صراع «أولويات» يعطل «جنيف 2»

دمشق تصر على مكافحة الإرهاب أولا

المبعوث الدولي والعربي للأزمة في سوريا خلال مؤتمر صحافي عقده في ختام جولة مفاوضات جنيف أمس (رويترز)
المبعوث الدولي والعربي للأزمة في سوريا خلال مؤتمر صحافي عقده في ختام جولة مفاوضات جنيف أمس (رويترز)
TT

صراع «أولويات» يعطل «جنيف 2»

المبعوث الدولي والعربي للأزمة في سوريا خلال مؤتمر صحافي عقده في ختام جولة مفاوضات جنيف أمس (رويترز)
المبعوث الدولي والعربي للأزمة في سوريا خلال مؤتمر صحافي عقده في ختام جولة مفاوضات جنيف أمس (رويترز)

انتهى اليوم الثالث من مفاوضات «جنيف2» من دون إحراز تقدم يذكر، إذ اصطدمت المحادثات منذ الجلسة الأولى لبحث الحل السياسي برفض وفد الحكومة السورية بحث بيان «جنيف1»، الذي يعتبر أساسا للمفاوضات التي يشرف عليها مبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية الأخضر الإبراهيمي. وبدلا من بحث بيان جنيف، وفرص المضي قدما بعملية سياسية تنهي الأزمة السورية، قدم وفد الحكومة السورية وثيقة «مبادئ أساسية» أراد من وفد المعارضة السورية القبول بها كأساس للتفاوض. وأكد منذر ابقيق الناطق باسم الوفد المعارضة ومستشار رئيس الائتلاف السوري لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نرفض الوثيقة، بل نرفض حتى أن ننظر إليها، فبيان (جنيف1) الوثيقة الوحيدة التي تهمنا هنا». ويذكر أن الإبراهيمي أكد أكثر من مرة أن الهدف من اجتماعات الطرفين السوريين تطبيق بيان جنيف. وأضاف ابقيق أن الحكومة السورية «تعرف جيدا بيان (جنيف1) ولكنها تريد تجاهله»، وتتجاهل العنصر الأساسي في بيان (جنيف1) وهو نقل السلطة إلى آلية حكم انتقالي.
وعقد الإبراهيمي مؤتمرا صحافيا بعد الانتهاء من لقاءات منفصلة عقدها مع الوفدين السوريين عصر أمس، بعد جلسة مشتركة مقتضبة صباح أمس. وبدا أنه متعب، قائلا إنه لم يحرز تقدما ملموسا في اللقاءات التي جرت، قائلا: «لا توجد معجزة هنا»، ولكنه أوضح: «إنني مسرور بأن يبدو أن هناك عزيمة لمواصلة المحادثات - لم نتوقع معجزة، لا توجد معجزات هنا، سنتواصل لنرى إذا من الممكن تحقيق شيء هنا». وناشد الوفدين، و«من يقف وراءهما» أن «يفكروا بالشعب السوري». ولفت الإبراهيمي إلى أن عقد بدء عملية التفاوض واستمرار جولة المفاوضات رغم المخاوف من انهيارها «خطوة صغيرة جدا، والتقدم الذي حصلنا عليه قد يتراجع». وأضاف: «نأمل أن الأطراف ستتعاون وأن من لديه النفوذ على الطرفين يساعدنا».
وحول مسار المفاوضات حول الحل السياسي في جنيف، قال الإبراهيمي: «ناقشنا وثيقة قدمتها الحكومة للمبادئ الأساسية، غالبيتها في بيان جنيف أساسا، و(اليوم) سنتحدث عن وثيقة جنيف نفسها». وأضاف: «نحاول أن ننفذ خطة جنيف الحقيقية التي ترمي إلى إنهاء الحرب وتمكين الشعب السوري من تحقيق طموحاته المشروعة وبناء سوريا الجديدة، كيف نطبق هذا؟ إنه أمر ليس سهلا»، موضحا: «هدفنا إنهاء الحرب وبداية بناء الدولة الجديدة». وحول آلية مناقشة بيان جنيف اليوم، قال الإبراهيمي: «كل طرف يعرفه وسنناقش معهم كيف يتم تطبيق أجزائه العدة، من بين تلك النقاط آلية الحكم الانتقالي، ولكن لن يكون البند الأول الذي سنناقشه لأنه الأصعب».
ورفضت المعارضة السورية أمس مساعي الحكومة السورية لفرض وثيقة جديدة على طاولة المفاوضات، إذ أكد ابقيق أن الوثيقة الوحيدة المقبولة هي بيان جنيف الذي صادق عليه مجلس الأمن الدولي، ولكن المستشارة الإعلامية للرئيس السوري بثينة شعبان أكدت التزام الحكومة السورية بهذه الوثيقة: «من أجل وجود أرضية مشتركة لهذا الحوار من أجل سوريا والشعب السوري قدمنا ورقة سياسية.. نعتقد أنه لا يختلف عليها اثنان، وهي الاحترام لأرض الجمهورية العربية السورية ووحدة أراضيها ورفض كل أنواع التدخل الخارجي ورفض الإرهاب والمحافظة على الدولة... وفوجئنا بأن الطرف الآخر قد رفض هذه المبادئ التي أعتقد أن كل سوري طبيعي يحب بلده يقبلها». وأضافت أن على الرغم من عدم الاتفاق على الوثيقة السياسية فـ«ستستمر المحادثات لأن السيد الإبراهيمي أراد أن نبدأ بنقاط لا يختلف عليها اثنان، لم نرد أن نبدأ بالنقاط الخلافية».
ومن المتوقع أن يقدم أحد أعضاء فريق الإبراهيمي صباح اليوم إطارا حول كيفية بحث الانتقال السياسي لمنع التصادم بين الوفدين. وهناك قضايا شائكة عدة على الوفدين بحثها مثل إذا ما سيكون انتقالا سياسيا بناء على الدستور الحالي أم وضع دستور مؤقت أو إقرار قانون جديد لنقل السلطة في البلاد.
وتواصلت الحرب الإعلامية بين وفدي الحكومة والمعارضة السورية أمس، إذ حرص الطرفان على الإدلاء بأكبر عدد ممكن من التصريحات، كل طرف يدعي الالتزام بـ«جنيف1»، ومعتبرا الطرف الآخر المعرقل. وظهر على الإبراهيمي الامتعاض من هذه التصريحات، قائلا: «من الطبيعي أن الطرفين يتحدثون مع الإعلام، لكن أرى أن التصريحات الإعلامية أكثر من المطلوب، وقلت لهم إن عليهم أن يتصرفوا بمسؤولية وأن يحترموا سرية المحادثات، وإذا لم تحترموها فعلى الأقل لا تبالغوا في التصريح». ولفت إلى إشاعة دارت بين الصحافيين أمس أن الإبراهيمي وبخ وفد النظام، نافيا أن يكون قد حدث أي شيء من هذا القبيل، موضحا: «إنني لا أوبخ، هذا ليس من طبعي». وأضاف الإبراهيمي: «طلبت من أعضاء الوفدين أن يكونوا حذرين في التصريحات».
وأقر الإبراهيمي بأن «المحادثات الإنسانية لم تقدم الكثير مع الأسف.. أطلب من الطرفين أن يفعلوا شيئا بالنسبة للمناطق المحاصرة من قبل طرف أو آخر، وما زلت أطلب أن يحدث شيء حول هذه المناطق، إذا كانت محاصرة من قبل الحكومة أو الجماعات المسلحة». وعبرت المعارضة عن امتعاضها من عدم تطبيق اتفاق رفع الحصار عن المدينة القديمة في حمص، وهي كانت أولى خطوات «إجراءات بناء الثقة» الهادفة إلى جعل المحادثات في إطار أكثر إيجابية لكن لم تحرز نتيجة. وأوضح الممثل الأممي والعربي: «أعتقد أن إجراءات بناء ثقة يجب أن تضع الأرضية لأجواء بناءة، ومع الأسف لم تحدث قبل لقائنا على الرغم من حديثنا عنها لوقت طويل.. كنا نتمنى إطلاق المعتقلين وإعطاء الغذاء للرجال والنساء والأطفال، وسنواصل مطالبنا بذلك». ولكن ستتواصل المحادثات من دون إحراز تقدم في تلك الملفات، إذ أوضح الإبراهيمي: «أعتقد أننا مسرورون ومتشجعون أن هذا المؤتمر نعمل عليه منذ مايو (أيار) الماضي». وأضاف: «مع الأسف الشديد لا يوجد اتفاق على وقف إطلاق نار أو على الأقل تخفيف مستوى العنف الممارس في سوريا»، موضحا: «في الكثير من عمليات السلام يبدأ الحديث عن الحل من دون وقف القتال، ولكنه شيء مؤسف.. كلامنا عن رفع الحصار كله دعوة إلى تخفيف معاناة الناس». وأكد الإبراهيمي أن «قافلات الغذاء ومواد غذائية جاهزة ستدخل من الأمم المتحدة» في حال وافقت الحكومة السورية. واعتبر وزير الإعلامي السوري عمران الزعبي أن المطالبة برفع الحصار عن 500 عائلة محاصرة في حمص «محاولة لمكسب سياسي» من قبل المعارضة، في إشارة جديدة إلى رفض الحكومة الموافقة على رفع الحصار، معتبر أن «ملفات المساعدة الإنسانية ليس لها صلة بوجودنا أو عدم وجودنا في مؤتمر جنيف».
ونددت الولايات المتحدة وبريطانيا برفض الحكومة السورية رفع الحصار عن حمص، وطرحها مقترحا آخر أول من أمس وهو إجلاء النساء والأطفال من حمص. وشرح السفير البريطاني المخول التعامل مع المعارضة السورية جون ويلكس: «لنبقِ الأمور بسيطة، يحب أن يسمح النظام بدخول القافلات الإنسانية، وبعدها يمكن للشعب أن يقرر، يبقى أو يغادر».
ومن جانبه، قال ناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية ايدي فازغيس: «على النظام السوري أن يوافق على دخول القافلات إلى المناطق، وهي بحاجة ماسة إلى المساعدات الإنسانية في مدينة حمص القديمة، الأمر حرج والناس تعاني من التجويع... ما طرحه النظام، وهو إخلاء النساء والأطفال، ليس كافيا، يجب أن يكون للمدنيين حرية الحركة ويجب أن لا يجبر أهالي حمص على ترك بيوتهم وتمزيق عائلاتهم من أجل الحصول على الغذاء والمساعدات».
ومن جهة أخرى، من المتوقع أن ينضم ممثلون عن المجموعات المسلحة إلى المستشارين لوفد المعارضة السورية في جنيف، في الجولة المقبلة، والمتوقع أن تكون بعد أسبوعين، أي بعد انتهاء الجولة الحالية يوم الجمعة المقبل وبعد استراحة لمدة أسبوع.
ومن جنيف، أكدت الإدارة الأميركية قرارها لاستئناف المساعدات العسكرية غير الفتاكة للمعارضة السورية. وأكد مسؤول أميركي لـ«الشرق الأوسط» أن الإدارة «اتخذت قرار استئناف المساعدات غير الفتاكة، وقد بدأ ذلك فعلا بالنسبة للجهات غير المسلحة في المعارضة، بينما توصيل المساعدات لمجموعات مسلحة سيستأنف فور التأكد من سلامة خطوط إيصالها، وهذا سيكون قريبا جدا». وتشمل المساعدات أجهزة اتصالات وسيارات إسعاف ومولدات كهربائية ومساعدات غذائية وطبية، إضافة إلى معدات مكتبية للمجالس المحلية ومجالس المحافظات ومنظمات المجتمع المدني. وتؤكد الإدارة الأميركية أن المساعدات لا تشمل أسلحة أو ذخائر. وكانت واشنطن قد علقت إرسال المساعدات للمعارضة السورية الشهر الماضي بعد استيلاء مجموعات متطرفة على مخازن الأسلحة التابعة للجيش الحر. واتخذت بريطانيا نفس الإجراء، كما أغلقت تركيا حدودها مع سوريا بعد تزايد المخاوف من نمو قوة الجهاديين المتطرفين المرتبطين بتنظيم القاعدة في شمال سوريا. ويشير المحللون إلى أن استئناف المساعدات غير القتالية سيعزز من موقف المعارضة السورية على الأرض، كما ينظر إليها على أنها مكافأة من الولايات المتحدة للمعارضة لمشاركتها في محادثات السلام الجارية مع حكومة بشار الأسد في جنيف.



العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».


هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
TT

هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)

بالتزامن مع التحركات العسكرية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، والضربات العسكرية المحتملة على إيران، تواصل الجماعة الحوثية في اليمن استعداداتها العسكرية وحشد المقاتلين واستحداث مواقع جديدة لأسلحتها، في وقت يُنظر لها فيه بأنها إحدى أهم الأذرع الإقليمية للرد الإيراني.

وعلى الرغم أن الجماعة المدعومة من إيران لم تصدر أي بيان رسمي يعلن موقفها من تعرض إيران لهجوم أميركي، فإن قادة فيها حذَّروا الولايات المتحدة من أي عمل عسكري، وتحمُّل المسؤولية الكاملة عن التصعيد وتداعياته، ولمحوا إلى أن تعاطيهم معه سيتم وفق ما تراه القيادة العليا بعد تقييم الموقف وتداعياته المحتملة.

وبقدر ما توحي هذه التلميحات، إلا أن ثمة تفسيرات لها بعدم الرغبة في لفت انتباه الإدارة الأميركية الحالية بقيادة دونالد ترمب إلى ضرورة التعامل مسبقاً مع الرد المقبل من قِبل الجماعة، خصوصاً وأن هذه الإدارة قد شنت حملة عسكرية سابقة ربيع العام الماضي على الجماعة وتسببت لها بالكثير من الخسائر.

ويرى إسلام المنسي، الباحث المصري في الشؤون الإيرانية، أن إيران قد لا تذهب إلى إحراق أوراقها كافة في حال لم يكن هناك داعٍ لذلك، خصوصاً مع التهديدات الأميركية بارتفاع سقف التصعيد في حال إقدام أي أذرع عسكرية إيرانية على التدخل والمشاركة في المواجهة.

مدمرة أميركية تصل إلى ميناء إيلات جنوب إسرائيل ضمن الحشد العسكري الأميركي في المنطقة (رويترز)

ولم تلجأ إيران لاستخدام أذرعها العسكرية خلال مواجهتها مع إسرائيل والضربة الأميركية المحدودة لها صيف العام الماضي؛ لكونها لم تشعر بخطر وجودي، وهو ما قد يتغير في المواجهة المرتقبة، ويمكن أن يدفع إلى تدخل الجماعة الحوثية، بما يشمل استهداف حلفاء ومصالح الولايات المتحدة وقواتها العسكرية، وفقاً لحديث المنسي لـ«الشرق الأوسط».

وإذا كانت إيران قد سبق لها وعرضت، في إطار تفاوضي، التخلي عن أذرعها العسكرية في المنطقة، بما في ذلك الحوثي، فإن ذلك يجعل من المؤكد أنها ستستخدمها في الرد، خصوصاً وأنها أنشأتها للدفاع عن أراضيها في جغرافيا بعيدة عنها، حسب المنسي.

وترجح الكثير من التقارير الاستخباراتية أن يكون «الحرس الثوري» الإيراني قد بحث مع الحوثيين تفعيل ساحات دعم بديلة خلال المواجهة الأميركية الإيرانية المنتظرة، واستخدام خلايا وأسلحة لم يجرِ استخدامها من قبل.

تأهب مكشوف

ومنذ أيام نقلت وسائل إعلام صينية عن قيادي عسكري حوثي، لم تسمّه، أن الجماعة رفعت فعلاً حالة التأهب، ونفذت عمليات تفتيش لمنصات إطلاق الصواريخ في مناطق عدة داخل اليمن، من بينها منطقة البحر الأحمر ذي الأهمية الاستراتيجية.

صورة نشرها الحوثيون لما زعموا أنه موقع تحطم طائرة أميركية مسيّرة في أبريل الماضي (غيتي)

في هذا السياق، يؤكد صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن الجماعة الحوثية ستشارك في الدفاع عن إيران ضد أي هجمات أميركية، مستنداً إلى خطابها الإعلامي المرافق لحشود أنصارها في الساحات والميادين، والذي يؤيد بشكل واضح حق إيران في الدفاع عن نفسها.

ورغم المواربة التي يتخذها هذا الخطاب بشأن إيران؛ فإنه يعيد التذكير بحرب غزة، ويجدد التعهدات الحوثية بالعودة إلى التصعيد العسكرية للدفاع عن سكان القطاع المحاصر، كما يوضح صلاح لـ«الشرق الأوسط»، منوهاً إلى أن إيران لم تشارك الحوثيين كل تلك التقنيات العسكرية المتطورة والنوعية، إلا بسبب ثقتها العالية بهم وقدرتهم على استخدامها لصالحها.

وخلال الفترة الماضية، وبعد استهداف إسرائيل حكومة الجماعة غير المعترف بها وعدداً من قياداتها، برز عدد من القادة الحوثيين المتشددين في ولائهم لإيران، بينما يجري على الأرض استحداث مواقع عسكرية ونقل معدات وأسلحة إلى مناطق جديدة في المناطق الساحلية والقريبة منها، إضافة إلى إمكانية استخدام خلايا أمنية في خارج حدود اليمن.

ويرجح صلاح أنه، ومع تهديدات الضربة العسكرية على إيران كبيرة، فإن الرد الإيراني سيأخذ منحى متقدماً قد يصل إلى السعي لإغلاق المضائق؛ وهو ما يجعل مضيق باب المندب في دائرة الاستهداف الحوثي.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

ويبدي الكثير من المراقبين قلقاً من أن تكون الجماعة الحوثية نقلت خلال السنوات الماضية عدداً من مقاتليها وخلاياها الاستخباراتية إلى خارج اليمن لاستهداف مصالح أميركية وغربية في المنطقة.

خيارات مفتوحة

وفقدت الجماعة الحوثية عند إعلان وقف إطلاق النار في غزة أحد أهم مبررات حشد المقاتلين وجمع الأموال، وبدأت بمواجهة تصاعد الغضب الشعبي ضد ممارساتها والحالة الإنسانية المتدهورة بخطاب إعلامي يحاول إقناع المتلقين بأن المعركة لم تنتهِ، وأن هناك جولات قادمة منها.

وفي موازاة استمرار الجماعة بحشد أنصارها أسبوعياً في مظاهرات تشمل مختلف مناطق سيطرتها تحت شعارات مناصرة قطاع غزة، لجأت إلى تنفيذ هجمات في جبهات المواجهة مع الحكومة الشرعية في اليمن، خصوصاً في محافظة تعز، في حوادث يصفها بعض الخبراء العسكريين بمحاولات جس النبض، بينما يرى آخرون أنها تهدف لصرف الانتباه عن ممارسات أخرى.

في هذا السياق، يذكّر وليد الأبارة، رئيس مركز اليمن والخليج للدراسات، بأن الجماعة واجهت مرحلة حرجة بعد وقف الحرب في غزة، بعد أن فقدت أحد أبرز مبررات هجماتها على الملاحة في البحر الأحمر، وإزاء ذلك فقد تلجأ إلى استحداث مبررات جديدة، بمزاعم العقوبات المفروضة عليها للحفاظ على زخمها الإعلامي ودورها الإقليمي.

أنصار الحوثيين في وقفة لهم بمدينة حجة تحت شعار الاستعداد للمواجهة المقبلة (إعلام حوثي)

إلى جانب ذلك، فهناك خياران آخران، حسب توضيحات الأبارة لـ«الشرق الأوسط»، يتمثل الأول بإعادة توجيه نشاطها نحو الداخل؛ بهدف تعزيز ميزان القوى العسكري والاقتصادي لمصلحتها، أو لفرض شروطها في أي تسوية مقبلة، بينما يتمثل الآخر بالرضوخ للضغوط الدولية والإقليمية والانخراط في مسار تفاوضي، خصوصاً في حال تصاعد العقوبات أو تراجع قدرتها الاقتصادية والعسكرية.

وحسب تقدير موقف لمركز اليمن والخليج الذي يديره الأبارة، فإن المعطيات تشير إلى أن الاحتجاجات الواسعة في إيران باتت تضغط على قدرة النظام على إدارة نفوذه الإقليمي بالوتيرة السابقة، دون أن تصل إلى تفكيك شبكة وكلائه.

وهذا الواقع يدفع طهران إلى مقاربة أكثر حذراً، تحكمها أولويات الداخل وحسابات التكلفة والعائد، مع الحفاظ على الحد الأدنى من النفوذ الخارجي دون تصعيد واسع.

ويُرجَّح الأبارة في هذا الإطار استمرار العلاقة مع الحوثيين ضمن استمرارية منضبطة، بدعم انتقائي يضمن بقاء الجماعة فاعلة، إلا أن اتساع الاحتجاجات أو تعرض إيران لضربة عسكرية مباشرة قد يفتح سيناريو إعادة تموضع حوثية أعمق، تشمل تنازلات سياسية وأمنية أوسع مقابل ضمانات إقليمية.