاء بالجالية وحثها على المشاركة في إعادة إعمار البلاد، غير أن بعض الأوساط انتقدت على «بانزا» رحلاتها الخارجية في الوقت الذي تعاني العاصمة من ارتفاع مستوى الكراهية بين السكان، واندلاع حرب دينية بعد تشكل ميليشيات «آنتي بالاكا» الموالية للرئيس الأسبق فرنسوا بوزيزي والمحسوبة على المسيحيين، وشروعها في استهداف المسلمين الذين تتهمهم بموالاة ميليشيات «سيليكا»، التي يعتنق أغلب عناصرها الدين الإسلامي، وتوالي الرئيس ميشال دجوتوديا.
أسفر الوضع الجديد عن انفلات أمني خطير أجبر فرنسا على إرسال 1600 جندي، في إطار ما أصبح يُعرف بعملية «سانغاري»، مهمة هذه القوات هي حفظ الأمن ونزع سلاح الميليشيات، وذلك بالتنسيق مع القوات الأفريقية الموحدة «ميسكا» البالغ تعدادها أربعة آلاف جندي أغلبهم من تشاد. وعلى الرغم من الهدوء النسبي الذي شهدته البلاد، فإن الوضع ظل مضطربا، مما أجبر قائد «سيليكا» على الاستقالة من إدارة شؤون البلاد، ليفتح المجلس الانتقالي (البرلمان المؤقت) الباب أمام الترشيحات، ليختار من بينها رئيسا انتقاليا يقود البلاد قبل أن تنظم انتخابات رئاسية من المنتظر أن تجري العام المقبل.
في هذه الأثناء وجدت كاثرين سامبا - بانزا، وهي التي واجهت مشكلات كبيرة في إدارة بلدية العاصمة، نفسها مرشحة لإدارة البلاد، وذلك بعد أن دفعتها منظمات نسائية وتيارات شبابية إلى الترشح دن أن تكون محسوبة على أي من الأحزاب السياسية الناشطة في البلاد. وتحدثت بعض الصحف في بانغي عن دعم فرنسي حصلت عليه «بانزا» لتحقق الفوز في الشوط الثاني من اقتراع سري شارك فيه نواب البرلمان، وبحضور المجموعة الدولية، وذلك بعد أن حصلت على 75 صوتا مقابل 53 لصالح ديزيري كولينغبا، ابن الرئيس الأسبق أندريه كولينغبا، الذي شغل الرئاسة في الفترة من 1981 إلى 1993.
وبخصوص الجدل الذي دار حول دعم ترشحها، يرى آلين امباغبا يامارا، رئيس تحرير صحيفة «أفريقيا الوسطى الجديدة»، أن تلك التهم لا تستند لأدلة منطقية، مشيرا إلى أن «بانزا» نفسها قالت إنها كانت مدعومة من طرف تيارات شبابية ونسائية ووطنية، ولكن بطبيعة الحال فرنسا ودول شبه المنطقة درسوا مسيرتها وقرروا دعم ترشحها، قبل أن تؤكد رغبتها الجامحة في أن تكون «محل إجماع لدى جميع الأطراف، وذلك ما جعلها تبتعد عن ممارسة السياسة عن طريق تيار سياسي معين».
ويشير يامارا إلى أنه «على الرغم من كونها سيدة مسيحية، فإنها حظيت بدعم قادة متمردي (سيليكا) المنحدرين في أغلبهم من الطائفة المسلمة»، وكان بعض هؤلاء القادة يلقبونها بـ«الوالدة»، ورحبوا بانتخابها.
وفي الوقت نفسه، كانت تحظى بدعم ميليشيات «آنتي بالاكا» المنحدرة من الطائفة المسيحية، وبالتالي فإنه من بين جميع المرشحين للرئاسة كانت بانزا وحدها التي تحظى بدعم المجموعتين المسلحتين المتناحرتين، كما حظيت أيضا بدعم المجموعة الدولية المكلفة الوساطة في أفريقيا الوسطى، فقبل ساعات من انتخابها عدّ دبلوماسي أوروبي أنها المرشحة الأكثر قبولا لدى جميع الأطراف.
مباشرة بعد انتخابها وجهت «بانزا» نداء إلى ميليشيات متمردي «سيليكا» وميليشيات «آنتي بالاكا»، تدعوهم إلى التخلي عن السلاح والعودة للحوار، قبل أن تؤدي اليمين الدستورية يوم الخميس 23 يناير (كانون الثاني) 2014، لتصبح بذلك أول سيدة تشغل منصب رئيس الجمهورية في أفريقيا الوسطى، وثالث سيدة تتولى الرئاسة في القارة الأفريقية، بعد إلين جونسون في ليبيريا وجويس باندا في مالاوي.
تيري فيركولون الباحث ومدير برنامج أفريقيا الوسطى في «كرايزس غروب»، عد انتخاب بانزا «دليلا على التجديد، فبعد انتخابها وجهت كلمتها الأولى إلى الطائفتين (المسيحية والمسلمة)، ولكنها أيضا خاطبت من يشككون في قدرتها على إدارة البلاد، وهذا ما تبحث عنه المجموعة الدولية، وما يريده سكان بانغي».
وخلف احتفاء الجميع بانتخاب «بانزا»، تختفي تحديات كبيرة على الرئيسة الجديدة مواجهتها في حيز زمني ضيق، حيث يرى كريستوف باربيير المدير الناشر لصحيفة «ليكسبريس» الفرنسية، أن «على بانزا في البداية أن تحقق السلام في البلاد؛ والسلام الديني أكثر صعوبة من السلام السياسي.. مما يعني أن عليها أن تنجح في تحقيق العملية الديمقراطية، وكل هذا مرتبط بمدى قدرتها على المحافظة على العلاقات مع فرنسا؛ مع الجيش الفرنسي أولا، ومع فرنسا كبلد أرغم على التدخل في القارة الأفريقية وهو لا يريد أن يعود إلى دائرة التهم الاستعمارية».
أما تيري فيركولون الباحث ومدير برنامج أفريقيا الوسطى في «كرايزس غروب»، فيرى أن «على بانزا أن تعتمد كثيرا على القوات الدولية، ولكنها يجب أيضا أن تشرك قادة ميليشيات «آنتي بالاكا» و«سيليكا» السابقين، في عملية حفظ الأمن». ويضيف الباحث الفرنسي المختص في شؤون إفريقيا الوسطى أن على الرئيسة الجديدة أن تبادر إلى فتح حوار ديني بين الطائفتين؛ المسيحية والمسلمة.
وفي هذه الأثناء، يطرح الملف الإنساني نفسه بقوة على مكتب الرئيسة الجديدة، حيث ترتفع الأصوات المحذرة من وقوع مجاعة في البلاد، كان آخرها سفير أفريقيا الوسطى لدى الأمم المتحدة، الذي قال إن «هناك خطر حدوث مجاعة، وهذا الخطر سيزداد إذا لم يجرِ التدخل من أجل إعادة سمات الدولة ومساعدة السكان على الحصول على الحد الأدنى للعيش». قبل أن يضيف: «لا بد من نهج شمولي، بل بالأحرى (خطة مارشال) إذا كنا نريد انتشال البلد والحيلولة دون انتشار ما يجري فيه ليصيب دولا في شبه المنطقة».



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.



أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.