حشد أوروبي لـ«معركة مشتركة وطويلة» ضد الموجة الثانية

ميركل تطالب ببقاء الحدود مفتوحة بين دول القارة

الشرطة تراقب الأماكن العامة في باريس أمس لتطبيق التدابير الجديدة (رويترز)
الشرطة تراقب الأماكن العامة في باريس أمس لتطبيق التدابير الجديدة (رويترز)
TT

حشد أوروبي لـ«معركة مشتركة وطويلة» ضد الموجة الثانية

الشرطة تراقب الأماكن العامة في باريس أمس لتطبيق التدابير الجديدة (رويترز)
الشرطة تراقب الأماكن العامة في باريس أمس لتطبيق التدابير الجديدة (رويترز)

وجّهت الرئيسة الدورية لمجلس الاتحاد الأوروبي المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، رسالة قوية إلى نظرائها الأوروبيين في مستهل القمة الافتراضية التي خُصصت لتنسيق تدابير مواجهة الموجة الثانية من الوباء، التي تحاصر أوروبا منذ أسابيع، وتضيّق الخناق على منظوماتها الصحية التي يقترب معظمها من خط الإنذار الأحمر على مسافة شهرين تقريباً من الذروة المتوقعة لهذه الموجة. وقالت ميركل، في رسالتها، «لا بد أن تبقى الحدود مفتوحة بين الدول الأعضاء، والدورة الاقتصادية ناشطة في هذه المعركة المشتركة التي سنقاتل فيها جميعاً جنباً إلى جنب». وأضافت أن «معركتنا ضد الموجة الثانية ستكون طويلة، ويجب أن تكون مشتركة».
كانت المفوضية الأوروبية قد دعت الدول الأعضاء إلى عقد قمة طارئة لمناقشة واعتماد استراتيجية مشتركة من أجل مواجهة سريعة وفعّالة للموجة الوبائية الجديدة، وتنسيق فحوصات رصد الإصابات، وتتبعها، والتعاون في علاج الحالات التي تستدعي العناية الفائقة، ووضع الخطط لتوزيع اللقاحات. وشدّدت رئيسة المفوضية أورسولا فون در لاين، على إعطاء الأولوية المطلقة في إدارة هذه المرحلة من الأزمة لوزراء الصحة الذين اقترحت أن يبقى مجلسهم في حال انعقاد افتراضي دائم حتى نهاية موجة الوباء الثانية.

ضغوط على المستشفيات

بعد أن بلغت الإصابات الأوروبية الجديدة نصف الإصابات العالمية تقريباً، نبّهت منظمة الصحة إلى أن الوفيات الناجمة عن «كوفيد - 19» في البلدان الأوروبية زادت عن ثلث الوفيات العالمية، علماً بأن العديد من المنظومات الصحية في هذه البلدان بدأت تعاني من صعوبة في استيعاب الأعداد المتزايدة من الإصابات التي تستدعي العلاج في المستشفيات وفي وحدات العناية الفائقة.
وبعد أن تضاعف عدد الحالات الخطرة في أوروبا خلال الأسابيع الثلاثة المنصرمة، حسب البيانات الأخيرة للمركز الأوروبي لمكافحة الأوبئة، قالت المفوّضة الأوروبية لشؤون الصحة ستيّلا كيرياكيس، إن الوضع أصبح بالغ الخطورة، ويستدعي إجراءات سريعة وجذرية لاحتواء الوباء. ويثير الوضع الوبائي في الجمهورية التشيكية قلقاً كبيراً في الأوساط الصحية الأوروبية، بعد أن وصل معدل انتشار الإصابات إلى 1449 لكل مائة ألف مواطن، ما دفع الحكومة إلى تكليف القوات المسلحة بإقامة مستشفى ميداني ضخم في العاصمة براغ يتسّع لأكثر من 500 سرير لمعالجة الحالات المعتدلة، وإتاحة المجال أمام المستشفيات الأخرى لعلاج الإصابات الخطرة. يذكر أن عدد الذين كانوا يعالجون من «كوفيد - 19» في الجمهورية التشيكية مطلع أغسطس (آب) الفائت لم يكن يتجاوز المائة، فيما يتجاوز اليوم 6 آلاف.
وفي بلجيكا، التي تحتلّ المرتبة الثانية أوروبياً بعد الجمهورية التشيكية في معدل انتشار الوباء، الذي بلغ 1424 لكل 100 ألف مواطن، قالت السلطات الصحيّة إن وحدات العناية الفائقة قد تبلغ أقصى قدرتها الاستيعابية بحلول نهاية الأسبوع المقبل، وإن كل العمليات الجراحية والاستشارات الطبية غير الطارئة قد تمّ تأجيلها حتى إشعار آخر. وأفادت مصادر صحية بلجيكية بأنه بسبب من تزايد الضغط على بعض المستشفيات والنقص في عدد أفراد الطواقم الطبية، طلبت إدارات هذه المستشفيات من ممرضين مصابين بالفيروس، ولا تظهر عليهم عوارض المرض، أن يواصلوا عملهم كالمعتاد.

ثلاثة أرقام قياسية

في هولندا، التي تفاخر بواحد من أفضل النظم الصحية في العالم، بدأت السلطات الصحية بإرسال مصابين بالفيروس للعلاج في المستشفيات الألمانية المجاورة. وفيما عادت إسبانيا، أمس الجمعة، لتحطّم مرة أخرى ثلاثة أرقام قياسية في أعداد الإصابات الجديدة والحالات التي تستدعي العلاج في المستشفى وتلك التي تحتاج للعناية الفائقة، قال مدير مركز تنسيق الطوارئ الصحية فرناندو سيمون، إن الأرقام لا تشير إلى أي تحسّن يذكر في المشهد الوبائي بعد التدابير الأخيرة، ولم يستبعد إعلان الإقفال التام، إذا لم يطرأ تحسن ملحوظ في الأيام القليلة المقبلة. يذكر أن إسبانيا التي تشكّل إحدى البؤر الرئيسية لانتشار الفيروس في أوروبا، قد اكتفت حتى الآن بإعلان حالة الطوارئ وحظر التجول الليلي في جميع أنحاء البلاد، والإقفال المحيطي الذي يتيح عزل مناطق جغرافية معيّنة، أو بعض البلدات والأحياء داخل هذه المناطق. وقد أثار هذا القرار انتقادات شديدة في الأوساط العلمية والطبية التي تطالب الحكومة بالإقفال التام لفترة لا تقلّ عن ثلاثة أسابيع أمام الانتشار الواسع والكثيف في معظم الأقاليم.
وفي إيطاليا التي اقتربت إصاباتها اليومية الجديدة، أمس الجمعة، من عتبة الثلاثين ألفاً، وبلغت الوفيّات الناجمة عن «كورونا»، قال وزير الصحة روبرتو سبيرانزا، إن البلاد أصبحت على أبواب «السيناريو الرابع»، وهو الأسوأ في خطة الحكومة لمواجهة الوباء، الذي يفترض أن يعقبه مباشرة إعلان الإقفال التام في جميع أنحاء البلاد.

موجة ثانية من الاحتجاجات

فيما أشارت مصادر رئاسة الحكومة إلى أن رئيس الوزراء جيوزيبي كونتي، يبحث مع معاونيه وأعضاء اللجنة العلمية المشرفة على إدارة الأزمة الصحية حزمة أكثر صرامة من التدابير تحاشياً للإغلاق العام، دعا مستشار وزير الصحة وعضو المجلس التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية والتر ريتشاردي، إلى الإسراع في إعلان العزل التام للإقليمين اللذين يسجّلان أعلى معدلات الانتشار، وهما لومباردّيا في الشمال وكامبانيا في الجنوب.
وحذّر رئيس بلدية نابولي لويجي ماجيستريس، من أن إعلان الإقفال التام في المدينة قبل تخصيص وتقديم المساعدات للمتضررين سيفجّر موجة ثانية من التمرّد بعد الاحتجاجات العنيفة التي عمّت المدينة خلال الأيام الأربعة المنصرمة، وأسفرت عن وقوع خسائر مادية فادحة. وقال رئيس بلدية ميلانو بيبي سالا، الذي عادت مدينته لتسجّل أعلى عدد من الإصابات في إيطاليا، «أمامنا معركة طويلة وليس بإمكان أحد مواجهتها منفرداً». وفيما أظهر استطلاع للرأي أن نصف الإيطاليين تقريباً ما زالوا غير مستعدّين لتناول اللقاح قبل التأكد من سلامته ومدى فعاليته، قال رئيس بلدية بيرغامو، التي ضاقت مدافنها بالضحايا خلال ذروة الموجة الأولى، إن مستشفيات المدينة بدأت تستقبل المصابين بالفيروس من المناطق الأخرى، بعد أن خلت تقريباً من الإصابات الجديدة نتيجة المناعة التي تولّدت لدى سكّانها، إثر الإصابات الكثيفة التي تعرّضوا لها في الأسابيع الأولى لظهور الوباء.
من جهتها حذّرت الباحثة المتخصصة في علوم المناعة أنطونيلّا فيولا، من أنه «أيّاً كانت التدابير الاحتوائية التي ستتخذ، ستكون الأرقام بحلول الشهر المقبل أسوأ بكثير مما هي عليه اليوم، لأن الوباء يسري بسرعة تتجاوز إجراءات الاستجابة»، ودعت إلى الإسراع في إعلان الإقفال التام «كي لا نضطر إلى إقفال أقسى وأطول بحلول نهاية السنة الحالية».



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.