الصادق النيهوم... مؤلف «الكتاب الأخضر» للقذافي؟

الصادق النيهوم... مؤلف «الكتاب الأخضر» للقذافي؟
TT

الصادق النيهوم... مؤلف «الكتاب الأخضر» للقذافي؟

الصادق النيهوم... مؤلف «الكتاب الأخضر» للقذافي؟

مرت قبل أيام الذكرى السادسة والعشرين لرحيل الأديب المفكر السياسي الليبي الصادق النيهوم، 15 نوفمبر (تشرين الثاني) 1994.
وبهذه المناسبة، أصدرت «مجموعة الوسط للإعلام» التي تتخذ من القاهرة مقراً لها كتاباً بعنوان «الصادق النيهوم... جامع المختلف عليه»، قام بتحريره الروائي الناقد الليبي أحمد الفيتوري، وتضمن مقالات ودراسات بعضها ناقش أفكار النيهوم واحتفى به، وبعضها حاوره واختلف معه. وسعى الفيتوري من خلال الكتاب إلى منح القارئ «شيئاً من المعرفة بالصادق النيهوم».

علاقة المثقف بالسياسي
في مقدمته للمختارات التي انقسمت لأربعة أقسام: «في البدء»، و«دراسات في الأدب والفكر»، و«مقالات»، و«وثائق»، يقول الفيتوري إن «القارئ الحصيف سوف يدرك أن الكتاب يجمع وثائق تدل على الصادق النيهوم، وتؤشر إلى أنه مبدع ومفكر إشكالي، مثير للاختلاف حول شخصه كما حول أطروحاته، وقد شغل نفسه بالمختلف عليه منذ نعومة فكره، وبدء إبداعه... إن النيهوم طالته الكثير من الشائعات، منها أنه هو الذي ألف الكتاب الأخضر، لكنه نفى ذلك في حضور معمر القذافي نفسه، وكوكبة من الكتاب والمبدعين الليبيين، كان من ضمنهم الفيتوري، والكاتبة فوزية شلابي وزيرة الثقافة الليبية في عهد القذافي».
قصة هذه الواقعة حكاها الفيتوري في مقال بعنوان «الهيبي والعقيد»، وذكر أن النيهوم كان في صدارة الجلسة، ما يؤشر لأريحية واضحة كان يتمتع بها في حضرة القذافي، ويشير لمكانته الخاصة التي كان يحظى بها لديه. وقد تبين للفيتوري من سياق الجلسة، رغم نفي النيهوم، أن له دوراً رئيسياً في الكتابة والأفكار، لكن مسودة «الكتاب الأخضر» قد أُعيدت صياغتها دون رضى النيهوم.
وقد كان وراء علاقة النيهوم بالقذافي -كما يرى الفيتوري- كثير من «الطموحات التي رغب أن تقوده للسلطة، لكنه لم يصل إليها لأن العسكر ذهبوا لها من أقصر الطرق. أما هو، فقد سعى إليها من طريق طويل، فخسرها». وقد بدأت علاقة النيهوم المميزة بالقذافي عقب استيلائه على السُلطة بانقلابه العسكري في سبتمبر (أيلول) 1969. ففي تلك الفترة، عقد لقاءً موسعاً بالمثقفين الليبيين، توطدت خلاله العلاقة بينهما، وأصبح أمين «لجنة الدعوة والفكر في الاتحاد الاشتراكي»، لكن ذلك لم يُرضِ النيهوم، فسافر لبيروت، وهناك كتب خُطاطة فكرية نظرية، تمثل حلاً للمشكل السياسي الاجتماعي، قدمها في كُتيب تحت عنوان «نقاش» للاتحاد الاشتراكي. ولم يتم تداول الكتيب بشكلٍ عامٍ، لكن اعتمده القذافي فيما سماها «النظرية العالمية الثالثة»، مستفيداً فيه أيضاً من آراء الدكتور عصمت سيف الدولة، والكاتب السوداني بابكر كرار.
وفي مقال بعنوان «أو ليس الذي تنتظره بنيلوب» الذي جاء بمثابة مرثية للصادق النيهوم، تحدث الروائي إبراهيم الكوني عن تاريخ علاقته معه، ذاكراً أنها تعود إلى عام 1968، إبان انعقاد مؤتمر الأدباء الليبيين الأول، حيث «كان النيهوم نجمه بلا منازع»، ثم أشار إلى لقاء جمعه في مؤتمر أدباء المغرب العربي في مارس (آذار) عام 1969م، تعرف فيه أكثر على «شخصيته الأسطورية المشبعة بالروح البروتستانتية، وثقافته الموسوعية، وروح السخرية التي لم يفقدها إلى آخر يوم في حياته». وأشار الكوني لعلاقة الصادق النيهوم الملتبسة بزملائه الأدباء، خاصة بعد المناقشة العاصفة التي درات بينه وبين الكاتب عبد الله القويري عام 1973، في أثناء مؤتمر الأدباء الليبيين الثاني، وقال إنها خلقت جواً من سوء الفهم بينه وبين الوسط الثقافي في بلاده، استمر حتى بعد أن تخلى النيهوم عن مهامه بصفته أميناً لـ«لجنة الدعوة والفكر في الاتحاد الاشتراكي»، وانتقاله للإقامة في بيروت؛ وقد ألقى ذلك بظلاله الثقيلة على علاقته بزملائه حتى ساعة رحيله.

تجربة فكرية ملتبسة
أما الكاتب أحمد الماقني، فقد خصص مقاله عن التجربة الفكرية المُلتبسة للصادق النيهوم. وتحدث في هذا المقال عن بروز النيهوم في بداية الستينيات، ضمن وسط فكري تسيطر عليه المدارس التقليدية في الأدب والفكر، مشيراً إلى أن ذلك جاء نتيجة طبيعية لـ«سيادة الطبقة الليبرالية التي اعتمد عليها في تسويق أفكاره، وتحرير المقالة الليبية من جمود بنيويتها، ووضعها في إطار جديد، تتداخل فيه الرؤى والمرامي والأبعاد والصور».
أما الروائي الليبي أحمد إبراهيم الفقيه، فقدم صورة قلمية للنيهوم، قال فيها إن «دخوله لمعترك الحياة الثقافية والأدبية في بلاده كان عاصفاً، أزال جزءاً من البلادة التي كانت تغلف الناس والأشياء، وأنشأ ضجيجاً وصخباً، وأعاد الحياة للساحة الثقافية الخاملة. أما مقالاته، فلم تكن تقليدية لأن مشروعه كان منذ اللحظات الأولى معادياً للتقليد والتكرار والروتين».
وتضمن القسم الثاني من الكتاب مجموعة من الدراسات الأدبية حول إبداعات الصادق النيهوم، منها «في مشروع الصادق النيهوم الروائي» لرمزي الزايري، و«الخرافي في الرواية المغاربية المعاصرة: رواية (الحيوانات) للصادق النيهوم - نموذجاً» لحميد الجراري. كما كتبت هاجر العبيد دراسة حول «فن الأدب ومفهومه عند الصادق النيهوم». أما علي حرب، فقد تحدث عن «الفكر، ومسألة الصادق النيهوم من يأسر من؟»، وقدم حسن حنفي مقالاً بعنوان «الثورة من جنيف»، وعبد الباسط سيدا «الصادق النيهوم تشخيص شجاع لواقع مضطرب»، ولطيف الحبيب «الصادق النيهوم دفاعاً عن كارل ماركس»، وفيصل عبد الحسن «مفهوما المقدس والتنوير في فكر الصادق النيهوم»، ومحمد جلال كشك حول «الديمقراطية التي يبشرون بها» و«النيهوم عندما لا يكفي التمرد» طارق القزيري.
ومن المقالات الأخرى: «في نقد الفكر الإصلاحي - نموذج الصادق النيهوم» لإبراهيم أزروال، و«تنوير الصادق النيهوم - جدلية الواقع والفكرة» لأسامة آغي، و«في نقد الصادق النيهوم: تنويري أم محافظ؟» لضو الصغير، و«قضية المرأة... رجعية الصادق النيهوم وحداثة يوسف القويري» لأحمد البخاري.
وتضمن قسم «مقالات»: «ربع قرن على رحيل الصادق» لتركي الدخيل، و«تحية إلى الصادق النيهوم» للشاعر الفلسطيني الراحل سميح القاسم. وتضمن قسم «وثائق» مقالات لرياض الريس بعنوان «قبل الرحيل، بعد الرحيل» و«أول مقابلة أجريت مع الصادق النيهوم»، حاوره خلالها إبراهيم الكوني، ومقال «الظاهرة النيهومية» لعلي فهمي خشيم، و«الصادق النيهوم رساماً» لفتحي العريبي، و«في الذكرى العشرين لرحيل الصادق النيهوم» لمحمد الأصفر، ثم «رسائل متبادلة» لصديق رشاد الهوني، فضلاً عن أول مقال كتبه النيهوم بعنوان «شعب يكتب تاريخه بالأغنية»، وآخر مقال بعنوان «الطفل المسحور».


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً