رحيل سعيد الكفراوي... الحكاء الناسك

صاحب «مجرى العيون» و«دوائر الحنين» ظل يبحث عن كتابة تشبهه

سعيد الكفراوي
سعيد الكفراوي
TT

رحيل سعيد الكفراوي... الحكاء الناسك

سعيد الكفراوي
سعيد الكفراوي

بعد رحلة خصبة من الإبداع ومحبة الحياة والكتابة وصراع مع أمراض الشيخوخة، فقدت الحياة الثقافية المصرية والعربية القاص سعيد الكفراوي الذي غيبه الموت صباح أمس ببيته بالقاهرة عن عمر يناهز 81 عاماً.
ينتمي سعيد الكفراوي إلى جيل الستينيات الأدبي في مصر، وكرس حياته لكتابة القصة القصيرة، واستطاع من خلال أعماله القصصية أن يصنع في فضائها المتنوع جدارته وتميزه وأسلوبه الخاص. ورغم ذلك ظلت الرواية حلماً يطارده من وقت لآخر، ونقطة حنين غائمة في مشواره الأدبي، حتى أنه تحدث في أكثر من لقاء وحوار معه، عن أسماء لروايات يحضر لكتابتها، لافتاً إلى أن كتابة الرواية تحتاج إلى جهد روحي، ومعايشة خاصة، لأزمنة وصراعات وحيوات شخوص، لهم طرائقهم المتقلبة في التعامل مع الحياة، وحسبما قال: «كان لدي العديد من مشاريع لروايات لم تكتب، ومنها (حافة الخليج)، وهي عن تجربة مدرس مصري مغترب يعمل في بلد عربي، وتركز في مجملها على القصاص وقسوة الواقع، ومن فترة طويلة كانت لديّ فكرة رواية أخرى، عن شخص اسمه بطرس الصياد، وهو مسيحي أنتج فليماً عن تجلي العذراء، ما أثار العديد من الإشكاليات مع من حوله... كلها مشاريع، لكن على أرض الواقع لا يوجد شيء، لأني حقيقة لم أستنفد غرضي مع القصة القصيرة، فعبرها أحاول أن أفهم أرواح الناس، من خلال كتابة تشبهني، تفرضها طبيعة الكتابة».
ولد سعيد الكفراوي في قرية كفر حجازي بمدينة المحلة الكبرى بمحافظة الغربية (وسط دلتا مصر) في عام 1939. وقضى فترة صباه بها، وبدأ شغفه بالكتابة والأدب مبكراً. فمع بداية الستينيات كون نادياً أدبياً في قصر ثقافة المحلة الكبرى مع كوكبة من أصدقائه، منهم: الدكتور جابر عصفور، والكاتبان محمد المنسي قنديل، وجار النبي الحلو، والدكتور نصر حامد أبو زيد، والشاعران محمد صالح، وفريد أبو سعدة. لفت هذا التجمع الأدبي الأنظار إليه بقوة في تلك الفترة، حيث كشف عن أصوات تتمتع برؤى وأفكار بكر مهمة في حقل الإبداع والنقد الأدبي والبحث العلمي، استطاعت خلال سنوات أن يكون لها حضورها المرموق في الحياة الثقافية والعمل الثقافي العام.
ترك الكفراوي حصيلة إبداعية متنوعة وخصبة في مجال القصة القصيرة، بلغت نحو 14 مجموعة قصصية، من أبرزها: «مدينة الموت الجميل»، «سترة العورة»، «سدرة المنتهى»، «مجرى العيون»، «دوائر من حنين»، «بيت للعابرين»، «كشك الموسيقى»، و«البغدادية»، و«يا قلب مين يشتريك». وفي عام 2015 قامت الدر المصرية اللبنانية للنشر بالقاهرة بطباعة أعماله في مجلدين أنيقين، صمم الغلاف لهما والرسوم الداخلية وأشرف على الطباعة فنياً نجله الفنان الشاب عمرو الكفراوي.
تبرز في قصص سعيد الكفراوي مسحة من الزهد والنسك، وتتشكل بتنويعات ورؤى مختلفة فنياً وفكرياً، وانتقالات سردية مباغتة، لكنها تظل مسكونة بالسؤال كركيزة أساسية لمحاولة فهم الذات والعالم المحيط بها، ينعكس كل هذا على عجينة القص، حيث يتلاقح الغرائبي المشدود لبراح المجهول والمكبوت، بالواقعي المؤطر بدبيب البشر وأحلامهم البسيطة في التشبث بالأمل وإرادة الحياة، وهو ما يوفر مساحة لجدلية كاشفة، يتحول فيها الواقع إلى كابوس، والعكس أيضاً، وهي جدلية متجددة، تكاد تشكل حجر الرؤية ومحور الإيقاع في فضاء معظم أعماله، كما يتميز بناؤه الفني بالحفر في دوائر الوعي واللاوعي، الإمكان واللاإمكان، بتنوعها وتجذرها الإنساني اللافت، كاشفاً في الوقت نفسه، عن المناطق المعتمة في النفس البشرية والمتناثرة في مراوحات الحنين والرغبة والحب والشغف بالحياة، وهي مناطق حميمة، يتهددها الموت بأشكال عدة.
ويدين الكفراوي في مشروعه القصصي لعالم القرية بكل تجلياته وأزمنته، فهذا العالم المسكون بالخوف والقلق والفقر، وبداهة السؤال واليقين والمعرفة، ظل مفعماً بالطزاجة والعفوية والدهشة ورافداً أساسياً لصناعة الدهشة في معظم أعماله.
عن هذا الهم يقول الكفراوي، «أحاول في كتاباتي البحث عن نبرة تشبهني، وبقدر استطاعتي أضيق المساحة بين صوتي الكاتب والشخصية. فالقصة القصيرة، كما قال إدوارد الخراط، نبوءة نواجه من خلالها أهوال الحياة والموت. إنها فعلاً نبوءة أو حلم، حتى لو كانت مادتها الواقع الذي نحياه. لقد أثار أنطون تشيخوف انتباه العالم بقصصه عن الإنسان وأحواله، وكان مخلصاً إلى حد جعلنا لا نخجل من حياتنا أبداً».
ومن المواقف الفارقة في حياة سعيد الكفراوي، تعرضه للاعتقال لمدة 6 أشهر سنة 1970، قبيل أيام من وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، بسبب قصة كتبها بعنوان «المهرة» فُسرت بطريقة سياسية معينة، وبعد خروجه من المعتقل حكى ما حدث له لنجيب محفوظ، فأخبره أنه استوحى مما رواه له عما جرى له في المعقل شخصية إسماعيل الشيخ في روايته «الكرنك».
تمتع سعيد الكفراوي بحالة من المحبة والتقدير في الوسط الثقافي المصري، وكان يشارك في معظم الفعاليات الثقافية المهمة، لكن نشاطه قل في الفترة الأخيرة، خصوصاً بعد فقده زوجته ورفيقة عمره قبل نحو ثلاث سنوات.
حصل على جائزة السلطان قابوس للقصة القصيرة، وترجم عدد من أعماله إلى اللغات الأجنبية منها، الإنجليزية والفرنسية والألمانية والتركية والسويدية والدنماركية. كما أنتجت مؤسسة السينما العراقية فيلماً عن قصته «الفلاح والرئيس»، بعنوان «مطاوع وبهية».
وفور إعلان خبر رحيله تحولت مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، لا سيما «فيسبوك» الأكثر انتشاراً بين المصريين، إلى ما يشبه سرادق عزاء، واتشحت حسابات القراء والأدباء والباحثين بالسواد في وداع الكاتب الكبير الذي يكن له الجميع من مختلف الأجيال محبة شديدة، نظراً لما تمتع به على المستوى الإنساني من نقاء وزهد وبعد عن المعارك المعتادة في الوسط الثقافي.
جاءت كلمات وتعليقات رفاق درب الكفراوي الأكثر إيلاماً وشجناً، فمن جانبه علق الكاتب الكبير إبراهيم عبد المجيد، مؤكداً أن الكفراوي في أيامه الأخيرة كان يطالبه بأن يدعو له بالرحيل سريعاً بعد وفاة زوجة الأول السيدة «أحلام»، ليلحق بها في حياة أخرى، فينخرط عبد المجيد في البكاء. ويختتم صاحب «لا أحد ينام في الإسكندرية» تعليقه قائلاً: «الآن لم يتبق لي سوى الفراغ والعدم».
ومن مجايلي الراحل الكبير، الروائي محمود الورداني الذي يكتب باقتضاب: «مع السلامة يا سعيد، لن أتأخر عليك كثيراً، انتظرني!». بينما أعرب الباحث والمؤرخ الفني محمود قاسم، عن حزنه الشديد لأنه كان يريد أن يموت قبله كي يدفنه الكفراوي الذي وصفه بـ«الشهم» و«النبيل».
وبكلمات تلقائية حائرة لم تفق بعد من الصدمة، كتب الناشر محمد هاشم صاحب دار «ميريت» قائلاً: «ما أسوأ هذا الخبر المؤلم، وما أعظم الفجيعة، لن ننسي حنوك الغامر ومحبتك الطاغية للناس والكتابة، من لقلب وسط البلد الآن يا عم سعيد؟ وداعاً أيها الكبير كاتباً وإنساناً. كل كلمات العزاء لا تعبر عن الحزن قلبي معك يا صديقي عمري وقلبي. مع كل أحبابك والعارفين بأفضالك ومقامك».
وكتب الشاعر الإعلامي المغربي ياسين عدنان، يقول: «سعيد الكفراوي يغادرنا اليوم. رجل من أكرم الناس وأعذبهم وأخدمهم للناس. حين زرت القاهرة أول مرة قبل عشرين سنة وطبعتُ فيها مجموعتي القصصية الأولى عند دار ميريت، كان هو والصديق الشاعر شعبان يوسف من تكفلا بتقديمي للقراء والأصدقاء في معرض القاهرة للكتاب، وحينما عدتُ إلى القاهرة قبل سنتين للشروع في مغامرة إعلامية جديدة عنوانها برنامج تلفزيوني هو (بيت ياسين)، لجأت إليه ليكون ضيفي الأول. بفضل سحر هذا الرجل الفياض: بالقصص، المشاعر... العربية تفقد اليوم ناسكها».



احتفالات المولد النبوي في مصر... طقوس روحانية مُفعمة بالبهجة

مواطنون من مختلف الأعمار في احتفال ليلة المولد بالأقصر (حساب الأقصر اليوم على «فيسبوك»)
مواطنون من مختلف الأعمار في احتفال ليلة المولد بالأقصر (حساب الأقصر اليوم على «فيسبوك»)
TT

احتفالات المولد النبوي في مصر... طقوس روحانية مُفعمة بالبهجة

مواطنون من مختلف الأعمار في احتفال ليلة المولد بالأقصر (حساب الأقصر اليوم على «فيسبوك»)
مواطنون من مختلف الأعمار في احتفال ليلة المولد بالأقصر (حساب الأقصر اليوم على «فيسبوك»)

بمزيج من الروحانية والبهجة الشعبية، احتفل مصريون بحلول ذكرى المولد النبوي الشريف، عبر الفعاليات الدينية، والمواكب الجماهيرية، وإحياء المظاهر الفلكلورية المرتبطة بالمناسبة منذ عشرات السنين.

وفي حين شملت الاحتفالات الرسمية تنظيم الأمسيات الدينية والندوات في المساجد الكبرى، التي تتناول السيرة النبوية ومآثر الرسول صلى الله عليه وسلم وأخلاقه الكريمة؛ تنوعت الاحتفالات الشعبية بين حلقات الذكر والابتهالات، وخروج المسيرات والمواكب التي تتغنى بالأناشيد الروحانية على نقرات الطبول والدفوف، إلى جانب إعداد الأطباق التقليدية وتوزيع الحلوى في الشوارع.

ويشهد محيط مسجد الحسين بالقاهرة، أبرز احتفالات المولد النبوي الشريف، حيث تجتذب المنطقة آلاف المواطنين، حيث تقام السرادقات التي تستقبل الزوار القادمين من المحافظات، للمشاركة في إحياء الذكرى بالمدائح النبوية والابتهالات الدينية، ما يجعل المنطقة بؤرة شديدة الزحام.

مصرية تطالع «حصان السكر» ضمن احتفالات المولد النبوي (أرشيفية- رويترز)

وتمتد مظاهر الاحتفال إلى مختلف المحافظات، التي ترسم لوحة مفعمة بالبهجة والعادات المتوارثة، تعبيراً عن الفرح بالمناسبة العطرة، وحفاظاً على التراث الثقافي المحبب للشخصية المصرية.

وتعكس احتفالات المولد النبوي في مصر خصوصية كل محافظة، ومن أبرزها ما شهدته محافظة الأقصر (جنوب مصر)، ففي قرية «منشأة العماري»، تستمر الاحتفالات لمدة 10 أيام، وتضم مجالس ذكر وسباقات خيول وعزف فرق المزمار والربابة وحلقات تحطيب. ويشارك في هذه الاحتفالات عشرات الآلاف من أبناء الأقصر والمحافظات المجاورة، فضلاً عن العديد من السائحين.

كما شهدت منطقة الكرنك بالأقصر أجواءً احتفالية، حيث نظّم أبناء المنطقة ما يُعرف بـ«دورة المولد»، وهي مسيرة شعبية تجوب عدداً من الشوارع، وسط مشاركة واسعة من الأهالي والأسر والأطفال.

وفي مدينة نقادة بمحافظة قنا (جنوب مصر)، خرجت مواكب بالجمال ومسيرات بالسيارات احتفالاً بالمولد النبوي الشريف، وتضمنت الفعاليات تجمعات دينية وشعبية، حيث ردّد الأهالي الأناشيد والمدائح النبوية وسط أجواء من المحبة والفرحة، مع توزيع الحلوى على المارة. وفي مدينة دشنا بالمحافظة، نُظمت مواكب كبيرة بالمدائح النبوية، لتتحول الشوارع إلى ساحات احتفالية عارمة تجمع بين الطابع الديني والبهجة الشعبية.

أما في المنيا، فقد نُظمت مسيرات حاشدة انطلقت من أمام المساجد الكبرى وطافت الشوارع، ورُفعت خلالها الأعلام والرايات الخضراء التي تحمل آيات قرآنية وعبارات احتفالية، في حين ردّد المشاركون المدائح النبوية عبر مكبرات الصوت، في مشهد جماهيري معتاد.

مواطنون بمحافظة الأقصر جنوب مصر في احتفال ديني بالمولد النبوي (حساب بوابة الأقصر على «فيسبوك»)

وفي الإسكندرية شمالاً، ظهر حرص الأهالي على عادة شعبية متوارثة في يوم المولد النبوي، حيث يُعدّ «الشربات بالموز» ويُوزّع في الشوارع على المارة وراكبي السيارات، التي تتوقف بدورها ليشارك الجميع في احتساء المشروب، ما يُضفي على الاحتفال طابعاً من الفرح الجماعي.

وهي العادة التي انتقلت إلى مدينة كفر الدوار بمحافظة البحيرة (دلتا مصر)، حيث تسابق الأهالي في توزيع الشربات بالموز، إلى جانب الساندويتشات، على المواطنين.

وفي شوارع دمياط، أضفت عروض رقص التنورة أجواء فنية مميزة على الاحتفالات، حيث امتزج الفن الشعبي بالمدائح الدينية.

وأوضح الباحث في التراث الشعبي محمد الدسوقي أن «المصريين يميلون بطبيعتهم إلى الشكل الاحتفالي في المناسبات الدينية»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «ذكرى المولد النبوي مناسبة تتحول دائماً إلى تظاهرة فنية مبهجة، وسط حالة فلكلورية مميزة، مع انتشار شوادر بيع حلوى المولد الشهيرة. وهذه المظاهر ليست استثناءً، بل جزء من ثقافة شعبية متجذرة، إذ يحرص كثيرون على إحياء الموالد، لكون الشعب المصري معجوناً بالفلكلور والجمال والمحبة».

احتفالات المولد النبوي في مصر تحمل خصوصية لكل محافظة (حساب الأقصر اليوم على «فيسبوك»)

ويشير إلى أن أكثر هذه المظاهر تجلياً يكون عبر الطعام، إذ ترتبط كل مناسبة بأطباق وحلوى مخصوصة، بوصفه نوعاً من الاحتفال الفلكلوري. وعلى سبيل المثال، ليست «عروسة المولد» الشهيرة مجرد حلوى، بل هي امتداد لرمز الخير المرتبط بفيض النيل، لذا تفنن المصريون في تشكيلها وزركشتها بالذهب والألوان منذ العصر الفاطمي، لافتاً إلى أن استمرار شوادر بيع الحلوى، وكذلك «عروسة المولد والحصان»، دليل على الميل إلى هذه الطريقة في الاحتفال.

ويبيّن أن احتفالات المولد ورموزها ألهمت كثيراً من الفنانين التشكيليين المصريين، بما يؤكد تجذّرها في الثقافة الشعبية واستمرار حضورها.


كيف تخلى نابليون عن جيشه في مصر من أجل مجد باريس؟

لوحة «نابليون أمام أبو الهول» بريشة «جان ليون جيروم» (قرابة سنة 1868) محفوظة في قلعة هيرست بولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة (ويكيبيديا)
لوحة «نابليون أمام أبو الهول» بريشة «جان ليون جيروم» (قرابة سنة 1868) محفوظة في قلعة هيرست بولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة (ويكيبيديا)
TT

كيف تخلى نابليون عن جيشه في مصر من أجل مجد باريس؟

لوحة «نابليون أمام أبو الهول» بريشة «جان ليون جيروم» (قرابة سنة 1868) محفوظة في قلعة هيرست بولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة (ويكيبيديا)
لوحة «نابليون أمام أبو الهول» بريشة «جان ليون جيروم» (قرابة سنة 1868) محفوظة في قلعة هيرست بولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة (ويكيبيديا)

في ليلة باهتة من ليالي أغسطس (آب) عام 1799، ساد الصمت شواطئ مدينة الإسكندرية المصرية. ولم يكن أحد من جنود الحملة الفرنسية، أو من أهالي المدينة المنهكين من المعارك والضرائب، يعلم أن سفينتين حربيتين فرنسيتين تقفان على مسافة قريبة من الشاطئ في انتظار أهم رجل في أوروبا.

في تلك اللحظات، كان الجنرال الشاب نابليون بونابرت يستعد لتنفيذ خطة هروب سرية للغاية، واضعاً حداً لمغامرته الشرقية التي بدأت بآمال إمبراطورية عريضة قبل عام واحد فقط.

نابليون بونابرت يخاطب العلماء المرافقين للحملة الفرنسية على مصر (معرض الإسكندرية بين بونابرت وكليبر)

خطوة بونابرت بالفرار نحو باريس لم تكن مجرد مناورة عسكرية، بل كانت انسحاباً دراماتيكياً وتاريخياً غيّر مسار الشرق الأوسط، وتخلياً غير متوقع عن جيش كامل تركه بونابرت يواجه مصيره المحتوم وسط رمال مصر الساخنة وتحت ضربات العثمانيين والإنجليز.

لوحة تجسد الاستيلاء على الإسكندرية وظهور نابليون بونابرت أمام أبراجها (معرض الإسكندرية بين بونابرت وكليبر)

أحلام الشرق تتكسر على صخرة الواقع

دخل نابليون بونابرت مصر عام 1798 وفي مخيلته أمجاد الإسكندر الأكبر، باحثاً عن قطع طريق التجارة البريطاني نحو الهند وتأسيس إمبراطورية فرنسية في الشرق.

لكن الواقع كان أشد قسوة من طموحات الجنرال الشاب، فبعد أسابيع قليلة من وصوله، دمّر الأدميرال البريطاني نيلسون الأسطول الفرنسي في معركة أبي قير البحرية، ليصبح جيش بونابرت محاصراً ومعزولاً عن خطوط إمداده في أوروبا.

«معركة أبي قير البحرية» بين الأسطولين البريطاني والفرنسي يوم 1 أغسطس 1798 بريشة لوني طوماس (ويكيبيديا)

وتوالت الضربات على الحملة، من ثورة القاهرة الأولى العنيفة، إلى فشل حصار مدينة عكا في الشام الذي حطّم كبرياء نابليون العسكري، وانتشار مرض الطاعون الفتاك بين جنوده.

أدرك بونابرت مبكراً أن الشجرة الفرنسية لن تضرب جذورها في طمي النيل، وأن البقاء في مصر يعني الموت البطيء، بينما كانت الأخبار الواردة من باريس تتحدث عن اضطرابات سياسية وهزائم عسكرية فرنسية في أوروبا، وهي فرصة ذهبية كان يحتاجها ليقفز إلى السلطة في بلاده.

صورة بونابرت ومساعدوه في مصر خلال معركة الأهرام رسمت عام 1863 (ويكيبيديا)

مؤامرة في جوف الليل والفرار نحو باريس

لم يصارح نابليون جنوده حتى قادته الكبار بنيته في الرحيل، خوفاً من حدوث تمرد عسكري أو انهيار الروح المعنوية لما تبقى من الجيش. وتحت ستار من السرية المطلقة، وبحجة القيام بجولة تفتيشية في الدلتا، توجه بونابرت إلى شاطئ المعمورة في الإسكندرية برفقة حفنة صغيرة من رجاله المخلصين والعلماء المقربين.

لوحة «معركة الأهرامات» (1808) للبارون لويس-فرانسوا لوزان، وتظهر مواجهة جيش نابليون مع خيالة المماليك قرب القاهرة عام 1798 (ويكيبيديا)

وفي فجر الثاني والعشرين من أغسطس، استقل الجنرال الفرنسي السفينة الحربية «ميركور» متسللاً عبر الحصار البحري البريطاني الصارم بفضل ضباب فجر ذلك اليوم الحذر.

ترك نابليون وراءه رسالة وداع مكتوبة موجهة لجيشه، مبرراً رحيله المفاجئ بأن «مصلحة الوطن العليا» تستدعي وجوده الفوري في فرنسا، لتسجل هذه الليلة واحدة من أكثر عمليات الهروب السياسي إثارة للجدل في التاريخ العسكري الحديث.

الجنرال جان بابتيست كليبر (ويكيبيديا)

الهدية المسمومة والتركة الثقيلة للجنرال كليبر لم تكن الصدمة في باريس بل في القاهرة، حيث استيقظ الجنرال جان باتيست كليبر، أحد أكفأ قادة الحملة وأكثرهم شعبية بين الجنود، ليجد نفسه قد عُيّن خطياً وبأمر من نابليون قائداً عاماً للحملة الفرنسية في مصر.

لم يكن كليبر يعلم بالخطة، وشعر بإهانة بالغة وغضب عارم من تصرف بونابرت الذي اعتبره «نذالة عسكرية» وهروباً من المسؤولية.

كانت التركة التي تركها نابليون لكليبر أشبه بهدية مسمومة، جيش تناقصت أعداده إلى النصف، خزانة خاوية من المال، جنود ينهشهم الطاعون والإحباط، وعداء مستعر مع الأهالي والعثمانيين والإنجليز.

لم يجد كليبر بداً من كتابة تقارير لاذعة للحكومة الفرنسية، يفضح فيها الوضع المزري الذي تركه بونابرت، ويبدي رغبته في إنهاء المغامرة بأي ثمن يحفظ كرامة ما تبقى من رجاله.

اللوحة الزيتية التاريخية الشهيرة التي رسمها الفنان الفرنسي فرانسوا بوشو والتي تُخلد اللحظة الدراماتيكية لـ انقلاب «18 برومير» عام 1799، عندما دخل نابليون بونابرت قاعة المجلس للإطاحة بالحكومة وتولي زمام السلطة في فرنسا (ويكيبيديا)

نهاية مأساوية لطموح فرنسي قصير الأمد

أثبتت الأيام أن فرار نابليون السري كان طوق النجاة الشخصي له، ولكنه كان حكم الإعدام على الحملة الفرنسية في مصر، فبينما كان بونابرت ينجح في باريس بتنفيذ انقلاب «18 برومير» ويصبح القنصل الأول ومستبد فرنسا المطلق، كان الجنرال كليبر يحاول يائساً لملمة جراح الجيش الفرنسي في القاهرة.

اللوحة التشكيلية التاريخية للفنان الفرنسي أنطوان جان غرو، والتي يُجسد فيها اللحظات الدراماتيكية لاغتيال الجنرال الفرنسي جان بابتيست كليبر في حديقة قصره بالقاهرة عام 1800 على يد الطالب السوري سليمان الحلبي (ويكيبيديا)

وعلى الرغم من حنكة كليبر العسكرية وانتصاره في معركة عين شمس، فإن طعنات خنجر الشاب السوري سليمان الحلبي أنهت حياته في حديقة مقره بالقاهرة عام 1800.

الطالب السوري سليمان الحلبي (ويكيبيديا)

تولى بعده القائد «مينو» الذي لم يصمد طويلاً، لتستسلم الحملة الفرنسية رسمياً وتغادر مصر عام 1801.

رحل نابليون وبقيت قصة هروبه من الإسكندرية فصلاً مثيراً يتأرجح بين عبقرية الانتهازية السياسية والتضحية بمصائر الجنود من أجل المجد الشخصي.


الذكاء الاصطناعي وتعدد اللغات يعيدان تشكيل المشهد الإعلامي السعودي

الزميل فيصل عباس مشاركاً في الندوة البرلمانية بباريس (الشرق الأوسط)
الزميل فيصل عباس مشاركاً في الندوة البرلمانية بباريس (الشرق الأوسط)
TT

الذكاء الاصطناعي وتعدد اللغات يعيدان تشكيل المشهد الإعلامي السعودي

الزميل فيصل عباس مشاركاً في الندوة البرلمانية بباريس (الشرق الأوسط)
الزميل فيصل عباس مشاركاً في الندوة البرلمانية بباريس (الشرق الأوسط)

شكّل دور الإعلام في إعادة تقديم صورة السعودية والعالم العربي أمام الجمهور الدولي، إلى جانب تأثير الذكاء الاصطناعي والتحولات في عادات استهلاك الأخبار، محوراً رئيسياً في جلسة حوارية استضافها مجلس الشيوخ الفرنسي، بمشاركة الزميل فيصل عباس، رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز».

وتناول عباس خلال الجلسة، التي أدارتها السيناتورة الفرنسية ناتالي غوليه، التحولات التي يشهدها قطاع الإعلام، خصوصاً مع التوسع في المحتوى متعدد اللغات، ودور التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في الوصول إلى جماهير جديدة.

تغيير المفاهيم

وكان دور الإعلام في تغيير المفاهيم السائدة عن السعودية والعالم العربي محوراً رئيسياً؛ حيث تناول عباس أدوار الذكاء الاصطناعي ومبادرات المحتوى متعدد اللغات المتزامنة مع إطلاق صحيفة «عرب نيوز» بالفرنسية (Arab News en français) والذكرى الخمسين لتأسيس الصحيفة. ويهدف هذا التوسع اللغوي إلى إيصال التغطيات الإعلامية إلى جمهور دولي أوسع، يصل إلى نحو 80 في المائة من سكان العالم.

وأشار عباس إلى أن الوصول إلى الجمهور العالمي لا يعني بالضرورة تفاعله مع المحتوى، مستشهداً بالمثل القائل: «يمكنك قيادة الحصان إلى الماء، لكنك لا تستطيع إجباره على الشرب»، في إشارة إلى التغير الكبير في طرق استهلاك الأخبار ودور منصات التواصل الاجتماعي في تشكيل اهتمام الجمهور.

منظور الرصاص والقنابل

وفي هذا السياق، تناول النقاش دور الذكاء الاصطناعي ومبادرات المحتوى متعدد اللغات في تطوير العمل الإعلامي والوصول إلى جماهير جديدة.

الزميل فيصل عباس متحدثاً في الندوة البرلمانية بباريس (الشرق الأوسط)

ولم يخْلُ النقاش من التطرق إلى تمكين المرأة والتغيرات الاجتماعية الواسعة؛ إذ أكد عباس على ضرورة ألا يُختزل العالم العربي في مشاهد النزاع فقط، قائلاً: «لا ينبغي رؤية العالم العربي من منظور الرصاص والقنابل فحسب»، مسلطاً الضوء على الفرص الواعدة في المنطقة والتطورات الجارية في السعودية.

مواكبة التحولات

كما أشار عباس إلى أهمية التطورات التي تشهدها السعودية والمنطقة في تغيير الصورة النمطية السائدة، مؤكداً أن التحولات الجارية تستحق أن تحظى باهتمام إعلامي يتجاوز تغطية الأزمات والصراعات.

وتناول النقاش كذلك التوجه السعودي نحو تعزيز الحضور الدولي والانفتاح على الأسواق والجمهور العالمي، ودور الإعلام في مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تشهدها المملكة.

«نادي صحافة فرنسي - سعودي»

كما تطرقت الجلسة إلى عدد من الملفات السياسية والاقتصادية المرتبطة بالعلاقات السعودية - الفرنسية والتطورات الإقليمية، إلى جانب الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي تعكس اتساع نطاق التعاون بين البلدين.

واختتمت الجلسة باقتراح إنشاء «نادي صحافة فرنسي - سعودي» لتعزيز التواصل والتبادل بين الصحافيين والإعلاميين في البلدين.