«كورونا المستجد»... فرضيات علمية ومعلومات مضللة

سلالاته في بريطانيا نشأت من 3 دول أوروبية

«كورونا المستجد»... فرضيات علمية ومعلومات مضللة
TT

«كورونا المستجد»... فرضيات علمية ومعلومات مضللة

«كورونا المستجد»... فرضيات علمية ومعلومات مضللة

رغم طرح العلماء لفرضيات علمية عن ظهور فيروس «كورونا المستجد»، فقد نتجت عن جائحة «كوفيد-19» معلومات مضللة ونظريات مؤامرة حول حجم الوباء وأصل المرض والوقاية منه وتشخيصه وعلاجه. وانتشرت معلومات كاذبة بهدف التضليل المتعمد عبر وسائل التواصل الاجتماعي والرسائل النصية ووسائل الإعلام. كما وردت أنباء عن أن الفيروس انتشر من خلال عمليات سرية تدعمها الدول لإثارة الذعر لزرع الشكوك في البلدان الأخرى.
أصل الفيروس
ظهر «كوفيد-19» في أواخر عام 2019 في ووهان في الصين. ويرتبط جينوم كثير من حزمات الفيروس المعزولة منه منذ وقت مبكر عند اندلاع الوباء في ووهان ارتباطاً وثيقاً بواقع أن الفيروس ظهر مؤخراً في البشر، إذ يختلف جينوم «كوفيد-19» بشكلٍ كافٍ عن جميع فيروسات «كورونا» المعروفة. وهذا ما يدحض مزاعم أن جائحة فيروس كورونا نشأت عن طريق الإطلاق المتعمد أو العرضي لفيروس معروف، ويجعل من غير المحتمل أن يكون الفيروس قد نشأ عن طريق إنتاجه صناعياً في المختبر.ويرتبط فيروس كورونا المستجد ارتباطاً وثيقاً بفيروسات الخفافيش التاجية من الصين. ولكن حتى أقرب هذه الفيروسات تكون متباينة للغاية. ويعد تغيير الجينوم فيه بطيئاً، في مقابل معظم فيروسات RNA (فيروسات مركبة من الحمض النووي الريبوزي)، ولكن مع ذلك تظهر الطفرات التي يمكن استخدامها لتتبع انتشار الفيروس وتطوره. ويعد الجين الفيروسي الأكثر تنوعاً فيها هو الجين الذي يضع الرموز لبروتين «الأشواك»، وهو البروتين الذي يلعب دور الوسيط في ارتباط الفيروس بالخلايا الحية والدخول إليها. وهذا البروتين يمثل أيضاً المادة التي تستهدفها الأجسام المضادة لتحييد الفيروس، وهو يؤدي أيضاً إلى حدوث استجابة قوية من الخلايا التائية لجهاز المناعة.
تشير نتائج جديدة متعددة إلى أن طفرة واحدة قرب بداية الوباء أحدثت فرقًا كبيرا ، حيث ساعدت الفيروس على الانتشار بسهولة أكبر من شخص إلى آخر وجعل وقف الوباء أكثر صعوبة.
وتم اكتشاف الطفرة ، المعروفة باسم 614G ، لأول مرة في شرق الصين في يناير (كانون الثاني) الماضي ثم انتشرت بسرعة في جميع أنحاء أوروبا ومدينة نيويورك. في غضون أشهر ، سيطر المتغير على معظم العالم ، مما أدى إلى إزاحة المتغيرات الأخرى.

دحض نظريات المؤامرة
يقول جيفري سميث، الباحث في قسم علم الأمراض بجامعة كمبريدج البريطانية المؤلف الرئيسي للدراسة المنشورة في17 سبتمبر (أيلول) 2020 في دورية «The Royal Society»، إن تسلسل الجينوم الكامل لا يسمح لنا بمعرفة إصابة شخص ما بالعدوى فحسب، ولكن أيضاً تحديد سلالة الفيروس بدقة، ومن ثم معرفة مصدر العدوى المحتمل. كما يسمح لنا بتتبع سلالات الفيروس التي أصبحت مسيطرة، والتي قد تتكاثر أو تنتقل بشكل أكثر كفاءة.
ويضيف الباحث أنه تم الإبلاغ عن تلك النتائج في مراجعة سريعة للأدلة المنشورة المطبوعة مسبقاً على جينوم فيروس كورونا التي أجرتها مجموعة «مهام العلم في حالات الطوارئ: كوفيد-19» ( SET - C Science in Emergencies Tasking: COVID-19) التابعة للجمعية الملكية البريطانية. كما يفضح التحليل أيضاً الخرافات حول الأصل المحتمل للفيروس الذي يسبب «كوفيد-19».
ويخلص إلى أن الجينوم مختلف بشكلٍ كافٍ عن جميع فيروسات كورونا المعروفة لدحض تأكيد أن الجائحة نشأت عن طريق الإطلاق المتعمد أو العرضي لفيروس معروف، مما يجعل من غير المحتمل أن يكون الفيروس قد نشأ عن طريق إنتاجه صناعياً في المختبر. واستنتجت المراجعة أن أصل الفيروس كان من المحتمل أن يكون مباشرة من الخفافيش أو عن طريق مضيف ثديي وسيط غير معروف. وأضاف سميث عدم وجود شيء أو أدلة قوية على الأساطير التي ينشرها أصحاب نظريات المؤامرة، فمن المفهوم أنه عندما يظهر فيروس جديد، ستكون هناك تكهنات حول أصوله، لكن الوتيرة التي طور بها المجتمع العلمي العالمي فهمنا لعلم الوراثة لـفيروس كورونا كانت مذهلة. وقد سمح لنا ذلك بتتبع انتشاره، وتطوير الاختبارات التشخيصية واللقاحات المؤهلة.
وسمح لنا كذلك بكشف زيف بعض نظريات المؤامرة الأكثر غنى بالألوان. فقد أظهر تحليل جينوم الفيروس أيضاً أنه من منتصف فبراير (شباط) إلى منتصف مارس (آذار)، نشأت الغالبية العظمى من سلالات الفيروس في المملكة المتحدة من 3 دول أوروبية: إسبانيا (34 في المائة)، وفرنسا (29 في المائة)، وإيطاليا (14 في المائة)، عن طريق المسافرين القادمين منها، بينما في المقابل كانت نسبة المشتق من الصين أقل من 1 في المائة.
فرضيات مضللة
> شبكات الجيل الخامس. هناك مزاعم عن وجود صلة بين فيروس كورونا وشبكات الهاتف المحمول «جي 5» الجديدة، وهي تدعي أن تفشي الوباء في ووهان وفي سفينة «دايموند برنسيس» السياحية نتج بشكل مباشر عن المجالات الكهرومغناطيسية، وعن طريق إدخال «جي 5» والتقنيات اللاسلكية. وفي مارس (آذار) 2020، زعم توماس كوان من «المجلس الطبي» في كاليفورنيا أن «كوفيد-19» ناجم عن شبكة «جي-5»، وذلك بناءً على الادعاءات بأن البلدان الأفريقية لم تتأثر بشكل كبير بالوباء لعدم نشر الشبكة فيها.
وزعم كوان كذلك زوراً أن الفيروسات كانت نفايات من الخلايا التي تم تسميمها بواسطة الحقول الكهرومغناطيسية، لكن كثيراً من الباحثين دحضوها. وأكد البروفسور ستيف بويس، المدير الطبي الوطني لهيئة الخدمات الصحية الوطنية بإنجلترا، إلى عدم إمكانية انتقال الفيروسات عن طريق موجات الراديو. فقد انتشر «كوفيد-19»، واستمر في الانتشار في كثير من البلدان التي ليس لديها شبكات «جي 5». وأضاف أن صحة المواطنين في البلدان المتقدمة، مع وجود شبكات «جي 5»، أفضل من صحة المواطنين من البلدان الأقل تقدماً والفقيرة التي لا توجد فيها.
* المقاومة على أساس العرق. كانت هناك ادعاءات بأن أعراق معينة أكثر أو أقل عرضة للإصابة بــ«كوفيد-19»، حيث إنه مرض حيواني جديد، لذا لم يكن لدى السكان الوقت الكافي لتطوير مناعة السكان. ولا يوجد دليل يشير إلى أن الأفارقة أكثر مقاومة للفيروس. وهناك مزاعم عن ما سمي «مناعة هندية»؛ أي أن الشعب الهندي يتمتع بقدر أكبر من المناعة ضد فيروس «كوفيد-19» بسبب الظروف المعيشية في الهند، وهو ما عده أناند كريشنان، الأستاذ في مركز الطب المجتمعي التابع لمعهد عموم الهند للعلوم الطبية (AIIMS)، مجرد «هراء مطلق». وقال إنه لا توجد مناعة سكانية ضد فيروس «كوفيد-19» حتى الآن لأنه جديد، وليس من الواضح حتى ما إذا كان الأشخاص الذين تعافوا منه سيكون لديهم مناعة دائمة.
ومن ناحية أخرى، شنت هجمات معادية للأجانب مرتبطة بــ«كوفيد-19» ضد أفراد على أساس العرق، وتعرض الأشخاص الذين يُنظر إليهم على أنهم صينيين لاعتداءات لفظية وجسدية مرتبطة بــ«كوفيد-19» في كثير من البلدان الأخرى، غالباً من قبل الأشخاص الذين يتهمونهم بنقل الفيروس، في حين ألقت الحكومة الصينية باللوم على الحالات المستمرة في إعادة إدخال الفيروس من الخارج. وفي الهند، تم إلقاء اللوم على المسلمين على نطاق واسع ونبذهم، والتمييز ضدهم أدى إلى بعض الهجمات العنيفة، وسط مزاعم لا أساس لها تدعي أن المسلمين ينشرون الفيروس عمداً.
علاجات من دون برهان
> علاجات البرد والإنفلونزا. فقد طرحت ادعاءات بأن الأسبرين ومضادات الهيستامين ورذاذ الأنف هي علاجات لـ«كوفيد-19»، لكن لا توجد أي دراسة تؤكد تلك الادعاءات. كما انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي مخاوف من أن الإيبوبروفين يزيد من شدة الإصابة بفيروس كورونا، لكن وكالة الأدوية الأوروبية ومنظمة الصحة العالمية أوصت مرضى «كوفيد-19» بالاستمرار في تناول الإيبوبروفين حسب التوجيهات، مشيرين إلى عدم وجود أدلة مقنعة على أي خطر.
> الشفاء الروحي. ادعى كينيث كوبلاند، الكاتب التلفزيوني الأميركي في تكساس، على قناة فيكتوري، خلال برنامج بعنوان «الوقوف ضد فيروس كورونا»، أنه يمكنه علاج مشاهدي التلفزيون من «كوفيد-19» مباشرة من استوديو التلفزيون، وكان على المشاهدين أن يلمسوا شاشة التلفاز ليحصلوا على الشفاء الروحي.
وأخيراً، وفي إطار جهود مكافحة التضليل، ذكرت منظمة الصحة العالمية (WHO)، منذ فبراير (شباط) الماضي 2020، أن هناك كماً هائلاً من المعلومات الخاطئة حول الفيروس التي «تجعل من الصعب على الناس العثور على مصادر موثوقة، وإرشادات موثوقة، عندما يكونون بحاجة إليها». وصرحت المنظمة بأن الطلب الكبير على المعلومات الموثوقة في الوقت المناسب قد حفز إنشاء خط ساخن مباشر لدحض تلك المعلومات، تابع لمنظمة الصحة العالمية، يعمل على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، حيث تقوم فرق الاتصال ووسائل التواصل الاجتماعي برصد المعلومات المضللة، والاستجابة لها من خلال موقعها على الويب وصفحات وسائل التواصل الاجتماعي.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

جهاز بالذكاء الاصطناعي «يستمع» إلى النباتات ويترجم ما «تقوله»

جهاز بالذكاء الاصطناعي «يستمع» إلى النباتات ويترجم ما «تقوله»
TT

جهاز بالذكاء الاصطناعي «يستمع» إلى النباتات ويترجم ما «تقوله»

جهاز بالذكاء الاصطناعي «يستمع» إلى النباتات ويترجم ما «تقوله»

لو كانت النباتات قادرة على الكلام، لربما ساعدتنا في فهم الظروف البيئية بشكل أفضل. وقد صُمم جهاز استشعار جديد لتحقيق هذه الغاية، إذ إنه يوظف الذكاء الاصطناعي للاستماع إلى «لغة» النباتات وترجمتها إلى بيانات يمكن للبشر فهمها، كما كتب هانتر شوارتز(*).

رصد الإشارات الكهربائية للنباتات

يحمل الجهاز اسم «باد» Bud، وهو من إنتاج شركة «إلكتريك بلانت» Electric Plant Co.، ويتميز بكونه خفيف الوزن ومنخفض التكلفة، ويُثبَّت على النباتات عبر مسبارين. ويعمل الجهاز على رصد وتفسير الإشارات الكهربائية التي تنتجها النباتات بشكل طبيعي. ويتم تثبيت الجهاز بواسطة برغيين من الفولاذ المقاوم للصدأ، ويمكن استخدامه مع النباتات التي لا يقل سمك ساقها عن بوصة واحدة (نحو 2.5 سم). وعند استخدامه مع الأشجار، يكون الجهاز حساساً بما يكفي للوصول إلى طبقة «الكامبيوم» التي تفصل بين اللحاء والخشب.

جمع بيانات عن «حالات الإجهاد»

وكما هو الحال لدى جميع الكائنات الحية، تنتج النباتات كهرباء؛ وتوضح الشركة أنه من خلال تتبع وفك شيفرة الإشارات الكهربائية التي تطلقها النباتات استجابةً للمؤثرات البيئية، يمكن للجهاز جمع بيانات حول ظروف مثل مستوى الرطوبة وحالة الإجهاد. وفي حديثه لمجلة «فاست كومباني»، يصف جاستن ماست المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة «إلكتريك بلانت»، الجهاز بأنه أشبه بـ«وحدة ربط».

يقول ماست: «النبات في حد ذاته هو التكنولوجيا المتطورة؛ فالنباتات والأشجار تمتلك ملايين المستقبلات الدقيقة التي تعالج المعلومات حول العالم المحيط بها، ثم تنسق الكثير من استجاباتها «البدنية» عبر إشارات كهروكيميائية. وهذا بالضبط ما نحاول الوصول إليه والاستماع إليه».

ترجمة احتياجات النباتات

وهناك شركات أخرى تعمل أيضاً على ترجمة احتياجات النباتات إلى لغة مفهومة، منها شركة «فيفنت بايوسيجنالز» Vivent Biosignals السويسرية المتخصصة في ذكاء النباتات، والتي تستخدم الذكاء الاصطناعي أيضاً، حيث أعلنت في يوليو (تموز) الماضي أنها نجحت في تجاوز حاجز مليوني يوم من مراقبة النباتات. كما عرض مؤسس شركة ناشئة بريطانية تُدعى «سمارتي بلانتس» Smarty Plants - والتي تنتج مستشعرات تُغرس في تربة نباتات الزينة المنزلية - منتجه خلال إحدى حلقات برنامج واقعي للأعمال على شبكة «بي بي سي» بُث الشهر الماضي. وقد كشفت شركة «إلكتريك بلانت» عن وجودها - بعد فترة من العمل في الخفاء - يوم الثلاثاء، معلنةً عن حصولها على تمويل أولي بقيمة 11.2 مليون دولار.

ذكاء اصطناعي ببنك بيانات نباتية

يعتمد نموذج الذكاء الاصطناعي الخاص بالشركة الذي يحمل اسم «بومباديل» Bombadil، على بيانات مستمدة من أكثر من 4 ملايين ساعة من الإشارات الكهربائية، جُمعت من أكثر من 1400 نبات تنتمي إلى 100 نوع مختلف، بدءاً من نباتات الزينة المنزلية والطماطم، وصولاً إلى أشجار التفاح واللوز والبلوط.

يقوم هذا النموذج بتحليل الإشارات الكهربائية للنبات لاستخلاص سبعة مؤشرات للإجهاد الفسيولوجي - مثل كفاءة عمل «نظام التمثيل الضوئي» أو فارق درجات الحرارة بين الأوراق والهواء المحيط - وتحويلها إلى رؤى دقيقة حول حالة النبات. وفي ظل عالم يشهد ارتفاعاً في درجات الحرارة، وتزايداً في تكاليف مستلزمات الزراعة كالأسمدة، توفر هذه التقنية إمكانية تحقيق زراعة أكثر كفاءة مع معدلات نجاح أعلى.

لنباتات الزينة والزراعة والغابات

يوضح «ماست»، الذي كان أسس أيضاً شركة «بلومسكيب» Bloomscape المتخصصة في توصيل نباتات الزينة مباشرة للمستهلكين، أنه أدرك من خلال عمله هناك مدى صعوبة تحديد احتياجات النباتات في أي لحظة، إذ يعتمد الأمر على عوامل متعددة، مثل كمية ضوء الشمس التي يتلقاها النبات، والموقع الجغرافي، وحجم النبات، وما إذا كان موجوداً بالقرب من مصدر حراري (مثل جهاز التدفئة).

ويقول «ماست»: «الأمر يعتمد كلياً على السياق»، وينطبق هذا أيضاً على مجالي الغابات والزراعة، ويضيف: «حتى في تلك المجالات، ورغم وجود خبراء يتمتعون بمهارات عالية، يظل من الصعب للغاية توسيع نطاق هذا النوع من الرعاية والفهم العميق لاحتياجات النباتات». فالتغييرات في عوامل مثل استمرار جداول الري أو العناصر الغذائية قد تستغرق أسابيع أو أشهراً لتظهر آثارها بشكل مرئي، لذا يَعِد نظام «إلكتريك بلانت» بتوفير معرفة أسرع، مما يفتح آفاقاً جديدة لتحسين العمليات الزراعية.

ويختتم «ماست» قائلاً: «في جوهر الأمر يتعلق الأمر بالوصول إلى (اللغة الداخلية) التي تجري عبر النباتات والأشجار، لنتمكن من فهم تجربتها في هذا العالم بشكل أفضل، ومعرفة الطريقة المثلى لرعايتها».

* مجلة «فاست كومباني».


من أين تأتي أمراض المناعة الذاتية؟

من أين تأتي أمراض المناعة الذاتية؟
TT

من أين تأتي أمراض المناعة الذاتية؟

من أين تأتي أمراض المناعة الذاتية؟

لا تملك عملية التطور أهدافاً، بل تقدم نتائج فحسب، فالانتقاء الطبيعي الدارويني لا يصيغ الكائنات لتصبح «أفضل» أو «أرقى» بمعيار موضوعي مطلق، بل يشكّلها لكي تنجح في بيئتها وزمانها الراهنين. وما قد يكون مفيداً في بيئة أو حقبة زمنية معينة، قد يتحول إلى مصدر ضرر في سياق آخر. ويرى بعض العلماء أن هذه الحقيقة التطورية قد تساعد في تفسير أصول أمراض المناعة الذاتية لدى البشر، كما كتب ديفيد كوامن(*).

أمراض المناعة الذاتية

تعد أمراض المناعة الذاتية autoimmune diseases ظاهرة غامضة نوعاً ما، لكنها ليست نادرة على الإطلاق؛ إذ تشمل التصلب المتعدد multiple sclerosis، والتهاب المفاصل الروماتويدي rheumatoid arthritis، والسكري من النوع الأول Type 1 diabetes، والذئبة lupus، وداء كرون Crohn’s disease، والصدفية psoriasis، إلى جانب أكثر من 100 مرض آخر. وتتراوح حدة هذه الأمراض بين التسبب في معاناة شديدة، أو مجرد شعور بعدم الراحة والإزعاج، وصولاً إلى حالات قد تكون قاتلة. أما القاسم المشترك بين هذه الحالات فهو أن خلايا الجهاز المناعي لدى الشخص تبدأ -لأسباب لا تزال غير واضحة- بمهاجمة أنسجة الجسم وأعضائه، بدلاً من الاكتفاء بالدفاع عنه ضد الغزاة الخارجيين كالفيروسات والبكتيريا.

نحو 15 مليون أميركي مصاب بها

تشير التقديرات إلى أن أمراض المناعة الذاتية تصيب نحو 15 مليون شخص في الولايات المتحدة، وما بين 5 في المائة و10 في المائة من سكان الدول الصناعية، في حين تقل نسبتها في الدول النامية. وتتجه هذه الأرقام نحو الارتفاع، ربما بسبب عوامل بيئية -مثل النظام الغذائي والملوثات- التي تلعب دوراً في تحفيز ظهور هذه الأمراض. ومع ذلك، تلعب العوامل الوراثية دوراً مهماً أيضاً؛ وهنا كشفت الأبحاث في السنوات الأخيرة عن نمط مثير للاهتمام.

مجموعات جينية كانت ذات فائدة يوماً ما... تصبح عبئاً

قد تنشأ أمراض المناعة الذاتية، جزئياً، نتيجةً لعمل جينات أو مجموعات جينية كانت ذات فائدة في مراحل سابقة من التاريخ البشري، لكنها أصبحت تشكل عبئاً أو ضرراً في الوقت الحاضر. وبشكل أكثر تحديداً، وجد العلماء أدلة على حدوث انتخاب طبيعي لمتغيرات جينية معينة خلال العصر البرونزي -الذي بدأ قبل نحو 5000 عام واستمر لألفي عام- حيث قد تزيد هذه المتغيرات ذاتها من خطر الإصابة بأمراض المناعة الذاتية لدى الأشخاص الذين يحملونها اليوم.

ويُطلق على هذه التأثيرات المتناقضة مصطلح «تعدد التأثير المتضاد» (antagonistic pleiotropy)؛ وببساطة، يعني هذا أن الجين قد يكون مفيداً في سياق معين، وقد يصبح ضاراً في سياق آخر.

مقارنة التسلسل الجيني للحمض النووي البشري القديم بالجينومات البشرية المعاصرة

لماذا قد تؤدي بعض المتغيرات الجينية وظيفة قيّمة للبشر في العصور القديمة، ولكن تتحول إلى مصدر ضرر في عصرنا الحالي؟ تتمثل إحدى الإجابات -التي تدعمها دراسات حديثة تستند إلى التسلسل الجيني للحمض النووي البشري القديم ومقارنته بالجينومات البشرية المعاصرة- في الأمراض المعدية.

وخلال تلك الألفيات الغابرة، تحول البشر من نمط حياة يعتمد على الصيد والجمع ضمن مجموعات صغيرة متنقلة، إلى نمطين آخرين: الزراعة والرعي. وفي حين اتسم المزارعون بالاستقرار في أماكن ثابتة، قام الرعاة باستئناس الحيوانات البرية -كالأبقار والأغنام والماعز- وارتحلوا عبر مساحات شاسعة لتوفير المراعي لماشيتهم. وقد أدى العمل في الزراعة إلى احتكاك وثيق بين البشر والنباتات، في حين أدى الرعي إلى احتكاك وثيق بينهم وبين الفيروسات والبكتيريا وغيرها من العوامل المسببة للعدوى التي تحملها الحيوانات البرية (والتي أصبحت لاحقاً حيوانات مستأنسة).

انتقال العديد من مسببات الأمراض إلى الرعاة

انتقلت العديد من مسببات الأمراض هذه إلى الرعاة، ما أدى إلى ظهور ما يُعرف اليوم بـ«الأمراض حيوانية المنشأ» (zoonotic diseases)؛ وهي عدوى تنتقل من الحيوانات إلى البشر. وكان البقاء على قيد الحياة في مواجهة هذه التهديدات المرضية يعتمد على الحظ والجينات؛ إذ عمل الانتقاء الطبيعي على استبعاد الأشخاص الأقل حظاً، فيما بقيت مجموعات من الناجين الذين حملوا طفرات جينية منحتهم مقاومة ضد تلك العدوى.

طفرات جينية مفيدة قديماً... تتحول إلى عوامل خطر

غير أنه يبدو الآن أن تلك الطفرات الجينية، التي وفرت الحماية في العصر البرونزي، قد يكون لها أثر سلبي في عصرنا الحديث الذي يتميز بأنظمة صرف صحي متطورة، وتوافر المضادات الحيوية والمطهرات، وغيرها من تدابير مكافحة العدوى. فمن خلال رفع حساسية الجهاز المناعي إلى مستويات مفرطة، تحولت هذه الطفرات إلى عوامل خطر للإصابة بأمراض المناعة الذاتية. وهذا ما يُعرف بفرضية «التأثير الجيني المزدوج المتضاد» (antagonistic pleiotropy hypothesis)..

طفرات جينية ترتبط بمرض التصلب المتعدد

وقد وجد العلماء أدلة تدعم هذه الفرضية؛ إذ أفاد باحثون في جامعة أكسفورد وزملاؤهم في مؤسسات أخرى بوجود ارتباط قوي بين طفرات جينية معينة -انتشرت بسرعة بين الشعوب الأوروبية قبل نحو 5000 عام- وبين زيادة احتمالية الإصابة بمرض التصلب المتعدد في وقتنا الحاضر. وقد ازداد شيوع هذه الطفرات مع وصول الرعاة المهاجرين من سهوب أوراسيا إلى أوروبا. وقد وفرت معظم هذه الطفرات حماية ضد أنواع معينة من العدوى الفيروسية والبكتيرية أو الطفيليات، ما ساعد البشر لا على التكيف مع نمط الحياة الرعوي فقط، بل أيضاً على التأقلم مع زيادة الكثافة السكانية، التي أدت بدورها إلى تكثيف انتقال الأمراض المعدية وانتشارها.

ويرى الباحثون أن هذه الطفرات الجينية ذاتها تبدو اليوم وكأنها تُحدث تأثيراً معاكساً تماماً. مع تحسّن السيطرة على الأمراض المعدية وتزايد معدلات الإصابة بالتصلب المتعدد، كتب الباحثون: «نلاحظ مجدداً ارتباطاً لافتاً بالتغيرات التي طرأت على بيئتنا -بما في ذلك أنماط الحياة وتحسّن مستويات النظافة- وهي تغيرات لم تعد تتوافق مع البنية الجينية التي كانت سائدة سابقاً». وبعبارة أخرى، فإن الجينات التي كانت توفر لنا الحماية في الماضي قد تصبح اليوم سبباً في تعريضنا للخطر.

تسلسلات الحمض النووي في زمن الطاعون

تناولت دراسة أخرى، أجراها فريق دولي من الباحثين، حقبة تاريخية أكثر حداثة شهدت تغيراً ديمغرافياً مفاجئاً، ألا وهي فترة تفشي «الموت الأسود» (الطاعون). فقد اجتاح هذا الوباء -الذي ظهر في القرن الرابع عشر، وتسببت فيه بكتيريا «يرسينيا الطاعونية» (Yersinia pestis) التي تنتقل عبر البراغيث التي تحملها الفئران- كلاً من أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الفترة ما بين عامي 1346 و1353، ما أسفر عن وفاة ما يتراوح بين 30 في المائة و50 في المائة من سكان تلك المناطق.

وقد فحص الباحثون بدقة تسلسلات الحمض النووي (DNA) لأشخاص دُفنوا في إنجلترا والدنمارك؛ بعضهم دُفن قبيل سنوات الطاعون، وبعضهم أثناء تفشيه، وآخرون بعد انتهائه. ومن بين المواقع التي استعانوا بها موقع «إيست سميثفيلد» (East Smithfield)، وهو مقبرة جماعية لضحايا الموت الأسود تقع شرق «برج لندن».

وفي هذا الموقع وغيره، اكتشف الباحثون أربعة متغيرات جينية مرتبطة بالمناعة لدى أعداد أكبر من الأشخاص الذين دُفنوا بعد الطاعون مقارنة بمن دُفنوا قبله أو أثناءه؛ ما يشير إلى أن هذه المتغيرات منحت أصحابها ميزة ساعدتهم على البقاء.

متغير جيني مضاد للطاعون يسهم في حدوث مرض كرون

حصر الباحثون استنتاجهم في متغير واحد فقط. وقد تبين أن هذا المتغير -الذي كان مفيداً في التكيف ومواجهة الطاعون- يُعد اليوم عامل خطر للإصابة بداء كرون (Crohn’s disease). وهكذا، يبدو أن «الموت الأسود» -على غرار التحول نحو الرعي خلال العصر البرونزي- ربما كان حدثاً انتقائياً زاد من عرضة الأجيال اللاحقة للإصابة بأمراض المناعة الذاتية.

ورغم أن فريق جامعة أكسفورد، في دراسته حول مرض التصلب المتعدد (MS)، وصف هذا الوضع بأنه حالة من «البنية الجينية» التي عفّى عليها الزمن، إلا أن هناك تشبيهاً آخر يوضح الفكرة بشكل أكثر حيوية؛ إذ يُقال عن إخفاقات القيادة العسكرية إن الجنرالات يقضون أوقات السلم في الاستعداد لخوض «الحرب السابقة» بدلاً من «الحرب القادمة». فهم يتمسكون بتكتيكات واستراتيجيات وأسلحة عفّى عليها الزمن -أشياء كانت فعالة في الماضي- متجاهلين مرور الوقت وظهور معطيات جديدة.

متغيرات جينية تسبب المعاناة

ويبدو أن هذا بالضبط ما فعله التطور بالمتغيرات الجينية التي يحملها الكثير منا اليوم؛ فأمراض المناعة الذاتية في القرن الحادي والعشرين قد تمثّل محاولات الجهاز المناعي البشري لخوض حربٍ ضد أمراض معدية كانت يوماً ما كارثية -وإن كانت حدتها قد تراجعت الآن- وهي أمراض لا تزال منتشرة في كل مكان ولا يوجد لها علاج شافٍ. بالنسبة للبعض، تُعد معاناة الإصابة بالتصلب المتعدد (MS) أو الذئبة أو غيرهما من أمراض المناعة الذاتية سوء حظ قاسياً. أما آخرون فهم أكثر حظاً؛ فأنا، على سبيل المثال، لا أعاني سوى من الصدفية -التي ورثتها عن والدي، الذي ورثها بدوره عن أسلافٍ له من ريف النرويج- وهي بمثابة تذكيرٍ بأن جهاز مناعتي مستعدٌّ ومتحمسٌ، بل متحمسٌ أكثر من اللازم، لخوض معركةٍ قديمةٍ تعود إلى العصر البرونزي؛ معركةٍ دارت رحاها بين راعٍ من ذلك العصر وفيروسٍ انتقل إليه من إحدى معيزه.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الجينات وحدها لا تفسّر سلوكنا

الجينات وحدها لا تحدد السلوك
الجينات وحدها لا تحدد السلوك
TT

الجينات وحدها لا تفسّر سلوكنا

الجينات وحدها لا تحدد السلوك
الجينات وحدها لا تحدد السلوك

كشفت دراسة دولية واسعة عن أن التأثيرات الجينية المرتبطة بالسلوك الاجتماعي لدى الإنسان تختلف تبعاً للعمر والبيئة الاجتماعية، وباختلاف الشخص الذي يصف السلوك ويقيّمه. وهذا ما يؤكد أن فهم السلوك البشري يتطلب النظر إلى الجينات والسياق الذي يتطور فيه هذا السلوك معاً.

تحليل 500 ألف ملاحظة سلوكية جُمعت من أكثر من 73 ألف شخص

وحلّل باحثون بقيادة معهد «ماكس بلانك لعلم اللغة النفسي» في مدينة نايميخن الهولندية نحو 500 ألف ملاحظة سلوكية جُمعت من أكثر من 73 ألف شخص. وأظهرت الدراسة المنشورة في مجلة «Nature Human Behaviour» في 21 سبتمبر (أيلول) 2026 أن الأنماط الجينية المرتبطة بالسلوك الاجتماعي تختلف عبر مراحل النمو وبين تقييمات الوالدين والمعلمين والتقارير الذاتية للأفراد.

وتسلّط النتائج الضوء على أهمية السياق الاجتماعي في دراسة الأسس الجينية للسلوك وعلاقته باضطرابات النمو العصبي، بما فيها التوحّد واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.

تتبّع السلوك عبر مراحل النمو

وركّز الباحثون على جانبين من السلوك الاجتماعي: الأول مدى استعداد الفرد لمساعدة الآخرين ومشاركة ما لديه معهم ومواساتهم عند الحاجة. أما الثاني، فهي الصعوبات التي قد يواجهها في تكوين الصداقات والتواصل مع أقرانه والحفاظ على العلاقات معهم.

وشملت التقييمات أشخاصاً تتراوح أعمارهم بين عامين و29 عاماً مع تكرار تقييم بعض المشاركين في مراحل عمرية مختلفة. كما قارن الباحثون بين تقارير الوالدين والمعلمين والتقييمات الذاتية للمشاركين.

وعلى خلاف الدراسات الجينية التقليدية التي تجمع النتائج في تقدير عام استخدم الباحثون أسلوباً إحصائياً يُعرف باسم «الانحدار التَّلَوِي Meta-regression» يتيح مقارنة نتائج دراسات متعددة وتحليلها مع مراعاة العوامل التي قد تؤثر فيها. وساعدهم هذا الأسلوب على الكشف عن كيفية اختلاف الارتباطات الجينية بالسلوك الاجتماعي تبعاً لنوع السلوك وعمر الفرد والشخص الذي يقيّمه بدلاً من التعامل مع هذه الاختلافات بوصفها نمطاً واحداً ثابتاً.

6 مناطق جينومية مرتبطة بالسلوك

وحدّد التحليل ست مناطق جينومية مرتبطة بالسلوك الاجتماعي وأظهرت جميعها اختلافات في ارتباطاتها تبعاً لنوع السلوك والعمر والجهة التي أبلغت عنه.

وظهر أقوى ارتباط جيني في منطقة CADM2 وهو جين يسهم في تنظيم الاتصالات بين الخلايا العصبية. وكان الارتباط أكثر وضوحاً في حالات انخفاض السلوك الاجتماعي الإيجابي وفقاً للتقييم الذاتي في أواخر الطفولة وبداية المراهقة. وسبق أن رُبطت تغيرات جينية في هذه المنطقة بالتوحّد وسمات أخرى.

وقدّرت الدراسة أن الاختلافات الجينية الشائعة تفسّر ما بين 2 و7 في المائة من التباين في السلوك الاجتماعي. كما حدّد الباحثون أربعة عوامل جينية مترابطة ارتبط اثنان منها بمجالي السلوك المدروسين بينما عكس الآخران الاختلافات بين تقييمات الوالدين والمعلمين.

وتشير النتائج إلى أن سلوك الطفل في المنزل قد يختلف عن طريقة تفاعله في المدرسة أو مع أقرانه، مما يستدعي مراعاة هذه الاختلافات عند دراسة النمو.

وأوضحت لوسيا دي هويوس، الباحثة الأولى في الدراسة من قسم اللغة وعلم الوراثة في معهد «ماكس بلانك لعلم اللغة النفسي» في هولندا، أن الطبيعة المتغيرة للنمو البشري تستدعي اعتماد مناهج جينومية قادرة على رصد التغيرات عبر مراحل النمو. من جانبها أكدت بياته سانت بوركاين، الباحثة الرئيسية في الدراسة من القسم نفسه، أهمية مراعاة اختلاف تجارب الأطفال الاجتماعية عند تحليل التأثيرات الجينية بدلاً من اختزالها في تقدير عام واحد قد يغفل الفروق بين السياقات والأعمار.

روابط بالصحة النفسية

ولاختبار دقة التنبؤات الجينية أنشأ الباحثون درجات متعددة الجينات تجمع تأثيرات عديد من المتغيرات الجينية واختبروها لدى 16305 أشخاص من أصول أوروبية وأفريقية. وتحسّنت التنبؤات عندما تطابق السياق الاجتماعي المستخدم في تطوير هذه الدرجات مع السياق الذي طُبّقت فيه.

كما درس الفريق العلاقات الجينية بين السلوك الاجتماعي في الطفولة وسمات لاحقة منها التوحّد واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه. وأظهرت النتائج أن هذه العلاقات يمكن رصدها في مراحل عمرية مختلفة حسب السلوك والسياق المدروسين.

الجينات لا تحدد المصير

وشدّد الباحثون على أن النتائج لا تعني إمكانية التنبؤ بسلوك طفل بعينه، إذ يتأثر السلوك بتفاعل العوامل الجينية مع التنشئة والبيئة الاجتماعية والدعم الذي يتلقاه الفرد.

وقال توماس بورجيرون، المشارك في الدراسة والباحث في معهد «باستور» بفرنسا، إن الجينات تؤدي دوراً مهماً لكنها لا تحدد مصير الإنسان، مشيراً إلى أن توفير البيئة المناسبة والدعم والفرص يساعد الأفراد على التكيف وتطوير قدراتهم.

وتندرج الدراسة ضمن مشروع «المخاطر والمرونة في التنوع النمائي والصحة النفسية (R2D2-MH)»، وهو مبادرة بحثية تمتد خمس سنوات بتمويل مشترك من المفوضية الأوروبية وتهدف إلى تحديد العوامل التي تزيد مخاطر اضطرابات النمو العصبي أو تساعد على التكيف معها بما يشمل التوحّد واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه والإعاقة الذهنية.

ويخطط الفريق لمواصلة أبحاثه من خلال دراسة الاختلافات الجينية بين الذكور والإناث بهدف تعميق فهم تطور السلوك الاجتماعي وعلاقته بالصحة النفسية.