مقتل العقل المدبر لبرنامج التسلح النووي الإيراني في هجوم بطهران

إيران وجّهت أصابع الاتهام إلى إسرائيل... و«الحرس الثوري» يتوعد

العالم الإيراني محسن فخري زاده 2019 (أ.ف.ب)
العالم الإيراني محسن فخري زاده 2019 (أ.ف.ب)
TT

مقتل العقل المدبر لبرنامج التسلح النووي الإيراني في هجوم بطهران

العالم الإيراني محسن فخري زاده 2019 (أ.ف.ب)
العالم الإيراني محسن فخري زاده 2019 (أ.ف.ب)

رشق مجهولون سيارة رئيس منظمة البحث والتطوير في وزارة الدفاع الإيرانية، محسن فخري زاده، المشتبه بأنه العقل المدبر لبرنامج سري للقنبلة النووية، في كمين قرب طهران، أمس، في عملية وجهت بها إيران أصابع الاتهام إلى إسرائيل، وتوعد كبار قادتها العسكريين بـ«انتقام قاسٍ»، ما يهدد بتفجر مواجهة بين إيران وخصومها في الأسابيع الأخيرة من رئاسة دونالد ترمب للولايات المتحدة.
وأعلنت وزارة الدفاع الإيرانية، في بيان، وفاة رئيس منظمة البحث والتطوير التابعة لها، العالم محسن فخري زاده، متأثراً بجروحه، في المستشفى بعدما حاول الفريق الطبي إنعاشه، بعد وقت وجيز من استهدافه على يد من وصفتهم بـ«عناصر إرهابية» قرب طهران.
ووصفت الوزارة، في بيان أورده التلفزيون الرسمي، أن فخري زاده، أصيب «بجروح خطرة» بعد استهداف سيارته من مهاجمين اشتبكوا مع مرافقيه، فيما تباينت وسائل الإعلام الإيرانية، بين وصفه بعالم صاروخي وعالم نووي.
وأوضحت وكالتا «تسنيم» و«فارس» التابعتان لـ«الحرس الثوري»، أن محاولة الاغتيال جرت في بلدة أبسرد قرب مدينة دماوند الواقعة شرق طهران. وتحدثت عن «تفجير» قبل «إطلاق النار على سيارة» فخري زاده. وذكرت وكالة «فارس» أن ما بين ثلاثة إلى أربعة أشخاص آخرين قتلوا فيما وصف بأنه «تراشق بالنيران».
وأفادت وسائل إعلام رسمية بأن الجنرال حسين دهقان، القيادي في «الحرس الثوري» والمستشار العسكري للمرشد الإيراني، تعهدا بالرد على قتلة فخري زاده. وقال في تغريدة: «سنضرب مثل البرق قتلة هذا... وسنجعلهم يندمون على فعلتهم».
وقال قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي، عبر «تويتر»، «من المؤكد، سيعاقب مرتكبو هذه الجريمة الكبرى، ويستمر طريق فخري زاده أسرع من ذي قبل»، ونقلت عنه وسائل إعلام إيرانية، لاحقاً، أن «قراراً اتخذ للانتقام القاسي، ومعاقبتهم».
‏وكتب وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، عبر حسابه على «تويتر»، بعد وقت قصير من الإعلان عن مقتل العالم، «قتل إرهابيون عالماً بارزاً اليوم. هذا العمل الجبان - مع مؤشرات جدية لدور إسرائيلي - يظهر نيات عدوانية يائسة لدى المنفذين». وأضاف: «تدعو إيران المجتمع الدولي، لا سيما الاتحاد الأوروبي، إلى الكفّ عن معاييره المزدوجة المعيبة وإدانة عمل إرهاب الدولة هذا».
وأفادت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مسؤول أميركي مع اثنين من مسؤولي المخابرات، بأن «إسرائيل كانت وراء الهجوم على العالم». وأضاف: «لم يتضح مدى المعلومات التي ربما تكون الولايات المتحدة على علم بالعملية مقدماً».
كان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في أبريل (نيسان) 2018، كشف خلال مؤتمر صحافي، عما وصفه بالأرشيف النووي؛ قال إن إسرائيل قامت بعملية خاصة للحصول عليه في طهران.
وأشار نتنياهو إلى وثائق عن مشروع سري إيراني لإنتاج أسلحة نووية، وكان فخري زاده شخصية محورية في عرض نتنياهو الذي وصفه بأنه «أب البرنامج النووي العسكري الإيراني». وقال آنذاك «تذكروا هذا الاسم... فخري زاده».
وأدرجت وزارة الخارجية الأميركية اسمه على لائحة العقوبات منذ عام 2008 على خلفية «نشاطات وعمليات ساهمت في تطوير برنامج إيران النووي»، بينما اتهمته إسرائيل سابقاً بالوقوف خلف البرنامج النووي «العسكري» الذي تنفي إيران وجوده.
ورغم أن إيران سخرت من معلومات نتنياهو، فإن الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بناءً على تلك الوثائق، طلبت من إيران الدخول إلى مواقع سرية، والرد على أسئلة الوكالة. وامتنعت طهران لفترة شهور عن التجاوب مع المنظمة الدولية، لكن سمحت للوكالة الدولية بأخذ عينات من الموقعين بعد مباحثات جرت بين طهران والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وقالت وكالة الصحافة الفرنسية، إن التلفزيون الإيراني قال إن لإسرائيل «عداوة قديمة وعميقة معه». ويُعتقد أن فخري زاده ترأس ما تعتقد الوكالة الدولية للطاقة الذرية وأجهزة المخابرات الأميركية أنه برنامج أسلحة نووية منسق، تقول طهران إنه توقف في عام 2003.
وأصدر رئيس القضاء، إبراهيم رئيسي، أمراً للأجهزة الأمنية، بملاحقة المسؤولين عن اغتيال فخري زاده. وقال وزير الأمن محمود علوي، إن الوزارة بدأت عملية البحث عن المتورطين في الهجوم. من جانبه، اعتبر وزير الدفاع الإيراني العميد أمير حاتمي، في تغريدة على «تويتر»، أن الحادث يظهر «عمق كراهية الأعداء» للنظام الحاكم في بلاده. وبغض النظر عن المسؤول عن الهجوم، توقعت وكالة «رويترز» أن الحادث سيصعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة في الأسابيع الأخيرة من رئاسة ترمب.
واتهم ترمب، الذي خسر محاولته لإعادة انتخابه في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) وسيترك منصبه في 20 يناير (كانون الثاني)، إيران، مراراً بالسعي سراً لامتلاك أسلحة نووية.
وسحب ترمب الولايات المتحدة من اتفاق رُفعت بموجبه عقوبات عن إيران مقابل قيود على برنامجها النووي. وأعاد ترمب، أمس، نشر تغريدات تتضمن أنباء حول اغتيال فخري زاده من دون أن يعلق عليها.
وأكد مسؤول أميركي، في وقت سابق هذا الشهر، أن ترمب سعى للحصول على خطة من مساعدين عسكريين لتوجيه ضربة محتملة لإيران، لكنه عدل عن هذا القرار آنذاك.
ويأتي الحادث قبل شهرين من تسلّم الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن السلطة. وقال الرئيس المنتخب خلال حملته الانتخابية، إنه سيعاود الانضمام للاتفاق.
واستهدفت اغتيالات في عام 2010 عدداً من العلماء الإيرانيين في المجال النووي. ووجهت طهران في كل مرة أصابع الاتهام إلى إسرائيل.
وتعهد نتنياهو في يونيو (حزيران)، بكبح «العدوان» الإقليمي لطهران، مشيراً إلى أن إيران «تنتهك بشكل منهجي التزاماتها، بإخفاء المواقع وتخصيب المواد الانشطارية وغيرها من الطرق».
وتدعو إسرائيل باستمرار إلى فرض «عقوبات دولية مشددة» على إيران بسبب برنامجها النووي.
وكان موقع «أكسيوس» الإخباري الأميركي قد ذكر هذا الأسبوع أن حكومة إسرائيل قد أصدرت تعليمات إلى قواتها للاستعداد لضربة أميركية محتملة على إيران خلال الفترة المتبقية من ولاية ترمب، ومع ذلك أشار إلى أن الأمر لم يستند إلى معلومات استخباراتية أو تقييم بأن الولايات المتحدة ستصدر أمراً بشن هجوم.
وبعد إعادة فرض العقوبات الأميركية عليها، تراجعت إيران تدريجياً عن كثير من الالتزامات الأساسية الواردة في الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع ست دول كبرى، وتم تثبيته في إطار قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231.
وأعرب ظريف، الأسبوع الماضي، عن استعداد بلاده لعودة «تلقائية» إلى التزاماتها بموجب الاتفاق النووي في حال رفعت الولايات المتحدة برئاسة بايدن العقوبات التي فرضتها بعد انسحابها الأحادي منه قبل عامين،.
وأشار في الوقت عينه إلى أن عودة واشنطن إلى الاتفاق لا تشكل «أولوية» بالنسبة لإيران.
وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» قد أوردت في 14 نوفمبر أن المسؤول الثاني في تنظيم «القاعدة» عبد الله أحمد عبد لله، المكنّى «أبو محمد المصري»، اغتيل سراً بإطلاق نار في منطقة باسداران في شمال العاصمة الإيرانية في السابع من أغسطس (آب) على يد مسلحَين يستقلان دراجة نارية، وذلك بحسب مسؤولين استخباريين أجانب. وقالت إن «عملاء إسرائيليين نفذوا العملية بناء على طلب الولايات المتحدة».



خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
TT

خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)

قال المرشد الإيراني علي خامنئي إن الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها البلاد كانت محاولة انقلابية من تدبير الولايات المتحدة وإسرائيل.

وأضاف خامنئي، في خطاب تلفزيوني، أن ما جرى «لم يكن احتجاجات عفوية، بل مخطط أميركي - صهيوني»، معتبراً أن الهدف كان استهداف مفاصل حساسة في إدارة البلاد.

وتزامن خطاب خامنئي مع حملة اعتقالات طالت شخصيات إصلاحية بارزة، ضمنها آذر منصوري، رئيسة «جبهة الإصلاحات»، وبرلمانيون ومسؤولون سابقون، على خلفية مواقفهم من احتجاجات يناير (كانون الثاني).

وفي يريفان عاصمة أرمينيا، قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن الرئيس دونالد ترمب هو «الجهة الوحيدة» التي ستحدد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران.


طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
TT

طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)

أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالات هاتفية منفصلة مع وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا، أطلعهم خلالها على أحدث التطورات المتعلقة بالمفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة التي استضافتها مسقط.

وأفادت وزارة الخارجية الإيرانية، في بيان، بأن عراقجي وصف محادثات مسقط بأنها «بداية جيدة»، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة معالجة حالة انعدام الثقة حيال نيات وأهداف الجانب الأميركي.

وبحسب البيان، رحّب وزراء خارجية الدول الثلاث بانطلاق المفاوضات، مؤكدين أهمية استمرارها للتوصل إلى حل سياسي ودبلوماسي، وتجنب أي تصعيد، ومشيرين إلى أن نجاح هذه المحادثات يمثل عاملاً مهماً لاستقرار وأمن المنطقة.

في سياق متصل، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في مقابلة متلفزة، الاثنين، إنه لا يبدو أن هناك تهديداً وشيكاً بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أن الباب قد «فُتح قليلاً» أمام إمكانية التوصل إلى اتفاق.

ونقلت وكالة أنباء «الأناضول» عن الوزير قوله رداً على سؤال عما إذا كان يعتقد أن أياً من الطرفين يحاول كسب الوقت: «كلاهما، هذا جزء من الاستراتيجية». وأضاف فيدان: «عند الدخول في مثل هذا النوع من المحادثات، يكون هناك استعداد وتحضير للسيناريو الآخر»، مشيراً إلى أن إيران لديها تجربة؛ فقد تعرضت للهجوم سابقاً أثناء إجرائها محادثات، في إشارة إلى الضربة التي وجهتها الولايات المتحدة لإيران في يونيو (حزيران) الماضي، والتي استهدفت المواقع النووية الإيرانية. لكن الوزير التركي قال إن الشيء الإيجابي بشأن المفاوضات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران قبل عدة أيام هو أن الأطراف أبدت إرادة للاستمرار في التفاوض.

وتابع: «كان قرار بدء (المفاوضات) من الملف النووي قراراً مهماً؛ فالملف النووي هو (القضية الأهم)»، محذّراً من أن المنطقة لا تحتمل اندلاع حرب جديدة، وقال فيدان: «نريد استخدام جميع الإمكانات لمنع أي حرب محتملة».

واستضافت العاصمة العُمانية مسقط يوم الجمعة جولة مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، واتفق الطرفان على استئناف المحادثات، على أن يتم تحديد الموعد والمكان في وقت لاحق.


فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
TT

فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)

قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن قرار تحديد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران يعود حصراً إلى الرئيس دونالد ترمب، في وقت تتصاعد فيه التصريحات الأميركية بشأن اقتراب طهران من امتلاك قدرات نووية، ما يعيد الجدل داخل واشنطن حول مسار التعامل مع الملف الإيراني.

وكان ترمب قد قال، مساء الأحد، إن إيران كانت على وشك امتلاك سلاح نووي «في غضون شهر» قبل الضربة الأميركية التي استهدفت منشآتها النووية في يونيو (حزيران) الماضي، وهو ما أعاد إثارة النقاش حول كيفية إدارة هذا الملف، الذي يُعد أحد أبرز التحديات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

وحين سُئل فانس عمّا إذا كانت الولايات المتحدة ستقبل بأي مستوى محدود من تخصيب اليورانيوم الإيراني في إطار المفاوضات، أم أن ذلك يُعد «خطاً أحمر»، قال: «أعتقد أن الرئيس سيتخذ القرار النهائي بشأن تحديد الخطوط الحمراء في المفاوضات». وأضاف، في تصريحات للصحافيين خلال زيارته أرمينيا يوم الاثنين: «سأترك للرئيس أن يوضح بدقة النقطة التي سيحددها كخط فاصل في المفاوضات».

وينقسم الفريق داخل البيت الأبيض إلى معسكرين رئيسيين: «الصقور» الذين يدعون إلى توجيه ضربات عسكرية حاسمة لتقويض القدرات النووية والصاروخية لطهران، و«الحمائم» الذين يفضلون مسار التفاوض الدبلوماسي للتوصل إلى اتفاق يمنع التصعيد الإقليمي.

ويضاف إلى هذا الانقسام ضغط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يدفع باتجاه شروط صارمة، ملوّحاً بضربات أحادية إذا لم تلبِّ المفاوضات مطالبه.

قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) المسؤولة عن العمليات في الشرق الأوسط الأدميرال براد كوبر إلى جانب المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر ومستشار الرئيس الأميركي على متن حاملة طائرات «أبراهام لينكولن» (البحرية الأميركية_أ.ف.ب)

ومع اقتراب لقاء ترمب ونتنياهو في واشنطن، الأربعاء المقبل، يترقب مراقبون الاتجاه الذي قد يسلكه «رجل الصفقات»، في ظل تحذيرات محللين أميركيين بارزين من مخاطر التصعيد، مقابل دعوات أخرى لتغليب المسار الدبلوماسي.

فريق الصقور

يتكون فريق دعاة الضربات العسكرية من معسكر «الصقور» داخل الإدارة الأميركية والجناح الأكثر تشدداً، الذين يعدون الضغط العسكري السبيل الوحيد لكبح جماح إيران. ويتصدر هذا التيار وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي أكد في تصريحات حديثة أن البنتاغون «مستعد تماماً» للتحرك إذا رفضت طهران المفاوضات، مشيراً إلى خيارات عسكرية تشمل ضرب قوات الأمن والقيادة، ومنشآت الصواريخ الباليستية، أو برنامج التخصيب النووي.

وينضم إليه مستشارون متشددون في القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، قدموا للرئيس ترمب خيارات «حاسمة» تتضمن ضربات وقائية وأهدافاً من شأنها شل القدرات الصاروخية الإيرانية. كما يشاركهم هذا التوجه وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يشكك في جدوى أي مفاوضات لا تتناول ملف الصواريخ والوكلاء الإقليميين، معتبراً أن الضغط العسكري أداة أساسية. ويؤكد هذا الفريق أن الدبلوماسية وحدها قد تفضي إلى «شرعنة» النظام الإيراني، لا سيما في أعقاب قمع الاحتجاجات الذي أودى بحياة أكثر من 6400 متظاهر منذ ديسمبر (كانون الأول) 2025.

سيناريوهات للضربات

وضع فريق «الصقور» في الإدارة الأميركية سيناريوهات متعددة للضربات، تقوم أساساً على توجيه هجمات من مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»، إضافة إلى قاذفات قنابل استراتيجية تنطلق من قواعدها أو من قواعد أوروبية. وتشمل حزم الضربات الأميركية استخدام طائرات شبحية وذخائر موجهة بدقة، إلى جانب قصف منسّق يهدف إلى إرباك الدفاعات الجوية الإيرانية مع تقليص خسائر الطائرات الأميركية إلى أدنى حد.

ويقول مسؤولون في البنتاغون إن التطورات التكنولوجية في الأسلحة فرط الصوتية، إلى جانب التقدم في مجالات الحرب الإلكترونية والسيبرانية، من شأنها أن تمنح الولايات المتحدة مزايا كبيرة. ومع ذلك، يعتقد هؤلاء المسؤولون أن إيران استعدت لمثل هذا السيناريو عبر تحصين وتوزيع أصولها الحيوية، وبناء هياكل قيادة احتياطية، وتطوير منشآت واسعة تحت الأرض قادرة على الصمود أمام الضربات الأولية.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

فريق الحمائم

في المقابل، يدافع فريق «الحمائم» عن مسار دبلوماسي يقوم على مبدأ «السلام من خلال القوة»، مستخدمين التهديدات العسكرية أداةَ ضغط لا خياراً أولياً. ويقود هذا التوجه المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، الذي وصف جولة المفاوضات غير المباشرة في مسقط، يوم الجمعة الماضي، بأنها «بداية جيدة».

وانضم جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترمب، إلى ويتكوف في زيارة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» في بحر العرب، في رسالة تؤكد أن المفاوضات تُدار تحت مظلة القوة العسكرية، مع تركيزها على التوصل إلى اتفاق يقتصر على الملف النووي. كما يدعم نائب الرئيس جي دي فانس هذا النهج، محذّراً من أن الضربات المتسرعة قد تفضي إلى نتائج عكسية.

ويؤكد فريق «الحمائم» أن المطالب الأميركية تشمل وقف التخصيب، والحد من برنامج الصواريخ، وإنهاء دعم الحلفاء الإقليميين، في حين تصرّ إيران على أن الصواريخ والقضايا الإقليمية «غير قابلة للتفاوض».

ويحذّر الفريق من أن توجيه ضربات عسكرية قد يدفع إيران إلى استخدام إحدى أقوى أوراقها، وهو إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 21 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يقارب 21 في المائة من الإمدادات العالمية، وهو ما قد ينعكس بارتفاع حاد في أسعار النفط إلى مستويات قد تبلغ 200 دولار أو أكثر للبرميل، بما يخلّف أضراراً اقتصادية جسيمة. ورغم إيمان «الحمائم» بتفوّق القدرات العسكرية الأميركية وعدم قدرة إيران على تحقيق نصر عسكري، فإنهم يشيرون إلى قدرة طهران على جعل أي انتصار أميركي مكلفاً للغاية.

وتنقل مصادر في البيت الأبيض أن فريق ويتكوف يشدّد على إمكانية اتخاذ قرارات عقلانية عبر المفاوضات، ويرى أن إيران لن تخاطر بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز لما ينطوي عليه ذلك من أضرار بالغة بالاقتصاد الإيراني تفوق الأضرار التي قد تلحق باقتصادات خصومها. كما عرض ويتكوف مقترحات طرحها دبلوماسيون كبار من مصر وتركيا وقطر، تقضي بأن توقف إيران تخصيب اليورانيوم لمدة ثلاث سنوات، وتنقل مخزونها المخصّب إلى خارج البلاد، وتتعهد «بعدم البدء» باستخدام الصواريخ الباليستية.

وفي السياق نفسه، شكّكت صحيفة «نيويورك تايمز» في صبر ترمب على خوض مفاوضات طويلة، لكنها أشارت إلى حاجته لوقت من أجل تعزيز القوات الأميركية في المنطقة والاستعداد لمختلف سيناريوهات الرد الإيراني، مرجّحة منحه فرصة للدبلوماسية، وإن كانت مع شكوك حول مدتها.

جدوى المفاوضات

أشار الجنرال جاك كين، المحلل في شؤون الأمن القومي لدى شبكة «فوكس نيوز»، صباح الاثنين، إلى أن فتح باب المفاوضات مع إيران مرحلة تكررت سابقاً قبل بدء عملية «مطرقة منتصف الليل»، معرباً عن تشككه في جدواها. وقال: «أعتقد أن دوافع إيران في هذا المسار مزدوجة؛ أولاً إطالة أمد المفاوضات قدر الإمكان لتأجيل أي عملية عسكرية أميركية، بما يتيح لطهران الاستعداد بشكل أفضل للدفاع، وثانياً السعي إلى إبرام نوع من الاتفاق مع الأميركيين يمنحها تخفيفاً للعقوبات، وهو هدفها الواضح، لأن اقتصادها في حالة يرثى لها، ولا أمل في تعافيه».

صورة مجمعة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

وشدّد الجنرال السابق، الذي شغل منصب رئيس أركان الجيش الأميركي بين عامي 1999 و2003، على أن الخيار المفضّل هو الخيار العسكري، معتبراً أنه حتى في حال التوصل إلى اتفاق مع الإيرانيين «فإنهم سيغشّون ولن يتوقفوا عن زعزعة استقرار الشرق الأوسط»، وأن تمديد عمر النظام لسنوات أخرى «أمر غير منطقي».

وأضاف أن الخيار الأفضل، من وجهة نظره، هو تهيئة الظروف لانهيار النظام الإيراني، مرجّحاً تنفيذ عملية مشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة، مع الاستمرار في نقل الموارد العسكرية إلى المنطقة تحسباً لأي ردّ انتقامي إيراني، والتأكد من أن العملية العسكرية لن تكون محدودة أو قصيرة الأمد، بل حملة شاملة ذات هدف معلن يتمثل في تهيئة ظروف انهيار النظام الإيراني بكل مكوّناته وداعميه، وتدمير قدراته العسكرية، ولا سيما الصاروخية.