عمرو موسى: مبارك رفض بقاء عصمت عبد المجيد وأحداث 11 سبتمبر أظهرت المشاعر السلبية تجاهنا

«الشرق الأوسط» تنشر فصولاً من كتابه الجديد «سنوات الجامعة العربية» (2)

عمرو موسى مع الأمير سعود الفيصل
عمرو موسى مع الأمير سعود الفيصل
TT

عمرو موسى: مبارك رفض بقاء عصمت عبد المجيد وأحداث 11 سبتمبر أظهرت المشاعر السلبية تجاهنا

عمرو موسى مع الأمير سعود الفيصل
عمرو موسى مع الأمير سعود الفيصل

في الحلقة الثانية التي تنشرها «الشرق الأوسط» من فصول كتاب الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية عمرو موسى «سنوات الجامعة العربية»، الذي سيصدر قريباً عن «دار الشروق» المصرية، يتحدث موسى عن فترة تسلمه منصب الأمين العام للجامعة خلفاً لعصمت عبد المجيد، وتفاوت وجهة النظر العربية بين بقائه وزيراً للخارجية المصرية وبين تسلمه منصبه الجديد. ويكشف موسى أن عبد المجيد فاتحه برغبته بالبقاء بعد انتهاء ولايته، إلا أن الرئيس المصري السابق حسني مبارك رفض «لأن الجامعة نايمة وح تموت». ويتحدث موسى عن الدعم المادي الخليجي، خصوصاً من السعودية، الذي تلقاه وساعده على إحداث تغيير في الجامعة، بدءاً من مقرها الرئيسي وموظفيها، وصولاً إلى الدور الفاعل في كل القضايا العربية. وكان من أبرز القضايا التي طرأت بعد 4 أشهر من تسلمه منصبه، أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، وما خلفته من تداعيات على العرب والمسلمين والتي أظهرت «المشاعر السلبية تجاهنا»، مستعرضاً مساعيه لمعالجتها بدءاً من اتصالاته وتصريحاته، مروراً بلقاءاته مع المسؤولين الأميركيين، وصولاً إلى تنظيمه مؤتمراً تحت شعار: «حوار الحضارات، تواصل لا صراع».
حدثني الدكتور عصمت عبد المجيد، الأمين العام للجامعة العربية تليفونياً في الأيام الأخيرة من نوفمبر (تشرين الثاني) 2000. طالباً أن نلتقي لنتحدث في بعض الأمور الهامة، ومنها «منصب الأمين العام». فقلت: «وهو كذلك يا سيادة الأمين العام، سوف أزورك في مكتبك قبل نهاية الأسبوع»، وهو ما كان. ذكر الدكتور عصمت أن فترة ولايته على وشك الانقضاء، وأنه لا يزال قادراً على العطاء، وربما يكون من الممكن مدّ فترة الولاية سنة أو سنتين لأنه يعرف أن فترة ثالثة كاملة سوف تقابل بالرفض من عدد من الدول الأعضاء. وعدت بعرض الأمر على الرئيس مبارك، وهو ما فعلت مساء اليوم نفسه، وكان مما قلته للرئيس إنه قد يرى الموافقة ولو لفترة عام يمثل تكريماً، ويمكننا من التوافق على الشخصية المناسبة للمنصب. فكان رده: «قل له كفاية لحد كده... يا راجل دا فيه دول مهمة في الجامعة أبلغتني أن الجامعة نايمة خالص وح تموت». ثم أضاف بشيء من الحدة: «كفاية كدا... ما فيش تجديد».
بعد يومين أبلغت الدكتور عصمت تليفونياً أن هناك صعوبة في تلبية طلبه. تفهّم الرجل بهدوئه المعهود ولم يثر الموضوع مرة أخرى.
في صباح أحد الأيام الشتوية أواخر سنة 2000، وبينما أنا جالس على مائدة مستديرة في مكتبي بوزارة الخارجية أقرأ تقريراً ما، وأستمتع بشمس الشتاء، رن جرس التليفون الرئاسي. كان المتحدث سكرتير الرئيس للمعلومات السفير ماجد عبد الفتاح. بدأ حديثه بأن الرئيس يطلب من الوزير أن يعرض عليه اسماً أو أكثر يصلح أميناً عاماً للجامعة العربية، وأن الوقت أزف لتتقدم مصر باسم مرشحها للمنصب الكبير.
- رسالة مبارك
أردف السفير أنه «بكل صراحة يرى (بيننا وبين بعض) أنه لا أحد يصلح إلا سيادتك، وهو أيضاً رأي الرئيس». أدركت على الفور أنها رسالة من الرئيس مبارك. كان ردي: «شوف يا ماجد... قل للرئيس إنني موافق». لم تأخذ المكالمة أكثر من عدة دقائق. عاد السفير إلى الرئيس بعدها بالحل: الوزير موافق على أن يكون هو المرشح.
أعلنت مصر خبر ترشحي لخلافة عصمت عبد المجيد رسمياً في 15 فبراير 2001. وهو ما أحدث ضجة كبرى في مصر، كما في عدد كبير من العواصم العربية، بل والدولية. أعتقد أن واشنطن وتل أبيب سعدتا بذلك الخبر كثيراً. في مقابل شعور عربي يرى أن بقائي على رأس الخارجية المصرية أنجع وأكثر فائدة للمصالح العربية العليا.
يحكي الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل، وزير خارجية السودان الأسبق، أن العقيد (معمر) القذافي وعمر البشير كانا مجتمعين في الخرطوم ومعهما وزيرا خارجيتيهما - الليبي علي التريكي، والسوداني مصطفى عثمان إسماعيل - وقت الإعلان عن ترشحي رسمياً لمنصب الأمين العام لجامعة العربية. ناقش الرئيسان ذلك الترشيح، ورحبا بهذا الاختيار، لكنهما مع وزيري الخارجية كانوا قلقين بالنسبة لشخص وزير الخارجية القادم في القاهرة. وذكر مصطفى عثمان للقذافي والبشير أن «مصلحة العرب والمنطقة تستدعي أن يبقى عمرو موسى وزيراً لخارجية مصر».
- الدعم السعودي والخليجي
من ناحية أخرى، أبدى لي وزير خارجية السعودية الأمير سعود الفيصل أن المملكة تؤيد عمرو موسى أينما كان وزيراً للخارجية أو أميناً عاماً للجامعة العربية، وأنني سوف ألقى منهم كل الدعم اللازم. أذكر أنني أثرت مع الأمير سعود الوضع المالي للجامعة الموشك على الإفلاس، وأنه من المهم دعمي بصفتي الأمين العام الجديد بما يمكنني من الحركة وإصلاح مؤسسة العمل العربي المشترك. وعد بالعرض على الأمير عبد الله بن عبد العزيز، ولي العهد آنذاك، مع دعمه وتأييده لهذا الطلب.
كنت أرى أن الجامعة قابلة للإصلاح، إذا أديرت إدارة حديثة، ووجدت الأموال اللازمة كي يشعر موظفوها بالأمان؛ ومن ثم يعطون أفضل ما لديهم. وبالفعل قمت بجولة في دول الخليج خرجت منها بوعود على أعلى المستويات بأنهم سوف يقدمون الأموال اللازمة في صورة دعم خاص للجامعة، بخلاف حصة كل دولة في الميزانية، مع تمكيني من التصرف فيها كما أريد، ثقة منهم في قدرة الإدارة الجديدة في الجامعة على دفع العمل العربي المشترك قدماً للأمام.
وبالفعل قرر الأمير عبد الله، ولي عهد السعودية آنذاك، دفع ستة ملايين دولار، وقرر السلطان قابوس سلطان عمان دفع ثلاثة ملايين دولار، وقرر الأمير حمد آل ثاني، أمير قطر، تقديم ثلاثة ملايين دولار، والصندوق العربي للتنمية في الكويت مليون دولار تخصص لتحديث الاتصالات في الأمانة العامة، وبعث إلي الشيخ حمدان بن زايد وزير الخارجية الإماراتية آنذاك بمبلغ مليون دولار اعتبرته تمهيداً لمبلغ أكبر في إطار ما يكنه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رئيس الدولة، من إيمان بالجامعة العربية، ورغبته - رحمه الله - في دعم عمرو موسى، كما ذكر لي شخصياً.
- اليوم الأول في مقر الجامعة
في التاسعة والنصف من صباح 16 مايو (أيار) 2001 خرجت من بيتي وكانت سيارة الأمين العام في انتظاري. كانت سيارة قديمة ومتهالكة. لفت نظري رفع علم الجامعة العربية عليها. طلبت من الحارس إزالة العلم؛ فليس هناك ما يدعو لأن أسير في شوارع القاهرة بسيارة يرفرف عليها علم. قبيل العاشرة وصلت مقر الجامعة العربية في أول يوم لي أميناً عاماً لها. قصدت أول ما قصدت مكتب الأمين العام في الطابق الأول، ومعي السفير سمير سيف اليزل، وهو شخصية تنفيذية جيدة، انتدبته معي من وزارة الخارجية للإشراف على الشؤون المالية والإدارية بالجامعة. جلست أولاً في صالون المكتب، هالني أن الأنوار في الطابق كله خافتة، ودهانات الحوائط أكل عليها الزمان وشرب! قلت لسيف اليزل هذا المنظر يجب أن يتغير على الفور. افتحوا النوافذ، ادهنوا الحوائط بألوان فاتحة، واجعلوا الإضاءة زاهية كي لا تشجع على النوم!
كدت أجن عندما وقعت عيني على أسلاك التليفونات التي كان بعضها في الهواء أو على الحوائط. قلت إذا كان هذا المنظر في مكتب الأمين العام، فما بالنا ببقية المكاتب؟! طلبت حضور مدير الشؤون الإدارية. قلت له: هذا المنظر لا أراه في الغد. قال الرجل: «حاضر يا فندم... لكن امنحنا وقتاً لأن الأمر مرتبط بمصلحة التليفونات». قلت: عندك إلى نهاية الأسبوع، مفيش حاجة اسمها أسلاك في الهوا وتحت الشبابيك وتحت السجاجيد وعلى الحوائط... الكلام ده ما يمشيش... فاهم؟ قال لي: حاضر. استغرق تغيير هذا الوضع أسبوعين، ولكنه تغيّر بالفعل.
على صعيد تطوير مبنى الأمانة العامة للجامعة العربية عرضت المملكة المغربية تطوير قاعة من قاعات الجامعة، وتم ذلك بالفعل على الطراز المعماري المغربي الجميل، وطورت الصين قاعة ثانية هدية لي شخصياً. ثم غيرنا من ترتيب جلوس الوفود في القاعات، فكان يبدأ بالياء وينتهي بالألف، فأصدرت أوامري بأن يبدأ بالعكس، فكل وفد يدخل يجد نفسه جالساً في غير المكان الذي اعتاده لعشرات السنين. أجريت ذلك كله لإحداث الشعور بأن هناك وضعاً جديداً في الجامعة - على الأقل من حيث الشكل - يبدأ من مكان الجلوس، ولون الحوائط وفتح الأبواب والنوافذ المغلقة... إلخ.
- فريق العمل بالجامعة
اقتناعي كان راسخاً بأنه لا تطوير لمنظومة العمل العربي المشترك دون تطوير الكادر البشري من العاملين في الجامعة العربية والمؤسسات التابعة لها. بدأت ألتقي العاملين في شكل مجموعات، كل مجموعة تضم خمسة أو ستة أفراد لفرز من يمكن الاعتماد عليهم. من ضمن من قابلت ابنة الدكتور أحمد فتحي سرور، وكان رئيساً لمجلس الشعب وقتها. سألتها: أنت متعلمة فين؟ قالت: في مدرسة «المير دي ديو» la Mère de Dieu الفرنسية. لكنها قالت إنها نسيت اللغة الفرنسية، إذ لم تستخدمها منذ أن تخرجت.
قلت لها: هذا أول وآخر لقاء معك... اذهبي إلى المركز الثقافي الفرنسي وتعالي بعد ثلاثة أشهر تستعيدين فيها اللغة. إذا رجعت من دون شهادة إجادة الفرنسية لا مكان لك في الجامعة العربية. ذهبت تشتكي لوالدها، فقال لها: ما قاله لك عمرو موسى هو عين العقل. يجب أن تستعيدي لغتك. ووبخها. وقد كان، وعادت بعد أن استعادت قدرتها على التواصل بالفرنسية، وأصبحت مديرة لإدارة، مجدة ومجيدة في عملها.
خلال أول شهرين من اللقاءات مع العاملين اخترت منهم نحو 30 فرداً يمكن الاستثمار فيهم والاعتماد عليهم. وبدأت أكلفهم بمهام، وجدت أن تعليمهم راقٍ ولديهم الاستعداد للتطوير والعمل. كانوا لا يقلون في المستوى عن العاملين في أي منظمة أخرى... فقط يحتاجون التوجيه والثقة.
- أحداث 11 سبتمبر 2001
نحو أربعة أشهر فقط مرت على تسلمي مهام منصبي أميناً عاماً للجامعة العربية، عندما تعرضت الولايات المتحدة الأميركية لهجمات 11 سبتمبر سنة 2001. وبينما أنا منهمك في إعادة هيكلة الأمانة العامة للجامعة لتتواكب مع النقلة النوعية التي أنشدها للعمل العربي المشترك، حدثت تلك الفاجعة المروعة ذات الآثار السياسية المدمرة.
كنت في مكتبي بمقر الأمانة العامة للجامعة العربية يوم 11 سبتمبر 2001 عندما دخل أحد مساعدي مسرعاً في حدود الثالثة و10 دقائق بعد ظهر القاهرة (8:10 صباحاً بتوقيت نيويورك): سيادة الأمين العام... سيادة الأمين العام... أرجوك افتح التلفزيون. الولايات المتحدة تتعرض لهجوم جوي.
على الفور فتحت محطة CNN وإذا بها تبث صورة لطائرة تصطدم بأحد برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، وتحدث فجوة كبيرة في الواجهة، وتنتشر سحابة دخان ضخمة من الطوابق العليا. لم تمر سوى 4 دقائق فقط على فتح التلفزيون وإذ بنا نفاجأ بطائرة ثانية تصطدم بوسط البرج الثاني من مركز التجارة العالمي وتحدث انفجاراً قوياً. قلت: يا إلهي... ما هذه الحرب التي تبث على الهواء مباشرة!! إنها أميركا... القوة الجبارة في العالم... أيعقل أن نظامها الأمني هش إلى هذه الدرجة؟!
- من فعلها يا ترى؟
دعوت إلى اجتماع فوري لعدد من المستشارين والمساعدين، وتحدثت إلى وزير الخارجية المصرية، أحمد ماهر السيد. تحدثت تليفونياً إلى عدد من وزراء الخارجية العرب وكان منهم وزير الخارجية السوري فاروق الشرع، الذي كان بالفعل مقدراً لخطورة الموقف، وتعّدى الأحداث في ذاتها إلى التفكير في عواقبها، ومن ثم بدأ مسار من التشاور بيننا فيما يجب أن نقوم به في الإطار العربي، وأخطرته بأنني أفكر جدياً في عمل تقوم به الجامعة العربية إعداداً واستشرافاً لردود الفعل على هذا الحدث الجلل.
عندما بدأت التقارير التي تبثها وكالات الأنباء وتذيعها القنوات الأميركية تشير إلى الاشتباه في تورط عرب في تلك الهجمات، قلت لزملائي: هذا ما كنت أتحسب له... ينتظرنا عمل شاق وطويل قد يستغرق سنوات، بعد أن أصبح العرب ودينهم الرئيسي (الإسلام) في موضع الاتهام.
طلبت من المساعدين المتابعة الدقيقة وموافاتي بالتطورات، وانهمكت في اتصالاتي مع قادة ووزراء عرب، بعضها تم بناء على طلبي، وبعضها تم بناء على طلبهم. في اليوم الثاني والثالث تلقيت طلبات من قنوات تلفزيونية أميركية للتعليق على الأحداث... الجامعة العربية مدعوة للتعليق على عدوان مواطنين عرب على مدن الولايات المتحدة... ذكر المستشارون أنه يجب تجنب الحديث في العلن باسم الجامعة العربية قبل اجتماع مجلسها على أعلى مستوى ممكن، وذكر آخرون أن التلفزيون الأميركي يحاول توريط الجامعة... إلخ.
لكنني كنت عازماً على الرد على الاتهامات التي تطال كل العرب وكل المسلمين، ووجدتها فرصة لا يصح إضاعتها لتأكيد دور الجامعة العربية باعتبارها متحدثاً باسم الدول العربية في مثل تلك الظروف، فوافقت على لقاء أكثر من برنامج، منها لقاء محطة NBC التي كانت أول المحطات الأميركية التي وصلت القاهرة.
قبل اللقاء أجريت عدداً من الاتصالات بالوزراء العرب وكذلك بالسفراء العرب المعتمدين لدى الجامعة وأخطرتهم بأنني سوف أتحدث إلى وسائل الإعلام العالمية فوراً، للتنديد بالحدث الإرهابي، ولتعزية الولايات المتحدة، ولإعلان رفض أي علاقة لهذه الحفنة من الأفراد المنحرفين المتهمين بالضلوع في الجريمة بمسار السياسة أو الدبلوماسية أو العلاقات العربية مع الولايات المتحدة، وأن الخلافات لا تحل هكذا.
- هجمة شرسة على العرب والمسلمين
تعرض المسلمون، وبخاصة العرب منهم في الولايات المتحدة وبعض دول أوروبا في أعقاب أحداث 11 سبتمبر لموجة شرسة من الاضطهاد والتمييز، باعتبار أن أصابع الاتهام وجهت ضد عرب يدينون بالإسلام في الضلوع في تنفيذها. والحق أن التربة الأميركية والغربية كانت في تلك الأثناء - وما زالت - خصبة لمشاعر العداء والكراهية للمسلمين والعرب، وجاءت هذه الأحداث، لتمثل الذروة في التعبير عن هذه المشاعر السلبية تجاهنا. واستناداً إلى جريمة كانت بالفعل شنيعة.
أذكر أن رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق سيلفيو برلسكوني صرح في أعقاب أحداث 11 - 9 من برلين أن «الحضارة الغربية تفوق الثقافة الإسلامية، وأنه ليس للإسلام بصمات على الحضارة العالمية»، وهو ما رددت عليه حينئذ بمنتهى القوة؛ فقلت إن تصريحات رئيس الوزراء الإيطالي «تجاوزت حدود العقل... لا نعتقد أن هناك حضارة متفوقة، وإذا كان قد قال ذلك الكلام فهو مخطئ تماماً، وعليه أن يعتذر»، وهي التصريحات التي نقلتها عني وكالات الأنباء وأشارت إليها كبريات الصحف العالمية.
وبالفعل تراجع برلسكوني عن تلك التصريحات العنصرية، فبعد أن قال في البداية، إن فهمه أسيئ، وإن كلماته أخرجت عن السياق، اجتمع مع سفراء دول إسلامية ودبلوماسيين كبار، وقال لهم إن التصريحات المثيرة للجدل، التي زعم فيها تفوق الحضارة الغربية على الإسلام، قد نسبت إليه زوراً، وإنه «لم يتفوه قط بهذه الكلمات».
كما زرت الولايات المتحدة في نوفمبر 2001 لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي اقتصرت فعالياتها بسبب أحداث 11 - 9 على أسبوع واحد. التقيت خلال تلك الزيارة عدداً من المسؤولين الأميركيين، الذين بدوا في معظمهم على الأقل ممتنين لتصريحاتي التي أدانت بقوة هذه الأحداث. أكدت لهم أن العالم العربي يقف مع بلادهم ضد الإرهاب المخرب والمدمر‏. وقلت إن ما حدث من اعتداءات لم يتم باسم الشعوب العربية والإسلامية أو بتكليف منها. لال زيارتي للولايات المتحدة عقدت عدداً من الاجتماعات مع الجاليات العربية هناك، أولها كان في واشنطن‏. استمعت إلى مشاكلهم المتعددة. ونصحتهم بضرورة وجود صوت عربي يتحدث باسمهم‏. وناقشت ذلك خلال لقائي مع وزير الخارجية الأميركية كولن باول ومع آخرين في الإدارة الأميركية، مؤكداً على أن موضوع التمييز ضد العرب لا يمكن ولا يصح أن يستمر.
- «حوار الحضارات‏، تواصل لا صراع»
الحقيقة أنني خلال المناقشات مع عدد من المسؤولين والمثقفين الغربيين لمست أن بعضهم لا يتفق مع الحملة ضد العرب‏، وأنهم مدركون لخطورة تلك الحملة، ويرون أن العرب يجب أن يردوا عليها‏. وهو ما زاد من عزمي على عقد مؤتمر «حوار الحضارات‏، تواصل لا صراع» بمقر جامعة الدول العربية يومي 26‏ و‏27‏ نوفمبر 2001، بحضور أكثر من 100 مفكر عربي ذوي صلة بالوضع السياسي والثقافي في الدول الغربية‏، يمثلون الدول العربية والجاليات العربية في الدول الأجنبية‏.
لقد ناقش المشاركون على مدى يومي الحوار 40 ورقة عمل مقدمة للمؤتمر، إلى جانب ورقة العمل‏‏ التي أعدتها الأمانة العامة للجامعة العربية بشأن الخطوط العريضة للحوار، وذلك من أجل الخروج بخطة عمل للتحرك السريع ضد الهجمات الغربية على العرب والمسلمين، مع عرض الخطة بالكامل على الحكومات العربية وعرضها كذلك على القمة العربية التي كان مقرراً عقدها في بيروت في مارس (آذار) 2002. وهو ما تم.
وجه البعض انتقادات للمؤتمر، فقال: بدلاً من أن تقوم جامعة الدول العربية بدعوة المفكرين والمثقفين من كافة العالم الإسلامي، باعتبار أن الحوار سيكون بين الحضارة الإسلامية وغيرها من الحضارات، فقد اقتصرت على دعوة مثقفين عرب فقط، وهو ما رددت عليه في حينه بأننا نعمل على تحريك التعاون العربي - العربي والفهم المشترك كمقدمة ضرورية للعمل على إطلاق تعاون عربي - إسلامي للمواجهة المشتركة للتحدي الحضاري القائم.
- باتفاق خاص مع «دار الشروق»
- جميع الحقوق محفوظة



قوات الحكومة اليمنية تضغط على الحوثيين في «باب المندب» وتعز

جندي من القوات الحكومية اليمنية في تعز يطلق النار من رشاش على مواقع الحوثيين (أ.ف.ب)
جندي من القوات الحكومية اليمنية في تعز يطلق النار من رشاش على مواقع الحوثيين (أ.ف.ب)
TT

قوات الحكومة اليمنية تضغط على الحوثيين في «باب المندب» وتعز

جندي من القوات الحكومية اليمنية في تعز يطلق النار من رشاش على مواقع الحوثيين (أ.ف.ب)
جندي من القوات الحكومية اليمنية في تعز يطلق النار من رشاش على مواقع الحوثيين (أ.ف.ب)

اتسعت رقعة المواجهات العسكرية في اليمن، الثلاثاء، مع تجدد المعارك في جبهة باب المندب للضغط على بقايا الجيوب الحوثية، بالتزامن مع استمرار القتال على محاور مدينة تعز، وسط ضربات جوية مكثفة تستهدف مواقع الحوثيين وتعزيزاتهم وخطوط إمدادهم، في وقت تقول فيه القوات الحكومية اليمنية إنها حققت تقدماً في مواقع استراتيجية.

وشهدت جبهة باب المندب، الثلاثاء، مواجهات عنيفة بين القوات الحكومية، بمشاركة «ألوية العمالقة» و«قوات درع الوطن» و«الألوية التهامية»، من جهة، والحوثيين من جهة أخرى، في معارك تستهدف السيطرة على التلال والمواقع المطلة على المضيق الاستراتيجي، بالتزامن مع غارات جوية طالت مواقع للجماعة في محيط مدينة المخا وعلى امتداد الساحل الغربي اليمني.

وأعلنت مصادر عسكرية حكومية السيطرة على تباب استراتيجية في باب المندب، عقب هجوم على مواقع الحوثيين، قالت إنه أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوفهم وفرار آخرين عبر القوارب البحرية. كما تحدثت معلومات أولية عن استهداف زوارق وإمدادات بحرية يُعتقد أن الجماعة تستخدمها لنقل التعزيزات والمعدات إلى مواقعها في محيط المضيق.

معارك مستمرة تخوضها القوات الحكومية اليمنية في جبهات تعز (أ.ف.ب)

تأتي هذه التطورات في ظل مساعٍ حكومية لاستكمال السيطرة على المواقع المحيطة بباب المندب، فيما نفت مصادر عسكرية في «قوات درع الوطن» صحة الأنباء عن سيطرة الحوثيين على جبال كهبوب، مؤكدةً استمرار انتشار قواتها في مطار ذوباب والسلسلة الجبلية المحيطة به.

تقدم ميداني في تعز

في محافظة تعز، تواصلت المواجهات على جبهات المدينة وريفها، وسط غارات جوية استهدفت مواقع وتجمعات وتعزيزات حوثية، بالتزامن مع محاولات للقوات الحكومية والمقاومة الشعبية تحسين مواقعها القتالية ومنع الجماعة من تحقيق اختراقات ميدانية.

وأفادت مصادر عسكرية حكومية بسيطرة القوات على تبة الميدان، الواقعة عند نهاية سلسلة الجبل الأسود، عقب مواجهات عنيفة وإسناد جوي. كما تحدثت مصادر ميدانية عن فرض القوات الحكومية والمقاتلين المحليين سيطرة نارية على منطقتي حدائق الصالح والهنجر، ضمن نطاق خط الضباب.

رغم الزحف الحوثي المتواصل تمكنت قوات الجيش اليمني في مدينة تعز من التصدي للهجمات (أ.ف.ب)

وقال العقيد في الجيش اليمني عبد الباسط البحر إن القوات الحكومية والمقاومة حققت تقدماً في محيط نقطة الهنجر والجبل الأسود، ووصلت إلى مواقع حاكمة مطلة على خط الضباب، حيث بدأت عمليات تمشيط وتثبيت وتأمين المواقع التي جرى التقدم إليها.

في المقابل، واجهت القوات المهاجمة مقاومة شديدة في محيط معسكر المطار القديم ومنطقة مدرات، حيث حالت كثافة النيران والأسلحة الثقيلة دون تحقيق التقدم المطلوب، وفق البحر، الذي أشار إلى سقوط قتلى وجرحى وأسرى في صفوف الحوثيين، وتدمير وإحراق آليات عسكرية.

وعلى جبهتي الشقب والأقروض، دارت مواجهات عنيفة تخللها قصف بالأسلحة المختلفة، فيما قالت مصادر حكومية إن القوات تصدت لهجوم حوثي في الأقروض. وأفاد مكتب شؤون الحصار في تعز بمقتل خمسة مدنيين وإصابة خمسة آخرين، بينهم أطفال، برصاص قناصة الحوثيين في قريتي حمة والدمنة والقرى المجاورة.

عربة عسكرية تابعة للقوات الحكومية في جبهات تعز (أ.ف.ب)

وامتد القصف إلى الأحياء السكنية في محيط المدينة، خصوصاً الجبهتين الشمالية والشمالية الغربية، مع استمرار الاشتباكات المتقطعة. كما أفادت مصادر محلية بوقوع غارات استهدفت محيط مطار تعز ومواقع في مناطق متفرقة من المحافظة، بينها التبة الحمراء وتباب الصالح والخزان والهياج، إلى جانب مواقع وتعزيزات في القريشة جنوبي مدينة التربة.

1276 عملية خلال يوم

في بيان يعكس اتساع نطاق العمليات، أعلن المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، تنفيذ 1276 عملية استهداف خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، ضمن عملية «فجر اليمن»، طالت قدرات عسكرية للحوثيين على مختلف الجبهات والمحاور.

وأوضح النزيلي أن العمليات استهدفت مراكز القيادة والسيطرة، والمواقع الدفاعية ومرابض النيران، والتعزيزات ووسائل النقل والإمداد، ومخازن الأسلحة والذخائر، إضافةً إلى أهداف في العمق قال إنها تهدف إلى الحد من قدرة الجماعة على إدارة عملياتها وإعادة تجميع قواتها.

هجمات الحوثيين على مدينة تعز اصطدمت بمقاومة ضارية في عموم الجبهات المحيطة (أ.ف.ب)

وأضاف أن العمليات أسفرت، وفق الحصيلة العسكرية المعلنة، عن تحييد نحو 382 من قيادات الجماعة وعناصرها، وتدمير أو إعطاب 140 آلية وعربة وقطعة سلاح ثقيل، إلى جانب تدمير مخازن للأسلحة والذخائر.

وأشار إلى استمرار العمليات المتزامنة في جبهات الجوف ومأرب والبيضاء والجبهات الجنوبية والجنوبية الغربية، بهدف استهداف تحركات الحوثيين ومواضعهم الدفاعية وخطوط إمدادهم، والحد من قدرتهم على نقل الاحتياطيات وتركيز قواتهم في محور واحد.

وتزامنت هذه العمليات مع غارات مكثفة في الوازعية والمضاربة وكهبوب ورأس العارة، وفق مصادر عسكرية، فيما نفت مصادر في «قوات درع الوطن» صحة الأنباء عن استعادة الحوثيين مواقع في كهبوب، مؤكدةً استمرار السيطرة الحكومية على مطار ذوباب والمواقع الجبلية المحيطة به.

معاناة المدنيين

بينما تتواصل المواجهات، تتصاعد التحذيرات الحكومية والحقوقية من تداعيات القصف والحصار على المدنيين في تعز. وأدانت وزارة حقوق الإنسان استهداف الأحياء المكتظة بالسكان بقذائف الهاون وصواريخ الكاتيوشا والصواريخ الباليستية، مشيرةً إلى سقوط قذيفة داخل منزل أسرة الناشطة مروة النظاري، في واقعة قالت إنها أثارت حالة من الرعب بين النساء والأطفال.

ودعت الوزارة المجتمع الدولي إلى التحرك لوقف الاعتداءات ورفع الحصار، ومحاسبة المسؤولين عن استهداف المدنيين والأعيان المدنية.

في سياق متصل، وثَّقت «مؤسسة تمكين المرأة اليمنية»، في تقرير بعنوان «وجع الأمهات»، مقتل 107 من النساء والأطفال، بينهم 23 امرأة و84 طفلاً وطفلة، جراء انتهاكات قالت إن الحوثيين ارتكبوها في محافظة تعز خلال الفترة من الأول من أغسطس (آب) إلى 15 أكتوبر (تشرين الأول) 2026.

القوات الحكومية اليمنية تهاجم زحف الحوثيين في محيط مدينة تعز المحاصرة (أ.ف.ب)

وذكر التقرير تسجيل 1321 حالة اقتحام للمنازل، وتهجير 4860 شخصاً، بينهم 1650 امرأة و3210 أطفال، إلى جانب وجود 221630 نازحاً، غالبيتهم من النساء والأطفال، و32 طفلاً تعرضوا للتجنيد الإجباري، فضلاً عن 1056 حالة من الجرائم والانتهاكات المتعلقة بالخدمات الصحية، و246110 أطفال خارج المؤسسات التعليمية.

وفي تحرك سياسي موازٍ، بحث رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني مع رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن باتريك سيمونيه تطورات التصعيد العسكري وتداعياته الإنسانية، بما في ذلك استمرار حصار تعز واستهداف المنشآت المدنية.

ودعا الزنداني المجتمع الدولي إلى الضغط من أجل إنهاء الحصار الحوثي وفتح الطرق أمام حركة المواطنين والإمدادات الإنسانية، مشيراً إلى تخصيص المفوضية الأوروبية 22.5 مليون يورو إضافية للمساعدات الإنسانية في اليمن.


اعتداءات الحوثيين تشرد 270 ألف يمني خلال شهرين

طفل يمني مشرد داخل خيمة في أحد مواقع النزوح القريبة من عدن (أ.ب)
طفل يمني مشرد داخل خيمة في أحد مواقع النزوح القريبة من عدن (أ.ب)
TT

اعتداءات الحوثيين تشرد 270 ألف يمني خلال شهرين

طفل يمني مشرد داخل خيمة في أحد مواقع النزوح القريبة من عدن (أ.ب)
طفل يمني مشرد داخل خيمة في أحد مواقع النزوح القريبة من عدن (أ.ب)

بين مخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة ورحلات بحرية محفوفة بالمخاطر، يجد مئات الآلاف من اليمنيين أنفسهم أمام رحلة نزوح جديدة مع اتساع رقعة التصعيد العسكري الحوثي منذ سبتمبر (أيلول) الماضي، في أزمة تجاوزت آثارها مناطق المواجهات لتضغط على المحافظات المستقبلة للنازحين، وتمتد إلى خارج البلاد، وسط نقص التمويل الإنساني، وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات المتزايدة.

وتكشف بيانات حديثة صادرة عن المنظمة الدولية للهجرة أن أكثر من 270 ألف شخص نزحوا داخل اليمن، معظمهم منذ بداية التصعيد في سبتمبر، فيما امتدت حركة النزوح إلى 62 مديرية في عشر محافظات. وفي موازاة ذلك، وصل 3836 يمنياً إلى جيبوتي حتى منتصف الشهر الحالي، نصفهم تقريباً من الأطفال، بينهم 282 طفلاً دون الخامسة من العمر.

وتعكس هذه الأرقام اتساع حركة الفرار من مناطق المواجهات، خصوصاً في غرب تعز، ولحج، وجنوب الحديدة، حيث اضطرت أسر إلى مغادرة منازلها بحثاً عن الأمان، في وقت لم تعد فيه مناطق الاستقبال قادرة بسهولة على استيعاب الأعداد المتزايدة، وتوفير احتياجاتها الأساسية.

يمنيون نزحوا بسبب هجمات الحوثيين في تعز يتجمعون لتلقي مساعدات غذائية بضواحي عدن (أ.ب)

وفي عدن ارتفع عدد الوافدين من النازحين إلى أكثر من 42 ألف شخص، بما يزيد على ضعف العدد المسجل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، بينما تستضيف محافظة لحج نحو 67 ألف نازح. وتمتد حركة النزوح إلى مناطق أخرى، وصولاً إلى المهرة شرقي البلاد.

ولم تقتصر رحلة الفرار على الطرق البرية؛ إذ لجأت أسر يمنية إلى البحر في محاولة للابتعاد عن مناطق التصعيد. ووصلت بعض القوارب إلى الشاطئ قبل بلوغ وجهتها النهائية بعدما نفد الوقود، في رحلة كشفت عن المخاطر التي تواجه المدنيين وهم يحاولون الوصول إلى مناطق أكثر أمناً.

ومع تزايد الوافدين تواجه الأسر التي تركت منازلها على عجل صعوبات في تأمين المأوى، ومياه الشرب، والرعاية الصحية، والخدمات الأساسية. كما تتضاعف الضغوط على المجتمعات المستضيفة التي تعاني أصلاً محدودية الموارد، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية بوتيرة تفوق إمكانات الاستجابة المتاحة.

اتسعت موجة النزوح جراء هجمات الحوثيين ما فاقم الوضع الإنساني (إعلام محلي)

ولا تنتهي معاناة النازحين بمجرد مغادرة مناطق المواجهات؛ إذ تضطر أسر إلى الإقامة في مبانٍ عامة مكتظة، بينما ينام آخرون في العراء، في ظل نقص مرافق الصرف الصحي، ومحدودية الخدمات الأساسية. وتزيد هذه الظروف من المخاطر التي تواجه الأطفال، والنساء، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة.

نقص التمويل

ويقول عبد الستار عيسويف، رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في اليمن، إن الحجم الكبير لموجة النزوح وسرعتها وضعا الأسر أمام احتياجات ملحّة، في وقت تواجه فيه الفرق الإنسانية صعوبات في مواكبة الطلب المتزايد على المساعدة.

وأوضح أن الفرق تواصل توزيع المساعدات يومياً، لكن نقص التمويل يحد من قدرتها على الوصول إلى جميع المحتاجين، محذراً من أن غياب التمويل العاجل قد يحرم مزيداً من الأسر من مساعدات أساسية قد تكون حاسمة لبقائها.

تدفق مستمر للنازحين من أطراف محافظة لحج (إعلام محلي)

وفقدت 44 ألفاً و736 أسرة استقرارها نتيجة النزوح، ليجد كثير منها صعوبة في الحصول على مياه الشرب النظيفة، والرعاية الصحية، والخدمات الأساسية. ويزيد النقص الحاد في الوقود والارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية والأدوية من أعباء الحياة اليومية، في وقت لم تعد فيه الموارد المتاحة كافية لتلبية الاحتياجات المتزايدة.

وتتفاقم هذه الصعوبات بفعل القيود المفروضة على دخول المنظمات الإنسانية إلى تعز، وهذه القيود تؤدي إلى إبطاء إيصال المساعدات إلى السكان المحتاجين إليها.

وفي مواجهة هذه الاحتياجات، حددت المنظمة الدولية للهجرة فجوة تمويلية تبلغ 30 مليون دولار خلال الأشهر الستة المقبلة. ويهدد هذا النقص قدرتها على توفير المأوى، والمساعدات النقدية الطارئة، والرعاية الصحية، وخدمات الحماية، والمياه النظيفة، والصرف الصحي، فضلاً عن متابعة حركة النزوح، وتحديد احتياجات المتضررين.

مساعدات لا تواكب الاحتياجات

حذّر عيسويف من أن كثيراً من الأسر اضطرت إلى النزوح أكثر من مرة، لتجد نفسها في كل مرة أمام رحلة جديدة للبحث عن مكان آمن، ومساعدة تتيح لها مواصلة الحياة. وشدد على ضرورة وصول الدعم إلى النازحين والمجتمعات المستضيفة معاً، قبل أن تتفاقم الظروف الإنسانية، ويتعرض مزيد من الأرواح للخطر.

ومنذ الأول من أغسطس (آب) عملت المنظمة الدولية للهجرة -بالتعاون مع السلطات المحلية، وشركاء من الأمم المتحدة، والمنظمات المحلية- على الوصول إلى 11 ألفاً و178 أسرة متضررة من الصراع.

اتسعت موجة النزوح جراء هجمات الحوثيين ما فاقم الوضع الإنساني (إعلام محلي)

وشملت المساعدات حقائب المأوى الطارئ، والمواد المنزلية، ومستلزمات المياه، والصرف الصحي، والنظافة الصحية، إلى جانب المساعدات النقدية متعددة الأغراض. كما قدمت المنظمة خدمات الحماية إلى 6757 مهاجراً ونازحاً، وأجرت 56 ألفاً و863 استشارة في مجال الرعاية الصحية الأولية.

ورغم هذه الجهود، لا تزال الاحتياجات أكبر من الموارد المتاحة، مع استمرار النزوح، وتزايد الأعباء على الأسر والمجتمعات المضيفة. وتدعو المنظمة الدولية للهجرة الجهات المانحة إلى زيادة التمويل بصورة عاجلة، لضمان استمرار الاستجابة الإنسانية، وعدم ترك الأسر المتضررة من دون الحد الأدنى من الدعم.


تعز على حافة الجوع بعد تفجير الطرق ومنع الإمدادات

تعز تعاني من نقص كبير في إمدادات الدواء والمستلزمات الطبية جرَّاء الحصار الحوثي (رويترز)
تعز تعاني من نقص كبير في إمدادات الدواء والمستلزمات الطبية جرَّاء الحصار الحوثي (رويترز)
TT

تعز على حافة الجوع بعد تفجير الطرق ومنع الإمدادات

تعز تعاني من نقص كبير في إمدادات الدواء والمستلزمات الطبية جرَّاء الحصار الحوثي (رويترز)
تعز تعاني من نقص كبير في إمدادات الدواء والمستلزمات الطبية جرَّاء الحصار الحوثي (رويترز)

​حذَّرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» من التداعيات الإنسانية الخطيرة لتفجير الجماعة الحوثية أجزاءً من طريق «هيجة العبد»، الذي يربط محافظة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن، معتبرة أن استهداف البنية التحتية الضرورية لبقاء المدنيين قد يرقى إلى جريمة حرب بموجب القانون الدولي الإنساني، في وقت تقترب فيه مخزونات دقيق القمح في مدينة تعز من النفاد.

ويفاقم تعطيل الطريق، الذي يمثل شرياناً رئيسياً لنقل السلع والإمدادات الأساسية إلى المدينة المحاصرة منذ عام 2015، المخاوف من تدهور الأوضاع المعيشية لنحو 600 ألف مدني، يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء ومياه الشرب والوقود والأدوية، وسط تحذيرات أممية من تعذُّر وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين.

الحوثيون أغلقوا آخر طريق رئيسي يربط تعز بمدينة عدن (إعلام محلي)

وذكرت المنظمة، في بيان، أن جماعة الحوثي استخدمت متفجرات في 18 أكتوبر (تشرين الأول)، ما ألحق أضراراً جسيمة بطريق هيجة العبد، محذرة من أن تدميره المتعمد أو تعطيله لفترة طويلة قد يحرم السكان من الإمدادات الضرورية لاستمرار الحياة، ويهدد سلامتهم، فضلاً عن احتمال إلحاق أضرار غير متناسبة بالمدنيين.

وقالت نيكو جعفرنيا، الباحثة المعنية باليمن في المنظمة، إن الهجوم على آخر طريق تجاري لإمداد تعز يزيد المخاطر التي يواجهها السكان الذين يعانون أصلاً نقصاً حاداً في الغذاء والماء والدواء والوقود، محذرة من أن استمرار إغلاقه قد يفاقم الأخطار المحدقة بحياة المدنيين وظروفهم المعيشية.

ولفتت «هيومن رايتس ووتش» إلى وقوع هجوم مماثل على الطريق نفسه مطلع الشهر الحالي، على بُعد نحو 45 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة تعز. ونقلت عن مصادر أن قوات حوثية تسللت إلى طريق هيجة العبد، وزرعت متفجرات في عبَّارة مائية أسفل الطريق، بعد سوق الوهط مباشرة، قبل تفجيرها والانسحاب من الموقع.

طريق بديل لعبور السكان وناقلات البضائع إلى ريف تعز (إعلام محلي)

وتزداد المخاوف من أن يؤدي استمرار تعطيل طرق الإمداد إلى تعقيد وصول الاحتياجات الأساسية إلى مئات الآلاف من السكان، وزيادة الأعباء على الأسر التي تعيش منذ سنوات تحت وطأة الحصار. كما يهدد تراجع تدفق السلع بتفاقم نقص الوقود ومياه الشرب والغذاء والدواء، في وقت تعتمد فيه المدينة على الطرق المتاحة لتأمين احتياجاتها.

وأكدت المنظمة أن استهداف المنشآت والبنية التحتية التي لا غنى عنها لبقاء المدنيين قد يشكل انتهاكاً لقوانين الحرب، وقد يرقى إلى جريمة حرب إذا ثبتت عناصر الجريمة وفقاً للقانون الدولي الإنساني.

نفاد مخزونات القمح

وفي مؤشر على اتساع الأزمة، أفاد برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، بأنه لم يتمكن من الوصول إلى أكثر من 600 ألف شخص في تعز يعتمدون على المساعدات الإنسانية.

وقالت «هيومن رايتس ووتش» إن هذا التطور يثير قلقاً بالغاً؛ خصوصاً أن معظم مديريات المحافظة تقع ضمن مستويات طارئة من انعدام الأمن الغذائي، وفقاً لما أورده البيان.

السكان في تعز يعانون نقصاً شديداً في المياه والغذاء (رويترز)

وحذَّر برنامج الأغذية العالمي من اقتراب مخزونات دقيق القمح في المدينة من النفاد؛ مشيراً إلى أن الإمدادات الغذائية المتبقية في الأسواق المحلية قد لا تكفي سوى فترة قصيرة إذا استمرت القيود المفروضة على الوصول إلى المناطق المتضررة.

وتعكس هذه التحذيرات خطورة استمرار تعطل طرق الإمداد، في وقت يحتاج فيه مئات الآلاف من المدنيين إلى وصول منتظم وآمن للغذاء ومياه الشرب والوقود والأدوية. ويزيد تعطل الطرق من صعوبة إيصال المساعدات والسلع الأساسية إلى السكان، في ظل استمرار الحصار وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات اليومية.

استجابة أممية

في سياق متصل بتداعيات التصعيد الحوثي في تعز وغرب لحج، أطلق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي استجابة سريعة تستهدف دعم التعافي المبكر في المناطق المتأثرة بالنزاع والنزوح، وضمان استمرارية المؤسسات وتعزيز قدرتها على الصمود في المناطق التي تواجه ضغوطاً متزايدة على الخدمات وسبل العيش.

وأوضح البرنامج أن اختيار مسارات التدخل في المواقع المستهدفة قد يتغير مع تطور الظروف، استناداً إلى مؤشرات تشمل التعرض للنزاع، وحجم النزوح، وتعطل الخدمات، وكفاءة عمل المؤسسات المحلية.

الحوثيون يمنعون دخول الوقود إلى مدينة تعز المحاصرة (رويترز)

وخصص البرنامج مليون دولار من موارده الأساسية لدعم فرص العمل الطارئة والتعافي المجتمعي، بالتنسيق مع السلطات المحلية، على أن تشمل التدخلات إعادة تأهيل أصول مجتمعية ذات أولوية في محافظتي عدن ولحج.

ومن المتوقع أن توفر الاستجابة نحو 18 ألف يوم عمل، وتسهم في تحسين 14 كيلومتراً من الطرق، وحماية وإعادة تأهيل 35 هكتاراً من الأراضي الزراعية. وتشمل الأعمال المخطط لها رصف الطرق، وتحسين شبكات التصريف، وإزالة النفايات، والتشجير، وإعادة تأهيل قنوات الري، وحماية الأراضي الزراعية.

وبالتوازي مع هذه المبادرة، قال البرنامج إنه سيعمل على توسيع نطاق تدخلاته، في حدود التفويضات الممنوحة، وإمكانية الوصول والاتفاقيات المبرمة مع الجهات المانحة، لتقديم مزيد من الدعم؛ مشيراً إلى أن الجهود مجتمعة تستهدف الوصول إلى أكثر من مليون يمني.