أزمات مالية وسياسية ومعيشية تحاصر اللبنانيين بعد عام على {انتفاضة 17 أكتوبر}

مسيرات خجولة اليوم في ذكراها الأولى

مظاهرة وسط بيروت خلال انتفاضة أكتوبر من العام الماضي (رويترز)
مظاهرة وسط بيروت خلال انتفاضة أكتوبر من العام الماضي (رويترز)
TT

أزمات مالية وسياسية ومعيشية تحاصر اللبنانيين بعد عام على {انتفاضة 17 أكتوبر}

مظاهرة وسط بيروت خلال انتفاضة أكتوبر من العام الماضي (رويترز)
مظاهرة وسط بيروت خلال انتفاضة أكتوبر من العام الماضي (رويترز)

عام مرّ على 17 أكتوبر (تشرين الأول) يوم انطلقت شرارة انتفاضة أخرجت اللبنانيين إلى الشوارع بأعداد لم تعتدها الساحات إلا في تحركات ذات طابع طائفي أو حزبي. يومها طالب اللبنانيون من الشمال إلى الجنوب بتغيير الطبقة السياسية وبمحاسبة الفاسدين واستعادة الأموال المنهوبة رافعين شعار «كلن يعني كلن» في إشارة إلى أنّ كلّ الأحزاب التي شاركت في السلطة مسؤولة عن تدهور الوضع المعيشي.
هذه الانتفاضة لم تعد بالزخم الذي انطلقت فيه، فمعظم الساحات التي كان يطلق عليها اسم «ساحات الثورة» باتت فارغة يتجمّع فيها بعض الناشطين بين الوقت والآخر اعتراضاً على قرار وزير أو سلوك رئيس أو قرار مصرف من دون القدرة على حشد المواطنين وجمعهم أو حتى تقديم رؤية موحّدة لهم، وذلك في وقت كانت فيه الأزمات الاقتصادية تتوالى على اللبنانيين يوماً بعد يوم.
وإذا كانت الزيادة على رسم تطبيق «واتساب» في أكتوبر الماضي أطلقت شرارة الانتفاضة فإنّ «شرارات كثيرة» ظهرت خلال عام، إذ إنّ «الانهيار الذي كان وشيكاً حينها أصبح واقعاً معيشاً اليوم»، حسبما يرى الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان، متحدثاً عن متغيّرات مهمّة نقدية ومالية واقتصادية.
ويؤكد أبو سليمان في حديث مع «الشرق الأوسط» أنّ لبنان وبعد مرور عام على انتفاضة 17 أكتوبر هو اليوم «دولة تُعاني من أزمة رباعية الأبعاد نقدية وسياسية واقتصادية ومالية»، يُضاف إليها بطبيعة الحال «تهديد للأمن الصحي والغذائي بسبب شحّ العملات الأجنبيّة المطلوبة لاستيراد المواد الغذائية والأدوية».
ويتحدّث أبو سليمان عن متغيرات أساسيّة أولها نقدي، فهناك اليوم ثلاثة أسعار للدولار: السعر الرسمي (1515 ليرة)، وسعر سحوبات المصرف (3900)، وسعر السوق السوداء الذي وصل إلى 10 آلاف غير مرّة وهو حالياً في حدود الـ8000، وهذه الظاهرة تعد «مؤشراً سلبياً يعكس الفوضى والتأزم».
وهناك المتغيّر المالي، «فإيرادات الدولة انخفضت خلال عام 50%، وهذا سينعكس على عجز موازنة الدولة لا سيّما أنّ نفقاتها لم تنخفض لأنها مستمرة بالتزاماتها تجاه موظفي القطاع العام واستيراد فيول مؤسسة كهرباء لبنان».
وعلى الصعيد الاقتصادي يلفت أبو سليمان إلى ارتفاع نسبة البطالة من حدود 30% إلى 40% مع الإشارة إلى أنها تتجاوز هذه النسبة في مناطق معينة، فضلاً عن ازدياد أعداد مَن هم تحت خطّ الفقر في لبنان والذين كان عددهم بحدود مليون شخص في أكتوبر الماضي وأصبحوا اليوم أكثر من مليوني شخص، أي أكثر من الضِّعف.
وهناك انخفاض الناتج المحلي بما لا يقلّ عن 30%، وإقفال عدد من المؤسسات التجارية والسياحية، ووصول القطاع المصرفي الذي كان يعد العمود الفقري للاقتصاد إلى شبه إفلاس، يُضاف إلى كلّ هذه العوامل جائحة «كورونا».
وعلى الرغم من كلّ ذلك لا يتوقع معظم المجموعات المشاركة في الحراك مشاركة واسعة من المواطنين في الذكرى الأولى للانتفاضة اليوم.
«لن نرى مشهدية 17 أكتوبر 2019 بالتأكيد»، يقول أنطوني الدويهي، أحد مؤسسي مجموعة «بداية وطن» الناشطة في الحراك، ويتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن عوائق عديدة تَحول دون نزول الناس في ذكرى الانتفاضة بالأعداد التي نزلت بها في أكتوبر الماضي، مع تأكيده عدم استعمال كلمة «ذكرى» لأنّ الانتفاضة كما يرى «مستمرة ولم تتوقف يوماً».
يذكر الدويهي جائحة «كورونا» وقرار إقفال عدد من المناطق التي كانت تعدّ مراكز لتجمّع المنتفضين، كعوامل قد تمنع الناس من النزول للاحتفال بذكرى انطلاق الانتفاضة، إلّا أنه لا ينكر وجود سبب آخر وهو فشل مجموعات الحراك في «تقديم طرح يعطي ثقة للناس ويكون بديلاً عن طرح السلطة»، مؤكداً أنّ مختلف المجموعات باتت واعية لهذه النقطة و«تعمل على تخطّيها عبر طرح بدائل على الناس».
ويرى الدويهي أنّ الانتفاضة «أسقطت الزعامات المذهبية وكسرت الخوف والألقاب حتى استطاعت أن ترفع شعار (كلّن يعني كلّن)، إلّا أنّ التغيير يحتاج إلى نَفس طويل ولا سيّما إذا كان بوجه منظومة متغلغلة في جميع المؤسسات وضدّ سلطة حكمت 30 عاماً».
- حراك الجنوب مستمر
ويشير أحمد إسماعيل، وهو ناشط في حراك النبطيّة (جنوب لبنان)، إلى العوامل نفسها؛ من وباء «كورونا» وعدم وجود رؤية موحّدة لدى المجموعات، كعوائق أمام نزول الناس إلى الشارع لإحياء ذكرى 17 أكتوبر إلّا أنّه يرى أن «الواقع الاقتصادي والاجتماعي من فقدان للدواء والمحروقات وسلع أساسية، وارتفاع الأسعار، ولا سيّما في حال رفع الدعم عن المواد الأساسيّة، سيدفع إلى عودة الناس إلى الشوارع من جديد».
ويرى إسماعيل أن لحراك الجنوب أهميّة خاصة فهو «استطاع أن يكسر الخوف وأن يُظهر أصواتاً لم تكن ظاهرة قبل 17 أكتوبر ولا سيما ضدّ الأحزاب المسيطرة على المنطقة (حزب الله وحركة أمل)، انطلاقاً من مفهوم حقوق المواطنين وواجبات السلطة»، لذلك يعد -حسب إسماعيل- «استمرار حراك الجنوب مطلباً أساسياً وحيوياً لاستمرار الحراك بأكمله».
ويوضح إسماعيل أنّه ما دام الوضع السياسي والاقتصادي على حاله فإنّ حراك الجنوب سيستمر وسيزداد زخمه «لأنّ أحزاب المنطقة والمشاركة في السلطة لن تستطيع تقديم تبريرات مقنعة للمواطنين عن أسباب معاناتهم».
- الانتفاضة خارج معيار الفشل والنجاح
من جانبه يرى الناشط في انتفاضة 17 أكتوبر والأستاذ الجامعي باسل صالح، أنّها «لا تخضع لمعيار التشاؤم والتفاؤل والنجاح والفشل»، فهي حدث أتى في «سياق تراكمي لمجابهة السلطة برزت منه محطات حراك 2011 الذي كان هدفه إسقاط النظام الطائفي ومن ثم حراك 2015 والذي كانت شرارته أزمة النفايات إلى أن وصلنا إلى أكتوبر 2019». واعتبر صالح في حديث مع «الشرق الأوسط» أنّ زخم التحركات خلال المحطات السابقة كان في سياق تصاعدي وذلك نتيجة طبيعية لإمعان السلطة في الفساد ونهب الدولة وعدم قدرتها على إيجاد حلول للأزمات التي باتت تحاصر المواطنين، مضيفاً أنّه إذا أردنا محاكمة الانتفاضة فهي «خرجت أساساً كحركة اعتراض على سياسة فرض الضرائب وذهنية مد اليد إلى جيوب الناس، ونجحت بإسقاط الحكومة أي أنها أنجزت ما خرجت من أجله»
وفي هذا السياق يرى أنّ زخم الانتفاضة تراجع بعد إسقاط الحكومة، فضلاً عن عوامل أخرى مثل «كورونا، والعنف الذي استخدمته السلطة ضد المحتجين من دون أن تتعرض للمحاسبة، وعدم قدرة قوى التغيير على تأسيس جبهة سياسية بمشروع واضح وبقدرة تنظيمية لا مركزية ممتدة في المناطق»، معتبراً أنّ هناك «حتماً مواجهات لاحقة مع السلطة ستكون أكثر جذرية لأن النظام انتهى وما بقي هي قوى النظام التي تحاول إعادة إنتاجه».
- مسيرات واحتفالات قيد التحضير
ميدانياً، يحضّر مختلف المجموعات لأنشطة تحيي من خلالها ذكرى 17 أكتوبر في مختلف الأماكن التي كانت تُعرف بساحات الثورة، فشمالاً ستنطلق من مدينة طرابلس إلى القرنة السوداء مسيرة يتخلّلها توقف في محطات ومناطق عدة. وفي بيروت سيكون هناك احتفالات في ساحات جل الديب (شرق بيروت) ورياض الصلح والشهداء (وسط بيروت) ومسيرات إلى المصرف المركزي.
وجنوباً ستكون هناك مسيرة في صور وأنشطة واحتفالات في النبطيّة وصيدا، وكذلك في مدينة بعلبك (شرقاً) وعالية (جبل لبنان)، مع الإشارة إلى أنّ عدداً من المجموعات لجأ إلى تأجيل الاحتفال بسبب وباء «كورونا».



العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.


الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
TT

الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)

تتصاعد التحذيرات من تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد وتفاقم الصدمات المناخية، وظهور صراعات جديدة في المنطقة والعالم تلقي بآثارها على البلاد، فيما تكشف تقارير أممية ودولية عن مواجهة ملايين السكان نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات الأساسية، وازدياد أعداد النازحين وتراجع القدرة على الإغاثة بسبب نقص التمويل.

وفي حين أعلنت الأمم المتحدة إطلاق «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»، صدرت تحذيرات من تفاقم أزمة النزوح واتساع نطاق انعدام الأمن الغذائي، الأمر الذي يضع البلاد أمام تحديات إنسانية متشابكة تتطلب دعماً دولياً عاجلاً ومستداماً، وسط شكوى السكان من تدهور قدراتهم الشرائية واضطرارهم إلى تقليص وجباتهم.

وحذرت «مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» من استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، مؤكدة أن البلاد لا تزال تمثل إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم.

ووفق تقديرات «المفوضية»، فقد ارتفع عدد النازحين داخلياً إلى نحو 5.2 مليون شخص مع استمرار النزاع المسلح، بينما يعيش أكثر من 63 ألف لاجئ أوضاعاً اقتصادية قاسية، دفعت ببعضهم إلى تقليص وجباتهم الغذائية أو تأجيل الحصول على الرعاية الصحية بسبب الفقر المتصاعد؛ مما يعكس اتساع نطاق الأزمة وتعقيد جهود الاستجابة الإنسانية.

تدهور المعيشة في اليمن دفع ربات البيوت إلى تقليص كمية الطعام (الأمم المتحدة)

وكانت «المفوضية» أكدت أن اليمن يواجه إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم، بعد أن أثرت فيضانات مدمرة على أكثر من 460 ألف شخص خلال العام الماضي، وألحقت أضراراً بمواقع النزوح ودمرت الملاجئ في مناطق معرضة أصلاً للأمطار الموسمية.

تفاقم مرتقب

من جهتها، توقعت «شبكة نظام الإنذار المبكر بالمجاعة» أن تبلغ الاحتياجات الغذائية ذروتها بين يوليو (تموز) وسبتمبر (أيلول) المقبلين، مع احتمال تضرر نحو 16 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي خلال تلك الفترة.

وتظهر بيانات الشبكة الدولية المختصة في مراقبة المجاعات استمرار ظهور مستويات الطوارئ الغذائية في بعض المناطق، بما في ذلك محافظات الحديدة وحجة وتعز، إضافة إلى مناطق في لحج والضالع وأبين وشبوة، بعد تآكل سبل العيش وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

قسوة المناخ في اليمن ألحقت أضراراً بمساكن النازحين وفاقمت من معاناتهم (الأمم المتحدة)

وتعاني الأسر في مختلف أنحاء اليمن من التداعيات طويلة الأمد للصراع وتدهور الاقتصاد وتراجع فرص كسب الدخل، وفقاً للتقرير الذي يرجح أن تبلغ الاحتياجات من المساعدات الغذائية ذروتها خلال موسم الجفاف.

وأشارت البيانات الدولية إلى احتمالية تضرر نحو 16 مليون شخص، ودخول معظم مناطق البلاد ضمن مستويات الأزمة الغذائية أو أسوأ، وفق «التصنيف المرحلي لانعدام الأمن الغذائي»، في وقت يخطط فيه «برنامج الأغذية العالمي» لدعم 1.6 مليون شخص في مناطق الحكومة، بينما لا تزال المساعدات معلقة بمناطق الحوثيين، مما يؤثر على 9.5 مليون شخص.

وأطلقت الأمم المتحدة وشركاؤها في المجال الإنساني «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»؛ التي تهدف إلى جمع نحو 2.16 مليار دولار لتوفير مساعدات إنسانية منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص في مختلف أنحاء البلاد.

موائد فقيرة

كشف كثير من العائلات اليمنية عن أن الأشهر الأخيرة كانت الأشد صعوبة في قدرتها على تلبية احتياجاتها المعيشية، بينما تذهب التقارير الدولية إلى أن الأشهر الستة المقبلة ستشهد تفاقماً في أزمة الأمن الغذائي باليمن، في ظل استمرار تدهور الظروف الاقتصادية وتآكل مصادر الدخل لدى ملايين الأسر.

الفيضانات في اليمن شردت الآلاف خلال العام الماضي وأضافتهم إلى أعداد النازحين (أ.ف.ب)

يقول سامي المقطري، وهو من سكان العاصمة اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المعيشة أصبحت أشد صعوبة، فبينما تراجعت فرص العمل بشكل كبير، توقفت المساعدات الغذائية والمالية إلى أقصى حد».

وينوه بأنه كان سابقاً يحصل على «فرص عمل بالأجر اليومي بين حين وآخر، كما يأتي بعض المساعدات، على شكل سلال غذائية أو مبالغ مالية، لتغطية العجز في توفير الطعام» لعائلته؛ بسبب التوقف عن العمل بعض الوقت أو عدم كفاية الأجرة التي يحصل عليها، إلا إن «الأشهر الأخيرة شهدت توقف العمل والمساعدات معاً».

وتتحسر، أمنية العريقي، وهي ربة بيت في تعز؛ بسبب عدم قدرتها على تلبية احتياجات عائلتها، المكونة من 6 أفراد، بعد ارتفاع أسعار الخدمات والغذاء.

وذكرت لـ«الشرق الأوسط» أنها تتلقى مساعدة مالية من شقيقها المغترب بين فترة وأخرى، وكان ذلك يساعد في تلبية كثير من الاحتياجات إلى جانب راتب زوجها، إلا إن ذلك، ومع تراجع سعر صرف العملات الأجنبية، وبقاء الأسعار على حالها، دفعها إلى التنازل عن كثير من المتطلبات.

بينما يتراجع تمويل أعمال الإغاثة في اليمن تشهد البلاد زيادة في أعداد النازحين (رويترز)

بدوره، يبدي علي غالب، وهو معلم في محافظة لحج (شمال عدن)، غضباً شديداً من ارتفاع الأسعار بتأثيرات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول منطقة الشرق الأوسط، «بينما كان السكان ينتظرون تراجع الأسعار بعد التحسن الذي شهدته العملة المحلية منذ نحو 8 أشهر؛ مما يعني أن اليمنيين تطولهم الكوارث، ولا يصل إليهم أي خير»، وفق رأيه.

ووفق التقديرات الأممية، فإن نحو 22.3 مليون إنسان سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية خلال العام الحالي، منهم 5.2 مليون نازح داخلياً، فضلاً عن آلاف اللاجئين والمهاجرين الذين يعيشون ظروفاً إنسانية معقدة، وتسعى الأمم المتحدة من خلال «خطة الاستجابة» إلى إنقاذهم.


السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».