صمت الجمهوريين إزاء تحدي ترمب... رهان محسوب أم مخاطرة تاريخية؟

رودي جولياني لدى عقده مؤتمراً صحافياً في واشنطن الخميس (أ.ب)
رودي جولياني لدى عقده مؤتمراً صحافياً في واشنطن الخميس (أ.ب)
TT

صمت الجمهوريين إزاء تحدي ترمب... رهان محسوب أم مخاطرة تاريخية؟

رودي جولياني لدى عقده مؤتمراً صحافياً في واشنطن الخميس (أ.ب)
رودي جولياني لدى عقده مؤتمراً صحافياً في واشنطن الخميس (أ.ب)

دخل الجمهوريون في الكونغرس الأميركي في رهان محفوف بالمخاطر، لكنه محسوب، بأنه بمجرد أن يستنفد الرئيس دونالد ترمب جهوده القانونية لتحدي نتائج الانتخابات، سيتقبل خسارته أمام الرئيس المنتخب جو بايدن.
لكن ما حدث هو العكس، كما يوضح تقرير لوكالة «أسوشيتد برس». فمع تداعي القضايا واحدة تلو الأخرى، يعمل ترمب على مضاعفة جهوده لتعطيل نتيجة الانتخابات. وبدلاً من قبول الأمر الواقع، يعمد الرئيس إلى استغلال ثِقَل مكتبه في مسعى لقلب النتيجة لصالحه. واستدعى أعضاء الكونغرس عن ولاية ميشيغان إلى البيت الأبيض الجمعة، بعد أن تواصل شخصياً مع مسؤولي الحزب الجمهوري، قبل انتهاء مهلة الأسبوع المقبل المقررة للتصديق على نتائج الانتخابات، وربما يستدعي آخرين من بنسلفانيا على نحو مماثل إلى البيت الأبيض.
وتطورت استراتيجية الجمهوريين بمنح الرئيس وقتاً كافياً لإدراك وقبول هزيمته الانتخابية، إلى تحدٍ غير مسبوق من طرفه لنتائج الانتخابات لم تشهد له الولايات المتحدة مثيلاً منذ الحرب الأهلية.
وفي هذا السياق، قال المؤرخ الرئاسي دوغلاس برينكلي، الأستاذ بجامعة «رايس» في تكساس: «لقد تمادى الحزب الجمهوري في صبره على الموقف المتجهم للرئيس». وتحلى غالبية المشرعين الجمهوريين بصمت حذر تجاه رفض الرئيس ترمب نتائج الانتخابات، في استمرارية لمحاولات استرضائه التي استمرت 4 سنوات. وباستثناء بعض الأصوات المنتقدة لسيد البيت الأبيض، سمح غالبية الجمهوريين لترمب بشن هجوم غير مبرر على الانتخابات يهدد بتآكل الثقة الشعبية، وإعاقة انتقال سلس للسلطة. وقال برينكلي إن «ما يحدث يجعل نجوم المستقبل في الحزب الجمهوري تبدو خافتة صغيرة، وسيتحمل أعضاء مجلس الشيوخ تبعات تدليل ترمب بعد خسارته».
وانطلق الجمهوريون من فرضية بسيطة، هي أن يتوجه الرئيس ترمب إلى المحاكم، في حال كان متخوفاً من تزوير واسع النطاق للأصوات، كما يزعم. تتيح هذه الفرضية كسب الوقت، ومنح الرئيس فرصة لتقديم الأدلة، وربما إقناع بعض أنصاره المتحمسين بالنتائج. والآن، فاز بايدن بنحو 80 مليون صوت، مقابل 74 مليون صوت لترمب.
لكن ما حدث هو أن الفشل لاحق ترمب الذي خسر قضية تلو الأخرى في كل الولايات التي أقام فيها دعاوى قضائية، بدءاً من أريزونا انتهاء بجورجيا. وقد طالب ترمب بإعادة فرز الأصوات الجمعة الماضية في مقاطعتين بولاية ويسكونسن، ومن المتوقع اتخاذ مزيد من الإجراءات القانونية هناك، فيما لا تزال هناك قضايا معلقة في مناطق أخرى. ولم تظهر أدلة على انتشار تزوير بين الناخبين على نطاق واسع، بصورة يمكن أن تغير النتائج.
ومع اقتراب موعد مصادقة الولايات على نتائج الاقتراع الخاصة بها، سيضطر المشرعون الجمهوريون إلى اتخاذ موقف حازم. فمن المتوقع أن تصدق الولايات جميعها على نتائج الانتخابات بحلول 6 ديسمبر (كانون الأول)، ويتطلع المشرعون الجمهوريون إلى الموعد النهائي الذي حدده «المجمع الانتخابي» في 4 ديسمبر (كانون الأول)، بصفته النهاية الرسمية لفترة ولاية ترمب.
وفي هذا الموعد، سيصرح مشرعو الحزب الجمهوري علانية، على الأرجح، بما همس به كثير منهم بالفعل في جلساتهم الخاصة، وهو أن بايدن قد فاز في الانتخابات الرئاسية.
لكن ليس هناك ما يضمن نجاح رهانهم. فبدلاً من السير وراء حجة الحزب الجمهوري التي تدور حول عد الأصوات الصحيحة، وإبطال غير القانونية، فإن ترمب يحاول فيما هو أوسع نطاقاً لقلب النتائج رأساً على عقب. فقد تحدث ترمب علناً عن تعيين أنصاره كباراً للناخبين في إطار «المجمع الانتخابي» الذي يتشكل وفق نتيجة الاقتراع في كل ولاية. وقال ترمب، الجمعة، في كلمة بالبيت الأبيض: «لقد فزت بالمناسبة، وسوف ترون ذلك».
ولم يرد أي من كبار الجمهوريين في مجلسي النواب والشيوخ بشكل مباشر الجمعة عندما سألت وكالة «أسوشيتد برس» عما إذا كانوا يعتقدون أن الولايات لديها أي سبب يمنعها من التصديق على نتائج الانتخابات. وكانت النائبة الجمهورية ليز تشيني، ابنة نائب الرئيس السابق ديك تشيني، هي الوحيدة التي قالت إذا كان ترمب غير راض عن نتيجة الانتخابات القانونية، فإنه يستطيع أن يستأنف الحكم.
وفي تصريح للوكالة، قالت تشيني: «إذا لم يتمكن الرئيس من إثبات هذه المزاعم أو إثبات أنه قد يغير نتيجة الانتخابات، فيتعين عليه أن ينفذ القسم الذي أداه بالحفاظ على دستور الولايات المتحدة وحمايته والدفاع عنه، من خلال احترام قدسية عمليتنا الانتخابية».
ومن جهته، قال السيناتور بات توومي، من ولاية بنسلفانيا التي كانت أرض معركة انتخابية ساخنة، إنه يعتقد أن «الولايات لا بد أن تصدق على نتائجها» وفقاً لقوانين الانتخابات، وأنه بمجرد مصادقة الولايات «يجب على الأطراف المعنية كافة قبول هذه النتائج». في ولاية بنسلفانيا «القانون لا لبس فيه، فالفائز بالانتخابات الشعبية في الولاية يحصل على أصوات المجمع الانتخابي».
ومع استمرار حالة الإغلاق الجزئي للكونغرس بسبب أزمة «كوفيد-19»، يمكن للمشرعين تفادي الأسئلة بشأن مواقفهم. وفي هذا السياق، قال السيناتور جوش هاولي، العضو الجمهوري عن ولاية ميسوري، الجمعة، إنه لم يكن على دراية حقيقية بما كان يقوم به ترمب لدعوة مشرعي ميشيغان إلى البيت الأبيض. وفي الكونغرس، في أثناء افتتاحه لجلسة مجلس الشيوخ، قال هاولي: «ليس لدي في واقع الأمر ما يقلقني بشأن نتائج الانتخابات». وعندما سُئِل إذا ما كان بوسع ترمب أن يقلب نتائج الانتخابات، قال هاولي: «كل شيء ممكن».
ويفضل الجمهوريون تفادي استفزاز الرئيس، وانتظار أن تتضح الأمور مع مرور الوقت. كانت تلك هي الاستراتيجية التي استخدمها الحزب طيلة فترة رئاسة ترمب، وهي البقاء بالقرب منه حتى لا ينفر أنصاره الذين يحتاجون إلى إعادة انتخاباتهم البرلمانية الخاصة.
فمع انتخابات الإعادة المقبلة لمقعدي مجلس الشيوخ في جورجيا التي ستقرر أي الحزبين سيسيطر على المجلس في يناير (كانون الثاني)، فإن الجمهوريين مرهونون بأنصار ترمب الذين يحتاجون إلى أصواتهم.
وحاول زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل تصوير أحداث هذا الأسبوع على أنها عادية، وقال: «في كل الانتخابات الرئاسية، نخوض هذه العملية. وكل ما نقوله عن الأمر لا يهم»، مضيفاً أنه بمجرد الحصول على تصديق الولايات، فسوف تنتهي الانتخابات. وأضاف أن «أحد أوجه النظام الانتخابي الأميركي يتلخص في أن لدينا خمسين طريقة منفصلة لإدارة هذه الانتخابات. فالقرارات بشأن الكيفية التي تنتهي بها الانتخابات تحسم في خمسين مكان مختلف».
ومن جانبه، أشار مكتب النائب الجمهوري كيفن مكارثي، زعيم الأقلية في مجلس النواب، إلى تعليقاته في وقت سابق من هذا الأسبوع، حين قال: «يتعين على الولايات أن تنهي أعمالها»، وبالفعل لا تزال الأرقام والتصديقات تتوالى من الولايات.
وصادقت جورجيا على نتائجها الجمعة، بعد أن توصلت عملية إعادة فرز للأصوات إلى أن بايدن فاز بهامش 12670 صوتاً، ليصبح أول مرشح رئاسي ديمقراطي يفوز بالولاية منذ عام 1992. ومن المقرر أن تصدق ميشيغان على نتائجها الاثنين، وستتبعها بنسلفانيا قريباً. ومن المقرر أن يقدم الناخبون الكبار أصواتهم يوم 6 يناير (كانون الثاني)؛ أي قبل أسبوعين من حفل التنصيب في الـ20 من الشهر ذاته.



بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».


ترمب يدعو إلى «معاهدة جديدة محسنة ومحدّثة» مع روسيا بعد انتهاء مفاعيل «نيو ستارت»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

ترمب يدعو إلى «معاهدة جديدة محسنة ومحدّثة» مع روسيا بعد انتهاء مفاعيل «نيو ستارت»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب الخميس إلى إبرام «معاهدة جديدة محسنة ومحدّثة» مع روسيا، وذلك بعد انتهاء مفاعيل «نيو ستارت» آخر معاهدة للحد من الأسلحة النووية بين البلدين.

وكتب الرئيس الأميركي على منصته «تروث سوشيال»: «بدلاً من تمديد معاهدة نيو ستارت، ينبغي أن نطلب من خبرائنا النوويين العمل على معاهدة جديدة محسنة ومحدّثة يمكنها أن تدوم في المستقبل».

وانتهت مفاعيل معاهدة «نيو ستارت» الخميس، ما يشكّل نقطة تحوّل رئيسية في تاريخ الحدّ من التسلح منذ الحرب الباردة، ويثير مخاوف من انتشار الأسلحة النووية.