انقسام ديمقراطي حول أسباب خسائر الحزب التشريعية

النائبة الديمقراطية عن ولاية فرجينيا أبيغيل سبانبيرغر خلال فعالية انتخابية (نيويورك تايمز)
النائبة الديمقراطية عن ولاية فرجينيا أبيغيل سبانبيرغر خلال فعالية انتخابية (نيويورك تايمز)
TT

انقسام ديمقراطي حول أسباب خسائر الحزب التشريعية

النائبة الديمقراطية عن ولاية فرجينيا أبيغيل سبانبيرغر خلال فعالية انتخابية (نيويورك تايمز)
النائبة الديمقراطية عن ولاية فرجينيا أبيغيل سبانبيرغر خلال فعالية انتخابية (نيويورك تايمز)

بضعة مقاعد قليلة هي التي كانت تفصل بين الحزب الديمقراطي وحيازة الأغلبية في مجلس نواب ولاية بنسلفانيا، لا سيما مع تركيز نواب الحزب خلال العام الحالي على مناطق الضواحي الخاضعة لسيطرة الحزب الجمهوري، حيث يشتد استياء الناخبين هناك ضد الرئيس دونالد ترمب.
وكان أحد أبرز أهدافهم يكمن في ضواحي نورث هيلز خارج مدينة بيتسبيرغ، التي تضم المنازل الكبيرة المبنية بالطوب الأحمر، والمدارس ذات السمعة الممتازة، والمنطقة الموالية للحزب الديمقراطي الأسرع نمواً وانتشاراً في الولاية بأسرها، تماماً كما قالت إميلي سكوبوف، وهي المرشحة الديمقراطية لنيل المقعد الشاغر هناك، التي طرقت أبواب الناخبين الجمهوريين خلال الأيام التي سبقت موعد الانتخابات الرئاسية في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الحالي.
وكانت سكوبوف محقة إلى حد ما. إذ فاز جو بايدن بأصوات المقاطعة 28 في انتخابات مجلس النواب بولاية بنسلفانيا، وذلك عقب فوز ترمب بها بنسبة 9 نقاط مئوية كاملة في عام 2016. بيد أن سكوبوف (وهي صاحبة جمعية غير ربحية) قد هُزمت في تلك الانتخابات، رغم تقديم نفسها إلى الناخبين على أنها مرشحة «معتدلة».
وفي جميع أرجاء البلاد، لم يُترجم استياء ناخبي مناطق الضواحي من الرئيس دونالد ترمب بمعاقبة المرشحين الجمهوريين الآخرين كما كان يتوقع نواب الحزب الديمقراطي، لا سيما بعد أن حقق الحزب مكاسب كبيرة للغاية في مناطق الضواحي في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في عام 2018. ومن أعلى قيادات الحزب وحتى مستوى الولايات، ينتبه مسؤولو الحزب الديمقراطي إلى أن ناخبي مناطق الضواحي ربما قد أصدروا حكماً واحداً ضد ترمب، غير أنه لا يكافئ الدعم الانتخابي المستمر لسياسات تيار يسار الوسط.
تقول نيكول ريميرت، وهي مديرة الحملة الانتخابية لسكوبوف: «هناك فارق كبير وواضح بين الاستفتاء على شخص الرئيس، وهو ما شهدناه في الانتخابات الرئاسية، والتبني الكامل للقيم والمبادئ الخاصة بالحزب الديمقراطي. لقد توجه الناس صوب جوزيف بايدن بغرض وقف حملة الجنون داخل أروقة البيت الأبيض منذ 4 سنوات. غير أنهم لم يتحولوا إلى مؤيدين أو أنصار للحزب الديمقراطي على أي حال».
تتجلى هذه الحقيقة الصارخة من خلال هامش الأغلبية الضيق الذي سوف يحظى به النواب الديمقراطيون في الكونغرس اعتباراً من العام المقبل، ولا سيما فيما يتصل بالخسائر الانتخابية الساحقة التي عانى منها الحزب الديمقراطي في الانتخابات التشريعية بولايات رئيسية حاسمة، رغم إنفاق ملايين الدولارات، والاستعانة بكبار شخصيات الحزب من أمثال الرئيس الأسبق باراك أوباما، في محاولة للتغطية على خسائر الانتخابات التشريعية المريعة.
وخلال العام الحالي، ركز النواب الديمقراطيون جهودهم على عشرات المجالس التشريعية في الولايات التي تحظى بأغلبية طفيفة من نواب الحزب الجمهوري، بما في ذلك ولايات بنسلفانيا، وتكساس، وأريزونا، ونورث كارولينا، ومينيسوتا. وكان هدفهم يكمن في الحد من قدرة الحزب الجمهوري على إعادة رسم خريطة الدوائر البرلمانية الخاصة بالكونغرس والدوائر التشريعية الأخرى في عام 2021. ولمحاولة الحد من الانجراف صوب تيار اليمين في مسائل تتعلق بالإجهاض والسلامة من استخدام الأسلحة النارية وحتى حقوق التصويت.
لكن في جميع الحالات، حقق النواب الديمقراطيون نجاحات متواضعة للغاية. فلم تتحول أي من المجالس التشريعية المستهدفة إلى صالحهم، حتى رغم أن السيد جوزيف بايدن قد سيطر انتخابياً على العديد من المقاطعات التي لم يسبق أن سيطر عليها الديمقراطيون تشريعياً من قبل. ومن شأن ذلك أن يزيد من صعوبة الأمر على النواب الديمقراطيين في تأمين الأغلبية المطلوبة في مجلس النواب بالكونغرس في عام 2022.
يقول السيناتور بوب كايسي الابن (الديمقراطي عن ولاية بنسلفانيا): «شهدنا حالة عامة من التصويت الغاضب للغاية ضد الرئيس دونالد ترمب في ضواحي مدينة فيلادلفيا عام 2018»، لكن في العام الحالي، ومع وجود ترمب على بطاقات الاقتراع، تمكن الرئيس من تأمين العديد من الأنصار والمؤيدين من فئة الناخبين العرضيين، الأمر الذي أدى إلى إضعاف توقعات الحزب الديمقراطي على نطاق كبير بأنه سوف يكون موسماً انتخابياً واسعاً ومعززاً بالنسبة إليهم. أضاف السيناتور كايسي يقول: «ربما يكون الناخبون في مناطق الضواحي منقسمين على أنفسهم بشأن توجهات التصويت».
وفي أعقاب ذلك، يتصارع الديمقراطيون المعتدلون مع التقدميين حول ما إذا كانت السياسات التي ترحب بها قاعدة الحزب، مثل رفع معدلات الضرائب لتمويل البرامج الاجتماعية ومراقبة عمليات الإصلاح الشاملة والابتعاد السريع عن مصادر الوقود الأحفوري، تبعث برسالة خاسرة لدى الناخبين المتأرجحين. ولقد جاءت استجابة التقدميين بأن المرشحين الديمقراطيين المعتدلين لا يعرضون على الناخبين أي برامج انتخابية إيجابية تتعلق بتحسين أحوالهم المعيشية.
ورددت سكوبوف مقولة النائبة الديمقراطية في الكونغرس عن ولاية فيرجينيا أبيغيل سبانبيرغر، التي قالت لنواب الحزب الديمقراطي في الكونغرس بلهجة حادة وقوية، ضمن اجتماع عُقد بعد الانتخابات، إن الحزب الديمقراطي لا بد أن يتخلى تماماً عن استعمال ألفاظ «الاشتراكية» و«وقف تمويل قوات الشرطة»، وذلك بعد الهزيمة التي حققها الجمهوريون على الديمقراطيين المعتدلين المتهمين باعتماد تلك المواقف، على نحو غير صحيح في غالب الأحيان، في المناطق المتأرجحة في جميع أرجاء البلاد.
وفي تغريدة على موقع «تويتر»، كتبت سكوبوف أنها تعتبر نفسها من ضحايا الأضرار الجانبية لمثل هذه الرسائل العدائية سيئة التأثير والمردود. وأسفر هامش فوز جو بايدن بأكثر من 6 ملايين صوت في التصويت الشعبي عن حجب مدى ضيق فوزه في المجمع الانتخابي: فلقد فاز في ثلاث من الولايات الرئيسية الحاسمة، ألا وهي: أريزونا، وجورجيا، وويسكونسن، بأقل من 44 ألف صوت إجمالي.
وقال جيه جيه بالابان، وهو المخطط الاستراتيجي الديمقراطي في ولاية بنسلفانيا: «من بين التساؤلات الكبيرة المطروحة ما إذا كان ترمب في انتخابات عام 2024 المقبلة سوف يكون أكثر اعتدالاً حتى لا يفقد تأييد ناخبي مناطق الضواحي مرة أخرى، ومع ذلك لا يزال يملك تأثيراً على الناخبين الجمهوريين المتأرجحين من أجل التصويت وفق مستويات عام 2020 الراهنة؛ فإذا تمكنوا من تحقيق ذلك بالفعل، فسوف تكون البيئة الانتخابية عسيرة للغاية على مرشحي الحزب الديمقراطي».
في الفترة التي سبقت الانتخابات الرسمي، ضخت لجان الحملات الانتخابية التشريعية لدى كل حزب من الحزبين الكبيرين (جنباً إلى جنب مع المجموعات المؤيدة المستقلة) مبالغ ضخمة في السباقات الانتخابية القائمة. وبالنسبة إلى الحزب الديمقراطي، كان الهدف يكمن في نزع سلطة تقسيم الدوائر الانتخابية من الحزب الجمهوري، الذي بعد موجة هيمنة جمهورية فائقة في انتخابات عام 2010 تمكن من صياغة خرائط انتخابية تصب في صالح مرشحي الحزب الجمهوري.
هذا، ولقد تركت الموجة الديمقراطية لعام 2018 نواب الحزب على مسافة بضعة مقاعد قليلة فقط من حيازة الأغلبية في عشرات من المجالس التشريعية في مختلف الولايات، بما في ذلك مجلسا الشيوخ والنواب في ولاية أريزونا، والمجلس التشريعي في ولايات أيوا، وميشيغان، وتكساس، وبنسلفانيا، فضلاً عن مجلسي الشيوخ والنواب أيضاً في ولاية نورث كارولينا.
ووفقاً لأحد التحليلات، فإن فشل الحزب الديمقراطي في الاستحواذ على أي من المجالس التشريعية المستهدفة يعني أن الحزب الجمهوري سوف تكون له الهيمنة على المجالس التشريعية في حكومة 20 ولاية خلال العام المقبل، مما يؤدي إلى تأمين 188 دائرة انتخابية بصورة جماعية داخل الكونغرس. ولكن في بريق أمل لدى الديمقراطيين، يقترب الحزب الديمقراطي من حيازة الأغلبية الساحقة في مجلس الشيوخ بولاية نيويورك. ومن شأن نتيجة كهذه أن تسهم في منح الحزب الديمقراطي السيطرة على صياغة خرائط الدوائر الانتخابية في الولايات التي يبلغ مجموعها 73 منطقة انتخابية في مجلس النواب.
يسعى واضعو خرائط الدوائر الانتخابية في الحزب الجمهوري إلى إضعاف قوة الديمقراطيين الناشئة في مناطق الضواحي في البلاد، عن طريق حشد بعض من هؤلاء الناخبين في المناطق الحضرية، في حين ينضمون إلى ناخبين آخرين في المناطق الريفية ذات التوجهات المحافظة.
يقول ديفيد أبرامز، وهو نائب المدير التنفيذي في لجنة القيادة التشريعية الجمهورية، التي تُعنى بجمع الأموال لسباقات انتخابات الولايات: «من أبرز نتائج الانتخابات أن الجمهوريين قد أوقفوا عقداً كاملاً من التلاعب الليبرالي في توزيع الدوائر الانتخابية، ومنحوا الحزب الجمهوري الفرصة المنشودة لاستعادة السيطرة على مجلس النواب في انتخابات عام 2022 المقبلة».
كانت ولاية تكساس تعتبر من أكبر مواطن الفشل بالنسبة إلى الحزب الديمقراطي تشريعياً. بعد الاستحواذ ديمقراطياً على عشرات المقاعد في مجلس نواب الولاية قبل عامين. كان الحزب الديمقراطي على مسافة 9 مقاعد فقط من حيازة الأغلبية في المجلس، غير أنه لم يُفلح في ذلك.
وكانت أكثر فرص السيطرة احتمالاً بالنسبة للحزب الديمقراطي تتمثل في 9 مناطق ذات أغلبية جمهورية خالصة، حيث تفوق النائب الأسبق بيتو أورورك على السيناتور تيد كروز في سباق مجلس الشيوخ الانتخابي في عام 2018.
وكانت أغلب المناطق المذكورة تقع في ضواحي مدينتي دالاس وهيوستن من ولاية تكساس. ومع ذلك، فقد فشل الحزب الديمقراطي في جميع السباقات التسعة باستثناء سباق واحد فقط، رغم أن جو بايدن قد فاز انتخابياً بالعديد من هذه المناطق.
- خدمة «نيويورك تايمز»



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».