لماذا استغرق الاعتراف بتأثير تسديد الكرة بالرأس على الدماغ 50 عاماً؟

مدربو الدوري الإنجليزي مستعدون لمنعها خلال التدريبات إذا أثبتت الأبحاث خطورتها

التسجيل بتسديد الرأس إحدى مهارات البرتغالي رونالدو  لكن هل يعلم مدى خطورتها؟ (رويترز)
التسجيل بتسديد الرأس إحدى مهارات البرتغالي رونالدو لكن هل يعلم مدى خطورتها؟ (رويترز)
TT

لماذا استغرق الاعتراف بتأثير تسديد الكرة بالرأس على الدماغ 50 عاماً؟

التسجيل بتسديد الرأس إحدى مهارات البرتغالي رونالدو  لكن هل يعلم مدى خطورتها؟ (رويترز)
التسجيل بتسديد الرأس إحدى مهارات البرتغالي رونالدو لكن هل يعلم مدى خطورتها؟ (رويترز)

يطرح بعض الأشخاص الذين نجري معهم لقاءات عدداً من الأسئلة أكثر من تلك التي يجيبون عنها. فبمجرد أن تتحدث إلى عائلات لاعبي كرة القدم السابقين الذين يعانون من الخرف، سوف يخبرونك بكل الأشياء الصغيرة التي حدثت في الماضي، والتي ينظرون إليها الآن وهم يطرحون كثيراً من الأسئلة بشأنها. فقد صرحت زوجة مدافع ميدلسبره، بيل غيتس، في حوار معنا عن الصداع النصفي الذي كان يعانى منه زوجها في بعض الأحيان بعد تسديد الكرة بالرأس في التدريبات.
وسمعت الأمر نفسه من نجل مهاجم هال سيتي، كريس شيلتون، الذي يتذكر كيف كان والده، عندما كان في منتصف الثلاثينيات من عمره، يذهب إلى طبيب متخصص لرؤية فحوصات الأشعة التي أجراها، ليخبره الطبيب بأن «عنقه كأنها لرجل في الثانية والتسعين من العمر». وفي النهاية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: لو كان شيلتون يعرف آنذاك ما ثبت اليوم هل كان سيواصل اللعب؟
من المؤكد أن معرفة تأثير تسديد الكرة بالرأس على الدماغ ليست مسؤولية اللاعبين أنفسهم لأنهم قد وضعوا ثقتهم في الرجال الذين يديرون اللعبة، وفي الأندية التي تعاقدت معهم، وفي الأطباء الذين يعتنون بهم.
هل كان جون أرلوت يعلم هذا عندما كتب في صحيفة «الغارديان» في عام 1969 يقول: «كان هناك محترفون آخرون أصيبوا بغثيان بسبب التأثير المستمر لتسديد الكرة الموحلة بجباههم. ومن المثير للدهشة أننا لا نسمع عن حالات تلف في الدماغ مماثلة لدى أولئك الذين يسددون الكرة برؤوسهم بشكل مستمر». إنه لشيء مفزع أن نقرأ تلك الكلمات في ضوء آخر ما تم الكشف عنه بشأن العلاقة بين الإصابة بالخرف وكرة القدم.
وأخيراً، بدأ المدربون يشعرون بالخطر من ضربات الرأس، وطالب بعضهم في أندية الدوري الإنجليزي الممتاز بمنعها خلال التدريبات، إذا أثبتت الأبحاث أنها تتسبب في الإصابة بالخرف مع تقدم العمر.
وتم تسليط الضوء على هذه القضية عقب وفاة لاعب منتخب إنجلترا السابق نوبي ستايلز الشهر الماضي. وأصيب ستايلز، وعدد من زملائه في منتخب إنجلترا الفائز بكأس العالم 1966، بالخرف قبل وفاتهم، بينما كشفت زوجة بوبي تشارلتون (83 عاماً) عن معاناة لاعب مانشستر يونايتد الشهير من الخرف أيضاً في الآونة الأخيرة.
وعن ذلك، قال سلافن بيليتش، مدرب وست بروميتش ألبيون: «إذا أثبتت الأبحاث أن ضرب الكرة بالرأس 10 مرات خلال التدريبات سيسبب الخرف، فعلينا منع ذلك». كما قال فرانك لامبارد، مدرب تشيلسي، إنه يفكر حالياً في أسلوب تدريب لاعبيه، وإنه يفضل منع ضرب الكرة بالرأس خلال تدريبات الشبان والناشئين قبل تطبيق ذلك على لاعبي الصف الأول. وأضاف لامبارد: «علينا القيام بأي شيء من شأنه جعل الوضع أكثر أمانا».
وقال دين سميث، مدرب أستون فيلا، الذي عانى والده من الخرف قبل وفاته بفيروس كورونا، إنه يتفق مع آراء بيليتش، فيما يتعلق بضرورة إجراء مزيد من الأبحاث في هذا الجانب.
وأردف سميث: «للأسف، أصبح ألزهايمر والخرف أكثر شيوعاً حول العالم حالياً، لكني أعتقد أنه يتعين علينا التحرك، إذا تبين وجود علاقة بين ضرب الكرة بالرأس والإصابة بالخرف».
وفي مارس (آذار) عام 1973، قدم البروفسور بيل جونسون ورقة إلى أعضاء نقابة المهندسين في مانشستر. وفي ذلك الوقت، كان جونسون رئيساً لقسم الهندسة الميكانيكية في معهد العلوم والتكنولوجيا التابع لجامعة مانشستر. وتخصص جونسون في اللدونة وصناعة البلاستيك، لكن كانت لديه أوراق بحثية جانبية في الكتابة عن الميكانيكا التطبيقية، ومن بينها ورقة بحثية عن تأثير تسديد الكرة بالرأس.
وبعد ما يقرب من 20 عاماً، ذكر عضو في نقابة المهندسين في مانشستر تفاصيل ذلك الاجتماع، في رسالة إلى صحيفة «الغارديان»، حيث كتب: «في المناقشة التالية، جرى بحث آليات التعرض للضربة القاضية في الملاكمة، وتسديد الكرة بالرأس في لعبة كرة القدم. لقد لوحظ أن لاعبي كرة القدم المحترفين لا يبذلون أي محاولة -بشكل غريزي- لتسديد الكرة بالرأس إذا كانت تتحرك بسرعة تزيد على 40 ميلاً في الساعة، للحفاظ على الضرر الذي يلحق بالدماغ عند مستوى مقبول».
ويبدو أن المحادثة التي يتذكرها هذا العضو قد استحوذت على خيال جونسون الذي قام بعد ذلك بإجراء تجربة في مختبره، تتضمن مقياس تسارع، وقبعة غوص، واثنين من أشعة الضوء، ومرآتين، وخلية كهروضوئية، وكثيراً من الخيط. وسمحت تلك التجربة لجونسون بقياس سرعة الكرة، وتسارع الرأس بعد الاصطدام، ومن ثم حساب النتائج على مؤشر يسمى «مؤشر شدة جاد» الذي يستخدم لتقييم تأثير التصادم في السيارة على السائق. وقد وجد جونسون أن تسديد الكرة لمرة واحدة «من غير المحتمل أن يكون ضاراً»، لكن النتائج ستكون مختلفة في حال تسديد الكرة أكثر من مرة، وفي حال وجود أي دوران في الرأس.
وأوضح جونسون أيضاً أن عمله يشير فقط إلى «توجيه ضربة واحدة، يحتمل أن تكون ارتجاجية، ولا يتطرق مطلقاً لمشكلة آثار الضربات المتكررة». واعترف جونسون بأن المشكلة تكمن في تسديد الكرات المتكررة، أو ما وصفه بالضربات المتكررة، قائلاً: «يعرف كثيرون ممن لعبوا كرة القدم أن تسديد الكرة بالرأس أكثر من مرة قد يسبب لهم الصداع. ومن غير المعروف ما هو عدد الضربات المتكررة التي تؤدي إلى تلف دائم في الدماغ أو إلى ضعف سريع الزوال. وقد يأخذنا هذا الأمر لنتساءل عما إذا كانت الضربات ذات الشدة المتواضعة، المتكررة في أقل فترة زمنية، تتسبب أيضاً في مثل هذه الأضرار أم لا». لقد بات من المقبول الآن على نطاق واسع أن مثل هذه الضربات المتواضعة المتكررة تسبب ضرراً في الدماغ أيضاً.
ولم يكن جونسون متخصصاً طبياً، لكنه كان مدفوعاً لإمعان النظر في هذه القضية لأنه كان يدرك أن هناك مجموعة متزايدة من الأدلة على أن هذا الأمر يمثل مصدر قلق كبير. واستشهد جونسون بمقال نُشر عام 1972 في المجلة الطبية البريطانية، بقلم دبليو بي ماثيوز، الذي أبلغ عن حالات «صداع نصفي، بما في ذلك مشكلات في البصر، ظهرت مراراً لدى 5 لاعبين شباب مباشرة بعد تسديدهم للكرات بالرأس في أثناء لعب كرة القدم».
ويشير جونسون أيضاً إلى مقال نُشر في صحيفة «صنداي تايمز» في عام 1974، أشار إلى أن «من بين 55 لاعباً ورد ذكرهم في الصحيفة ممن فارقوا الحياة في كرة القدم منذ عام 1951، أصيب 26 منهم في الرأس، وأن 8 منهم قالت تحقيقات الطب الشرعي إنهم لقوا حتفهم بسبب تسديد الكرة بالرأس».
وكان جونسون يطرح الأسئلة الصحيحة، وقد توصل إلى الاستنتاجات الصحيحة أيضاً، حيث كتب: «من الواضح تماماً أن هناك حاجة لمزيد من المناقشات والقياسات البحثية المضبوطة حول هذا الموضوع، إذا كنا نرغب في معرفة تداعيات تسديد الكرة بالرأس على الدماغ».
وإذا كان هذا السطر الأخير يبدو مألوفاً، فيعود ذلك إلى أنه ربما يكون له صدى في البيان الذي أصدرته جمعية ألزهايمر هذا الأسبوع، والذي قال: «توافق جمعية ألزهايمر على أن هناك حاجة إلى مزيد من البحث في العلاقة المحتملة بين تسديد الكرة بالرأس والخرف». ويمكننا أيضاً أن نقرأ شيئاً مماثلاً في إجماع برلين لعام 2017 بشأن الارتجاج، وهو المستند الذي يشكل سياسة وممارسة الارتجاج في جميع الرياضات العالمية، حيث قال: «ومع ذلك، هناك الكثير لنتعلمه حول العلاقة المحتملة بين التعرض للضربات المتكررة في الرأس والارتجاجات».
وبعد خمسين عاماً، ما زلنا نتحدث عن كيفية إجراء مزيد من الأبحاث. وبعد مرور خمسين عاماً، يبدو أننا ما زلنا نكتشف هذه المشكلة من جديد. لكن ماذا لو كان الناس يتحدثون عن هذه المشكلة ويكتبون عنها ويدرسونها ويعانون منها طوال الوقت؟ وبالتالي، فإن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: لماذا استغرق الأمر كل هذا الوقت حتى نلاحظ العلاقة بين ضربات الرأس والخرف؟



نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.