بايدن يواجه الاختبار الأخير والأهم في حياته السياسية

جو بايدن نائب الرئيس السابق والمنافس الممثل للحزب الديمقراطي لخوض الانتخابات الرئاسية الأميركية (أرشيفية - رويترز)
جو بايدن نائب الرئيس السابق والمنافس الممثل للحزب الديمقراطي لخوض الانتخابات الرئاسية الأميركية (أرشيفية - رويترز)
TT

بايدن يواجه الاختبار الأخير والأهم في حياته السياسية

جو بايدن نائب الرئيس السابق والمنافس الممثل للحزب الديمقراطي لخوض الانتخابات الرئاسية الأميركية (أرشيفية - رويترز)
جو بايدن نائب الرئيس السابق والمنافس الممثل للحزب الديمقراطي لخوض الانتخابات الرئاسية الأميركية (أرشيفية - رويترز)

يواجه المرشح الديمقراطي جو بايدن، غداً الثلاثاء، الحكم الأخير والأهم في حياته السياسية الطويلة. فبعد مآس عائلية، ومحاولتين خائبتين للوصول إلى الرئاسة الأميركية، وحملة انتخابية طغى عليها وباء «كوفيد19»، يأمل بايدن؛ المخضرم في السياسة (77 عاماً)، أن يكون أقنع الأميركيين بأنه شخصية توحد الصفوف في مواجهة دونالد ترمب الذي أثار انقساماً في المجتمع.
وأكد نائب الرئيس الأميركي السابق: «يمكننا طي صفحة السياسة القاتمة والغاضبة التي سادت في السنوات الأربع الماضية. آن الأوان لجمع البلاد والالتقاء مجدداً بصفتنا أمة. لكن لا يمكنني القيام بذلك من دونكم».
حتى اللحظات الأخيرة؛ بقي بايدن وفياً للرسالة التي أعلنها عند الكشف عن ترشحه للرئاسة في أبريل (نيسان) 2019: «نحن نخوض معركة من أجل روح» الولايات المتحدة.
وقال جو بايدن قبل فترة قصيرة بصريح العبارة، إن خسارته أمام الملياردير الجمهوري الذي لا يحظى بشعبية على حد قوله، ستعني أنه «مرشح مثير للشفقة»
لكن ذلك سيشكل خصوصاً الضربة القاضية لمسيرة وطنية باشرها في سن التاسعة والعشرين وشهدت في بدايتها انتقالاً مفاجئاً من الانتصار إلى الألم.
ففي نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1972، احتفل السيناتور الشاب المنتخب عن ولاية ديلاوير محاطاً بأسرته الرائعة بفوزه في الانتخابات. وبعد شهر توفيت زوجته وابنته في حادث سير وأصيب نجلاه بجروح.
نمّت هذه المأساة التي تبعها فقدان ابنه الأكبر عام 2015 مشاعر التعاطف التي يكنها الناخبون له. وقد جعل بايدن من التعاطف إحدى سمات مسيرته السياسية البارزة.
في 2020 لا يزال بايدن يتمتع بطلّته الأنيقة، لكن هذا المخضرم في السياسة لم يعد كما كان في أوج عهده نائباً للرئيس باراك أوباما.
فحين يكون واقفاً على المنصة يبدو واهناً أحياناً فيما يغطي الشيب شعره. ويتخوف البعض؛ حتى من صفوف داعميه، من أن يتعثر أو حتى ينهار خلال معركته الطويلة ضد دونالد ترمب (74 عاماً) الذي يعتمد أسلوباً هجومياً.
وقد حرمه وباء «كوفيد19»، الذي أدى إلى شل الحملة الانتخابية فجأة في مارس (آذار) الماضي، من التواصل المباشر مع الناخبين؛ وهو من أهم أوراقه الرابحة.
ومع أنه استأنف في نهاية أغسطس (آب) الماضي رحلاته بشكل مكثف أكثر، إلا إن امتثاله الصارم للتعليمات الصحية يلجم وجوده على الأرض. ويرى منتقدوه أن ذلك سمح له القيام بحملة انتخابية بعيداً عن الناخبين ومتجنباً في غالب الأحيان الصحافة.
ويطلق عليه دونالد ترمب ساخراً اسم «جو الناعس» وينتقد بشدة الأسئلة التي توجهها إليه الصحافة عادّاً أنها «موجهة لأطفال» ولا يتوانى عن مهاجمته على لياقته البدنية.
ويتناقل أنصار ترمب بكثرة عبر «تويتر» تلعثم جو بايدن، كما أن فريق حملة الملياردير الأميركي يصفه بأنه رجل عجوز يعاني الخرف، وفقاً لما ذكرته وكالة الصحافة الفرنسية.
وقد يكون فوز النائب السابق للرئيس السابق باراك أوباما في الانتخابات التمهيدية للديمقراطيين بعد تحول تاريخي في السياسة الأميركية، الرد المناسب على هؤلاء.
ومع أن البعض عدّه متقدماً جداً في السن ووسطياً كثيراً، فقد تمكن بايدن من الفوز بغالبية كبرى في كارولاينا الجنوبية بفضل أصوات الأميركيين السود؛ حجر الزاوية لكل ديمقراطي مرشح للبيت الأبيض.
متسلحاً بهذا الانتصار؛ حشد بايدن بسرعة تأييد معتدلين آخرين ثم هزم منافسه الرئيسي بيرني ساندرز.
خلافاً للمعركة المريرة والطويلة في عام 2016 بين هذا الاشتراكي وهيلاري كلينتون، تمكن بايدن سريعاً من جمع التيار اليساري في الحزب، مركزاً على هدف واحد؛ يتمثل في إلحاق الهزيمة بدونالد ترمب.
وتبقى معرفة ما إذا كان بايدن «الموحد» المعتدل سينجح في إبقاء الوحدة في حال فوزه في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي.
وقال باراك أوباما إنه حتى لو تقدم بايدن بالبرنامج «الأكثر تقدمية» في تاريخ الانتخابات الرئاسية الأميركية، فإن البعض من اليسار سيعدّونه فاتراً للغاية.
كانت المحاولة الثالثة هي الصائبة لهذا السياسي المخضرم، بعد فشل محاولتين للترشح للانتخابات التمهيدية للديمقراطيين في 1988 و2008.
فخلال محاولته، اضطر سريعاً للانسحاب بعدما تبين أن خطابه تضمن عبارات مسروقة.
شغل منصب عضو مجلس شيوخ على مدى أكثر من 35 عاماً (1973 - 2009)، ثم نائب الرئيس من 2009 إلى 2017، مما مكنه من الوجود على مدى عقود في أروقة السلطة في واشنطن.
وتخللت حياته السياسية الطويلة فصول مثيرة للجدل فضلاً عن نجاحات يبرزها اليوم.
في السبعينات وفي خضم عملية إلغاء الفصل العنصري، عارض ما تسمى «سياسة الحافلات» التي تهدف إلى نقل أطفال سود بالحافلات إلى مدارس ذات غالبية بيضاء لتشجيع التعليم المختلط.
أرضى هذا الموقف الناخبين البيض في ولاية ديلاوير، لكنه عاد ليطارده بعد عقود عندما انتقدته السيناتور السوداء كامالا هاريس التي كانت منافسته في الانتخابات التمهيدية، عليه في خضم مناظرة تلفزيونية.
ولكي يثبت أنه «غير حاقد»، اختار بايدن كامالا هاريس مرشحته لمنصب نائب الرئيس، لتكون أول سوداء من أصول هندية تترشح لهذا المنصب.
يحظى جو بايدن بشعبية كبرى في صفوف الأميركيين السود، وكان دعا في بداياته السياسية حين كان نائباً محلياً في ويلمنغتون إلى تطوير المساكن الشعبية، مما أثار استياء السكان البيض. وغالبا ما يروي كيف أسست تجربته منقذاً بحرياً في حي تقطنه غالبية من السود لعمله السياسي.
لكن؛ ثمة فصول أخرى تلقي بثقلها على حملته الرئاسية، مثل تصويته لصالح الحرب في العراق عام 2003، وجلسة الاستماع العاصفة في مجلس الشيوخ عام 1991 برئاسته، إلى أنيتا هيل التي كانت تتهم المرشح للمحكمة العليا كلارنس توماس بالتحرش الجنسي.
يضاف إلى ذلك؛ تأييده القوي «قانون الجريمة» عام 1994 الذي عدّ مسؤولاً عن ارتفاع كبير لعدد السجناء؛ بينهم نسبة كبيرة من الأميركيين السود.
ويعترف جو بايدن اليوم بأنه كان «خطأً»، مشدداً على شق آخر من هذا الإصلاح واسع النطاق يتعلق بقانون مكافحة العنف بحق النساء والذي يشكل «أكبر مصدر فخر» بالنسبة له.
فور وصوله إلى البيت الأبيض نائباً للرئيس باراك أوباما، في أوج الأزمة المالية، عمل السيناتور السابق على اعتماد الكونغرس خطة إنعاش هائلة بقيمة 800 مليار دولار.
وغالباً ما يذكر هذا الأمر لكي يثبت أن بإمكانه انعاش الاقتصاد مجدداً، بعدما تضرر كثيراً بسبب تداعيات الوباء.
يسعى دونالد ترمب إلى انتقاد بايدن باستمرار ويقول عنه إنه «يعمل في السياسة منذ 47 عاماً، ولم يقم بشيء إلا في عام 1994 عندما تسبب في كثير من الأذى لمجتمع السود».
يرد بايدن بأن هذه الانتخابات تمثل اختياراً بين الطبقة العاملة والطبقة الوسطى اللتين يدافع عنهما، و«بارك أفينيو» الشارع النيويوركي الذي يشكل رمزاً للوريث الثري.
ويؤكد بايدن باستمرار على أصوله المتواضعة. فقد ولد جوزيف روبينيت بايدن الابن في 20 نوفمبر 1942 في مدينة سكرانتون في بنسلفانيا. وكان والده بائع سيارات.
في الخمسينات من القرن الماضي، شهدت المدينة الصناعية فترة صعبة. بحث والده عن عمل في ولاية ديلاوير المجاورة، ثم بعد زيارات عدة نقل العائلة إلى ويلمنغتون وكان جو بايدن في سن العاشرة. وجعل منها معقله لاحقاً.
وقال بايدن: «كان والدي يقول دائما: (يا بطل، نحكم على رجل ليس بحسب عدد المرات التي يقع فيها؛ وإنما بحسب الوقت الذي يستغرقه للنهوض».
تظهر استطلاعات الرأي نتائج متقاربة جداً في بنسلفانيا، ويحاول كل من المرشحين استمالة الناخبين حتى اللحظات الأخيرة من الحملة.
وقال جو بايدن الأحد: «بنسلفانيا حاسمة في هذه الانتخابات»، مضيفاً: «أعيش في ديلاوير؛ لكنني ابن بنسلفانيا، ولدت في سكرانتون».
في المقابل؛ يتهمه ترمب «بالتخلي» عن الولاية مسقط رأسه، وبتهديد مناجم الفحم وعمليات «التصديع» لإنتاج الغاز الصخري، عبر وعوده بالوصول إلى مائة في المائة من الطاقة النظيفة والحياد الكربوني في الولايات المتحدة عام 2050.
نددت نساء عدة بسلوكيات جو بايدن التي تستند إلى اللمس، ورأين أنها غير مناسبة. ووعد بالانتباه من الآن فصاعداً لـ«المساحة الشخصية» للآخرين، واعتذر في أبريل 2019.
أما دونالد ترمب؛ المتهم من قبل أكثر من 10 نساء بالتحرش، فلم يعلق كثيراً على الاتهامات الخطيرة من امرأة تدعى تارا ريد تقول إن جو بايدن اعتدى عليها في التسعينات. وهو ما نفاه المرشح الديمقراطي بشكل قاطع.
ولم تعلق زوجته جيل بايدن (69 عاماً) التي قامت بحملة من أجله في جميع أنحاء البلاد، ضد هذا الاتهام.
وجيل بايدن؛ المعلمة الديناميكية، تشكل إحدى الأوراق الرابحة في حملة بايدن. وقد تزوجا عام 1977 ولهما ابنة تدعى آشلي.
وروى بايدن في مذكراته أن ابنيه بو وهانتر اقترحا عليه حين كانا لا يزالان صغيرين الزواج من جيل. ويقول عنها: «لقد منحتني الحياة مجدداً».
غالبا ما يتحدث بايدن عن الألم الذي لا يزال يسكنه منذ وفاة نجله بو بايدن بمرض سرطان الدماغ عام 2015، قائلاً «هذا لا يختفي أبداً». وحالت وفاة نجله دون خوضه الانتخابات الرئاسية عام 2016.
تولى جو بايدن، الذي أصبح أرملاً بعد حادث السيارة المأساوي، مهامه سيناتوراً في يناير (كانون الثاني) 1973، وكان إلى جانب ابنيه في المستشفى اللذين أصيبا في حادث السير.
حتى اليوم، غالباً ما يوجه التحية إلى المسعفين، مذكراً بأنهم «أنقذوا حياة» ولديه وحياته أيضاً.
ففي عام 1988، نقله مسعفون إلى المستشفى بشكل طارئ إثر تمدد في الأوعية الدموية. عُدّت حالته خطيرة لدرجة أنه جرى استدعاء كاهن لرفع الصلوات الأخيرة.
وبايدن كاثوليكي فخور بأصوله الآيرلندية، ويذهب كل يوم أحد تقريباً إلى «كنيسة القديس يوسف» الصغيرة في برانديواين بالحي الراقي الذي يسكنه في ويلمنغتون. ففي مقبرة هذه الكنيسة يرقد والداه وزوجته الأولى نيليا وابنتهما ناومي وكذلك ابنه بو تحت شاهد قبر مزين بأعلام أميركية.
في يناير، قال جو بايدن عن ابنه: «كل صباح أستيقظ وأسأل نفسي: (هل هو فخور بي؟)».



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».