صراع أذربيجان وأرمينيا في قره باغ إلى أين؟

الاستقطابات الإقليمية تنذر باتساع نطاق الاشتباكات إلى حرب واسعة

صراع أذربيجان وأرمينيا في قره باغ إلى أين؟
TT

صراع أذربيجان وأرمينيا في قره باغ إلى أين؟

صراع أذربيجان وأرمينيا في قره باغ إلى أين؟

خيّمت سُحُب الحرب من جديد على إقليم ناغورني قره باغ بعد هدوء استمر منذ عام 2016، قبل أن يتجدد بشكل مختلف في يوليو (تموز) الماضي في منطقة بعيدة عن الإقليم المتنازع عليه والخاضع لسيطرة المتمردين الأرمن منذ تسعينات القرن الماضي.
عاد التوتر إلى جنوب القوقاز مرة أخرى، عندما قامت أرمينيا في 12 يوليو بمهاجمة أذربيجان بشكل مفاجئ، لكن بطريقة مختلفة. إذ كان مسرح الهجوم مدينة توفوز التي تقع بالقرب من ممر يصل بين أذربيجان وجورجيا وتركيا، وبجوار طرق النقل والشحن والطاقة. إذ يُنقل النفط والغاز من بحر قزوين إلى تركيا عبر هذا الممر من خلال خط أنابيب النفط «باكو - تبليسي - جيهان»، وممر الغاز الجنوبي لنقل الغاز من أذربيجان إلى أوروبا عبر تركيا في إطار مشروع «تاناب»، بالإضافة إلى خط السكك الحديدية «باكو - تبليسي – كارص» الرابط بين الدول الثلاث. ولقد فتح هذه الهجوم الباب أمام كثير من التساؤلات، لأنه أعقب فترة هدوء وجاء بعد لقاء، عقد للمرة الأولى وجهاً لوجه خلال مؤتمر ميونيخ الدولي للأمن في فبراير (شباط) الماضي، بين الرئيس الأذري إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان، الذي أعلن بعد ذلك عن خطط للحل السياسي للنزاع المزمن مع باكو حول ناغورني قره باغ.
الاشتباكات الدائرة حالياً، توسعت رقعتها في الأيام الأخيرة بعد أن طال القصف مدناً كبرى، بينها ستيباناكرت عاصمة إقليم ناغورني قره باغ، ومدينة غنجة ثانية كبريات مدن أذربيجان. ويتبادل الطرفان اتهامات بقتل المدنيين، في حين أعلنت إدارة الإقليم نزوح نحو نصف سكانه من الأرمن بسبب الضربات الأذرية. وراهناً، تحتل أرمينيا منذ عام 1992 نحو 20 في المائة من الأراضي الأذرية التي تضم إقليم ناغورني قره باغ المكوّن من 5 محافظات، إضافة إلى 5 محافظات أخرى غرب البلاد، وأجزاء واسعة من محافظتَي آغدام وفضولي. ولقد تسبب النزاع بين الجانبَين في تهجير أكثر من مليون أذري من أراضيهم ومدنهم؛ فضلاً عن مقتل نحو 30 ألف شخص.

اشتعال الأزمة
استمر التوتر بين أذربيجان وأرمينيا على مدى السنوات الست الماضية حول إقليم ناغورني قره باغ، الذي يشكل أساساً لصراع لن ينتهي إلا بحل النزاعات المجمدة. وكانت الاشتباكات الخطيرة والمحدودة بين القوات العسكرية للبلدين تحدث بشكل شبه يومي منذ صيف العام 2014. وظل الطرفان على حالة تأهب دائم بعد حرب الأيام الأربعة عام 2016، عندما قتل 94 أذرياً، بينهم مدنيان، و84 جنديا أرمنياً. ثم ساد نوع من السكون، تبين أنه كان هدوءاً يسبق العاصفة التي اندلعت مجدداً في 27 سبتمبر (أيلول) الماضي، والتي تتوسع دائرتها حالياً لتثير مخاوف من حرب إقليمية بسبب دعم قوى إقليمية لطرف ما على حساب الآخر.
أحد أسباب اندلاع الاشتباكات مجدداً على خط الجبهة في ناغورني قره باغ أرجعته حكومة أرمينيا في يريفان إلى «التحرك التركي المكثف لدعم أذربيجان»، الذي تطور إلى استعراض قوة في مواجهة أرمينيا عبر مناورات عسكرية واسعة أجريت ليوم واحد في جمهورية نخجوان الذاتية الحكم في 5 سبتمبر. ولقد شارك في هذه المناورات 2600 جندي و200 دبابة ومدرعة و180 نظاماً صاروخياً ومدفعية وقذائف هاون، و18 مروحية وأكثر من 30 نظاماً للدفاع الجوي، لتحييد أهداف عدوة مفترضة جرى تدميرها بالصواريخ وقذائف المدفعية. ثم نفذ الجنود عمليات هجومية، وقامت الوحدات العسكرية بعمليات إنزال وسيطرة على نقاط، وتدمير مدرعات وطائرات من دون طيار تابعة للعدو. وفي نهاية المناورات، نفذت المروحيات العسكرية طلعات استعرضت خلالها العلمين التركي والأذري.
رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان اتهم تركيا بتأجيج المعارك في إقليم ناغورني قره باغ من خلال دعمها لأذربيجان. وبدورها، حذّرت إيران من تحوّل النزاع إلى «حرب إقليمية»، منددة بانتشار جماعات مسلحة عند حدودها، بعد اتهام دول عدة لتركيا بنقل عناصر من مجموعات موالية لها في شمال سوريا للقتال إلى جانب قوات أذربيجان. أيضاً دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى وقف «المأساة»، وعبّر عن أمله في أن يتوقف هذا النزاع في أسرع وقت ممكن. وجاء موقف بوتين بعد قول موسكو إن نقل مقاتلين مرتزقة إلى المنطقة «ينذر بفتح جبهة جديدة للإرهاب»، وإعلانها أنها تدرس تصريحات للرئيس السوري بشار الأسد حول نقل تركيا عناصر مسلحة من الفصائل السورية الموالية لها إلى قره باغ على غرار ما فعلت في ليبيا. وحسب كلام باشينيان: «لولا التحرك الكثيف لتركيا لما بدأت هذه الحرب».

رفض التهدئة
في هذه الأثناء، جددت الأمم المتحدة مطالبتها الأطراف المعنية بضرورة الوقف الفوري للقتال على طول خط الجبهة بين أذربيجان وأرمينيا. إلا أن تركيا وقفت مع أذربيجان في صف رفض كل دعوات التهدئة ووقف إطلاق النار والتوجه إلى المباحثات بين طرفي الصراع. بل قللت تركيا من جدواها وركزت هجومها على «مجموعة مينسك» التي تقودها روسيا والولايات المتحدة وفرنسا. ورأت أن دعوة «المجموعة» لوقف «غير مشروط» لإطلاق النار تساوي بين المحتل (أرمينيا) والضحية (أذربيجان). كذلك، توجه وزير خارجيتها مولود جاويش أوغلو إلى باكو، الثلاثاء، غداة لقائه في أنقرة الأمين العام لحلف شمال الأطلسي «ناتو» ينس ستولتنبرغ، وهناك جدد دعم بلاده لأذربيجان والتأكيد على أن الحل الوحيد هو انسحاب أرمينيا من إقليم ناغورني قره باغ. وبينما أطلق ستولتنبرغ من أنقرة دعوة لوقف فوري لإطلاق النار، ردّ جاويش أوغلو بأن على «ناتو» أن يتصدر المجتمع الدولي في مطالبة أرمينيا بالانسحاب من أراضي أذربيجان.
في سياق متصل، أكد الاتحاد الأوروبي على لسان ممثله الأعلى للأمن والسياسة الخارجية جوزيب بوريل، أمام البرلمان الأوروبي الأربعاء، أنه لا يمكن حل النزاع في قره باغ إلا بجهود «مجموعة مينسك» (التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا)، مشدداً على ضرورة إعلان وقف إطلاق النار من الطرفين في أقرب وقت ممكن، والعودة إلى المفاوضات. ومع إقراره بأن المفاوضات خلال السنوات الـ30 الماضية لم تكن ناجحة، شدّد بوريل على أنه لا يمكن أن يكون هناك حل عسكري للنزاع. وبينما حثت الدول الغربية تركيا، الحليف القديم الوثيق لأذربيجان، على استخدام نفوذها لدى باكو لاستعادة الهدوء، ردت أنقرة بأن «على قادة العالم أن يلقوا بثقلهم خلف أذربيجان، وأن وضعها مع أرمينيا على قدم المساواة يعني مكافأة المحتل».

مخاوف الحرب الإقليمية
في المقابل، فإن روسيا وإيران اتخذتا موقفاً مخالفاً للموقف التركي. إذ طالبتا بوقف إطلاق النار وحذرتا من نشوب حرب إقليمية وظهور بؤرة إرهابية جديدة في منطقة القوقاز، في إشارة إلى تأكيد كثير من الدول على قيام تركيا بنقل مرتزقة سوريين للقتال في ناغورني قره باغ إلى جانب أذربيجان، على غرار ما فعلت في ليبيا لدعم «حكومة الوفاق الوطني» في طرابلس.
من جهته، حاول الرئيس الأذري إلهام علييف تهدئة مخاوف إيران، مؤكداً لنظيره الإيراني حسن روحاني، في اتصال هاتفي بينهما الأربعاء، أن قواته سيطرت على مناطق محاذية لإيران وتنوي إقامة مراكز حدودية ونشر حرس الحدود. وبدوره، شدد روحاني على أن بلاده لن تتساهل مع وجود «إرهابيين» على حدودها بسبب نزاع ناغورني قره باغ، محذراً من تحوله إلى «حرب إقليمية». أيضاً قال روحاني، في كلمة متلفزة خلال اجتماع للحكومة الإيرانية: «من غير المقبول بالنسبة لنا أن يرغب البعض بنقل إرهابيين من سوريا وأماكن أخرى إلى مناطق قريبة من حدودنا تحت ذرائع مختلفة. كنا واضحين في إبلاغ جارتينا أذربيجان وأرمينيا بذلك... لا يجوز أن تتحول هذه الحرب إلى حرب إقليمية. الذين يقومون، من جهة أو أخرى، بصب الزيت على النار، لا يخدمون أحداً. يجب على الجميع القبول بالحقائق، القبول بحقوق الأمم، واحترام وحدة أراضي الدول».
من جهته، دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نظيره الأذري علييف إلى وقف «المأساة» الجارية التي لا يوجد أي مؤشر على تراجع حدتها. واعتبرها الزعيم الروسي «مأساة هائلة. هناك أناس يموتون. نأمل أن يتوقف هذا النزاع في أسرع وقت ممكن»، وقال لعلييف إنه «إن كان من غير الممكن وقف هذا النزاع بشكل نهائي، لأننا بعيدون عن ذلك، فإننا ندعو على الأقل، وأشدد على ذلك، إلى وقف لإطلاق النار»، مؤكداً أنه «ينبغي تحقيق ذلك في أقرب وقت ممكن». وبالفعل، وفي مقابل تأكيد تركيا دعمها لأذربيجان، أبدى رئيس الوزراء الأرميني «ثقته بأن روسيا ستساعد بلاده إذا ما تعرضت لهجوم مباشر». ومعلومٌ أن أرمينيا ذات الغالبية المسيحية، تنضوي في تحالف عسكري يضم دولاً سوفياتية سابقة بقيادة روسيا، التي تملك قاعدة دائمة في أرمينيا، لكنها لم تبدِ رغبة في التصعيد العسكري.
هذا، ووفقاً للأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى، يجب على القوات المحتلة الأرمينية مغادرة منطقة قره باغ، لكن الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا ليست متحمسة لفكرة انسحاب الأرمن. ويعتقد الخبراء أن سبب تساهل الدول الثلاث في التعامل مع أرمينيا، مرده نفوذ الشتات الأرمني الكبير الذي تستضيفه الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا.

الصمت الأميركي
وفي المشهد الدولي أيضاً، مع تواصل الاشتباكات في ناغورني قره باغ وتصاعد احتمالات تحولها إلى حرب شاملة، تثور تساؤلات بشأن الصمت الأميركي غير المعتاد، الذي يرجعه مراقبون «جزئياً» إلى اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية، لكن الأمر قد يحمل دلالات أكثر عمقاً بشأن الدور الأميركي على المسرح الدولي.
كاري كافانو، السفير الأميركي السابق الذي كان مكلفاً بالمساعدة في حل النزاع بين الجمهوريتين السابقتين في الاتحاد السوفياتي (أذربيجان وأرمينيا) عبّر عن الحزن، ليس بسبب تجدد الاشتباكات في حد ذاته، وإنما لرؤيته تراجع الدور القيادي لبلاده على المسرح الدولي. إذ إن ذلك النزاع الذي يرجع أصله لنحو قرن من الزمان أدى لتشكيل لجنة من الأمم المتحدة عام 1993 تضم الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا بهدف المساعدة في حسم الصراع بالطرق الدبلوماسية، في إطار «مجموعة مينسك»، لكن الاشتباكات الأخيرة التي اندلعت قبل أسبوعين تشهد غياباً أميركياً كاملاً عن المشهد.
كافانو، الذي تحدث لصحيفة «التايمز» البريطانية، قال إن الولايات المتحدة لم تشارك في المناقشات ولا التنسيق ضمن اللجنة المعروفة باسم «مجموعة مينسك». وبذا ينضم السفير الأميركي السابق إلى مجموعة من المراقبين يرون في هذا الغياب تراجعاً للدور الأميركي على المسرح الدولي منذ وصول الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض ورفعه شعار «أميركا أولاً».
وبدوره، تهكم توماس دي فال، الباحث البارز في معهد كارنيغي - أوروبا، على موقف واشنطن، قائلاً: «إن الأميركيين انسحبوا من تلك القضية، ولو كان ترمب سمع عن أذربيجان من الأصل، فالسبب هو أنه أراد بناء أحد أبراجه على أراضيها»، في إشارة لجهل الرئيس الأميركي بالمنطقة وأسباب الصراع فيها بين البلدين. وحقاً، كان صمت إدارة ترمب لافتاً بالفعل، حتى إن وزير الخارجية مايك بومبيو لم يعلق على الاشتباكات التي أوقعت عشرات القتلى، بينهم كثير من المدنيين، إلا عندما سئل عنها خلال إحدى مقابلاته التلفزيونية وكانت إجابته محايدة تماماً ولم تحمل أي التزام بمحاولة التدخل.
واللافت أنه منذ وصول ترمب إلى البيت الأبيض، انسحبت الولايات المتحدة في كثير من الأحيان من قضايا دولية، بعكس الإدارات السابقة، وخاصة في المناطق التي تقع ضمن نطاق التأثير الروسي. وتجنب ترمب إصدار أي بيانات قد تزعج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
يعود الانسحاب الأميركي من النزاع بشأن إقليم ناغورني قره باغ، الذي تحتله أرمينيا منذ 30 سنة، وهو سبب الصراع في المنطقة، والذي تصر أذربيجان على تحريره، إلى أغسطس (آب) عام 2017. أي في العام الأول لترمب في البيت الأبيض، عندما عيّنت الإدارة ممثلاً جديداً لها في «مجموعة مينسك»، هو أندريه شوفر، ولكن من دون أن تمنحه لقب سفير ما جعله أقل رتبة من نظيريه الروسي والفرنسي.
واعتبر كافانو في ذلك خطراً كبيراً على الجهود الدبلوماسية في منطقة مضطربة وتشهد نزاعاً مسلحاً ممتداً؛ حيث إن الحفاظ على التوازن في التعامل مع القضية من الجانب الأميركي يعطي ثقة لأذربيجان وأرمينيا في حيادية وجدية «مجموعة مينسك». أما هذا التراجع الأميركي فقد أعطى إشارات خاطئة كانت نتيجتها تجدد الاشتباكات المسلحة.

مكمن الخطورة
تدعم روسيا أرمينيا، بالأساس، رغم أنها الطرف المعتدي والرافض لـ4 قرارات أممية تطالبها بالانسحاب من الإقليم وأراضي أذربيجان الأخرى التي تحتلها، والتي تبلغ 20 في المائة من مساحة أذربيجان. وبالتالي، كان الدور الأميركي يمثل توازناً مطلوباً لإقناع الجانبين بالتوصل لتسوية سلمية للنزاع.
وبإضافة الانحياز الفرنسي لأرمينيا في الاشتباكات الدائرة حالياً لأسباب لا علاقة لها بأذربيجان بشكل مباشر، بل لموقف شخصي للرئيس إيمانويل ماكرون المعادي لتركيا ورئيسها رجب طيب إردوغان، يصبح الانسحاب الأميركي أكثر خطورة. لأن هذا الوضع لا يترك مجالاً للدبلوماسية، بل يهدد بتحول الاشتباكات إلى حرب شاملة قد تنضم لها قوى إقليمية أخرى كتركيا الداعمة لأذربيجان وروسيا وإيران الداعمتين لأرمينيا في صراع معقّد ومتشابك الجذور.
ومكمن الخطورة في صراع ناغورني قره باغ هو أن الحدود بين أذربيجان وأرمينيا هي أكثر المناطق تسليحاً وسخونة في أوروبا والعالم. ومع وجود مصالح لروسيا وإيران وتركيا، فإن استمرار الاشتباكات الحالية وتطورها قد يدفع الأمور للخروج عن السيطرة كما حدث في الحرب العالمية الأولى لينقلب الصراع الثنائي إلى نزاع إقليمي واسع.
وللعلم، تعد منطقة جنوب القوقاز شرياناً حيوياً للغاز والنفط من أذربيجان إلى تركيا ومنها إلى أوروبا وباقي أسواق العالم. وتوفر أذربيجان نحو 5 في المائة من حاجة أوروبا من النفط والغاز وتساعد على تقليل اعتماد الاتحاد الأوروبي على روسيا. وعام 2016 كادت الاشتباكات في المنطقة تصل إلى عدد من خطوط الأنابيب، وهو ما تكرر في الحرب الحالية.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.