جيوش المعارضة السورية.. هدف واحد وولاءات متعددة

عددها أكثر من ألف.. وانقسامات قادتها تزيد من تعقيد الأزمة ميدانيا

جيوش المعارضة السورية.. هدف واحد وولاءات متعددة
TT

جيوش المعارضة السورية.. هدف واحد وولاءات متعددة

جيوش المعارضة السورية.. هدف واحد وولاءات متعددة

دخلت الأزمة السورية، طورا جديدا، مع بدء مفاوضات مؤتمر السلام المنعقد حاليا في جنيف، لإيجاد مخرج سياسي للأزمة الممتدة منذ سنوات. ولعل المشهد العسكري للأزمة هو الأكثر نفورا فيها، ففي مواجهة القمع الممنهج للمظاهرات التي انطلقت في مارس (آذار) سنة 2011، تحول المشهد سريعا إلى العسكرة التي انطلقت من بنادق الصيد والسلاح الأبيض، وصولا إلى الدبابات والصواريخ في الوقت الراهن.
وقد راكمت المعارضة السورية المسلحة، في تجربتها القصيرة نسبيا، الكثير من الخبرات الميدانية التي حولتها خلال فترة قصيرة من رجال عديمي الخبرة القتالية، إلى «جيوش صغيرة» عيبها الوحيد، هو انقساماتها الكثيرة التي قللت من تأثيرها الميداني في الكثير من الحالات.
وعلى الرغم من أن معاداة النظام تجمع كل الفصائل العسكرية الموجودة على الأرض السورية، فإن هناك الكثير مما يفرقها، في السياسة والدين والأهواء السياسية. وهو ما يؤرق قادتها ومن بينهم وزير الدفاع في حكومة المعارضة السورية أسعد مصطفى، الذي أكد تمسكه بمشروعه الهادف لتكوين «جيش وطني» موحد، مؤكدا أن تعدد البنادق لا يفيد الثورة السورية بالقدر الذي يرغب فيه حملة هذه البنادق.
تلعب الكثير من العوامل، دورها في تشتت المعارضة السورية، عسكريا أو سياسيا. وفي حين يرد مرجع سوري معارض هذا إلى غياب الرؤية الدولية في مواجهة النظام، يقابله في الداخل غياب وجود خطة عمل واضحة. ويرد جميل صائب، وهو مدير مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية الإسلامية كثرة التشكيلات العسكرية، إلى عدة أسباب منها أن «الثورة لم تندلع في وقت واحد في كل المحافظات التي ما يزال بعضها هادئا حتى اليوم»، مشيرا إلى أن الكتائب المسلحة التي نشأت بعد ذلك كانت في غالبيتها بقيادة مدنيين، موضحا أن السبب الرئيس وراء الانقسامات هو «تعدد مصادر التمويل» شاكيا من أنه «بات لكل دولة في العالم كتائب مسلحة في سوريا»، كما أشار إلى أن بعض قيادات المعارضة السياسية بدأت تشتري ولاءات الكتائب ليكون لها نفوذ عسكري على الأرض.
بدأت الثورة السورية، بمجموعات مسلحة صغيرة، قام بها شبان سوريون من دون تخطيط أو تنسيق مشترك، كرد فعل على يأسهم من إسقاط النظام بالوسائل السلمية، كما يقول صائب. وأشار إلى أن الكثير من رفاقه الذين شاركوه في أيام المظاهرات الأولى، إما قتلوا أو اعتقلوا وانتهى بهم الأمر كالمقتولين لشدة ما تعرضوا إليه. ويؤكد صائب أن قرار العسكرة لم يكن خيارا، فقد «فرضه النظام علينا من خلال تعاطيه الوحشي مع المظاهرات السلمية، ولهذا قررنا أن نحمل ما تيسر من السلاح لحماية المظاهرات، ثم تطورت الأمور إلى العسكرة الشاملة لغياب أفق الحل السياسي».

* 2011 عهد الانشقاقات والانقسامات

* رغم أن النظام السوري تحدث عن «الجماعات الإرهابية المسلحة» منذ الأسابيع الأولى للأزمة، فإن العمل المسلح المعارض، لم يبدأ إلا في الشهر الثالث أو الرابع، عن طريق انشقاق ضباط وجنود عن جيش النظام، بموازاة انتقال جماعات من المدنيين إلى حمل السلاح. وكان أول انشقاق معلن في بداية الأسبوع الخامس من الأزمة، عندما ظهر المجند في الحرس الجمهوري، وليد القشعمي، في تسجيل مصور في 23 أبريل (نيسان) 2011 معلنا انشقاقه ورفضه «إطلاق النار على المتظاهرين السلميين»، أما أول المنشقين من الضباط فهو الملازم أول عبد الرزاق طلاس الذي أعلن انشقاقه في 7 يونيو (حزيران) 2011 تلاه بعدها بيومين المقدم حسين هرموش الذي لجأ إلى تركيا وأنشأ «لواء الضباط الأحرار». يشير صائب إلى أن هرموش لجأ إلى منطقة جسر الشغور بعيد انشقاقه حيث اجتمع من دون تخطيط مسبق مع عدد آخر من المنشقين عن الشرطة والجيش، وأنشأ أولى وحداته العسكرية بسلاح حمله بعض المنشقين، موضحا أن عددا من المدنيين انضم إلى حركة هرموش ليرتفع عدد قوته إلى نحو 40 رجلا، بعد حادثة إطلاق النار على العائدين من جنازة أحد المعارضين.
وفي 4 يوليو (تموز) 2011 خرج العقيد رياض الأسعد معلنا انشقاقه من تركيا، معلنا في 29 من الشهر نفسه ولادة «الجيش السوري الحر»، محددا أهداف هذا الجيش بـ«حماية المدنيين وحراسة المظاهرات السلمية». وفي أغسطس (آب) أعلن عن تشكيل ثماني كتائب مسلحة هي: كتيبة خالد بن الوليد في محافظة حمص، وكتيبة حمزة الخطيب في ريف إدلب، وكتيبة الهرموش في جبل الزاوية، وكتيبة القاشوش في مدينة حماه، وكتيبة أبي الفداء في ريف حماه الشمالي، وكتيبة العمري في محافظة درعا، وكتيبة معاذ الركاض في دير الزور، وكتيبة الله أكبر في البوكمال. وفي سبتمبر (أيلول) 2011 أعلن عن تشكيل ثلاث كتائب أخرى: كتيبة الأبابيل في حلب، وكتيبة معاوية بن أبي سفيان في دمشق، وكتيبة أبي عبيدة بن الجراح في ريف دمشق. وبدأت انقسامات العسكر، مع بدء الانشقاقات. وبقي الولاء العسكري، منقسما بين الأسعد وهرموش، الذي عرف بمشاغبته، إلى حين اختفاء هرموش بشكل غامض من تركيا، ومن ثم ظهوره على التلفزيون السوري معترفا بـ«جرائمه».

* 2012 عام الكتائب المسلحة والتجمعات الكبرى
* بعدها توالى ظهور الكتائب المسلحة، شهد عام 2012 «فورة» في العمل العسكري بدأ بعده المعارضون يحملون شعار إسقاط النظام بدلا من حماية المتظاهرين. وتوالى ظهور الكتائب العسكرية بأسماء مختلفة للكتائب التي حملت كلها شعار «الجيش الحر» الذي كان بمثابة «الغطاء الثوري» للمجموعات المسلحة المختلفة التي كان يعمل كل منها على حدة للحصول على تمويل وتسليح من مصادر مختلفة، مستفيدين من حالة التعاطف الكبيرة التي نشأت في الشارع العربي مع الحراك المعارض للنظام.
لكن هذه النعمة كانت نقمة، في الوقت نفسه. فقد شهد عام 2012 وحده ولادة نحو 500 كتيبة مختلفة حمل بعضها أسماء شخصيات سورية، وبعضها أسماء شخصيات عربية (كالرئيس السابق للحكومة اللبنانية رفيق الحريري ومؤسس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط) فيما حمل البعض الآخر أسماء مناطق، بالإضافة إلى أسماء دينية كأسماء الصحابة وغيرها. وانتهى عام 2013 بولادة نحو 1000 تشكيل مقاتل مناوئ للنظام وفقا للتقديرات الغربية.
وفي 6 فبراير (شباط) 2012 ظهرت أولى «الحركات التصحيحية» في الجيش الحر، فقد أعلن العميد الركن مصطفى الشيخ عن تأسيس «المجلس العسكري الثوري الأعلى» ليكون بمثابة «هيكل تنظيمي» للمنشقين، إلا أن الأسعد سارع إلى اتهامه بـ«خدمة النظام». وعلى الرغم من تبادل الاتهامات، عاد الرجلان للاتفاق على التنسيق بينهما بحيث يبقى كل منهما قائدا للكيان الذي أسسه، على أن يتولى المجلس العسكري مهام الدراسة والتخطيط ونقل المعلومات اللوجستية إلى قيادة الجيش الحر الذي يقوم بالأعمال الميدانية.
ثم أتى الانشقاق الثاني في مايو (أيار) 2012، حيث أعلن الناطق باسم القيادة العسكرية للجيش الحر في الداخل العقيد قاسم سعد الدين أن قيادة الداخل هي وحدها المخولة بالحديث باسم الجيش الحر، وأن رياض الأسعد المقيم في تركيا «لا يمثل إلا نفسه». وفي يوليو (تموز) أعلن عن تشكيل القيادة العسكرية المشتركة للثورة السورية بقيادة اللواء المتقاعد عدنان سلو، لكن قيادة الجيش الحر في الخارج رفضت أي تنسيق، بينما رحبت القيادة في الداخل بها. وفي 16 يوليو أعلن عن تأسس لواء التوحيد الذي تغير اسمه من أحرار الشمال لكي يضم الكثير من الكتائب العاملة في ريف حلب. وفي أواخر أغسطس (آب) 2012 أعلن عن تأسيس الجيش الوطني السوري بقيادة اللواء المنشق محمد حسين الحاج علي الذي كان قد انشق قبل شهر ولجأ إلى الأردن، لكن لم يكتب لهذه المحاولة الحياة. وفي سبتمبر (أيلول) 2012 اجتمع سعد الدين والأسعد وسلو والشيخ للاتفاق على تشكيل قيادة موحدة للجيش الحر وتقاسم الأدوار، وتم الاتفاق على أن يقوم عسكر الخارج بتأمين ونقل الدعم اللوجستي إلى الداخل، بينما يقوم الضباط في الداخل بوضع وتنفيذ الخطط الميدانية. وبعد شهر تقريبا أعلنت كتائب عدة عن تشكيل «القيادة المشتركة للمجالس العسكرية الثورية».
وفي 8 سبتمبر (أيلول) 2012 شهدت مدينة أنطاليا التركية، أكبر تجمع لقادة المعارضة العسكرية، برعاية أميركية مباشرة، أسفرت عن تشكيل «القيادة العسكرية العليا المشتركة»، فيما بدا أنه استكمال للتوحيد السياسي بعد تأسيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية. واختار المجتمعون العميد المنشق سليم إدريس رئيسا له، وتم الاتفاق على تشكيل مجلس قيادة من ثلاثين عضوا عسكريا ومدنيا. كما تم تقسيم البلاد إلى خمس مناطق عسكرية. وهكذا خرج الأسعد ورفاقه من الصورة العسكرية، لكنه لا يزال يعد نفسه قائدا أعلى للجيش الحر.
وما كاد إدريس يهنأ على كرسيه الجديد، حتى ظهر كيان منافس قدر له لاحقا أن يطيح به. فقد أعلن في 12 سبتمبر عن تأليف جبهة تحرير سوريا الإسلامية لتضم عددا كبيرا من الكتائب والألوية ذات الطابع الإسلامي. وقالت في بيان لها إنها «تنطلق في معتقداتها من منهج أهل السنة والجماعة بفهم السلف الصالح من غير غلو ولا تفريط، وتهدف إلى إسقاط نظام الأسد وبناء مجتمع إسلامي حضاري يحكم بشرع الله وينعم فيه المسلم وغير المسلم بعدل الإسلام».

* 2013 عام ولادة التكتلات الكبرى
* وشهد عام 2013 ولادة التكتلات الكبرى، فسقطت «هيئة الأركان» لتظهر «جبهة ثوار سوريا» الموالية للائتلاف الوطني، تقابلها جبهة تحرير سوريا الإسلامية التي أنشأت جيشا موحدا يعد الأقوى، بعد انشقاقها عن «الأركان»، بالإضافة إلى الجماعات المتشددة مثال جبهة النصرة و«دولة الإسلام في العراق والشام». ويتخوف المعارضون في شمال سوريا من تفكيك هيئة الأركان في الجيش السوري الحر، حيث تقود مؤشرات الانقسام إلى إعادة تجميع الكتائب المقاتلة في ثلاث كتل رئيسة، أولاها وأكبرها كتلة الجبهات الإسلامية المعتدلة، وثانيتها كتلة المتشددين، والثالثة هي كتلة الجيش الحر التي تضم علمانيين يقاتلون ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد.
وينظر قياديون في المعارضة المسلحة شمال سوريا إلى تزايد التقسيمات في الكتائب المقاتلة إلى الأرض، بريبة. ويقول ضابط في الجيش الحر إن المشهد الآن «بات على شاكلة فسيفساء مناطقية تشبه ما كان في لبنان أيام الحرب الأهلية، إذ بات بعض القياديين في المناطق أمراء حرب، لا شيء يجمعهم».
ويقول الضابط الذي رفض الكشف عن اسمه لحساسية الوضع في الشمال، إن التقسيم والتوحد «يؤشر إلى إعادة فرز جديدة للتشكيلات المقاتلة وفق ثلاثة مستويات هي كتائب إسلامية معتدلة، وأخرى متشددة، وأخرى علمانية تابعة للجيش السوري الحر الذي بات أقل تمثيلا في ظل سيطرة المتشددين المنظمين على المناطق». ويوضح أن الجهة الإسلامية المعتدلة «تضم ألوية صقور الشام، جيش الإسلام، لواء التوحيد، كتائب ولواء الحق». أما الكتائب المتشددة فتضم «الدولة الإسلامية في العراق والشام وجبهة النصرة وبعض الكتائب التي تضم مقاتلين مهاجرين»، فيما تبقى الكتائب المعتدلة التي «تضم مقاتلي وفصائل الجيش الحر، وبعض الكتائب التي استحدثت عند توحيد الفصائل ضمن هيئة الأركان العام الماضي، مثل كتائب شهداء سوريا في إدلب وغيرها».
* صورة القوى العسكرية
* ومع انعقاد مؤتمر جنيف2، كانت صورة القوى العسكرية على الأرض كالآتي:
1 - هيئة الأركان: يرأسها سليم إدريس، لكن الضربة التي وجهتها إليها «الجبهة الإسلامية» نهاية العام الماضي جعلتها من أضعف القوى العسكرية على الأرض تقريبا، لولا وجود بعض القوى التي حافظت على تماسكها وولائها «السياسي» للأركان. تتكون هيئة الأركان من ثلاثين عضوا، بواقع ستة ممثلين عن كلٍ من الجبهات الخمس في سوريا. ومن المفترض أن تتواصل الألوية مع اللواء إدريس من خلال سلسلة القيادات داخل الجيش الحر، إلا أن دوره لا يعدو كونه متحدثا رسميا ووسيطا لجلب الدعم الأجنبي والتسليح.
ومن أبرز الألوية المرتبطة بهيئة الأركان العامة: لواء شهداء سوريا بقيادة جمال معروف ويقدر عدد مقاتليه بنحو سبعة آلاف. اسمه الأصلي هو «لواء شهداء جبل الزاوية»، وتشكل في أواخر عام 2011 في محافظة إدلب. وجرى تغيير اسمه في منتصف عام 2012 إلى «لواء شهداء سوريا» بهدف توسيع عملياته داخل سوريا، إلا أن عملياته ما زالت متمركزة في شمال غربي البلاد.
وهناك أيضا ألوية أحفاد الرسول التي يقدر عدد مقاتليها بما بين 7000 و9000. وقد تكونت في عام 2012 من تحالف أكثر من 40 مجموعة إسلامية وسطية. وعلى الرغم من تمركز قواتها في إدلب شمالي البلاد، فإنها توجد في كل أنحاء سوريا. وعلى الرغم من أنه تحالف مستقل، فإنه موالٍ لهيئة الأركان العامة.. أُرغم مقاتلوه على مغادرة مدينة الرقة في شمال البلاد في أغسطس (آب) 2013 بعد هجوم مجموعة دولة الإسلام في العراق والشام.
2 - الجبهة الإسلامية: وتعد الجبهة الإسلامية التي تشكلت نهاية العام 2013 أكبر تجمع للقوى الإسلامية المسلحة في سوريا. وقد أعلنت الجبهة في الثالث من ديسمبر (كانون الأول) انسحابها من هيئة الأركان بسبب ما سمته «تبعية هيئة الأركان للائتلاف الوطني وعدم تمثيليتها». أما كتاب «أحرار الشام» فهي من أبرز الفصائل الموجودة على الأرض، والمنتشرة على نطاق واسع، بحسب الضابط الذي أكد أن مركز قوتها «بات في إدلب وحلب». وكانت نواة الجبهة قد أنشئت في عام 2012 حيث انضمت إلى هيئة الأركان، قبل أن تنفصل عنها. ويقدر عدد مقاتليها بما بين 35 و40 ألف مقاتل. والجبهة هي عبارة عن تحالفات لنحو 20 من المجموعات. تضم الجبهة ألوية الفاروق، الفاروق الإسلامي، لواء التوحيد، لواء الفتح، لواء الإسلام، صقور الشام، مجلس ثوار دير الزور. أكبر فصائل الجبهة وأكثرها سطوة هي حركة أحرار الشام الإسلامية بقيادة حسان عبود، الذي يعرف أيضا بأبي عبد الله الحموي، وهو رئيس الجبهة. اعتقلته السلطات السورية بعد مشاركته في هجمات في العراق، وأطلق سراحه في أوائل عام 2011 كجزء من عفو عام. وكانت حركة أحرار الشام قد اندمجت في فبراير (شباط) 2013 مع ثلاث حركات أخرى لتكوين حركة أحرار الشام الإسلامية. ويعرف عن مقاتليها قوتهم وانتظامهم. وكانت الحركة من أوائل من استخدموا أجهزة التفجير واستهدفوا القواعد العسكرية للحصول على السلاح. وتقول الجماعة إنها تدير 83 كتيبة في كل سوريا، بما في ذلك دمشق وحلب.
ومن أسس الجبهة أيضا، لواء الإسلام الذي يقدر عدد مقاتليه بنحو 9000. وقد تأسس لواء الإسلام في منتصف عام 2011 على يد زهران علوش، وهو ناشط سلفي اعتقلته السلطات قبل سنتين من تأسيس اللواء. وتصاعدت أهمية اللواء بعد تبنيه تفجير مقر مكتب الأمن القومي بدمشق في يوليو 2012، حيث قُتل الكثير من كبار مسؤولي الأمن بمن فيهم وزير الدفاع، صهر الرئيس الأسد.

* السلاح: من بنادق الصيد إلى الدبابات
* بدأ سلاح المعارضة المسلحة، بسيطا، فتكون في البداية من بنادق الصيد، بالإضافة إلى السلاح الخفيف الذي حمله المنشقون عن الجيش معهم، ثم سرعان ما تطور هذا السلاح مع استيلاء المعارضين على مخازن أسلحة ومراكز عسكرية، بالإضافة إلى فتح الحدود أمام التهريب على نطاق واسع.
وحصلت المعارضة السورية على نوعين من مضادات الدروع الموجهة سلكيا هما: كونكورس، وهو صاروخ روسي الصنع موجه سلكيا مضاد للدروع الثقيلة، بعدد يقارب الـ250 قاعدة إطلاق و1000 صاروخ مصدرها دول شرق أوروبا. كما حصلت على العدد نفسه من صاروخ صيني الصنع موجه سلكيا مضاد للدروع الثقيلة، يعد النسخة الصينية من الصاروخ الأميركي تاو. وتشير التقارير إلى أن النسخة التي حصلت عليها المعارضة السورية من صنع باكستاني ويبدو أنها من الجيل القديم ما يعني أنها لا تمتلك القدرة على اختراق الدروع التفاعلية.
وإضافة إلى مضادات الطيران حصلت كتائب المعارضة على فئتين من مضادات الطيران: الأولى محمولة على الكتف وأبرزها صاروخ «إف إن 6» هو صاروخ محمول على الكتف مضاد للطيران من الجيل الحديث صيني الصنع ويعد النسخة الصينية من الصاروخ الفرنسي المضاد للطيران المحمول على الكتف «ميسترال». ويرجح أن تكون المعارضة قد حصلت على نحو 100 صاروخ من هذه النوعية. أما مضادات الطيران الثانية فهي نظام دفاع جوي قريب المدى «سان 7» وهو صاروخ سوفياتي محمول على الكتف مضاد للطيران معروف باسم «كوبرا» ويعتمد على باحث حراري.
يضاف إلى ذلك أن المعارضة السورية تمتلك منظومة دفاع جوي «سان 8» للمديات القريبة سوفياتية الصنع مبنية على عربة واحدة بمدى 15 كلم، تعتمد على توجيه «راداري - حراري - بصري» مما يمنحها تميزا كبيرا في مقاومة وسائط التشويش الإيجابية وتحمل كل منظومة 6 صواريخ قابلة للتلقيم، وتؤكد معلومات الجيش الحر أن المعارضة قد حصلت على 104 صواريخ للمنظومة يتوقع أنها موزعة على 10 عربات.
وكانت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية قد ذكرت أن عددا من الدول بينها تركيا والولايات المتحدة، بدأت في إرسال سلاح نوعي إلى مقاتلين في الجيش الحر في درعا وعدد من مناطق الشمال السوري، وذلك لدعمهم في وجه القوات النظامية ولتغليب كفتهم على عناصر متطرفة في المعارضة، ينتمون إلى «الدولة الإسلامية في العراق والشام».
وتتضمن الأسلحة التي حصلت عليها المعارضة، بحسب الصحيفة، مضادات دروع قادرة على تدمير دبابات النظام الروسية الصنع عن بعد يتجاوز 300 متر، ويصل في بعض الحالات إلى 1500 متر.
وأبرز هذه الأسلحة صواريخ مضادة للدروع التي يتراوح مداها بين 300 - 500 متر، إضافة إلى قاذفات مضادة للدروع يصل مداها إلى أكثر من 500 متر، وقاذفات يتراوح مداها بين 350 إلى 400 متر، وكذلك قاذفات «آر بي جي 6» الخفيفة التي تمتاز بدقة التصويب.
ويمتلك المعارضون أيضا دبابات روسية الصنع استولوا عليها - أو اشتروها - من جنود النظام، ويقال إن جيش الإسلام الذي يقوده زهران علوش يمتلك فرقة من 23 إلى 27 دبابة حديثة من طراز تي 72.



واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.