الحريري يقدم لعون تشكيلة وزارية... والاعتذار غير وارد

مشاورات تأليف الحكومة اللبنانية متوقفة وتدور في حلقة مفرغة

عون والحريري في أحد لقاءاتهما (الرئاسة اللبنانية)
عون والحريري في أحد لقاءاتهما (الرئاسة اللبنانية)
TT

الحريري يقدم لعون تشكيلة وزارية... والاعتذار غير وارد

عون والحريري في أحد لقاءاتهما (الرئاسة اللبنانية)
عون والحريري في أحد لقاءاتهما (الرئاسة اللبنانية)

كشف مصدر سياسي لبناني واسع الاطلاع أن الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة الجديدة سعد الحريري لن يبقى مكتوف اليدين حيال استمرار المراوحة التي تؤخر ولادتها وأعادت المشاورات إلى المربع الأول. وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط» إنه (الحريري) سيبادر في أي لحظة إلى كسر الحلقة المفرغة التي تحاصر عملية تأليفها بأن يتقدم من رئيس الجمهورية ميشال عون بمشروع تشكيلة وزارية من 18 وزيراً ليكون في وسعه أن يبني على الشيء مقتضاه في ضوء رد فعل عون الذي يحق له دستورياً عدم الموافقة عليها أو أن يطلب التريث قبل أن يحدد موقفه النهائي من التشكيلة.
ولفت المصدر السياسي إلى أن الحريري اختلى بنفسه بعيداً من الاتصالات منذ يوم الجمعة الماضي، وانصرف إلى تقويم ما آلت إليه مشاوراته مع عون تمهيداً لتحديد الخيار الذي سيأخذه من مجموعة من الخيارات لكسر المراوحة في المشاورات التي تدور في حلقة مفرغة، وقال إنه استقر في رأيه على أن يتقدم من عون بتشكيلة وزارية، وهكذا دواليك سيعيد الكرة في حال اعترض عليها من دون أن يلجأ إلى خيار الاعتذار على الأقل في المدى المنظور.
وأكد أن الحريري يأخذ في الاعتبار أن تتشكل الصيغة الوزارية من وزراء مستقلين واختصاصيين ولا يمت من يشارك فيها بصلة إلى التسريبات الإعلامية التي تعاملت مع المشاورات التي أجراها من زاوية أنها تعطي الأولوية للمحاصصة في توزيع الحقائب الوزارية. ورأى أنها تحقق التوازن بين الطوائف وتدفع باتجاه الخروج عن الأعراف والتقاليد في توزيع الحقائب السيادية لجهة إصراره على أن تكون بعض هذه الحقائب من حصة الطوائف الصغيرة بدلاً من أن تبقى محصورة بالطوائف الأربع: الموارنة، الشيعة، السنة، الأرثوذكس.
واعتبر أن الصيغة الوزارية التي أعدها الحريري يفترض أن تكون مدعاة لثقة محلية وعربية ودولية لتمرير رسالة لكل من يعنيهم الأمر بأنه باقٍ على التزامه بالمبادرة الفرنسية وبخريطة الطريق التي طرحها الرئيس إيمانويل ماكرون وحظيت بتأييد أبرز المكونات السياسية التي التقاها في قصر الصنوبر.
وقال إن أي صيغة أخرى ستقابل حتماً بالرفض من المجتمع الدولي الذي يبدي استعداده لإنقاذ لبنان ومساعدته للخروج من أزماته شرط أن يبدأ اللبنانيون بمساعدة أنفسهم.
وأكد المصدر السياسي أن التشكيلة الوزارية التي أعدها الحريري لن تخضع للبازار السياسي ولا لتوزيع الحصص أو منح جوائز ترضية لهذا الطرف أو ذاك. وقال إن أي تشكيلة تراعي المعايير السابقة في تأليف الحكومات سترتد سلباً على لبنان وستكون أشبه بمن يحاكي نفسه، وبالتالي لا جدوى من تسويقها محلياً أو خارجياً.
ورأى أن الحريري لا يتوخى من خطوته هذه حشر هذا الطرف أو ذاك بمقدار ما أنه أراد أن يدق ناقوس الخطر في الوقت المناسب لتوجيه رسالة في أكثر من اتجاه بأن إنقاذ البلد لن يتحقق من خلال الاعتماد على أدوات الشغل السابقة، وبالتالي التصرف وكأننا بألف خير وقد تجاوزنا الكارثة التي حلت ببيروت من جراء الانفجار الذي حصل في المرفأ.
مراجعة نقدية

ونصح بعدم الرهان على أن الحريري سيضطر للتسليم بشروط البعض للإفراج عن التشكيلة الوزارية، وعزا السبب إلى أنه تغير واستفاد من التجارب السابقة وأجرى مراجعة نقدية بينت له أين أخطأ وأين أصاب، وقال إن الضغط عليه لن يجدي نفعاً ولن يبدل من قناعاته بذريعة أن ما يهمه العودة بأي ثمن إلى رئاسة الحكومة.
واعتبر المصدر نفسه بأن الأجواء الإيجابية التي اتسمت بها مشاوراته مع عون سرعان ما تبدلت، وهذا ما أدى إلى خفض منسوب التفاؤل الذي كان سائداً حتى ليل الخميس الماضي وعكسه رئيس المجلس النيابي نبيه بري أمام زواره، قبل أن يبادر إلى حبس أنفاسه في اليوم التالي في ضوء ما توارد إليه من معطيات لم تكن مرضية.
وأكد المصدر أن الحريري التزم بالسرية التامة حول المداولات التي جرت بينه وبين عون على امتداد أكثر من نصف دزينة من اللقاءات لأن بعضها أحيط بسرية تامة، وقال بأنه لن ينجر إلى سجالات سياسية مع أحد.

العائق الأساسي

وكشف رئيس حكومة سابق، فضل عدم ذكر اسمه لـ«الشرق الأوسط»، أن العائق الأساسي الذي يؤخر ولادة الحكومة يقع على عاتق رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل الذي يسعى لفرض هيمنته على التشكيلة الوزارية من دون أن يبادر عون إلى ردعه لئلا نقول إنه اضطر لمراعاته برغم أنه لم يصمد أمام بعض ما اتفق عليه مع الحريري.
وإذ لفت إلى أن «حزب الله» لم يتدخل لدى عون ومن خلال باسيل لتسهيل ولادة الحكومة، قال في المقابل بأنه يدعم زيادة عدد الوزراء من 18 إلى 20 وزيراً حرصاً منه على إرضاء حليفه الذي يصر على تمثيل النائب طلال أرسلان في الحكومة.

عقدة مفتعلة

ورداً على سؤال أوضح المصدر أن ما ورد في عظة البطريرك الماروني بشارة الراعي بعد انتهاء السينودس، يحظى بتأييد السواد الأعظم من اللبنانيين الذين يرون أن هناك ضرورة لمبادرة بعض الأطراف أو جميعها إلى التنحي إفساحاً في المجال أمام المجيء بحكومة هي الأولى من نوعها في تاريخ لبنان.
وأكد أن عون لم يكن مضطراً للتصرف حيال الرأي العام وكأنه يفاوض الحريري بالنيابة عن باسيل، وقال إن العقدة تكمن في إصراره على الحصول على الثلث الضامن أو المعطل في الحكومة وفي تمثيل أرسلان الذي يتزعم كتلة نيابية هي بمثابة وديعة لباسيل أودعها لديه في محاولة لتعويمه.
ورأى بأن المشكلة ليست في العقدة الدرزية التي هي مفتعلة ويتذرع بها باسيل لحجب الأنظار عن شهيته اللامتناهية للسيطرة على المفاصل الرئيسة في الحكومة، وقال إن هذا لا يعني عدم وجود عقد أخرى لكنها قابلة للحل بخلاف الشروط التي يضعها باسيل مع أنه يعلم بأن لا مكان للثلث الضامن في الحكومة وأصبح من مخلفات الماضي وهذا ما يدركه الجميع.

الملف الأمني

وكشف بأن عون ومن خلاله باسيل يريد الاحتفاظ بحقائب الدفاع والداخلية والطاقة والعدل وهذا ما يعني أنه يريد الإمساك بالملف الأمني وإلا ما هو المبرر للاستقبالات التي ينظمها باسيل لعدد من الضباط المتقاعدين لاختيار من يرشحه من بينهم لوزارتي الدفاع والداخلية التي من يشغلها هو بمثابة الحاكم الإداري للبنان، وبالتالي لن تسند وكسواها إلا لشخصيات مستقلة؟
وعليه، يبقى السؤال، لماذا لم يقرر «حزب الله» التدخل لدى عون وباسيل؟ وهل لامتناعه علاقة بما يشاع بتأجيله تشكيل الحكومة إلى ما بعد تظهير نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية التي تجري غداً؟ وكيف سيتعامل عون مع إصرار الحريري على موقفه بالتقدم منه بتشكيلة وزارية تلو الأخرى، وبالتالي، هل سيترك لبنان دولياً؟ أم أن التأزم سيفتح الباب أمام مداخلات خارجية لمنع انهيار لبنان وزواله والذي سيدفع باتجاه سقوط الهيكل فوق رؤوس الجميع بلا استثناء، وبالتالي يدخل البلد في أزمة غير مسبوقة.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.