صمت رسمي في القاهرة والرباط حول تقرير القناتين التلفزيونيتين المغربيتين

مصادر تشير إلى غضب في الرباط من تقارب بين القاهرة والجزائر.. ومصدر في القاهرة يؤكد الحرص على العلاقات

صمت رسمي في القاهرة والرباط حول تقرير القناتين التلفزيونيتين المغربيتين
TT

صمت رسمي في القاهرة والرباط حول تقرير القناتين التلفزيونيتين المغربيتين

صمت رسمي في القاهرة والرباط حول تقرير القناتين التلفزيونيتين المغربيتين

التزمت السلطات المغربية والمصرية الصمت حول الجدل الذي أثارته تقارير القناتين الرسميتين الأولى والثانية المغربية، اللتين تبنتا لأول مرة خطابا مماثلا لموقف الإخوان المسلمين في اعتبار ما حدث في مصر في 30 يونيو (حزيران) بأنه انقلاب عسكري.
وفاجأ التقرير الذي نشرته القناة الأولى المغربية بحدة لهجته والعبارات التي استعملها. وجاء في تقرير القناة الأولى أن «الجيش قام بانقلاب عسكري، وعزل الرئيس المنتخب محمد مرسي، وعطل العمل بالدستور، وصدرت أوامر باعتقال المئات من المعارضين بما وضع حدا لمطامح الشعب المصري، حيث أنهى عهد الرئيس المنتخب محمد مرسي». أما القناة الثانية فعبرت عن مواقف مماثلة في إطار تقرير حول تدهور السياحة بمصر. ورغم أن التقريرين تحدثا في نفس الاتجاه، فإنهما لم يشيرا بالاسم إلى «جماعة الإخوان المسلمين». يذكر أن المغرب رسميا كان أول المهنئين للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بفوزه في الانتخابات الأخيرة.
وترك الصمت الرسمي الحكومي المغربي المجال مفتوحا أمام التأويلات والتكهنات حول ما حدث. وتفاوتت تعليقات المحللين في المغرب على التقريرين بين من يرى فيهما تعبيرا من المغرب عن استيائه من التقارب الجزائري - المصري وتحول مفترض لـ«موقف مصر المحايد من نزاع الصحراء»، ومن يربطها بما قالوا إنه «الإساءات المتتالية التي تعرض لها المغرب من طرف الإعلام المصري».
واقتربت القاهرة منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي من الجزائر، التي كانت المحطة الأولى في جولات الرئيس المصري الخارجية عقب انتخابه منتصف العام الماضي. وقال مراقبون إن هذا التقارب قد لا يريح الرباط.
والعلاقات بين المغرب والجزائر متوترة على خلفية أزمة الصحراء، ودعم الجزائر جبهة البوليساريو التي تطالب باستقلال الصحراء، وهو موقف يثير غضب الرباط.
والتقى الرئيس السيسي، في يوليو (تموز) الماضي، صلاح الدين مزوار، وزير الشؤون الخارجية والتعاون بالمملكة المغربية.
ونقلت تقارير إعلامية مغربية أنباء عن زيارة وفد مصري يضم مسؤولين في وزارة الثقافة المصرية إلى مخيمات «تندوف» في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وزعمت التقارير أن أعضاء الوفد التقوا زعيم الجبهة محمد عبد العزيز، لكن مصادر رسمية مصرية في وزارة الثقافة نفت هذه الأنباء.
وقلل السفير هاني خلاف مساعد وزير الخارجية الأسبق للشؤون العربية، مندوب مصر السابق لدى جامعة الدول العربية، من أهمية التقرير التلفزيوني المغربي، مرجحا أن يكون اجتهادا غير محسوب من أحد المسؤولين المغاربة في دوائر الإعلام، لافتا إلى أن رد الفعل المغربي الرسمي والتأكيد على أن التقرير لا يمثل الموقف المغربي الرسمي يرجح كفة هذا التفسير.
لكنّ دبلوماسيا مصريا مرموقا أشار إلى أن «تسارع التقارب بين القاهرة والجزائر ربما أثار حفيظة الأشقاء في المغرب»، لافتا إلى أن «القاهرة تقدر الحساسية المغربية من أي تطوير في المواقف إزاء قضية الصحراء».
ونقلت وكالة «الأناضول» عن مسؤول مغربي لم تسمِّه قوله إن زيارة وفد مصري (لم يكشف عن طبيعته) خلال الأسبوع الماضي للعاصمة الجزائرية من أجل حضور مؤتمر دولي داعم لجبهة البوليساريو أغضبت المغرب.
وربط إدريس لغريني، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة القاضي عياض بمراكش، ما حدث بما وصفه بأنه «مسلسل الإساءات التي تعرض لها المغرب من طرف الإعلام المصري على مدى الأشهر الأخيرة»، واعتبر لغريني أن التحول المفاجئ في خطاب القناتين الرسميتين هو رد إعلامي على هذا المسلسل من الإساءات. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «كان من اللازم أن يكون هناك رد إعلامي من طرف المغرب، وتوجيه الرسالة إلى الإعلام المصري مفادها أن من بيته من زجاج لا يضرب الناس بالحجارة. غير أنه لا يجب أن نحمل هذا الأمر أكثر مما يستحق. فلحدود الساعة هناك إصرار على حصر هذا السجال في المستوى الإعلامي، وأن لا يتعداه إلى مستويات أخرى كاستدعاء السفير أو غير ذلك».
وأشار لغريني إلى أن مواقف المغرب الرسمية تجاه مصر واضحة، وأن العاهل المغربي كان من بين أول مهنئي عبد الفتاح السيسي بفوزه في الانتخابات. وقال: «ما يعتد به في العلاقات الدولية هو المواقف الرسمية للمسؤولين وليس المخرجات الإعلامية»، وأضاف أن هناك من ربط التحول في خطاب القناتين العموميتين تجاه مصر بالسياق السياسي للتقارب بين مصر والجزائر. وقال: «هناك تخوف مغربي من أن يؤدي هذا التقارب إلى تحول الموقف المصري من نزاع الصحراء، نظرا لأهمية الدور المصري على الصعيد العربي والأفريقي. لكن معالجة مثل هذه القضايا لا تتم عبر القنوات الإعلامية، وإنما عبر القنوات الدبلوماسية. ولا أعتقد أن لذلك دخلا بما نشرته القناتان». ويرى لغريني أن كلا من المغرب ومصر لا مصلحة لهما في توتر العلاقات بينهما، كما أن الوضع الإقليمي المتردي وملفات كبرى تنتظر من البلدين التنسيق والتعاون من أجل معالجتها.
عبد الفتاح البلعمشي، مدير المركز المغربي للدبلوماسية الموازية، اعتبر أن الخروج الإعلامي للقناتين الأولى والثانية «لم يكن عاديا ولا طبيعيا، وإلا لما فاجأ الرأي العام المغربي بهذا الشكل». وقال البلعمشي لـ«الشرق الأوسط»: «هناك خلل ما لأننا لم نألف مثل هذا السلوك من طرف الإعلام الرسمي. ولم نألف من الإعلام الرسمي أن يأخذ مبادرات من هذا النوع». وأضاف البلعمشي: «فلو تعلق الأمر بإذاعة خاصة أو صحيفة مستقلة لتفهمنا ذلك وأمكن تقبله، لكن القطب الإعلامي العمومي يجب أن يكون لديه خطه التحريري المعروف والواضح والذي لا يتناقض مع التوجهات السياسية العامة للبلاد، خصوصا بالنسبة إلى الخبر الدولي. لذلك فنحن في حاجة إلى توضيح». ويرى البلعمشي أن الأمر يتطلب إجراء تحقيق لمعرفة مصدر الخلل. وقال: «إذا كان ما حدث تعبيرا عن موقف رسمي فيمكن دائما التراجع عنه، لكن إذا تعلق الأمر فعلا باختراق المطبخ التحريري للمؤسسات الإعلامية الرسمية المغربية، كما نسبت تقارير إعلامية لسفير المغرب في القاهرة، فالأمر يحتاج إلى تحقيق وتحديد مصدر الاختراق».
واستبعد البلعمشي أن يكون «التوجه الإسلامي» لرئاسة الحكومة، التي يقودها حزب العدالة والتنمية، وراء توجيه التقريرين الإخباريين. وقال: «لا أعتقد أن لحزب العدالة والتنمية المغربي الجرأة على اتخاذ مثل هذه المواقف. صحيح أن لديه مواقف الخاصة التي يعبر عنها على المستوى الحزبي، لكن على مستوى التدبير الحكومي وتسيير شؤون البلاد فهو لا يفوت فرصة للتعبير على أنه جزء من استمرارية السياسة الخارجية العامة للبلاد. فحزب العدالة والتنمية ليس فقط يعرف حدوده في هذا المجال، بل إنه أيضا يتنازل حتى على الهامش الذي منحه له الدستور. وهذا ليس خاصا به، بل هو عيب كل الأحزاب المغربية التي لا تميز بين ممارسة دورها كأحزاب في الحكومة وبين التدخل في المجال المحفوظ للملك».
وبدا التقرير الذي يتبنى وجهة نظر الجماعة، التي باتت القاهرة تعدها تنظيما إرهابيا، قمة جبل ثلج تسعى القاهرة على ما يبدو لتجنب الاصطدام به، لكن تلك الجهود ربما أعاقها مؤقتا انزعاج السفير محمد سعد العلمي سفير المغرب في القاهرة من تحوير تقارير إعلامية مصرية تعليقه على بث التقرير، بحسب مصادر مغربية مطلعة.
وقال مصدر مطلع تحدث إلى «الشرق الأوسط» مشترطا عدم ذكر اسمه إن صحافيا مصريا يعمل في قناة «مصر الآن» التي تبث من خارج الأراضي المصرية دأب على إذاعة تقارير بهدف الوقيعة بين الجانبين المصري والمغربي، وهو ربما ما أثار غضب إعلاميين مغاربة.
وأشار مصدر مقرب من دوائر صنع القرار في القاهرة إلى أن بلاده تسعى لتجنب توتير العلاقات مع «البلد الكبير»، مشيدا بتصريحات السفير المغربي في القاهرة. لكن مصادر مغربية مطلعة أكدت لـ«الشرق الأوسط» أن السفير العلمي «انزعج» مما وصفته المصادر بتحوير تعليقه على الخبر، مشيرة إلى أن السفير المغربي لم يقل إن «التقرير يقف وراءه شخص غير معروف».
ونقلت التقارير المصرية على لسان العلمي قوله إن التقرير الذي أذاعته القناة الأولى المغربية في نشرتها الإخبارية تحت عنوان «الآثار السياسية للانقلاب العسكري في مصر» يقف وراءه «شخص غير معروف، يهدف للوقيعة بين البلدين».
وأضاف السفير العلمي أنه «علينا أن نتدارك ما وقع حفاظا على العلاقات الطيبة التي تجمع البلدين، وأن نتحرى الدقة وأن نراعي مشاعر الشعب المغربي، وأن يركز الإعلام على ما يفيد العلاقات بين البلدين».



السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.


حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
TT

حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)

أقدم الحوثيون على تنفيذ حملات تعسف استهدفت بالإغلاق والهدم أسواقاً ومتاجر ومنازل في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، وذلك في سياق عملية مُمنهجة، ظاهرها «إزالة العشوائيات» وباطنها فرض مزيد من الإتاوات غير القانونية.

ووفق ما ذكرته مصادر محلية في إب لـ«الشرق الأوسط»، فإن حملة التعدي التي أطلقتها الجماعة، عبر ما يُسمى «مكتب الأشغال العامة» و«إدارة المرور»، أغلقت سوقين شعبيين وطردت التجار والباعة، كما هدمت منازل عدة بعضها طور الإنشاء في المنطقة الخامسة بمديرية الظهار جنوب مدينة إب (مركز المحافظة).

واشتكى مُلاك منازل ومحلات تجارية طالهم التعسف الحوثي، وأوضحوا لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة تشنّ حملات تستهدف منازلهم ومصادر عيشهم تحت مبررات غير قانونية.

باعة أرصفة يتعرضون للابتزاز من قبل مسلحين حوثيين (فيسبوك)

وقال مراد، وهو اسم مستعار لمالك بسطة تجارية بمديرية الظهار لـ«الشرق الأوسط»، إن الحملة باغتتهم دون سابق إنذار، موضحاً: «نعتمد على هذه البسطة منذ سنوات لإعالة أسرنا، وفجأة جاءت الجرافات ومعها مسلحون وطلبوا منا إخلاء المكان خلال دقائق قليلة جداً، ثم بدأوا بهدم كل شيء». ولفت إلى أن الإجراءات تمت هذه المرة كسابقاتها بطريقة قاسية، مؤكداً أن كثيراً من المُتضررين لم تُمنح لهم فرصة لنقل ممتلكاتهم أو بضائعهم.

اتساع التعسف

في مديرية العدين (جنوب غرب إب) استخدمت الحملة الحوثية - التي أشرف على تنفيذها قيادات في الجماعة - 4 جرافات لاستهداف مُمتلكات السكان ومصادر عيشهم.

وأوضح سكان لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفين حوثيين برفقة عربات ومسلحين نفذوا حملات دهم استهدفت بالإغلاق «السوق المركزي» الكائن وسط المدينة، إلى جانب تجريف وإزالة لعدد من البسطات والمحلات الصغيرة والأكشاك التي يعتمد عليها مئات المواطنين كمصدر رئيسي للعيش.

تعرض متاجر للهدم الحوثي في مديرية العدين بمحافظة إب (فيسبوك)

وبحسب السكان، فإن هذه الحملات لم تقتصر على إزالة ما تصفه الجماعة بالمخالفات، بل طالت ممتلكات قائمة منذ سنوات، دون تقديم بدائل مناسبة للمتضررين أو مراعاة للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السكان في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

وأوضح عدد من المتضررين أن الحملة نفذت بشكل مفاجئ، ولم تمنح أصحاب البسطات والعربات أي مهلة لإخلاء مواقعهم، قبل أن تباشر الجرافات بعملية الهدم والتجريف، ما أدى إلى خسائر مادية كبيرة، وقطع مصادر دخل أسر كاملة.

ويتحدث بائع خضروات في سوق العدين لـ«الشرق الأوسط»، عن أن مصدر دخله الوحيد اختفى خلال دقائق جراء حملة التعدي الحوثية، وأضاف: «ليس لدينا عمل آخر. بعد التجريف أصبحنا بلا عمل ولا نعرف كيف سنوفر احتياجات أسرنا».

وبررت الجماعة الحوثية استهدافها أملاك السكان ومصادر رزقهم بأنه ضمن ما تُسميه خُطة لتنظيم المدن وإزالة العشوائيات، إلا أن ناشطين يرون أن الحملة تفتقر إلى أبسط مقومات التخطيط العادل، وتستهدف الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، دون بدائل ومعالجات حقيقية.

خوف متصاعد

يتخوف السكان في المحافظة اليمنية ذات الكثافة السكانية العالية (إب)، من توسع نطاق هذه الحملات لتشمل بمقبل الأيام أسواقاً ومتاجر في مديريات أخرى، الأمر الذي يُهدد بفقدان المزيد من المواطنين مصادر رزقهم في ظل غياب أي برامج دعم أو تعويض.

قيادات حوثية تشرف على حملات الاستهداف في إب (فيسبوك)

ولفت السكان إلى أن المئات من ملاك الأسواق والتجار والباعة باتوا خائفين لكون مصدر رزقهم مُهدداً، في ظل ظروف معيشية صعبة وقاسية، إذ إن أي خسارة تعني أن أسراً كاملة ستفقد قدرتها على العيش.

وطالب السكان والناشطون في المحافظة بوقف هذه الحملات، وإيجاد حلول تنظيمية تراعي أوضاع المواطنين، وتضمن عدم الإضرار بمصادر عيشهم، مؤكدين أن معالجة العشوائيات وتنظيم المدن يجب أن يتمّا عبر خطط حضرية واضحة وتوفير بدائل مناسبة للمتضررين، وليس عبر المصادرة والهدم المفاجئ والتجريف القسري.