«كورونا المستجد»... فرضيات علمية ومعلومات مضللة

سلالاته في بريطانيا نشأت من 3 دول أوروبية

«كورونا المستجد»... فرضيات علمية ومعلومات مضللة
TT

«كورونا المستجد»... فرضيات علمية ومعلومات مضللة

«كورونا المستجد»... فرضيات علمية ومعلومات مضللة

رغم طرح العلماء لفرضيات علمية عن ظهور فيروس «كورونا المستجد»، فقد نتجت عن جائحة «كوفيد-19» معلومات مضللة ونظريات مؤامرة حول حجم الوباء وأصل المرض والوقاية منه وتشخيصه وعلاجه. وانتشرت معلومات كاذبة بهدف التضليل المتعمد عبر وسائل التواصل الاجتماعي والرسائل النصية ووسائل الإعلام. كما وردت أنباء عن أن الفيروس انتشر من خلال عمليات سرية تدعمها الدول لإثارة الذعر لزرع الشكوك في البلدان الأخرى.
أصل الفيروس
ظهر «كوفيد-19» في أواخر عام 2019 في ووهان في الصين. ويرتبط جينوم كثير من حزمات الفيروس المعزولة منه منذ وقت مبكر عند اندلاع الوباء في ووهان ارتباطاً وثيقاً بواقع أن الفيروس ظهر مؤخراً في البشر، إذ يختلف جينوم «كوفيد-19» بشكلٍ كافٍ عن جميع فيروسات «كورونا» المعروفة. وهذا ما يدحض مزاعم أن جائحة فيروس كورونا نشأت عن طريق الإطلاق المتعمد أو العرضي لفيروس معروف، ويجعل من غير المحتمل أن يكون الفيروس قد نشأ عن طريق إنتاجه صناعياً في المختبر.ويرتبط فيروس كورونا المستجد ارتباطاً وثيقاً بفيروسات الخفافيش التاجية من الصين. ولكن حتى أقرب هذه الفيروسات تكون متباينة للغاية. ويعد تغيير الجينوم فيه بطيئاً، في مقابل معظم فيروسات RNA (فيروسات مركبة من الحمض النووي الريبوزي)، ولكن مع ذلك تظهر الطفرات التي يمكن استخدامها لتتبع انتشار الفيروس وتطوره. ويعد الجين الفيروسي الأكثر تنوعاً فيها هو الجين الذي يضع الرموز لبروتين «الأشواك»، وهو البروتين الذي يلعب دور الوسيط في ارتباط الفيروس بالخلايا الحية والدخول إليها. وهذا البروتين يمثل أيضاً المادة التي تستهدفها الأجسام المضادة لتحييد الفيروس، وهو يؤدي أيضاً إلى حدوث استجابة قوية من الخلايا التائية لجهاز المناعة.
تشير نتائج جديدة متعددة إلى أن طفرة واحدة قرب بداية الوباء أحدثت فرقًا كبيرا ، حيث ساعدت الفيروس على الانتشار بسهولة أكبر من شخص إلى آخر وجعل وقف الوباء أكثر صعوبة.
وتم اكتشاف الطفرة ، المعروفة باسم 614G ، لأول مرة في شرق الصين في يناير (كانون الثاني) الماضي ثم انتشرت بسرعة في جميع أنحاء أوروبا ومدينة نيويورك. في غضون أشهر ، سيطر المتغير على معظم العالم ، مما أدى إلى إزاحة المتغيرات الأخرى.

دحض نظريات المؤامرة
يقول جيفري سميث، الباحث في قسم علم الأمراض بجامعة كمبريدج البريطانية المؤلف الرئيسي للدراسة المنشورة في17 سبتمبر (أيلول) 2020 في دورية «The Royal Society»، إن تسلسل الجينوم الكامل لا يسمح لنا بمعرفة إصابة شخص ما بالعدوى فحسب، ولكن أيضاً تحديد سلالة الفيروس بدقة، ومن ثم معرفة مصدر العدوى المحتمل. كما يسمح لنا بتتبع سلالات الفيروس التي أصبحت مسيطرة، والتي قد تتكاثر أو تنتقل بشكل أكثر كفاءة.
ويضيف الباحث أنه تم الإبلاغ عن تلك النتائج في مراجعة سريعة للأدلة المنشورة المطبوعة مسبقاً على جينوم فيروس كورونا التي أجرتها مجموعة «مهام العلم في حالات الطوارئ: كوفيد-19» ( SET - C Science in Emergencies Tasking: COVID-19) التابعة للجمعية الملكية البريطانية. كما يفضح التحليل أيضاً الخرافات حول الأصل المحتمل للفيروس الذي يسبب «كوفيد-19».
ويخلص إلى أن الجينوم مختلف بشكلٍ كافٍ عن جميع فيروسات كورونا المعروفة لدحض تأكيد أن الجائحة نشأت عن طريق الإطلاق المتعمد أو العرضي لفيروس معروف، مما يجعل من غير المحتمل أن يكون الفيروس قد نشأ عن طريق إنتاجه صناعياً في المختبر. واستنتجت المراجعة أن أصل الفيروس كان من المحتمل أن يكون مباشرة من الخفافيش أو عن طريق مضيف ثديي وسيط غير معروف. وأضاف سميث عدم وجود شيء أو أدلة قوية على الأساطير التي ينشرها أصحاب نظريات المؤامرة، فمن المفهوم أنه عندما يظهر فيروس جديد، ستكون هناك تكهنات حول أصوله، لكن الوتيرة التي طور بها المجتمع العلمي العالمي فهمنا لعلم الوراثة لـفيروس كورونا كانت مذهلة. وقد سمح لنا ذلك بتتبع انتشاره، وتطوير الاختبارات التشخيصية واللقاحات المؤهلة.
وسمح لنا كذلك بكشف زيف بعض نظريات المؤامرة الأكثر غنى بالألوان. فقد أظهر تحليل جينوم الفيروس أيضاً أنه من منتصف فبراير (شباط) إلى منتصف مارس (آذار)، نشأت الغالبية العظمى من سلالات الفيروس في المملكة المتحدة من 3 دول أوروبية: إسبانيا (34 في المائة)، وفرنسا (29 في المائة)، وإيطاليا (14 في المائة)، عن طريق المسافرين القادمين منها، بينما في المقابل كانت نسبة المشتق من الصين أقل من 1 في المائة.
فرضيات مضللة
> شبكات الجيل الخامس. هناك مزاعم عن وجود صلة بين فيروس كورونا وشبكات الهاتف المحمول «جي 5» الجديدة، وهي تدعي أن تفشي الوباء في ووهان وفي سفينة «دايموند برنسيس» السياحية نتج بشكل مباشر عن المجالات الكهرومغناطيسية، وعن طريق إدخال «جي 5» والتقنيات اللاسلكية. وفي مارس (آذار) 2020، زعم توماس كوان من «المجلس الطبي» في كاليفورنيا أن «كوفيد-19» ناجم عن شبكة «جي-5»، وذلك بناءً على الادعاءات بأن البلدان الأفريقية لم تتأثر بشكل كبير بالوباء لعدم نشر الشبكة فيها.
وزعم كوان كذلك زوراً أن الفيروسات كانت نفايات من الخلايا التي تم تسميمها بواسطة الحقول الكهرومغناطيسية، لكن كثيراً من الباحثين دحضوها. وأكد البروفسور ستيف بويس، المدير الطبي الوطني لهيئة الخدمات الصحية الوطنية بإنجلترا، إلى عدم إمكانية انتقال الفيروسات عن طريق موجات الراديو. فقد انتشر «كوفيد-19»، واستمر في الانتشار في كثير من البلدان التي ليس لديها شبكات «جي 5». وأضاف أن صحة المواطنين في البلدان المتقدمة، مع وجود شبكات «جي 5»، أفضل من صحة المواطنين من البلدان الأقل تقدماً والفقيرة التي لا توجد فيها.
* المقاومة على أساس العرق. كانت هناك ادعاءات بأن أعراق معينة أكثر أو أقل عرضة للإصابة بــ«كوفيد-19»، حيث إنه مرض حيواني جديد، لذا لم يكن لدى السكان الوقت الكافي لتطوير مناعة السكان. ولا يوجد دليل يشير إلى أن الأفارقة أكثر مقاومة للفيروس. وهناك مزاعم عن ما سمي «مناعة هندية»؛ أي أن الشعب الهندي يتمتع بقدر أكبر من المناعة ضد فيروس «كوفيد-19» بسبب الظروف المعيشية في الهند، وهو ما عده أناند كريشنان، الأستاذ في مركز الطب المجتمعي التابع لمعهد عموم الهند للعلوم الطبية (AIIMS)، مجرد «هراء مطلق». وقال إنه لا توجد مناعة سكانية ضد فيروس «كوفيد-19» حتى الآن لأنه جديد، وليس من الواضح حتى ما إذا كان الأشخاص الذين تعافوا منه سيكون لديهم مناعة دائمة.
ومن ناحية أخرى، شنت هجمات معادية للأجانب مرتبطة بــ«كوفيد-19» ضد أفراد على أساس العرق، وتعرض الأشخاص الذين يُنظر إليهم على أنهم صينيين لاعتداءات لفظية وجسدية مرتبطة بــ«كوفيد-19» في كثير من البلدان الأخرى، غالباً من قبل الأشخاص الذين يتهمونهم بنقل الفيروس، في حين ألقت الحكومة الصينية باللوم على الحالات المستمرة في إعادة إدخال الفيروس من الخارج. وفي الهند، تم إلقاء اللوم على المسلمين على نطاق واسع ونبذهم، والتمييز ضدهم أدى إلى بعض الهجمات العنيفة، وسط مزاعم لا أساس لها تدعي أن المسلمين ينشرون الفيروس عمداً.
علاجات من دون برهان
> علاجات البرد والإنفلونزا. فقد طرحت ادعاءات بأن الأسبرين ومضادات الهيستامين ورذاذ الأنف هي علاجات لـ«كوفيد-19»، لكن لا توجد أي دراسة تؤكد تلك الادعاءات. كما انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي مخاوف من أن الإيبوبروفين يزيد من شدة الإصابة بفيروس كورونا، لكن وكالة الأدوية الأوروبية ومنظمة الصحة العالمية أوصت مرضى «كوفيد-19» بالاستمرار في تناول الإيبوبروفين حسب التوجيهات، مشيرين إلى عدم وجود أدلة مقنعة على أي خطر.
> الشفاء الروحي. ادعى كينيث كوبلاند، الكاتب التلفزيوني الأميركي في تكساس، على قناة فيكتوري، خلال برنامج بعنوان «الوقوف ضد فيروس كورونا»، أنه يمكنه علاج مشاهدي التلفزيون من «كوفيد-19» مباشرة من استوديو التلفزيون، وكان على المشاهدين أن يلمسوا شاشة التلفاز ليحصلوا على الشفاء الروحي.
وأخيراً، وفي إطار جهود مكافحة التضليل، ذكرت منظمة الصحة العالمية (WHO)، منذ فبراير (شباط) الماضي 2020، أن هناك كماً هائلاً من المعلومات الخاطئة حول الفيروس التي «تجعل من الصعب على الناس العثور على مصادر موثوقة، وإرشادات موثوقة، عندما يكونون بحاجة إليها». وصرحت المنظمة بأن الطلب الكبير على المعلومات الموثوقة في الوقت المناسب قد حفز إنشاء خط ساخن مباشر لدحض تلك المعلومات، تابع لمنظمة الصحة العالمية، يعمل على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، حيث تقوم فرق الاتصال ووسائل التواصل الاجتماعي برصد المعلومات المضللة، والاستجابة لها من خلال موقعها على الويب وصفحات وسائل التواصل الاجتماعي.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.


«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد
TT

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

يُعدّ مبنى الحياة والعقل الجديد بجامعة أكسفورد Life and Mind Building (LaMB)، الذي افتُتح في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، مثالاً بارزاً على التصميم المبتكر الذي يدمج بين الهندسة المعمارية والاستدامة وعلم الأعصاب.

مبنى بتصميم رمزي

يضمّ هذا المختبر، الذي تبلغ مساحته 269000 قدم مربعة (24991 متراً مربعاً)، وهو الأكبر في الحرم الجامعي، قسمي علم النفس التجريبي وعلم الأحياء، ليُشكّل مركزاً للبحوث المتطورة في علوم الدماغ وعلم الحيوان وعلوم النبات. إلا أن تصميم المبنى يتضمن تفصيلاً خفياً مثيراً للاهتمام: فواجهته، المصنوعة من الخرسانة ذات السطح المتموج، تقدم في الواقع رموزاً لمسح دماغي لإحدى الباحثات من أكسفورد.

لا يقتصر هذا العنصر التصميمي على الجانب الجمالي فحسب، بل يخدم غرضاً رمزياً أعمق. فقد استُمدّ نسيج واجهة المبنى الخارجية من مسح دماغ «سيج بوتشر»، الطالبة في قسم علم النفس التجريبي، وهو المسح الذي أُجري في أثناء تخيّلها لمستقبل مبنى الحياة والعقل. وقد سُجّل نشاط دماغها في لحظة وجيزة، مدتها ثانيتان، ما أسفر عن نمط موجي جيبي فريد نُحت لاحقاً على ألواح حجرية. وتُرمز التموجات في خرسانة المبنى إلى الأفكار الإيجابية، وتُنشئ صلةً مباشرةً بين وظيفة المبنى ومجال علم الأعصاب.

أكّد المهندسون المعماريون في شركة «إن بي بي جيه»، المسؤولة عن تصميم المبنى، على أهمية الاستدامة، فاختاروا مواد متينة كالخرسانة والحجر والمعادن، قادرة على الصمود أمام اختبار الزمن، وهو أمر بالغ الأهمية لجامعة عمرها قرابة ألف عام.

وكان الهدف هو إنشاء مبنى يُكمّل حرم جامعة أكسفورد التاريخي، مع تقديم تصميم عصري وجذاب بصرياً. ويعكس تضمين واجهة المبنى لصورة مسح الدماغ، إلى جانب المواد المتينة المستخدمة، هذا الالتزام بالخلود.

مختبرات مستدامة

وإلى جانب جاذبيته الجمالية، يُرسي المبنى معياراً جديداً لتصميم المختبرات المستدامة. فالمختبرات عادةً ما تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، مع متطلبات عالية للتحكم في المناخ للحفاظ على ظروف التجارب. ونظراً لأن المختبرات تستهلك ما يصل إلى عشرة أضعاف الطاقة التي يستهلكها مكتب عادي، فقد صُمم المبنى مع مراعاة هذا التحدي.

يتميز المبنى بنظام تغليف محكم الإغلاق يجمع بين ألواح خرسانية وعزل حراري ونوافذ ثلاثية الزجاج وتفاصيل دقيقة لتقليل فقدان الطاقة إلى أدنى حد. كما يساهم استخدام أنظمة تهوية متطورة وألواح شمسية وردهة مركزية لزيادة الإضاءة الطبيعية في خفض استهلاك الطاقة. ونتيجةً لهذه الابتكارات، ينبعث من المبنى نحو 40 في المائة أقل من انبعاثات الكربون مقارنةً بمبنى مختبر تقليدي من الحجم نفسه.

وبشكل عام، يُعدّ مبنى «لايف آند مايند» إنجازاً بارزاً في مجال العمارة المستدامة، إذ يرتقي بمستوى ما يمكن أن تحققه مرافق البحث الجامعية من حيث المسؤولية البيئية والقيمة الجمالية. ولا يقتصر دور «لايف آند مايند» على تلبية احتياجات الباحثين فحسب، بل يرسي أيضاً معياراً رفيعاً لمباني العلوم المستقبلية، سواء في أكسفورد أو على مستوى العالم، في ظل تزايد تركيز الجامعات على الاستدامة في مبانيها الجديدة.