صراع أذربيجان وأرمينيا في قره باغ إلى أين؟

الاستقطابات الإقليمية تنذر باتساع نطاق الاشتباكات إلى حرب واسعة

صراع أذربيجان وأرمينيا في قره باغ إلى أين؟
TT

صراع أذربيجان وأرمينيا في قره باغ إلى أين؟

صراع أذربيجان وأرمينيا في قره باغ إلى أين؟

خيّمت سُحُب الحرب من جديد على إقليم ناغورني قره باغ بعد هدوء استمر منذ عام 2016، قبل أن يتجدد بشكل مختلف في يوليو (تموز) الماضي في منطقة بعيدة عن الإقليم المتنازع عليه والخاضع لسيطرة المتمردين الأرمن منذ تسعينات القرن الماضي.
عاد التوتر إلى جنوب القوقاز مرة أخرى، عندما قامت أرمينيا في 12 يوليو بمهاجمة أذربيجان بشكل مفاجئ، لكن بطريقة مختلفة. إذ كان مسرح الهجوم مدينة توفوز التي تقع بالقرب من ممر يصل بين أذربيجان وجورجيا وتركيا، وبجوار طرق النقل والشحن والطاقة. إذ يُنقل النفط والغاز من بحر قزوين إلى تركيا عبر هذا الممر من خلال خط أنابيب النفط «باكو - تبليسي - جيهان»، وممر الغاز الجنوبي لنقل الغاز من أذربيجان إلى أوروبا عبر تركيا في إطار مشروع «تاناب»، بالإضافة إلى خط السكك الحديدية «باكو - تبليسي – كارص» الرابط بين الدول الثلاث. ولقد فتح هذه الهجوم الباب أمام كثير من التساؤلات، لأنه أعقب فترة هدوء وجاء بعد لقاء، عقد للمرة الأولى وجهاً لوجه خلال مؤتمر ميونيخ الدولي للأمن في فبراير (شباط) الماضي، بين الرئيس الأذري إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان، الذي أعلن بعد ذلك عن خطط للحل السياسي للنزاع المزمن مع باكو حول ناغورني قره باغ.
الاشتباكات الدائرة حالياً، توسعت رقعتها في الأيام الأخيرة بعد أن طال القصف مدناً كبرى، بينها ستيباناكرت عاصمة إقليم ناغورني قره باغ، ومدينة غنجة ثانية كبريات مدن أذربيجان. ويتبادل الطرفان اتهامات بقتل المدنيين، في حين أعلنت إدارة الإقليم نزوح نحو نصف سكانه من الأرمن بسبب الضربات الأذرية. وراهناً، تحتل أرمينيا منذ عام 1992 نحو 20 في المائة من الأراضي الأذرية التي تضم إقليم ناغورني قره باغ المكوّن من 5 محافظات، إضافة إلى 5 محافظات أخرى غرب البلاد، وأجزاء واسعة من محافظتَي آغدام وفضولي. ولقد تسبب النزاع بين الجانبَين في تهجير أكثر من مليون أذري من أراضيهم ومدنهم؛ فضلاً عن مقتل نحو 30 ألف شخص.

اشتعال الأزمة
استمر التوتر بين أذربيجان وأرمينيا على مدى السنوات الست الماضية حول إقليم ناغورني قره باغ، الذي يشكل أساساً لصراع لن ينتهي إلا بحل النزاعات المجمدة. وكانت الاشتباكات الخطيرة والمحدودة بين القوات العسكرية للبلدين تحدث بشكل شبه يومي منذ صيف العام 2014. وظل الطرفان على حالة تأهب دائم بعد حرب الأيام الأربعة عام 2016، عندما قتل 94 أذرياً، بينهم مدنيان، و84 جنديا أرمنياً. ثم ساد نوع من السكون، تبين أنه كان هدوءاً يسبق العاصفة التي اندلعت مجدداً في 27 سبتمبر (أيلول) الماضي، والتي تتوسع دائرتها حالياً لتثير مخاوف من حرب إقليمية بسبب دعم قوى إقليمية لطرف ما على حساب الآخر.
أحد أسباب اندلاع الاشتباكات مجدداً على خط الجبهة في ناغورني قره باغ أرجعته حكومة أرمينيا في يريفان إلى «التحرك التركي المكثف لدعم أذربيجان»، الذي تطور إلى استعراض قوة في مواجهة أرمينيا عبر مناورات عسكرية واسعة أجريت ليوم واحد في جمهورية نخجوان الذاتية الحكم في 5 سبتمبر. ولقد شارك في هذه المناورات 2600 جندي و200 دبابة ومدرعة و180 نظاماً صاروخياً ومدفعية وقذائف هاون، و18 مروحية وأكثر من 30 نظاماً للدفاع الجوي، لتحييد أهداف عدوة مفترضة جرى تدميرها بالصواريخ وقذائف المدفعية. ثم نفذ الجنود عمليات هجومية، وقامت الوحدات العسكرية بعمليات إنزال وسيطرة على نقاط، وتدمير مدرعات وطائرات من دون طيار تابعة للعدو. وفي نهاية المناورات، نفذت المروحيات العسكرية طلعات استعرضت خلالها العلمين التركي والأذري.
رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان اتهم تركيا بتأجيج المعارك في إقليم ناغورني قره باغ من خلال دعمها لأذربيجان. وبدورها، حذّرت إيران من تحوّل النزاع إلى «حرب إقليمية»، منددة بانتشار جماعات مسلحة عند حدودها، بعد اتهام دول عدة لتركيا بنقل عناصر من مجموعات موالية لها في شمال سوريا للقتال إلى جانب قوات أذربيجان. أيضاً دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى وقف «المأساة»، وعبّر عن أمله في أن يتوقف هذا النزاع في أسرع وقت ممكن. وجاء موقف بوتين بعد قول موسكو إن نقل مقاتلين مرتزقة إلى المنطقة «ينذر بفتح جبهة جديدة للإرهاب»، وإعلانها أنها تدرس تصريحات للرئيس السوري بشار الأسد حول نقل تركيا عناصر مسلحة من الفصائل السورية الموالية لها إلى قره باغ على غرار ما فعلت في ليبيا. وحسب كلام باشينيان: «لولا التحرك الكثيف لتركيا لما بدأت هذه الحرب».

رفض التهدئة
في هذه الأثناء، جددت الأمم المتحدة مطالبتها الأطراف المعنية بضرورة الوقف الفوري للقتال على طول خط الجبهة بين أذربيجان وأرمينيا. إلا أن تركيا وقفت مع أذربيجان في صف رفض كل دعوات التهدئة ووقف إطلاق النار والتوجه إلى المباحثات بين طرفي الصراع. بل قللت تركيا من جدواها وركزت هجومها على «مجموعة مينسك» التي تقودها روسيا والولايات المتحدة وفرنسا. ورأت أن دعوة «المجموعة» لوقف «غير مشروط» لإطلاق النار تساوي بين المحتل (أرمينيا) والضحية (أذربيجان). كذلك، توجه وزير خارجيتها مولود جاويش أوغلو إلى باكو، الثلاثاء، غداة لقائه في أنقرة الأمين العام لحلف شمال الأطلسي «ناتو» ينس ستولتنبرغ، وهناك جدد دعم بلاده لأذربيجان والتأكيد على أن الحل الوحيد هو انسحاب أرمينيا من إقليم ناغورني قره باغ. وبينما أطلق ستولتنبرغ من أنقرة دعوة لوقف فوري لإطلاق النار، ردّ جاويش أوغلو بأن على «ناتو» أن يتصدر المجتمع الدولي في مطالبة أرمينيا بالانسحاب من أراضي أذربيجان.
في سياق متصل، أكد الاتحاد الأوروبي على لسان ممثله الأعلى للأمن والسياسة الخارجية جوزيب بوريل، أمام البرلمان الأوروبي الأربعاء، أنه لا يمكن حل النزاع في قره باغ إلا بجهود «مجموعة مينسك» (التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا)، مشدداً على ضرورة إعلان وقف إطلاق النار من الطرفين في أقرب وقت ممكن، والعودة إلى المفاوضات. ومع إقراره بأن المفاوضات خلال السنوات الـ30 الماضية لم تكن ناجحة، شدّد بوريل على أنه لا يمكن أن يكون هناك حل عسكري للنزاع. وبينما حثت الدول الغربية تركيا، الحليف القديم الوثيق لأذربيجان، على استخدام نفوذها لدى باكو لاستعادة الهدوء، ردت أنقرة بأن «على قادة العالم أن يلقوا بثقلهم خلف أذربيجان، وأن وضعها مع أرمينيا على قدم المساواة يعني مكافأة المحتل».

مخاوف الحرب الإقليمية
في المقابل، فإن روسيا وإيران اتخذتا موقفاً مخالفاً للموقف التركي. إذ طالبتا بوقف إطلاق النار وحذرتا من نشوب حرب إقليمية وظهور بؤرة إرهابية جديدة في منطقة القوقاز، في إشارة إلى تأكيد كثير من الدول على قيام تركيا بنقل مرتزقة سوريين للقتال في ناغورني قره باغ إلى جانب أذربيجان، على غرار ما فعلت في ليبيا لدعم «حكومة الوفاق الوطني» في طرابلس.
من جهته، حاول الرئيس الأذري إلهام علييف تهدئة مخاوف إيران، مؤكداً لنظيره الإيراني حسن روحاني، في اتصال هاتفي بينهما الأربعاء، أن قواته سيطرت على مناطق محاذية لإيران وتنوي إقامة مراكز حدودية ونشر حرس الحدود. وبدوره، شدد روحاني على أن بلاده لن تتساهل مع وجود «إرهابيين» على حدودها بسبب نزاع ناغورني قره باغ، محذراً من تحوله إلى «حرب إقليمية». أيضاً قال روحاني، في كلمة متلفزة خلال اجتماع للحكومة الإيرانية: «من غير المقبول بالنسبة لنا أن يرغب البعض بنقل إرهابيين من سوريا وأماكن أخرى إلى مناطق قريبة من حدودنا تحت ذرائع مختلفة. كنا واضحين في إبلاغ جارتينا أذربيجان وأرمينيا بذلك... لا يجوز أن تتحول هذه الحرب إلى حرب إقليمية. الذين يقومون، من جهة أو أخرى، بصب الزيت على النار، لا يخدمون أحداً. يجب على الجميع القبول بالحقائق، القبول بحقوق الأمم، واحترام وحدة أراضي الدول».
من جهته، دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نظيره الأذري علييف إلى وقف «المأساة» الجارية التي لا يوجد أي مؤشر على تراجع حدتها. واعتبرها الزعيم الروسي «مأساة هائلة. هناك أناس يموتون. نأمل أن يتوقف هذا النزاع في أسرع وقت ممكن»، وقال لعلييف إنه «إن كان من غير الممكن وقف هذا النزاع بشكل نهائي، لأننا بعيدون عن ذلك، فإننا ندعو على الأقل، وأشدد على ذلك، إلى وقف لإطلاق النار»، مؤكداً أنه «ينبغي تحقيق ذلك في أقرب وقت ممكن». وبالفعل، وفي مقابل تأكيد تركيا دعمها لأذربيجان، أبدى رئيس الوزراء الأرميني «ثقته بأن روسيا ستساعد بلاده إذا ما تعرضت لهجوم مباشر». ومعلومٌ أن أرمينيا ذات الغالبية المسيحية، تنضوي في تحالف عسكري يضم دولاً سوفياتية سابقة بقيادة روسيا، التي تملك قاعدة دائمة في أرمينيا، لكنها لم تبدِ رغبة في التصعيد العسكري.
هذا، ووفقاً للأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى، يجب على القوات المحتلة الأرمينية مغادرة منطقة قره باغ، لكن الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا ليست متحمسة لفكرة انسحاب الأرمن. ويعتقد الخبراء أن سبب تساهل الدول الثلاث في التعامل مع أرمينيا، مرده نفوذ الشتات الأرمني الكبير الذي تستضيفه الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا.

الصمت الأميركي
وفي المشهد الدولي أيضاً، مع تواصل الاشتباكات في ناغورني قره باغ وتصاعد احتمالات تحولها إلى حرب شاملة، تثور تساؤلات بشأن الصمت الأميركي غير المعتاد، الذي يرجعه مراقبون «جزئياً» إلى اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية، لكن الأمر قد يحمل دلالات أكثر عمقاً بشأن الدور الأميركي على المسرح الدولي.
كاري كافانو، السفير الأميركي السابق الذي كان مكلفاً بالمساعدة في حل النزاع بين الجمهوريتين السابقتين في الاتحاد السوفياتي (أذربيجان وأرمينيا) عبّر عن الحزن، ليس بسبب تجدد الاشتباكات في حد ذاته، وإنما لرؤيته تراجع الدور القيادي لبلاده على المسرح الدولي. إذ إن ذلك النزاع الذي يرجع أصله لنحو قرن من الزمان أدى لتشكيل لجنة من الأمم المتحدة عام 1993 تضم الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا بهدف المساعدة في حسم الصراع بالطرق الدبلوماسية، في إطار «مجموعة مينسك»، لكن الاشتباكات الأخيرة التي اندلعت قبل أسبوعين تشهد غياباً أميركياً كاملاً عن المشهد.
كافانو، الذي تحدث لصحيفة «التايمز» البريطانية، قال إن الولايات المتحدة لم تشارك في المناقشات ولا التنسيق ضمن اللجنة المعروفة باسم «مجموعة مينسك». وبذا ينضم السفير الأميركي السابق إلى مجموعة من المراقبين يرون في هذا الغياب تراجعاً للدور الأميركي على المسرح الدولي منذ وصول الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض ورفعه شعار «أميركا أولاً».
وبدوره، تهكم توماس دي فال، الباحث البارز في معهد كارنيغي - أوروبا، على موقف واشنطن، قائلاً: «إن الأميركيين انسحبوا من تلك القضية، ولو كان ترمب سمع عن أذربيجان من الأصل، فالسبب هو أنه أراد بناء أحد أبراجه على أراضيها»، في إشارة لجهل الرئيس الأميركي بالمنطقة وأسباب الصراع فيها بين البلدين. وحقاً، كان صمت إدارة ترمب لافتاً بالفعل، حتى إن وزير الخارجية مايك بومبيو لم يعلق على الاشتباكات التي أوقعت عشرات القتلى، بينهم كثير من المدنيين، إلا عندما سئل عنها خلال إحدى مقابلاته التلفزيونية وكانت إجابته محايدة تماماً ولم تحمل أي التزام بمحاولة التدخل.
واللافت أنه منذ وصول ترمب إلى البيت الأبيض، انسحبت الولايات المتحدة في كثير من الأحيان من قضايا دولية، بعكس الإدارات السابقة، وخاصة في المناطق التي تقع ضمن نطاق التأثير الروسي. وتجنب ترمب إصدار أي بيانات قد تزعج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
يعود الانسحاب الأميركي من النزاع بشأن إقليم ناغورني قره باغ، الذي تحتله أرمينيا منذ 30 سنة، وهو سبب الصراع في المنطقة، والذي تصر أذربيجان على تحريره، إلى أغسطس (آب) عام 2017. أي في العام الأول لترمب في البيت الأبيض، عندما عيّنت الإدارة ممثلاً جديداً لها في «مجموعة مينسك»، هو أندريه شوفر، ولكن من دون أن تمنحه لقب سفير ما جعله أقل رتبة من نظيريه الروسي والفرنسي.
واعتبر كافانو في ذلك خطراً كبيراً على الجهود الدبلوماسية في منطقة مضطربة وتشهد نزاعاً مسلحاً ممتداً؛ حيث إن الحفاظ على التوازن في التعامل مع القضية من الجانب الأميركي يعطي ثقة لأذربيجان وأرمينيا في حيادية وجدية «مجموعة مينسك». أما هذا التراجع الأميركي فقد أعطى إشارات خاطئة كانت نتيجتها تجدد الاشتباكات المسلحة.

مكمن الخطورة
تدعم روسيا أرمينيا، بالأساس، رغم أنها الطرف المعتدي والرافض لـ4 قرارات أممية تطالبها بالانسحاب من الإقليم وأراضي أذربيجان الأخرى التي تحتلها، والتي تبلغ 20 في المائة من مساحة أذربيجان. وبالتالي، كان الدور الأميركي يمثل توازناً مطلوباً لإقناع الجانبين بالتوصل لتسوية سلمية للنزاع.
وبإضافة الانحياز الفرنسي لأرمينيا في الاشتباكات الدائرة حالياً لأسباب لا علاقة لها بأذربيجان بشكل مباشر، بل لموقف شخصي للرئيس إيمانويل ماكرون المعادي لتركيا ورئيسها رجب طيب إردوغان، يصبح الانسحاب الأميركي أكثر خطورة. لأن هذا الوضع لا يترك مجالاً للدبلوماسية، بل يهدد بتحول الاشتباكات إلى حرب شاملة قد تنضم لها قوى إقليمية أخرى كتركيا الداعمة لأذربيجان وروسيا وإيران الداعمتين لأرمينيا في صراع معقّد ومتشابك الجذور.
ومكمن الخطورة في صراع ناغورني قره باغ هو أن الحدود بين أذربيجان وأرمينيا هي أكثر المناطق تسليحاً وسخونة في أوروبا والعالم. ومع وجود مصالح لروسيا وإيران وتركيا، فإن استمرار الاشتباكات الحالية وتطورها قد يدفع الأمور للخروج عن السيطرة كما حدث في الحرب العالمية الأولى لينقلب الصراع الثنائي إلى نزاع إقليمي واسع.
وللعلم، تعد منطقة جنوب القوقاز شرياناً حيوياً للغاز والنفط من أذربيجان إلى تركيا ومنها إلى أوروبا وباقي أسواق العالم. وتوفر أذربيجان نحو 5 في المائة من حاجة أوروبا من النفط والغاز وتساعد على تقليل اعتماد الاتحاد الأوروبي على روسيا. وعام 2016 كادت الاشتباكات في المنطقة تصل إلى عدد من خطوط الأنابيب، وهو ما تكرر في الحرب الحالية.



الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»

طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
TT

الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»

طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)

انتبهت الحكومة الأردنية متأخرةً لأهمية وضع المواطنين في صورة التحدّيات المتوقعة مع استمرار الحرب الإيرانية الدائرة، والمخاوف من تأثير النمط الاستهلاكي على توافر كميات من المخزونات الاحتياطية للغذاء والدواء والطاقة، والحد من المبالغة في التخزين. الحكومة التي اجتهدت منذ الأيام الأولى للحرب ببث «رسائل تطمينية» حول المخزونات الاستراتيجية من الغذاء والطاقة، اضطرت إلى إعادة ضبط لهجة خطابها مع الشارع المحلي، فأعلنت عن جملة إجراءات تقشفية تتعلق بضبط موازنات السفر الرسمي واستهلاك المؤسسات الحكومية من المحروقات، وقرارات أخرى تتعلق ببث شعور عام بحجم التحديات الاقتصادية المتوقعة.

 

 

الإعلان الحكومي لفت انتباه الساسة الأردنيين إلى احتمال «إعلان حالة الطوارئ» التي تسمح للحكومة بإصدار أوامر دفاع تمكّنها من تنفيذ قراراتها بضبط الإنفاق العام، ويسمح بمرور القرارات الاقتصادية الصعبة الحاصلة على قبول شعبي نسبي، بعيداً عن استفزاز غضب المواطنين من تصريحات بعض المسؤولين التنفيذيين.

ثم إن الارتباك الحكومي تسبّب في اندفاع المواطنين لشراء وتخزين المواد الغذائية والمحروقات، وهو ما يعكس نسبة الثقة الشعبية المتدنية بالرواية الرسمية، وحسب مراقبين فإن الفريق الاقتصادي في الحكومة «أخفق في رسم خريطة إجراءات تتناسب مع تطورات القلق واستمرار أيام الحرب». والحال أن الأردنيين لا يخافون التجمهر عند سقوط شظايا الصواريخ والمسيّرات المتفجرة في سماء المملكة، لكنهم يخشون من صحة التصريحات الرسمية حول توافر مخزون السلع والمواد الغذائية والأدوية في الأسواق، ويخشون من قفزات صادمة في الأسعار، وسط غياب الرقابة الرسمية، حسب متابعين.

تقدير عسكري أمني لمخاطر محتملة

في الواقع، لا يتوقع رسميون أردنيون توقّف الحرب بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، بل اعتبروا أن استئناف العمليات العسكرية النوعية سيحمل معه اشتداداً للقصف والقصف المضاد خلال الأيام القليلة المقبلة.

وهذا ما ينعكس بالتهديد عبر زيادة الضغط الإيراني في استهداف دول الخليج والأردن، وهي استراتيجية صار واضحاً أن الإيرانيين يرغبون في استخدامها ورقة ضغط لتخفيف الشروط والتنازلات المطلوبة من سلطات طهران.

طبيعة الاستهداف الذي يتوقعه مطلعون في العاصمة الأردنية قد تهدّد حياة المدنيين، لأن زيادة الهجمات قد يقابلها محدودية جهود الدفاع والتصدي للأجسام الصاروخية الموجهة نحو أهداف أردنية. ولقد بات معلوماً في الأردن طبيعة التهديدات الإيرانية وسعيها لاستهداف انتقامي من المملكة. ومع أن عمّان، قد لا تكون أولوية في «بنك الاستهدافات» الإيرانية في حربها اليوم، تبقى طهران راغبة في تحقيق انتصارات على الجبهة الأردنية التي لطالما سعت إلى استهدافها في أكثر من مناسبة.

عمليات إرهابية محتملة

المخاوف التي نقلتها مصادر خاصة لـ«الشرق الأوسط» تتمثل في سعي إيران لتنفيذ «عمليات إرهابية داخل الأراضي الأردنية». وفي ضوء ذلك، كثفت الجهات المختصة عمليات الرقابة على الحدود الشرقية مع العراق، والشمالية مع سوريا، لقطع الطريق على استمرار محاولات النظام الإيراني استهداف الأمن الأردني عبر متسللين.

وقبل أيام نفذت طائرات سلاح الجو الأردني في الجنوب السوري «غارات قصفت من خلالها مجموعات كانت تُحضّر لإدخال متفجرات عبر متسلّلين محسوبين على بقايا الميليشيات الإيرانية في سوريا إلى الأردن، مستغلّة غياب الاستقرار على طول الحدود البالغة نحو (375 كلم)». وشدّد مصدر مطلع في كلامه لـ«الشرق الأوسط» على أن «جهوداً استخباراتية متقدّمة قطعت الطريق على استكمال تنفيذ مخططات انتقامية وتخريبية في البلاد».

وقريباً من المسألة عينها، فإن «المعلومات المتوفرة تؤكد نشاطاً مسلحاً لميليشيات عراقية شيعية تتموضع في مناطق من محافظة الأنبار وصحرائها على الحدود العراقية الأردنية. وأن تلك الميليشيات تتسلّح بما يزعج الأمن الأردني بعد إعادة تزويدها بصواريخ ومسيّرات إيرانية بقدرات نارية متقدمة». ويشدد المصدر نفسه على أنه «تم توجيه ضربات دفاعية استباقية لتدمير قدرات تلك الميليشيات، التي تصرّ على استهداف إسرائيل عبر الأراضي الأردنية وليس عبر حليفها (حزب الله) اللبناني الأقرب جغرافياً لتل أبيب».

بالتوازي ثمة معلومات موثقة بأن القوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي) تحتاط بـ«معلومات استخبارية من شأنها إفشال هجمات أو الحد من فعالية أي مخططات إرهابية ضد الأمن الأردني»، مع الإشارة إلى أن العناصر المنتمية لميليشيات مسلحة تابعة للنظام الإيراني تتحرك بذريعة محاربة إسرائيل ومناصرة إيران في الحرب المستعرة.

دور سلاح الجو

حتى كتابة هذا التقرير، نجحت طائرات سلاح الجو الأردني في إسقاط جميع الصواريخ والمسيّرات الإيرانية التي استهدفت مراكز سيادية في البلاد بإسناد من القوات البريطانية والفرنسية والأميركية الموجودة في قواعد عسكرية أردنية. وقد استمرت هذه الجهود في حماية البلاد، على الرغم من تدمير «رادارات منظومة صواريخ الثاد المنشورة في شرقي المملكة»، حسب المصادر. وباستثناء شظايا الأجسام المتفجّرة في السماء، لم تتمكّن الصواريخ أو المسيّرات الإيرانية من تحقيق أهدافها.

تقديرات أردنية

تشير التقديرات الرسمية الأردنية إلى أن استمرار الحرب متوقع، ولا نهاية في الأفق لعهد إيران في استهداف أمن المنطقة. ووفقاً لمصدر رسمي «القتل والدمار من أهداف إيران الصريحة»، وسياسة «الغريق لا يخشى البلل» قد تزيد من حدة استهدافاتها، والتركيز على ترك أثرٍ يشفع لها في مسلسل الانكسارات المتحققة بفعل واقعها الاقتصادي الذي قد لا يسعفها في معركة الصمود والنفس الطويل في هذه الحرب.

أيضاً، وفق المصادر الرسمية المتابعة، فإن استمرار الحرب المشتعلة هو النتيجة الحتمية بعد «عسكرة» الشرق الأوسط بالقوات الأميركية، وطبيعة أنواع الأسلحة التي وصلت إلى المنطقة، وهذا طبعاً، إلى جانب رغبة تل أبيب في إطالة أمد الحرب من أجل تحقيق أهداف سياسية تتعلق بمستقبل حكومة اليمين المتطرف بقيادة بنيامين نتنياهو.

من جانب آخر، بعدما كشف «حزب الله» اللبناني عن مستودعات أسلحة وصواريخ ما زال يهدد إسرائيل بها، لا بد من القول إن دخول الحزب على جبهة الحرب إسناداً لطهران ونظامها الديني والسياسي إنما جاء بعد سلسلة الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل لقيادات الحزب، والتي تسببت فعلياً في اختلالات داخل مراكز القيادة والقوة داخل تنظيمه، كذلك رفعت الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل خلال الأشهر الماضية، مستويات الارتباك في قرارات الحزب داخلياً وخارجياً.

أيضاً، على صعيد ما يشغل الأردن إقليمياً، قللت مصادر مطلعة من مخاوف دخول الحوثيين في اليمن على خط جبهات الإسناد. واعتبرت جهات رسمية في عمّان أن «دخولهم الحرب قد لا يُحدث أثراً عسكرياً فارقاً، لا سيما بعد إقدام إسرائيل سابقاً على تدمير القدرات العسكرية للجماعة التي تشكل خطراً كبيراً على سلامة المرور في البحر الأحمر ومضيق باب المندب»، الأمر الذي يهدد الأمن الغذائي والطاقي لعدد من دول المنطقة.

ولكن، في المقابل، شخصيات سياسية قريبة من الخط الرسمي «قدّرت أن تضخم الوجود الأميركي في المنطقة قد يمهّد لدخول عسكري أميركي في اليمن».

كذلك، في ظل التطورات المتلاحقة أخيراً، والأخذ في الحسبان جميع الاحتمالات، فإن انخفاض نسبة الثقة لدى جمهور الساسة الرسميين الأردنيين بقرارات الرئيس الأميركي دونالد ترمب فيما يتعلق بمسألة «الثبات على موقف» أو «الالتزام بالمدد والمواعيد» التي يطلقها ارتجالياً، يفتح باب التكهنات.

هذه التكهنات التي غدت مألوفة محلياً، ترى أن «قرارات ترمب تشبه تصرفاته» وأن مناورات «سيد البيت الأبيض» هي رسالة ثلاثية التأثير:

- أولاً لإسرائيل لجهة ضرورة سرعة إنهاء سلة استهدافاتها داخل إيران.

- وثانياً لإيران المُستفزة من بث رسائل تفاوضية سرّية تكشف عن أسرار التنازلات الإيرانية بجرأة لا يملكها النظام السياسي في طهران.

- وثالثاً لدول الخليج والأردن بأن الحرب لن تطول.

مع هذا، يبدو الأردن مطمئناً لقدراته الدفاعية التي جنّبته ويلات الحرب الدائرة، وقد قطع من خلالها الطريق على مخطّطات إرهابية قادمة عبر القرار السياسي الإيراني. إلا أن استمرار الحرب وتطور القوة النارية المستخدمة بين أطراف المعركة لن تأتي بضمانات أمنية تحصن من المخاطر حتى نهاية فصول الحرب المشتعلة.

الجبهة الداخلية: تهديدات مصدرها منصات التواصل

داخلياً، ما زالت «جماعة الإخوان المسلمين»، المحظورة بعد تنفيذ قرار قضائي أردني سابق، فاعلة في المشهد السياسي من خلال ذراعها الحزبي والبرلماني حزب «جبهة العمل الإسلامي» الذي يشغل في البرلمان الأردني 31 مقعداً من أصل 138 مقعداً هي كامل أعضاء مجلس النواب الأردني.

هنا نذكر، أن حزب «جبهة العمل الإسلامي»، الذي أبدى مرونة باستجابته لمتطلبات قانونية تجبره على حذف كلمة «إسلامي» أو تغيير اسمه قبل نهاية شهر أبريل (نيسان) وتحت طائلة الحل ومصادرة ممتلكاته ومقراته، ما زال يمارس الضغط على عصب الدولة من خلال مطالباته الحكومة الأردنية بـ«إدانة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل لاستخدامهما الأجواء والأراضي الأردنية في عدوانهما على إيران».

ولكن مقابل هذا، لم يصدر عن الحزب أي إدانة لطهران على استهدافها حياة الأردنيين، وهو ما يمكن متابعته من تصريحات رئيس «الكتلة الإسلامية» في المجلس الحالي صالح العرموطي. هذا الواقع دفع الجهات الرسمية إلى تثبيت فقرة الإحصائية اليومية لعدد الصواريخ والمسيّرات التي يتم إسقاطها بدفاعات جوية أردنية قبل استهدافها لمناطق حيوية في البلاد ومدن الكثافة السكانية في الشمال والوسط وخليج العقبة جنوب البلاد.

العرموطي كان قد حصد أعلى الأصوات في الدوائر الانتخابية المحلية في الانتخابات الأخيرة التي أجريت في سبتمبر (أيلول) عام 2024. وراهناً يجري تداول مداخلاته على نطاق واسع في منصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك وX وإنستغرام وتيك توك ومجموعات الواتساب). وفي هذه المداخلات يشن رئيس «الكتلة الإسلامية» هجمات خطابية على الولايات المتحدة وإسرائيل، وعلى الرغم من محاولات وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي «تصويب الأخطاء المعلوماتية عند العرموطي»، فإن الأخير، الذي سبق أن كان نقيباً للمحامين الأردنيين لأكثر من دورة نقابية، يعرف تماماً ما «يُطرب الجمهور»، بصرف النظر عن مدى دقة تصريحاته، حسب مصدر نيابي فضل عدم الكشف عن نفسه.

ديناميكيات التعامل الإعلامي

بالتالي، في المشهد الرسمي أمام البرلمان الأردني، قد يصح القول، حسب مراقبين، إن رئيس الحكومة اختصر الأمر في مجلس النواب بضرورة التعامل «بحذر ناعم» مع «الكتلة الإسلامية»، من دون التعمق بتحالفات مع كتل محسوبة على الخط الرسمي تضمن له دعم جميع قراراته بالأغلبية المريحة.

وفي هذا المشهد يجد محلّلون أن رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان، وإن ترك أثراً على المستوى التنفيذي، فإنه يبتعد عن أي مواجهات أمام الإعلام، ما يمكن أن يترك انطباعاً بأنه يريد لفترته المتبقية في الحكومة أن تكون بعيدة عن المواجهات الشعبية. وحقاً، على الرغم من إصراره على إرسال تشريعات قد تفجر غضب الشارع مثل تعديلات قانون الضمان الاجتماعي وقانون الإدارة المحلية، يغيب رئيس الوزراء عن مشهد التعبير في السياسة الخارجية، كونه لا يميل إلى الظهور الإعلامي، ويفضّل البقاء بعيداً عن الكاميرات والتصريحات.

الموقف الرسمي... غير مفهوم شارعياً

بناءً عليه، يمكن القول إن التصريحات المتعلقة بالسياسة الخارجية تُختزل بشخص وزير الخارجية أيمن الصفدي. فهو رجل التواصل المتخصص، وصاحب القُدرة على تقديم رواية متصلة، حظيت بقبول شعبي إبان فترة العدوان الإسرائيلي على غزة، ونجح في إبراز الكارثة الإنسانية التي لحقت بسكان القطاع خلال حرب وصفها الأردن الرسمي بـ«حرب إبادة».

مع هذا، يرى كثيرون أن غياب التصريحات السياسية عن لسان وزير الإعلام أو وزراء الواجهة السياسية للحكومة، أمر يُعمّق أزمة عدم فهم الموقف الرسمي. وهو موقف يرفض العدوان الإيراني على الأردن، ولا يسمح لأطراف الحرب بانتهاك السيادة الأردنية على سمائها وأرضها ضمن الإمكانات المتاحة. لكن فضاءات التواصل الاجتماعي تُصّر على اجتزاء الموقف واللعب بكلماته لبث رسائل التشكيك والتشويش.

حساسيات ومحاذير

بالتالي، غياب الحياة السياسية في الأردن ترك فراغاً واسعاً. ويجد البعض أن كلفة «التغريد خارج سرب التصريحات الرسمية لا يخدم بعض النخب في نيل نصيبها من الرعاية الرسمية». وهذا، في حين وجد البعض الآخر أن هناك حاجةً إلى «إعادة تفسير المواقف الرسمية بعبارات مرنة سهلة الوصول بشكل مباشر للفهم العام»، ولا سيما، أمام خلفية إقصاء الرأي الآخر، وممارسات التضييق على الحريات الصحافية حفاظاً «على مشاعر الحكومة»، كما قال قيادي إعلامي لم يرغب بذكر اسمه.

عودة إلى مداخلات العرموطي النيابية، نشير إلى أنه سبق له أن كان واحداً من فريق الدفاع عن الرئيس العراقي السابق صدام حسين خلال فترة محاكمته ما بين عامي (2005-2006). وبالفعل، تحظى مداخلاته بشعبية جارفة على الرغم من محدودية المعلومات التي يطرحها واندفاعه العاطفي الذي يلعب على وتر الجماهير الكارهة لتل أبيب وواشنطن.

من ثم، تبدو الحالة الأردنية وكأنها على وجه الانقسام على منصات التواصل الاجتماعي. ولقد سعى البعض، بالذات، إلى ضرب العلاقة الأردنية - الفلسطينية، وهذا عنوان له حساسيته محلياً، وسط ضرورات تؤكد مصلحة البلاد العليا فيما يتعلق بأولوية حشد الصفوف وسد الثغرات أمام الفتن الموجهة من الخارج.


نبيل فهمي... دبلوماسي مخضرم على أعتاب رئاسة «بيت العرب»

امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
TT

نبيل فهمي... دبلوماسي مخضرم على أعتاب رئاسة «بيت العرب»

امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء

في وضع سياسي مضطرب ووسط أزمات تعصف بالعالم العربي، يقترب الدبلوماسي المصري المخضرم السفير نبيل فهمي من رئاسة «بيت العرب»، بعدما اعتمد وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الأخير قراراً برفع توصية إلى القمة العربية المقبلة بترشيحه أميناً عاماً لـ«جامعة الدول العربية» بدايةً من يوليو المقبل، ولمدة 5 سنوات، خلفاً للأمين العام الحالي أحمد أبو الغيط، ليكون بذلك الأمين العام التاسع للجامعة العربية منذ إنشائها عام 1945. إنها مسؤولية أقر الدبلوماسي، الذي قاد حقيبة الخارجية المصرية عقب «ثورة 30 يونيو 2013» بأنها «كبيرة» في ظل ما تواجهه المنطقة من «تحديات غير مسبوقة، ومخالفات صارخة للقانون الدولي، من قِبل أطراف معتدية غدراً على دولنا وسلامتنا، وأخرى طال احتلالها لأراضينا وتعرقل تمكين أشقائنا من ممارسة حقوقهم المشروعة، فضلاً عن تعرض منطقتنا لمخططات تستهدف الهيمنة، والمساس بأمن واستقرار العالم العربي»، وفق تصريحاته تعقيباً على الترشيح.

يدخل نبيل فهمي معترك العمل العربي، مازجاً الخبرة العملية والأكاديمية، وعازماً على «التشاور مع أعضاء الجامعة العربية، للتصدي للتحدّيات من أجل تأمين مستقبل عربي أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً»، و«تعزيز مسارات البناء، وتنمية المصالح المشتركة والمتبادلة بين الدول الأعضاء».

من الاقتصاد إلى السياسة

ولد نبيل إسماعيل فهمي في نيويورك عام 1951 لعائلة دبلوماسية، فهو نجل وزير الخارجية المصري الأسبق إسماعيل فهمي، ما أتاح له الاحتكاك المبكّر بعالم السياسة والعلاقات الدولية. لكن رغم وجوده في عرين الدبلوماسية اختار فهمي لتخصصه الجامعي مجالاً آخر، فحصل على درجة بكالوريوس علوم في الفيزياء والرياضيات من الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 1974.

ومن ثم، اتبع نصيحة والده بالبحث عن مسارات مهنية وفقاً لتفضيلاته المهنية، التي كانت آنذاك تتجه إلى العمل في المجال الاقتصادي، وهذا ما ذكره في كتاب صدر عام 2022، وثّق فيه سيرته الذاتية ورحلة الدبلوماسية المصرية تحت عنوان «في قلب الأحداث: الدبلوماسية المصرية في الحرب والسلام وسنوات التغيير».

بيد أن القدر كان يرسم لنبيل فهمي طريقاً آخر، ليتغير مسار حياته المهنية باتصال هاتفي تلقاه عقب تخرّجه من أشرف مروان، سكرتير الرئيس الراحل أنور السادات، دعاه فيه للعمل معه في مكتب الرئيس. ومع أن فهمي «لم يكن، بحسب تعبيره، يتطلع للعمل في الحكومة أو في مكتب رئيس الجمهورية، فإن شخصية مروان جذبته»، فقبل العمل وبدأ أولى خطواته المهنية في مسار مختلفٍ تماماً عمّا كان يخطط له.

من جهة ثانية، تزامن عمله في مكتب الرئيس مع استكماله لدراسة الماجستير في إدارة الأعمال، حيث كان لا يزال يسعى للعمل في الاقتصاد، في خطوة أجلّها لحين إتمام خدمته العسكرية. ولكن مرة أخرى قادته الصدفة إلى مسار آخر، عندما تحدّاه صديقه رمزي عز الدين رمزي للتقدّم والنجاح في اختبارات القبول بالسلك الدبلوماسي، ودفعه حماس الشباب لقبول التحدي.

بالفعل، نجح نبيل فهمي وصديقه في الاختبارات «بعد جهد شاق ومن دون تدخل» من والده - وزير الخارجية آنذاك - حسب ما ذكر في كتابه.

مع هذا، ورغم أن حلم الاقتصاد ظل يطارده حتى بعد نجاحه في الاختبارات، وحصل بالفعل على عرض للعمل بأحد البنوك براتب يعادل 21 ضعف ما سيتلقاه في بداية تعيينه بوزارة الخارجية المصرية، فإنه في النهاية اختار إكمال المسار الذي اقتيد إليه بالصدفة، والتحق بالعمل في وزارة الخارجية المصرية عام 1976، وحسب قوله «باعتباره مهنة تحتاج إلى اقتناعات عميقة وتنطوي على مسؤوليات جسام»، وبذا صار أبوه رئيسه في العمل، وانضم للعمل بمكتبه برغبة الأب الذي كان يريد «التأكد من أنه يعامل المعاملة العادية ملحقاً تحت الاختبار، ولا يدلل أو يعامل بشكل استثنائي في قطاعات أخرى بالوزارة».

رحلة دبلوماسية ممتدة

امتدت مسيرة نبيل فهمي داخل أروقة الدبلوماسية المصرية لنحو أربعة عقود، كانت تموج بالأحداث السياسية المهمة. إذ تنقّل إبّان عمله في الخارجية المصرية بين مناصب ومهمات وملفات حساسة عدة، من نزع السلاح في الأمم المتحدة إلى العمل مستشاراً سياسياً لوزير الخارجية الأسبق عمرو موسى.

لكن كثيرين يعتبرون محطته الأبرز هي عمله سفيراً لمصر لدى الولايات المتحدة بين 1999 و2008، لا سيما أن تلك الفترة شهدت أحداثاً مفصلية، على رأسها هجمات «11 سبتمبر/أيلول 2001». ولقد جاء تعيينه في سفارة مصر بواشنطن بناء على اختيار الرئيس الأسبق حسني مبارك.

ويروي فهمي في أحد لقاءاته أن «مبارك سأله في ختام زيارة لليابان، حيث كان آنذاك سفيراً لمصر في طوكيو، عن عمره دون أن يوضح سبب السؤال، ليجيبه في الـ47».، وبعد ذلك عيّن سفيراً لمصر في واشنطن، وقال له مبارك بعد ذلك إنه «اختاره للمنصب لأنه لا يخشى قول رأيه، وأنه لن يخشى الرد على الأميركان إذا اتخذوا مواقف خشنة بعض الشيء».

امتازت رحلة نبيل فهمي في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة»، و«الخطاب الرزين»، حسب مراقبين يرون في فهمي القدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء يتمازجان بدرجة من الصراحة والواقعية.

وحقاً، شغل فهمي مناصب حكومية ودولية عدة، وركز عمله على قضايا الأمن الدولي والإقليمي، ونزع السلاح وحظر الانتشار النووي، وتسوية النزاعات، والدبلوماسية العربية - الإسرائيلية، كما شغل منصب رئيس المجلس الاستشاري للأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح، ونائب رئيس اللجنة الأولى للجمعية العامة للأمم المتحدة المعنية بنزع السلاح والأمن الدولي. وكان عضواً في الوفد المصري في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، ومؤتمرات مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ولجنة المبادئ في مؤتمر الأمم المتحدة لتعزيز التعاون الدولي في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، والعديد من الفعاليات متعددة الأطراف الأخرى. وعلى صعيد التقديرات، منح الإمبراطور الياباني ناروهيتو، فهمي، «الوشاح الأكبر لوسام الشمس المشرقة».

وزيراً للخارجيّة

على خطى أبيه، تولّى نبيل فهمي حقيبة الخارجية المصرية في فترة صعبة بين يوليو (تموز) 2013 ويونيو (حزيران) 2014، بعد أحداث «30 يونيو» التي شهدت الإطاحة بحكم تنظيم «الإخوان» الذي تصنّفه السلطات المصرية «إرهابياً».

اكتنفت تلك الفترة تحديات على الصعيدين الداخلي والدولي دفعت فهمي لصياغة استراتيجية «إعادة التوجيه»، إيماناً منه بأن قوة الدولة تقاس بتعدد خياراتها. وفتح فهمي، بالفعل، آفاقاً جديدةً في علاقات مصر الدولية والإقليمية مكرّساً مبدأ «الندّيّة الاستراتيجية».

لقد كان دائم التأكيد على أن العلاقات الدولية لا تُدار بمنطق «التحالفات المطلقة»، وأن العلاقات مع الدول تحكمها المصالح المتبادلة ولا يوجد فيها اتفاق دائم أو اختلاف دائم. وإبّان هذه الفترة أثار فهمي جدلاً بعدما تداولت وسائل الإعلام تصريحاً قاله في مقابلة مع الإذاعة الحكومية الأميركية، شبّه فيه العلاقة بين مصر والولايات المتحدة بـ«الزواج» لا «علاقة ليلة واحدة»، تعليقاً على التوتّر الذي يشوب العلاقات أحياناً. ودفعت تلك التصريحات إلى موجة من الهجمات على فهمي، لترد وزارة الخارجية المصرية، آنذاك، بالتأكيد على أن «ترجمة الحوار للعربية كانت غير دقيقة»، وأن فهمي قال إنه «بخلاف العلاقات العابرة بين الدول فإن العلاقات المصرية - الأميركية علاقات ممتدة على مدى طويل ومتشعبة، ومثل الزواج تحتاج للكثير من الجهد والمتابعة، ويُتخذ خلالها قرارات عديدة وفي مجالات متعددة، وقد تتعرّض بين الحين والآخر إلى بعض المشاكل».

العمل الأكاديمي... وبناء الأجيال

بعد انتهاء فترة عمل نبيل فهمي في واشنطن عام 2008 عاد إلى مصر، وانخرط في العمل الأكاديمي، حيث أسس «كلية الشؤون الدولية والسياسات العامة» (GAPP) في الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 2009، وهي كلية متخصصة في القضايا الراهنة المتعلقة بالشؤون العامة، والقانون، والصحافة، فضلاً عن دراسات الشرق الأوسط، واللاجئين، ودراسات النوع الاجتماعي والدراسات الأميركية.

كذلك شغل منصب العميد المؤسّس للكلية من عام 2009 إلى 2022. وشارك في مراكز بحثية دولية، مقدّماً تحليلات حول الأمن الإقليمي وإعادة تشكيل النظام الدولي. ولنبيل فهمي العديد من المقالات والكتب التي يشرح فيها رؤيته للنظام الدولي والصراعات الدائرة على الساحة، ويحلل «تحديات فن إدارة الدولة»، وكيف يمكن للدبلوماسية أن تكون الدرع الأول لحماية الوطن في زمن الانتقال.

هذا المزج بين الخبرة العملية والتنظير الأكاديمي منح رؤية فهمي بعداً تحليلياً، وحضوراً واضحاً في النقاشات حول النظام الدولي وإصلاح المنظومة العربية. وراهناً، لا ينشغل بالجدل حول «ترجيح القوة أو القانون» في تفسير آليات النظام الدولي، كما أورد في أحد مقالاته، بل يرى أن «توسع الدول القوية في استخدام القوة» مؤشر على الاندفاع نحو «ترجيح المعادلات الصفرية» والاتجاه نحو «الانفرادية الأحادية المصلحة» على حساب «الجماعية والمصالح المتبادلة».

الجامعة العربية وتحديات المستقبل

اليوم يقترب نبيل فهمي من رئاسة «جامعة الدول العربية»، بينما تشهد المنطقة تحديات جساماً، وسط تشكيك في قدرة الجامعة على مواجهة التحدّيات. لكن، لم يكن العمل العربي غائباً عن فهمي الذي شرح في عدد من المقالات والحوارات رؤيته للعمل العربي المشترك، مؤكّداً أن «سياسة المرحلة المقبلة يجب أن تركّز على التطلع للمستقبل»، وضرورة أن يكون العالم العربي كتلةً واحدةً في مواجهة التحدّيات والأزمات الإقليمية، مع الاتجاه للتطوير والبناء لدعم الهوية العربية.


8 أمناء تعاقبوا على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها

عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
TT

8 أمناء تعاقبوا على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها

عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)

تعاقب ثمانية أمناء على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها عام 1945، جميعهم مصريون باستثناء تونسي واحد ترأس البيت العربي خلال فترة تعليق عضوية مصر بالجامعة ونقل مقرها إلى تونس عقب اتفاقية السلام مع إسرائيل. أما الأمناء الثمانية فهم:

عبد الرحمن عزام (1945 - 1952)

ولد يوم 8 مارس (آذار) 1893 في محافظة الجيزة، ودرس الطب في كلية سانت توماس الطبية بجامعة لندن عام 1912، ولقب بـ«غيفارا العرب» لمشاركته في حرب البلقان وفي النضال ضد الاستعمار الإيطالي في ليبيا والبريطاني في مصر.

كان أول مستشار للجمهورية الليبية الأولى. وانتخب في أول مجلس نواب مصري عام 1924. كما كان عضواً في الوفد المصري لوضع ميثاق جامعة الدول العربية، واختير بالإجماع كأول أمين عام للجامعة.

توفي يوم 2 يونيو (حزيران) 1976.

محمد عبد الخالق حسّونة (1952 - 1972)

ولد في القاهرة يوم 28 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1898، وتخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1921. وحصل على درجة الماجستير في الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة كمبريدج ببريطانيا عام 1925.

كان عضواً في أول بعثة للسلك الدبلوماسى لوزارة الخارجية. وعُين محافظاً للإسكندرية، ووزيراً للشؤون الاجتماعية، ووزيراً للمعارف ثم للخارجية.

تولى أمانة الجامعة العربية من سبتمبر (أيلول) 1952، وتوفي عام 1992.

محمود رياض (1972 - 1979)

ولد يوم 8 يناير (كانون الثاني) 1917، وتخرّج في الكلية الحربية عام 1936. عيّن مديراً للمخابرات الحربية في غزة بشهر أغسطس (آب) 1948. وشغل مناصب عدة من بينها مستشار للشؤون السياسية للرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات، ومندوباً لمصر في الأمم المتحدة، ووزيراً للخارجية. انتخب أميناً عاما للجامعة العربية في يونيو (حزيران) 1972 واستقال في مارس (آذار) 1979. توفي عام 1992.

الشاذلي القليبي (1979 - 1990)

ولد يوم 6 سبتمبر (أيلول) 1925 بمدينة تونس. وتخرّج في كلية الآداب بجامعة باريس - السوربون بفرنسا، وحصل على الإجازة في اللغة والآداب العربية عام 1947. وعُين مديراً عاماً للإذاعة والتلفزة الوطنية في تونس، وأسندت إليه مهمة تأسيس وزارة الشؤون الثقافية، كما تولى وزارتي الثقافة والإعلام. وانتخب أميناً عاماً لجامعة الدول العربية عام 1979.

د. أحمد عصمت عبد المجيد (1991 - 2001)

ولد في الإسكندرية يوم 22 مارس (آذار) عام 1923، وحصل على ليسانس الحقوق من جامعة الإسكندرية عام 1944، والدكتوراه في القانون الدولي من جامعة باريس.

شغل مناصب عدة في السلك الدبلوماسي المصري وصولاً إلى تولي حقيبة الخارجية عام 1984، وحصد عدة جوائز وأوسمة دولية، وانتخب أميناً عاماً للجامعة العربية بعد عودة مقرها للقاهرة عام 1991. توفي عام 2013.

عمرو موسى (2001 - 2011)

ولد يوم 3 أكتوبر (تشرين الأول) 1936، وتقلّد مناصب عدة وحصل على عدد من الأوسمة والأوشحة والجوائز من دول العالم. تخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1957، والتحق بالسلك الدبلوماسي المصري حيث عمل بعدد من السفارات المصرية حول العالم. وتولّى وزارة الخارجية المصرية عام 1991. انتخب أميناً عاماً للجامعة العربية عام 1991.

د. نبيل العربي (2011 - 2016)

ولد يوم 15 مارس (آذار) عام 1935، وتقلد مناصب عدة كما حصل على عدد من الأوسمة والأوشحة والجوائز من دول العالم. تخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1955، وحصل على درجة الدكتوراه في العلوم القانونية من كلية الحقوق بجامعة نيويورك، وتولى وزارة الخارجية المصرية عام 2011. كما شغل مناصب دولية عدة.

انتخب أميناً عاماً للجامعة العربية عام 2011. توفي عام 2024.

أحمد أبو الغيط (2016 - حتى الآن)

ولد يوم 12 يونيو (حزيران) 1942. وتخرج في كلية التجارة بجامعة عين شمس عام 1964. التحق بالسلك الدبلوماسي وشغل عدة مناصب وصولاً إلى حقيبة الخارجية عام 2004. وحصل على عدد من الأوسمة من دول عدة بينها؛ فرنسا وإيطاليا واليابان.