«التّوجّه»... فلسفة ألمانية جديدة لأجل عالم لا ثوابت فيه

تسعى إلى فتح آفاق أمام تفكير الأفراد بدلاً من البحث عن حقائق كليّة

فيرنر ستيغماير
فيرنر ستيغماير
TT

«التّوجّه»... فلسفة ألمانية جديدة لأجل عالم لا ثوابت فيه

فيرنر ستيغماير
فيرنر ستيغماير

لقد تغيّر العالم كثيراً خلال وقت قصير. وعلى نحو دراماتيكي وجدت البشريّة نفسها بلا أسلحة نظريّة ولا ثوابت فكريّة أو طرائق عمل ذات قيمة فعليّة في مواجهة كارثة وباء «كوفيد - 19» وما يترّتب عليها. ولكن أين الفلسفة من هذا كلّه؟ ولماذا رغم كل الأموال التي تصرف على أكاديميات محبي الحكمة وكتبهم ومجلاتهم لم نجد - في وقت الأزمة - فلاسفة قادرين على توجيهنا للتعامل مع تقلبات الزّمن؟
الواقع أن الفلسفة المعاصرة ربّما كانت تستعد لمثل هذه التحوّلات بتمهّل، وكتب أحد المفكرين قبل سنوات قليلة تصوراته عن شكل العالم تالياً، معتبراً أن ساعة منتصف ليل البشريّة ستكون مع نهاية العقد الحالي، قبل أن تتدّخل «كورونا»، وتُعيد لخبطة جميع الأوراق. لكنها وكما انتهت إليه هذه الأيّام على يد الأكاديميّات الغربيّة أصبحت أكثر ارتباكاً وغموضاً من حالها في أي وقت مضى، وانقسمت إلى مجالات غير مترابطة: في مكان ما تسعى الآن إلى وضع معايير محددة للدّقة أو العدالة أو الحقيقة، وفي مكان آخر تعمل على معالجة قضايا نظرية أو عملية موغلة في التخصص، أو هي في بقيّة الأماكن لا تزيد عن اجترار مدرسي، وإعادة مضغ للتراث الفلسفي المتراكم منذ «جمهوريّة» أفلاطون، وعلى العموم باتت أشبه بمظلّة عريضة تجمع بين شلل متعارضة يمكن التنقل بينها دون تأزّم فكري، واسماً جليلاً عتيقاً أشبه بسيارة كلاسيكيّة لا قيمة فعليّة لها في الحياة اليوميّة سوى ما تثيره من ذكريات نوستالجيّة عن ماض كان أكثر تعقلاً من لحظتنا الرّاهنة.
وهكذا فلسنا وحدنا فقدنا الاتجاه في هذا العالم الذي نعيش، بل الفلسفة أيضاً أضاعت بوصلتها ولم تقدم للبشريّة في هذا المنعطف، ولو نظرة عامة أوليّة أو قليلاً من اليقين، مستقيلة من دورها الأساس - كبحث في أساسيات الوجود والتفكير والعمل - واستخلاص النتائج واقتراح توجهات حول كيفية تعاملنا بشكل أفضل مع عالم يتغير بلا هوادة، في الحياة اليومية وكذلك العلوم البحتة والإنسانية. وإذا كان ثمّة من يُلام على هذا التخلّي فلن يكون سوى الجامعات الغربيّة (الأنغلوفونيّة) ومنهجية التعليم فيها التي أُخضعت بالكامل للآيديولوجيا السياسيّة المهيمنة، ودفعت بالفلسفة إلى ركن عاجي للانشغال بقضايا نظريّة محضة دون أي تماس مع الواقع.
ومع ذلك، فإنّ هنالك أخباراً بارقة تأتي من ألمانيا - مهد الفلسفة الغربيّة قبل أن تنتقل مفاتيحها إلى خارج البرّ الأوروبي - وذلك بتشكّل مدرسة جديدة تطرح أفكاراً مثيرة للاهتمام بشأن الصيغة التي يمكن فيها للفرد - غير المتخصص - الاستفادة من الفلسفة في تحديد توجهات بشأن علاقته الشخصيّة بالعالم حوله في ظلّ أجواء انعدام اليقين واستحالة توقّع المستقبل بأي درجة مقبولة من الدّقة. ويطلق على هذه المدرسة اسم «فلسفة التوجه»، وهي تتمحور بشكل خاص حول أعمال البروفسور والفيلسوف الألماني المعاصر فيرنر ستيغماير (مواليد 1946)، لا سيّما بعد صدور كتابه «التوجّه: تحقيق فلسفيّ»، بالألمانيّة: «Philosophie der Orientierung»، عام 2008 لحظة الأزمة الماليّة العالميّة، مثيراً بعضاً من الجدل المتخصص في بلاده حصراً، إذ تجاهله العالم الأنغلوفوني لعقد تقريباً، ولم تتعاط بأفكاره الأكاديميّات قبل أن يكتشفه مايك هودجز، وهو مالك شركة لإدارة الاستثمارات والمضاربة الماليّة، الذي كلّف راينهارد مولر - صديق له من أصول ألمانيّة حاصل على دكتوراه بالفلسفة - بنقل الكتاب إلى الإنجليزيّة، وأسس وقفيّة خاصّة تتولى نشر أفكار ستيغماير في الولايات المتحدة وعبر البلاد الأنغلوفونيّة. وللحقيقة فإن النسخة الإنجليزيّة التي نشرتها الوقفيّة، وأُنجزت بتعاون وثيق مع المؤلّف لضمان ضبط المصطلح الفلسفي بين اللغتين جاءت تحديثاً مفيداً للنص الأصلي، فأزيلت منه الشروحات الأكاديميّة وبعض الموضوعات المتعلقة بحيثيّات ألمانيّة محليّة الطابع، كما الحواشي والقوائم وأسماء المراجع الألمانيّة العديدة، فيما أضيفت مقدّمة جديدة وفصول مستجدّة عن مسائل لم تعالجها نسخة 2008 كالرقمنة والعولمة، ليقترب الكتاب بالفعل من هدفه الأساس: عدّة عمل لتنوير القارئ العادي ومساعدته على التفكير في «توجهاته»، ومنحه القدرة على مواكبة العصر والقوة لاتخاذ القرارات في ظروف جديدة على الإطلاق على نحو يسمح بالاستمرار في طريق ما، أقلّه لبعض الوقت لحين يصبح اتخاذ توجهات مغايرة ضرورياً.
«التّوجه» في هذا السّياق أبعد ما يكون عن تمرين ترفٍ فكري - بل هو عمليّة تتحدى الفرد، وتدفعه للتفكير مليّاً في إيجاد مسارات عبر ظروف الحياة الإنسانيّة ليس فقط لناحية اليوميّات، ولكن أيضاً لأن البقاء في عالمنا الشديد التقلّب بات يعتمد وبشكل متزايد على حسن «التوجّه» الذي نتخذه.
إذا كان كل توجه هو في النهاية اختيار بين مسارات ممكنة تحت ظروف حالة معينة، خاصة أو اجتماعية، أو حتى عالمية، فإن «فلسفة التوجه» تتطلب دائماً من الفرد لتعظيم تلك المسارات حسماً مبكراً في تحديد المصطلحات وضبط المفاهيم كنقطة انطلاق لكل طريقة مجدية للتفكير أو التحدث أو التصرّف. وهي لذلك تعيد تعريف الدّور الذي ينبغي للفلسفة أن تلعبه اليوم عبر تقديمها للأفراد غير المتخصصين فرزاً وإعادة نظر في مجمل النتاج الفلسفي المتراكم وتعريفاً بقيمته التطبيقيّة، بالترافق مع إعادة توجيه بوصلة الممارسة الفلسفيّة - وبالتعاون مع العلوم - بعيداً عن المسائل المغرقة في التجريد بحثاً عن الكوني والنهائي والخالد إلى ساحة إعانة الأفراد على إدارة موضعهم من العالم، ومنحهم الأدوات للتعاطي مع المؤقت والعابر والمتغيّر، وتحسين قدرتهم على اتخاذ القرارات في أجواء عدم التيقّن الغالبة، ومن ثمّ التحقيق في كيفية تجلي توجهات الأفراد في الحياة الاجتماعية سلوكيّات: أي في تفاعلاتهم مع التغيّرات واتصالاتهم بالآخرين وفي نظم الاجتماع الوظيفية، مثل الاقتصاد والإعلام والسياسة والقانون والعلوم والفن والدين، ومحاولة القبض على الكيفيّة التي تكتسب فيها تلك التوجهات أهمية معنوية وأخلاقية، وكيف تتأثر بالظواهر المستجدة للعولمة والرّقمنة، وأسرار علاقتها بالميتافيزيقيا، ودائماً دون توقع أسباب أو مبررات أو تقييمات عالمية سرمديّة الطابع.
ولا شكّ بالطبع من أن منهج «فلسفة التوجه» هذا ليس مبتكراً بالمطلق - إذ لا يمكن بالفعل ابتداع فلسفة جديدة تماماً. فـ«التوجهات - وفق ستيغماير - هي دائماً نوع من إعادة التوجيه». وعلى نحو خاص، «فإن فلسفة التوجه» قريبة بشكل خاص من أفكار الفرنسي بليز باسكال (1623 - 1662) الذي أعرب مبكراً وبشكل لافت للنظر عن الحاجة إلى «التّوجه»، كما مباحث الألماني إيمانويل كانت (1724 - 1804) الذي وضع تلك الحاجة في خضم فلسفته النقدّية للعقل المحض، ومجادلات فريدريك نيتشه (1844 - 1900) قبل أن يكتسب المفهوم أول تشكلّ حقيقي له في المدرسة البراغماتية الأميركية - لا سيّما أعمال وليام جيمس (1842 - 1910) - في فضاءات التجريبية والنفعية، وبعيداً عن الحلول اللّفظية، والافتراضات المسبقة، والمبادئ الثابتة، والنظم المغلقة، والالتصاق المرضي بالمُطلَقات والأصول.
من خلال تأكيدها على فرديّة وزمانية التّوجه الإنساني، توسّع «فلسفة التوجه» آفاق التحقيق الفلسفي أمام تفكير الأفراد وتصرفاتهم في العالم، وبدلاً من إهدار أعمارهم القصيرة في البحث عن حقائق كليّة، تمنحهم الهدوء اللازم لتقييم الوقائع والأخبار الكاذبة معاً، لتكون المهمّة باستمرار أمامهم الاختيار بينهما. هذه القدرة على الاختيار تحرر توجهاتنا نحو آفاق جديدة من التفكير والسلوك وطرائق العيش قد تساعدنا على مواكبة تحولات الأزمنة. فـ«سعادة المكتشفين العظماء في سعيهم لليقين يمكن أن تتحول الآن إلى حبور بالعثور على عدم اليقين والمغامرة في كل مكان»، كما كتب نيتشه يوماً في دفتر ملاحظاته.



إكسسوارات منزلية مصرية تستلهم «روح رمضان»

معلقات مبهجة من «ميدو - أرت» (الشرق الأوسط)
معلقات مبهجة من «ميدو - أرت» (الشرق الأوسط)
TT

إكسسوارات منزلية مصرية تستلهم «روح رمضان»

معلقات مبهجة من «ميدو - أرت» (الشرق الأوسط)
معلقات مبهجة من «ميدو - أرت» (الشرق الأوسط)

في شهر رمضان تتغير ملامح الكثير من البيوت المصرية؛ فتسودها أجواء احتفالية خاصة بالشهر المبارك؛ فلا تكتفي المساحات الداخلية بإضاءة الفوانيس أو تعليق الزينات التقليدية، إذ تستعيد روح التراث في تفاصيل دافئة من خلال إكسسوارات منزلية تجمع بين الفلكلور الشعبي والتصميم المعاصر.

وفي رمضان 2026 برزت مجموعة من الفنانين والحرفيين المصريين الذين حولوا الإكسسوارات المنزلية إلى أعمال فنية صغيرة تحمل روح الذاكرة المصرية خلال الشهر الكريم، وفي الوقت نفسه تتوفر بأسعار اقتصادية غير مكلفة.

ومن اللافت أنه في السنوات الأخيرة اتسعت دائرة الإبداع في هذا المجال؛ فلم تعد الإكسسوارات الرمضانية مجرد عناصر تزيين وحسب، بل أصبحت تعكس فلسفة تصميم متكاملة، تسعى إلى استحضار أجواء الشهر الكريم داخل البيت، مع الحفاظ على روح عصرية تناسب الذائقة الحديثة، مانحة البيوت حالة من النوستالجيا الممزوجة بالفخامة الهادئة.

ومن بين التجارب اللافتة في هذا المجال تجربة الفنانة إسراء مجدي التي أطلقت مع زوجها الفنان محمد عادل علامة متخصصة في الإكسسوارات المنزلية قبل نحو عشرة أعوام، تحت اسم «ورشة ميدو آرت».

مجموعة الليلة الكبيرة لورشة «ميدو - أرت» (الشرق الأوسط)

وقد نجحت العلامة خلال تلك السنوات في تقديم مجموعات رمضانية متجددة، تعتمد على المزج بين الخامات التقليدية والابتكار الفني في التصميم.

تقول إسراء مجدي لـ«الشرق الأوسط»: «إن شهر رمضان يمثل بالنسبة لنا مصدر إلهام متجدد لا ينضب».

وتشير إلى أن «كل موسم يحمل أفكاراً جديدة تتولد من روح الشهر نفسه؛ لذلك نحرص على تقديم مجموعة مختلفة كل عام، سواء من حيث الألوان أو الخامات أو طبيعة المنتجات».

وتضيف أن «العمل في هذا المجال بدأ من شغف فني قبل أن يتحول إلى مشروع متكامل؛ إذ يجمع الفريق بين خلفيات تعليمية مختلفة، من التجارة والصيدلة إلى خريجي كليات الفنون الجميلة والتربية الفنية؛ مما أتاح مساحة واسعة للتجريب والإبداع».

مزهرية على شكل بلاص ريفي من ورشة «ميدو - أرت» (الشرق الأوسط)

وتوضح أن «روح رمضان تسمح بابتكار الكثير من التفاصيل التي تضفي على البيت لمسة شرقية أنيقة».

ومن أبرز ما قدمته الورشة في مجموعاتها الأخيرة المعلقات الجدارية وأطباق الديكور المصنوعة من الفخار، التي استلهمت أشكالها من أوانٍ تقليدية عرفها المصريون قديماً مثل «القلة» و«البلاص» و«الزير». وتعلو هذه القطع نقوش ورسوم مستوحاة من البيئة المصرية، بعضها يعكس أجواء أوبريت «الليلة الكبيرة»، وبعضها يستحضر مشاهد رمضانية من الريف المصري أو من المدن القديمة.

كنفاني العتبة عمل للفنان أحمد الفايد (مركز تهادوا)

وترى إسراء مجدي أن «لكل قطعة روحها الخاصة؛ فالتعامل معها لا يتم بوصفها مجرد منتج تجاري، بل كعمل فني يحمل شخصية مستقلة».

ولا يقتصر الاهتمام بالإكسسوارات الرمضانية على الجدران أو أركان صالة الاستقبال، بل تمتد العناية بها إلى غرفة الطعام التي تمثل قلب الاحتفال اليومي بالشهر الكريم.

فقد تحولت المائدة الرمضانية بدورها إلى مساحة للتعبير عن أجواء رمضان؛ حيث تتجاور المفارش الخاصة بالشهر مع الفوانيس الصغيرة والمصابيح المتدلية، بينما تزين الجدران مجسمات الهلال والنجوم وأضواء خافتة تضفي على المكان أجواء روحانية.

وفي هذا السياق، برزت علامة «أوريكا» التي رفعت هذا العام شعار أن «مائدة رمضان لا تكتمل إلا بلمسة من الطبيعة والأصالة».

وانطلاقاً من هذا المفهوم قدمت العلامة مجموعة من الأطباق والمشغولات المصنوعة من خشب الزيتون الطبيعي، وهو خشب يتميز بعروقه الفريدة التي لا تتكرر في قطعتين؛ ما يمنح كل قطعة طابعاً خاصاً.

وتجمع هذه القطع بين فخامة التراث وبساطة التصميم المعاصر؛ إذ صنعت بالكامل من خامات طبيعية آمنة للاستخدام في تقديم الطعام.

تصميم عصري للفانوس من خشب الزيتون الطبيعي (صفحة أوريكا على فيسبوك)

وضمت المجموعة أطباقاً متعددة الاستخدامات للسلطات والمقبلات والشوربة، فضلاً عن قطع صغيرة للسحور يمكن استخدامها لتقديم الفول والبيض والجبن.

كما حملت بعض الأطباق زخارف محفورة بفن الخط العربي، تضمنت كلمات وعبارات تعكس روحانيات الشهر الفضيل؛ الأمر الذي يضفى على المائدة بعداً جمالياً وثقافياً في آنٍ واحد.

وتشير العلامة إلى أن كل قطعة صنعت يدوياً بعناية؛ لتمنح البيت دفئاً خاصاً يعكس قيمة الحرف اليدوية في زمن الإنتاج الصناعي السريع.

ولم يغب فانوس رمضان عن هذه التشكيلات، إذ قدمت «أوريكا» تصاميم جديدة للفانوس يتميز بطابعه البسيط والأنيق، ما يجعله مناسباً للديكورات المعاصرة، في حين يحتفظ في الوقت نفسه بدلالته الرمزية.

ومن بين القطع التي عادت بقوة إلى المشهد هذا العام «الطبلية»، تلك المائدة الدائرية المنخفضة التي كانت في الماضي جزءاً أساسياً من الحياة اليومية في البيوت المصرية، خصوصاً في الريف، حيث كانت تجمع أفراد الأسرة حولها أثناء تناول الطعام.

ومع مرور الوقت تراجعت الطبلية أمام موائد الطعام الحديثة، لكنها عادت مؤخراً كعنصر ديكوري يحمل قيمة رمزية مرتبطة بفكرة «لمة العائلة».

وقد قدم أحد المصانع المصرية «أنتيك» تصميماً معاصراً للطبلية للمرة الأولى، يقوم على فكرة الطبلية القابلة للطي بأرجل يمكن فكها وتركيبها بسهولة.

ويتيح هذا التصميم استخدام القطعة خلال رمضان كمائدة إفطار أو سحور تجمع أفراد الأسرة، ثم تحويلها بعد ذلك إلى طاولة قهوة عصرية يمكن وضعها في غرفة المعيشة.

وفي الإسكندرية، قدم مركز «تهادوا» مجموعة لافتة من المجسمات الرمضانية المصغرة من تصميم الفنان أحمد الفايد، تضمنت نماذج لعربة الفول التقليدية ومتجر الكنافة اليدوية، إضافة إلى مبانٍ قديمة تستحضر أجواء المدن المصرية العتيقة.

طبلية رمضان (حساب مصنع أنتيك على فيسبوك)

ويقول الفايد لـ«الشرق الأوسط»: «إن هذه الأعمال استُلهمت من مشاهد الحياة اليومية في الأحياء القديمة، حيث تختلط الروائح والأصوات والأنوار في ليالي رمضان، وقد حاول إعادة تقديم هذه الأجواء في شكل قطع صغيرة تصلح كإكسسوارات منزلية، تحمل في تفاصيلها روح مصر الشعبية».

ويضيف أن «هذه المجسمات لاقت إقبالاً لافتاً من الجمهور، بما في ذلك فئة الشباب الذين ربما لم يعيشوا بعض تلك التفاصيل في حياتهم اليومية، لكنها جذبتهم بفضل طابعها الفلكلوري وتصميمها الذي يستحضر ملامح (مصر زمان)».

ويرى الفايد أن «هذا النوع من الأعمال لا يقتصر على الجانب الجمالي فحسب، بل يمنح أيضاً إحساساً بالطمأنينة والحنين إلى زمن أبسط وأكثر دفئاً».


«فرقة رضا» تسدل الستار على احتفالات ليالي رمضان بمصر

عروض متنوعة قدمتها فرقة رضا (وزارة الثقافة المصرية)
عروض متنوعة قدمتها فرقة رضا (وزارة الثقافة المصرية)
TT

«فرقة رضا» تسدل الستار على احتفالات ليالي رمضان بمصر

عروض متنوعة قدمتها فرقة رضا (وزارة الثقافة المصرية)
عروض متنوعة قدمتها فرقة رضا (وزارة الثقافة المصرية)

بعروضها الشهيرة مثل «الأقصر بلدنا» و«الحجالة» و«الكرنبة» و«النوبة» ورقصة التنورة، اختتمت فرقة رضا للفنون الشعبية ليالي «هل هلالك» التي نظَّمها قطاع المسرح بوزارة الثقافة المصرية على مدى أسبوعين، الخميس، وسط حضور جماهيري حاشد وتفاعل لافت مع التابلوهات الراقصة والاستعراضات والأغاني.

ونظَّمت وزارة الثقافة المصرية برنامج الاحتفالات الرمضاني «هل هلالك» للسنة العاشرة على التوالي بساحة الهناجر في دار الأوبرا المصرية خلال الفترة من 28 فبراير (شباط) الماضي إلى 13 مارس (آذار) الحالي، متضمناً كثيراً من الفقرات وفرق الغناء والموسيقى والفنون الشعبية، بالإضافة إلى عرض العرائس «الليلة الكبيرة».

وأحيت حفل الليلة الختامية، الجمعة، فرقة «رضا للفنون الشعبية»، التي تعدُّ من أعرق الفرق الفنية التابعة للبيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية، وقدَّمت مجموعةً من أشهر استعراضاتها التي اشتهرت بها طوال تاريخها الفني، من روائع رائد الفن الشعبي في مصر، الفنان محمود رضا، وأنغام الموسيقار علي إسماعيل.

جانب من عروض فرقة رضا (وزارة الثقافة المصرية)

وتأسَّست فرقة رضا للفنون الشعبية في نهاية الخمسينات من القرن الماضي على يد مصمم الرقصات محمود رضا وشقيقه المؤلف الموسيقي علي رضا، والفنانة الاستعراضية فريدة فهمي بعد رحيل الفنانة نعيمة عاكف التي كانت ضمن الفرقة في البداية. وفي عام 1961 تمَّ ضم الفرقة إلى وزارة الثقافة، وقام على إدارتها محمود وعلي رضا، وشاركت في كثير من المهرجانات حول العالم. واستوحى محمود رضا رقصات واستعراضات الفرقة من فنون الريف والساحل والصعيد والفنون المصرية القديمة ليقدِّم مدرسةً خاصةً في الرقص الشعبي نالت شهرةً لافتةً في مصر والوطن العربي.

كما شاركت الفرقة في أكثر من عمل سينمائي بالتمثيل والرقصات والأغاني منذ الستينات وحتى نهاية السبعينات، من بينها أفلام «وا إسلاماه» و«المراهق الكبير» و«أجازة نص السنة» و«غرام في الكرنك» و«حرامي الورقة».

رقصة التنورة ضمن عروض فرقة رضا (وزارة الثقافة المصرية)

ويرى الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين أن «اختيار فرقة رضا للفنون الشعبية لختام حفلات (هل هلالك) الرمضانية موفق للغاية، لما تتمتع به الفرقة من شهرة اكتسبتها أساساً من قربها من الناس ونقل الفنون الشعبية من الدلتا والصعيد وكل أنحاء مصر إلى خشبة المسرح».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «أوبريت (الأقصر بلدنا) واحد من أهم أعمال فرقة رضا على مدار 65 سنة، وهو أيقونة في كلماته وألحانه واستعراضاته، وحتى اليوم حين نرى هذا الاستعراض في التلفزيون ينتبه له الجميع، ودائماً يطلبه الجمهور من فرقة رضا، فهو عاشق لهذا الأوبريت تحديداً».

وشهد ختام برنامج «هل هلالك» حضوراً جماهيرياً حاشداً لأوبريت «الليلة الكبيرة» الذي عُرض يومياً على مدى أسبوعين، من أشعار صلاح جاهين وألحان سيد مكاوي، ويعدّ أيقونة لمسرح العرائس بالبيت الفني للمسرح.

وكانت احتفاليات رمضان ضمن برنامج «هل هلالك» استضافت كثيراً من الفرق الفنية ونجوم الطرب، مثل الفنانين ماهر محمود والدكتور أحمد الكحلاوي «مداح الرسول»، وفرقة «راحة الأرواح»، و«الفرقة القومية للفنون الشعبية»، وفرقة «أنغام الشباب»، كما تغنَّت شعبة الإنشاد الديني بالفرقة القومية للموسيقى الشعبية بأشهر الأغاني الدينية يوم الأربعاء11 مارس.

وشارك في الفعاليات أيضاً عدد من الفرق الفنية التي حقَّقت نجاحاً لافتاً فى الفترة الماضية، مثل فرقة «التنورة التراثية» وفرقة «طبلة الست» وفرقة «هنغني»، وفرقة «بورسعيد للفنون الشعبية».


مسلسلات رمضان... ملاذ اللبنانيين للهروب من كوابيس الحرب

تيم حسن يسرق انتباه المُشاهد في «مولانا» (إنستغرام)
تيم حسن يسرق انتباه المُشاهد في «مولانا» (إنستغرام)
TT

مسلسلات رمضان... ملاذ اللبنانيين للهروب من كوابيس الحرب

تيم حسن يسرق انتباه المُشاهد في «مولانا» (إنستغرام)
تيم حسن يسرق انتباه المُشاهد في «مولانا» (إنستغرام)

في ظلّ حرب قاسية تلفّ لبنان، يبحث المرء عمّا يُنسيه شبحها الذي يلاحقه. فنشرات الأخبار من جهة، والتقارير الصحافية من جهة أخرى، تفرض متابعتها. وإذا ما حاول الإفلات من الشاشة الصغيرة، فإن الإشعارات القصيرة التي يتلقّاها عبر هاتفه تُعيده إلى الأمر الواقع.

فئة لا يُستهان بها من اللبنانيين تجد في الدراما الرمضانية ملاذها للهروب من تداعيات الحرب وأخبارها، فتلجأ إليها في لحظات التوتّر لتخفيف ضغط إنذارات القصف المُتتابعة.

يُحلّق المُتفرّج مع قصي خولي وكاريس بشار في مسلسل «بخمس أرواح» إلى عالم من الإثارة، وينتقل عبر «مولانا» إلى فضاء درامي مشوّق بقيادة المخرج سامر البرقاوي وبطولة تيم حسن. ومع مسلسلات مثل: «المحافظة 15»، و«بالحرام»، و«لوبي الغرام»، و«الست موناليزا»، و«على قد الحبّ» وغيرها، يجد المُشاهد برّ أمان ولو لساعات قليلة.

«المحافظة 15» من المسلسلات التي يتشوّق لبنانيون لمتابعتها (إنستغرام)

أحاديث اللبنانيين في زمن الحرب يطغى عليها الخوف والتحليلات السياسية. والجملة التي يردّدونها كثيراً، «شو بعرّفني؟»، تُشكّل بداية هذه الأحاديث ونهايتها؛ إذ لا يجدون بصيص أمل يتّكئون عليه لاستحضار طاقة رجاء، فلا حلول تلوح في الأفق.

من هنا، وجد المُتفرّج في الأعمال الرمضانية فسحة أمل. فهي، على عكس الحرب، تحمل نهايات واضحة. فالحلقات التي يتابعونها على مدى 30 يوماً تصل في النهاية إلى نقطة مُنتظرة. لذلك يشاهدونها صباحاً أو بعد الإفطار والسحور، آملين في لحظات راحة تبعد عنهم أجواء الحرب.

تقول لمياء، المقيمة في مدينة طرابلس، إنّ الأعمال الرمضانية أنقذتها من حالة اكتئاب حادّة كانت ستصيبها. وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «في بداية الحرب كنتُ أتابع الأخبار دقيقة بعد أخرى، ثم لاحظتُ أنّ حالتي النفسية تتدهور بسرعة. قرّرتُ النأي بنفسي والتحوّل إلى متابعة الدراما الرمضانية. معها أجد استراحة بين جولة قصف وأخرى. فإذا انتهيتُ من حلقة من (مولانا) وكانت وتيرة الحرب لا تزال مرتفعة، أبحثُ عن دقائق راحة أخرى مع (بخمس أرواح). وعندما يشتدّ الأمر ويصبح هدير الطيران الحربي مسموعاً أكثر، أشاهد مسلسلاً آخر، حتى لو لم أكن قد تابعته منذ البداية».

«بخمس أرواح» ومتعة متابعة الثنائي قصي خولي وكاريس بشار (إنستغرام)

وما تقوله السيدة الطرابلسية ينطبق أيضاً على نايلة التي تسكن في منطقة بصاليم. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «لا أدري كيف كنتُ سأواجه هذه الأيام الثقيلة من دون مسلسلات. أجدها العلاج الوحيد للتوتّر والأرق اللذَين يصيبانني إثر قصف منطقة أو أخرى. أجلس في صالة الجلوس، أقرمش رقائق البطاطا وأتابع مسلسلاً». وتضيف: «أحياناً، عندما ننعم بساعات هدوء حذر، ألهي نفسي بأعمال المطبخ. لكن المسلسلات وحدها قادرة على أخذي في رحلة حالمة أنسى معها كلّ ما يحيط بي».

لغز اكتشاف ابنة «جود» في «بالحرام» يُحيّر متابعيه (إنستغرام)

ويلجأ بعض اللبنانيين إلى الزيارات القصيرة للجيران لتسجيل نزهة خاطفة خارج المنزل. وفي أحيان أخرى، يتجمّعون في غرف آمنة ليتسلّوا بورق اللعب. لكن منى معيقل، من منطقة الأشرفية، تقول لـ«الشرق الأوسط»: «الحرب تشلّ حركتي وتجعلني أتسمّر أمام الشاشة الصغيرة. هذه المرة، وبفضل الشهر الكريم، حظينا بنعمة الدراما الرمضانية. فهي تُسلّينا وتُنسينا أجواء الحرب، لا سيما أنّ غالبيتها تحمل موضوعات جميلة. وبصراحة لم أعد أهتمّ بموعد انتهاء هذه الحرب الشعواء ومَن سيربح أو يخسر فيها. أشغلُ نفسي بفكّ ألغاز تطرحها مسلسلات عدة، بينها اكتشاف من ستكون ابنة (جود) في مسلسل (بالحرام)».

وتختم: «أحياناً أتعمَّد تفويت بعض الحلقات لأجمعها معاً. وعندما أشاهد 3 حلقات أو أكثر دفعة واحدة، أشعر كأنني حجزت لنفسي موعداً طويلاً يبعدني عن أخبار الحرب لساعات. كأنني أتناول طبق حلوى يسيل له اللعاب كلّما فكّرت به».