عمرو موسى: مبارك رفض بقاء عصمت عبد المجيد وأحداث 11 سبتمبر أظهرت المشاعر السلبية تجاهنا

«الشرق الأوسط» تنشر فصولاً من كتابه الجديد «سنوات الجامعة العربية» (2)

عمرو موسى مع الأمير سعود الفيصل
عمرو موسى مع الأمير سعود الفيصل
TT

عمرو موسى: مبارك رفض بقاء عصمت عبد المجيد وأحداث 11 سبتمبر أظهرت المشاعر السلبية تجاهنا

عمرو موسى مع الأمير سعود الفيصل
عمرو موسى مع الأمير سعود الفيصل

في الحلقة الثانية التي تنشرها «الشرق الأوسط» من فصول كتاب الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية عمرو موسى «سنوات الجامعة العربية»، الذي سيصدر قريباً عن «دار الشروق» المصرية، يتحدث موسى عن فترة تسلمه منصب الأمين العام للجامعة خلفاً لعصمت عبد المجيد، وتفاوت وجهة النظر العربية بين بقائه وزيراً للخارجية المصرية وبين تسلمه منصبه الجديد. ويكشف موسى أن عبد المجيد فاتحه برغبته بالبقاء بعد انتهاء ولايته، إلا أن الرئيس المصري السابق حسني مبارك رفض «لأن الجامعة نايمة وح تموت». ويتحدث موسى عن الدعم المادي الخليجي، خصوصاً من السعودية، الذي تلقاه وساعده على إحداث تغيير في الجامعة، بدءاً من مقرها الرئيسي وموظفيها، وصولاً إلى الدور الفاعل في كل القضايا العربية. وكان من أبرز القضايا التي طرأت بعد 4 أشهر من تسلمه منصبه، أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، وما خلفته من تداعيات على العرب والمسلمين والتي أظهرت «المشاعر السلبية تجاهنا»، مستعرضاً مساعيه لمعالجتها بدءاً من اتصالاته وتصريحاته، مروراً بلقاءاته مع المسؤولين الأميركيين، وصولاً إلى تنظيمه مؤتمراً تحت شعار: «حوار الحضارات، تواصل لا صراع».
حدثني الدكتور عصمت عبد المجيد، الأمين العام للجامعة العربية تليفونياً في الأيام الأخيرة من نوفمبر (تشرين الثاني) 2000. طالباً أن نلتقي لنتحدث في بعض الأمور الهامة، ومنها «منصب الأمين العام». فقلت: «وهو كذلك يا سيادة الأمين العام، سوف أزورك في مكتبك قبل نهاية الأسبوع»، وهو ما كان. ذكر الدكتور عصمت أن فترة ولايته على وشك الانقضاء، وأنه لا يزال قادراً على العطاء، وربما يكون من الممكن مدّ فترة الولاية سنة أو سنتين لأنه يعرف أن فترة ثالثة كاملة سوف تقابل بالرفض من عدد من الدول الأعضاء. وعدت بعرض الأمر على الرئيس مبارك، وهو ما فعلت مساء اليوم نفسه، وكان مما قلته للرئيس إنه قد يرى الموافقة ولو لفترة عام يمثل تكريماً، ويمكننا من التوافق على الشخصية المناسبة للمنصب. فكان رده: «قل له كفاية لحد كده... يا راجل دا فيه دول مهمة في الجامعة أبلغتني أن الجامعة نايمة خالص وح تموت». ثم أضاف بشيء من الحدة: «كفاية كدا... ما فيش تجديد».
بعد يومين أبلغت الدكتور عصمت تليفونياً أن هناك صعوبة في تلبية طلبه. تفهّم الرجل بهدوئه المعهود ولم يثر الموضوع مرة أخرى.
في صباح أحد الأيام الشتوية أواخر سنة 2000، وبينما أنا جالس على مائدة مستديرة في مكتبي بوزارة الخارجية أقرأ تقريراً ما، وأستمتع بشمس الشتاء، رن جرس التليفون الرئاسي. كان المتحدث سكرتير الرئيس للمعلومات السفير ماجد عبد الفتاح. بدأ حديثه بأن الرئيس يطلب من الوزير أن يعرض عليه اسماً أو أكثر يصلح أميناً عاماً للجامعة العربية، وأن الوقت أزف لتتقدم مصر باسم مرشحها للمنصب الكبير.
- رسالة مبارك
أردف السفير أنه «بكل صراحة يرى (بيننا وبين بعض) أنه لا أحد يصلح إلا سيادتك، وهو أيضاً رأي الرئيس». أدركت على الفور أنها رسالة من الرئيس مبارك. كان ردي: «شوف يا ماجد... قل للرئيس إنني موافق». لم تأخذ المكالمة أكثر من عدة دقائق. عاد السفير إلى الرئيس بعدها بالحل: الوزير موافق على أن يكون هو المرشح.
أعلنت مصر خبر ترشحي لخلافة عصمت عبد المجيد رسمياً في 15 فبراير 2001. وهو ما أحدث ضجة كبرى في مصر، كما في عدد كبير من العواصم العربية، بل والدولية. أعتقد أن واشنطن وتل أبيب سعدتا بذلك الخبر كثيراً. في مقابل شعور عربي يرى أن بقائي على رأس الخارجية المصرية أنجع وأكثر فائدة للمصالح العربية العليا.
يحكي الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل، وزير خارجية السودان الأسبق، أن العقيد (معمر) القذافي وعمر البشير كانا مجتمعين في الخرطوم ومعهما وزيرا خارجيتيهما - الليبي علي التريكي، والسوداني مصطفى عثمان إسماعيل - وقت الإعلان عن ترشحي رسمياً لمنصب الأمين العام لجامعة العربية. ناقش الرئيسان ذلك الترشيح، ورحبا بهذا الاختيار، لكنهما مع وزيري الخارجية كانوا قلقين بالنسبة لشخص وزير الخارجية القادم في القاهرة. وذكر مصطفى عثمان للقذافي والبشير أن «مصلحة العرب والمنطقة تستدعي أن يبقى عمرو موسى وزيراً لخارجية مصر».
- الدعم السعودي والخليجي
من ناحية أخرى، أبدى لي وزير خارجية السعودية الأمير سعود الفيصل أن المملكة تؤيد عمرو موسى أينما كان وزيراً للخارجية أو أميناً عاماً للجامعة العربية، وأنني سوف ألقى منهم كل الدعم اللازم. أذكر أنني أثرت مع الأمير سعود الوضع المالي للجامعة الموشك على الإفلاس، وأنه من المهم دعمي بصفتي الأمين العام الجديد بما يمكنني من الحركة وإصلاح مؤسسة العمل العربي المشترك. وعد بالعرض على الأمير عبد الله بن عبد العزيز، ولي العهد آنذاك، مع دعمه وتأييده لهذا الطلب.
كنت أرى أن الجامعة قابلة للإصلاح، إذا أديرت إدارة حديثة، ووجدت الأموال اللازمة كي يشعر موظفوها بالأمان؛ ومن ثم يعطون أفضل ما لديهم. وبالفعل قمت بجولة في دول الخليج خرجت منها بوعود على أعلى المستويات بأنهم سوف يقدمون الأموال اللازمة في صورة دعم خاص للجامعة، بخلاف حصة كل دولة في الميزانية، مع تمكيني من التصرف فيها كما أريد، ثقة منهم في قدرة الإدارة الجديدة في الجامعة على دفع العمل العربي المشترك قدماً للأمام.
وبالفعل قرر الأمير عبد الله، ولي عهد السعودية آنذاك، دفع ستة ملايين دولار، وقرر السلطان قابوس سلطان عمان دفع ثلاثة ملايين دولار، وقرر الأمير حمد آل ثاني، أمير قطر، تقديم ثلاثة ملايين دولار، والصندوق العربي للتنمية في الكويت مليون دولار تخصص لتحديث الاتصالات في الأمانة العامة، وبعث إلي الشيخ حمدان بن زايد وزير الخارجية الإماراتية آنذاك بمبلغ مليون دولار اعتبرته تمهيداً لمبلغ أكبر في إطار ما يكنه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رئيس الدولة، من إيمان بالجامعة العربية، ورغبته - رحمه الله - في دعم عمرو موسى، كما ذكر لي شخصياً.
- اليوم الأول في مقر الجامعة
في التاسعة والنصف من صباح 16 مايو (أيار) 2001 خرجت من بيتي وكانت سيارة الأمين العام في انتظاري. كانت سيارة قديمة ومتهالكة. لفت نظري رفع علم الجامعة العربية عليها. طلبت من الحارس إزالة العلم؛ فليس هناك ما يدعو لأن أسير في شوارع القاهرة بسيارة يرفرف عليها علم. قبيل العاشرة وصلت مقر الجامعة العربية في أول يوم لي أميناً عاماً لها. قصدت أول ما قصدت مكتب الأمين العام في الطابق الأول، ومعي السفير سمير سيف اليزل، وهو شخصية تنفيذية جيدة، انتدبته معي من وزارة الخارجية للإشراف على الشؤون المالية والإدارية بالجامعة. جلست أولاً في صالون المكتب، هالني أن الأنوار في الطابق كله خافتة، ودهانات الحوائط أكل عليها الزمان وشرب! قلت لسيف اليزل هذا المنظر يجب أن يتغير على الفور. افتحوا النوافذ، ادهنوا الحوائط بألوان فاتحة، واجعلوا الإضاءة زاهية كي لا تشجع على النوم!
كدت أجن عندما وقعت عيني على أسلاك التليفونات التي كان بعضها في الهواء أو على الحوائط. قلت إذا كان هذا المنظر في مكتب الأمين العام، فما بالنا ببقية المكاتب؟! طلبت حضور مدير الشؤون الإدارية. قلت له: هذا المنظر لا أراه في الغد. قال الرجل: «حاضر يا فندم... لكن امنحنا وقتاً لأن الأمر مرتبط بمصلحة التليفونات». قلت: عندك إلى نهاية الأسبوع، مفيش حاجة اسمها أسلاك في الهوا وتحت الشبابيك وتحت السجاجيد وعلى الحوائط... الكلام ده ما يمشيش... فاهم؟ قال لي: حاضر. استغرق تغيير هذا الوضع أسبوعين، ولكنه تغيّر بالفعل.
على صعيد تطوير مبنى الأمانة العامة للجامعة العربية عرضت المملكة المغربية تطوير قاعة من قاعات الجامعة، وتم ذلك بالفعل على الطراز المعماري المغربي الجميل، وطورت الصين قاعة ثانية هدية لي شخصياً. ثم غيرنا من ترتيب جلوس الوفود في القاعات، فكان يبدأ بالياء وينتهي بالألف، فأصدرت أوامري بأن يبدأ بالعكس، فكل وفد يدخل يجد نفسه جالساً في غير المكان الذي اعتاده لعشرات السنين. أجريت ذلك كله لإحداث الشعور بأن هناك وضعاً جديداً في الجامعة - على الأقل من حيث الشكل - يبدأ من مكان الجلوس، ولون الحوائط وفتح الأبواب والنوافذ المغلقة... إلخ.
- فريق العمل بالجامعة
اقتناعي كان راسخاً بأنه لا تطوير لمنظومة العمل العربي المشترك دون تطوير الكادر البشري من العاملين في الجامعة العربية والمؤسسات التابعة لها. بدأت ألتقي العاملين في شكل مجموعات، كل مجموعة تضم خمسة أو ستة أفراد لفرز من يمكن الاعتماد عليهم. من ضمن من قابلت ابنة الدكتور أحمد فتحي سرور، وكان رئيساً لمجلس الشعب وقتها. سألتها: أنت متعلمة فين؟ قالت: في مدرسة «المير دي ديو» la Mère de Dieu الفرنسية. لكنها قالت إنها نسيت اللغة الفرنسية، إذ لم تستخدمها منذ أن تخرجت.
قلت لها: هذا أول وآخر لقاء معك... اذهبي إلى المركز الثقافي الفرنسي وتعالي بعد ثلاثة أشهر تستعيدين فيها اللغة. إذا رجعت من دون شهادة إجادة الفرنسية لا مكان لك في الجامعة العربية. ذهبت تشتكي لوالدها، فقال لها: ما قاله لك عمرو موسى هو عين العقل. يجب أن تستعيدي لغتك. ووبخها. وقد كان، وعادت بعد أن استعادت قدرتها على التواصل بالفرنسية، وأصبحت مديرة لإدارة، مجدة ومجيدة في عملها.
خلال أول شهرين من اللقاءات مع العاملين اخترت منهم نحو 30 فرداً يمكن الاستثمار فيهم والاعتماد عليهم. وبدأت أكلفهم بمهام، وجدت أن تعليمهم راقٍ ولديهم الاستعداد للتطوير والعمل. كانوا لا يقلون في المستوى عن العاملين في أي منظمة أخرى... فقط يحتاجون التوجيه والثقة.
- أحداث 11 سبتمبر 2001
نحو أربعة أشهر فقط مرت على تسلمي مهام منصبي أميناً عاماً للجامعة العربية، عندما تعرضت الولايات المتحدة الأميركية لهجمات 11 سبتمبر سنة 2001. وبينما أنا منهمك في إعادة هيكلة الأمانة العامة للجامعة لتتواكب مع النقلة النوعية التي أنشدها للعمل العربي المشترك، حدثت تلك الفاجعة المروعة ذات الآثار السياسية المدمرة.
كنت في مكتبي بمقر الأمانة العامة للجامعة العربية يوم 11 سبتمبر 2001 عندما دخل أحد مساعدي مسرعاً في حدود الثالثة و10 دقائق بعد ظهر القاهرة (8:10 صباحاً بتوقيت نيويورك): سيادة الأمين العام... سيادة الأمين العام... أرجوك افتح التلفزيون. الولايات المتحدة تتعرض لهجوم جوي.
على الفور فتحت محطة CNN وإذا بها تبث صورة لطائرة تصطدم بأحد برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، وتحدث فجوة كبيرة في الواجهة، وتنتشر سحابة دخان ضخمة من الطوابق العليا. لم تمر سوى 4 دقائق فقط على فتح التلفزيون وإذ بنا نفاجأ بطائرة ثانية تصطدم بوسط البرج الثاني من مركز التجارة العالمي وتحدث انفجاراً قوياً. قلت: يا إلهي... ما هذه الحرب التي تبث على الهواء مباشرة!! إنها أميركا... القوة الجبارة في العالم... أيعقل أن نظامها الأمني هش إلى هذه الدرجة؟!
- من فعلها يا ترى؟
دعوت إلى اجتماع فوري لعدد من المستشارين والمساعدين، وتحدثت إلى وزير الخارجية المصرية، أحمد ماهر السيد. تحدثت تليفونياً إلى عدد من وزراء الخارجية العرب وكان منهم وزير الخارجية السوري فاروق الشرع، الذي كان بالفعل مقدراً لخطورة الموقف، وتعّدى الأحداث في ذاتها إلى التفكير في عواقبها، ومن ثم بدأ مسار من التشاور بيننا فيما يجب أن نقوم به في الإطار العربي، وأخطرته بأنني أفكر جدياً في عمل تقوم به الجامعة العربية إعداداً واستشرافاً لردود الفعل على هذا الحدث الجلل.
عندما بدأت التقارير التي تبثها وكالات الأنباء وتذيعها القنوات الأميركية تشير إلى الاشتباه في تورط عرب في تلك الهجمات، قلت لزملائي: هذا ما كنت أتحسب له... ينتظرنا عمل شاق وطويل قد يستغرق سنوات، بعد أن أصبح العرب ودينهم الرئيسي (الإسلام) في موضع الاتهام.
طلبت من المساعدين المتابعة الدقيقة وموافاتي بالتطورات، وانهمكت في اتصالاتي مع قادة ووزراء عرب، بعضها تم بناء على طلبي، وبعضها تم بناء على طلبهم. في اليوم الثاني والثالث تلقيت طلبات من قنوات تلفزيونية أميركية للتعليق على الأحداث... الجامعة العربية مدعوة للتعليق على عدوان مواطنين عرب على مدن الولايات المتحدة... ذكر المستشارون أنه يجب تجنب الحديث في العلن باسم الجامعة العربية قبل اجتماع مجلسها على أعلى مستوى ممكن، وذكر آخرون أن التلفزيون الأميركي يحاول توريط الجامعة... إلخ.
لكنني كنت عازماً على الرد على الاتهامات التي تطال كل العرب وكل المسلمين، ووجدتها فرصة لا يصح إضاعتها لتأكيد دور الجامعة العربية باعتبارها متحدثاً باسم الدول العربية في مثل تلك الظروف، فوافقت على لقاء أكثر من برنامج، منها لقاء محطة NBC التي كانت أول المحطات الأميركية التي وصلت القاهرة.
قبل اللقاء أجريت عدداً من الاتصالات بالوزراء العرب وكذلك بالسفراء العرب المعتمدين لدى الجامعة وأخطرتهم بأنني سوف أتحدث إلى وسائل الإعلام العالمية فوراً، للتنديد بالحدث الإرهابي، ولتعزية الولايات المتحدة، ولإعلان رفض أي علاقة لهذه الحفنة من الأفراد المنحرفين المتهمين بالضلوع في الجريمة بمسار السياسة أو الدبلوماسية أو العلاقات العربية مع الولايات المتحدة، وأن الخلافات لا تحل هكذا.
- هجمة شرسة على العرب والمسلمين
تعرض المسلمون، وبخاصة العرب منهم في الولايات المتحدة وبعض دول أوروبا في أعقاب أحداث 11 سبتمبر لموجة شرسة من الاضطهاد والتمييز، باعتبار أن أصابع الاتهام وجهت ضد عرب يدينون بالإسلام في الضلوع في تنفيذها. والحق أن التربة الأميركية والغربية كانت في تلك الأثناء - وما زالت - خصبة لمشاعر العداء والكراهية للمسلمين والعرب، وجاءت هذه الأحداث، لتمثل الذروة في التعبير عن هذه المشاعر السلبية تجاهنا. واستناداً إلى جريمة كانت بالفعل شنيعة.
أذكر أن رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق سيلفيو برلسكوني صرح في أعقاب أحداث 11 - 9 من برلين أن «الحضارة الغربية تفوق الثقافة الإسلامية، وأنه ليس للإسلام بصمات على الحضارة العالمية»، وهو ما رددت عليه حينئذ بمنتهى القوة؛ فقلت إن تصريحات رئيس الوزراء الإيطالي «تجاوزت حدود العقل... لا نعتقد أن هناك حضارة متفوقة، وإذا كان قد قال ذلك الكلام فهو مخطئ تماماً، وعليه أن يعتذر»، وهي التصريحات التي نقلتها عني وكالات الأنباء وأشارت إليها كبريات الصحف العالمية.
وبالفعل تراجع برلسكوني عن تلك التصريحات العنصرية، فبعد أن قال في البداية، إن فهمه أسيئ، وإن كلماته أخرجت عن السياق، اجتمع مع سفراء دول إسلامية ودبلوماسيين كبار، وقال لهم إن التصريحات المثيرة للجدل، التي زعم فيها تفوق الحضارة الغربية على الإسلام، قد نسبت إليه زوراً، وإنه «لم يتفوه قط بهذه الكلمات».
كما زرت الولايات المتحدة في نوفمبر 2001 لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي اقتصرت فعالياتها بسبب أحداث 11 - 9 على أسبوع واحد. التقيت خلال تلك الزيارة عدداً من المسؤولين الأميركيين، الذين بدوا في معظمهم على الأقل ممتنين لتصريحاتي التي أدانت بقوة هذه الأحداث. أكدت لهم أن العالم العربي يقف مع بلادهم ضد الإرهاب المخرب والمدمر‏. وقلت إن ما حدث من اعتداءات لم يتم باسم الشعوب العربية والإسلامية أو بتكليف منها. لال زيارتي للولايات المتحدة عقدت عدداً من الاجتماعات مع الجاليات العربية هناك، أولها كان في واشنطن‏. استمعت إلى مشاكلهم المتعددة. ونصحتهم بضرورة وجود صوت عربي يتحدث باسمهم‏. وناقشت ذلك خلال لقائي مع وزير الخارجية الأميركية كولن باول ومع آخرين في الإدارة الأميركية، مؤكداً على أن موضوع التمييز ضد العرب لا يمكن ولا يصح أن يستمر.
- «حوار الحضارات‏، تواصل لا صراع»
الحقيقة أنني خلال المناقشات مع عدد من المسؤولين والمثقفين الغربيين لمست أن بعضهم لا يتفق مع الحملة ضد العرب‏، وأنهم مدركون لخطورة تلك الحملة، ويرون أن العرب يجب أن يردوا عليها‏. وهو ما زاد من عزمي على عقد مؤتمر «حوار الحضارات‏، تواصل لا صراع» بمقر جامعة الدول العربية يومي 26‏ و‏27‏ نوفمبر 2001، بحضور أكثر من 100 مفكر عربي ذوي صلة بالوضع السياسي والثقافي في الدول الغربية‏، يمثلون الدول العربية والجاليات العربية في الدول الأجنبية‏.
لقد ناقش المشاركون على مدى يومي الحوار 40 ورقة عمل مقدمة للمؤتمر، إلى جانب ورقة العمل‏‏ التي أعدتها الأمانة العامة للجامعة العربية بشأن الخطوط العريضة للحوار، وذلك من أجل الخروج بخطة عمل للتحرك السريع ضد الهجمات الغربية على العرب والمسلمين، مع عرض الخطة بالكامل على الحكومات العربية وعرضها كذلك على القمة العربية التي كان مقرراً عقدها في بيروت في مارس (آذار) 2002. وهو ما تم.
وجه البعض انتقادات للمؤتمر، فقال: بدلاً من أن تقوم جامعة الدول العربية بدعوة المفكرين والمثقفين من كافة العالم الإسلامي، باعتبار أن الحوار سيكون بين الحضارة الإسلامية وغيرها من الحضارات، فقد اقتصرت على دعوة مثقفين عرب فقط، وهو ما رددت عليه في حينه بأننا نعمل على تحريك التعاون العربي - العربي والفهم المشترك كمقدمة ضرورية للعمل على إطلاق تعاون عربي - إسلامي للمواجهة المشتركة للتحدي الحضاري القائم.
- باتفاق خاص مع «دار الشروق»
- جميع الحقوق محفوظة



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.