ترمب يرفض مناظرة عبر الإنترنت ويعتبر إصابته «نعمة من الله»

الحزبان يدّعيان الفوز في مناظرة بنس وهاريس

بنس لم يوفر فرصة خلال المناظرة إلا وحاول فيها  ربط هاريس باليسار المتشدد (إ.ب.أ)
بنس لم يوفر فرصة خلال المناظرة إلا وحاول فيها ربط هاريس باليسار المتشدد (إ.ب.أ)
TT

ترمب يرفض مناظرة عبر الإنترنت ويعتبر إصابته «نعمة من الله»

بنس لم يوفر فرصة خلال المناظرة إلا وحاول فيها  ربط هاريس باليسار المتشدد (إ.ب.أ)
بنس لم يوفر فرصة خلال المناظرة إلا وحاول فيها ربط هاريس باليسار المتشدد (إ.ب.أ)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه لن يشارك في المناظرة الرئاسية الثانية، بعد أن قررت اللجنة المنظمة للمناظرات أنها ستكون افتراضية بسبب إصابته بفيروس كورونا. وانتقد ترمب قرار اللجنة مؤكداً أنه بصحة جيدة جداً وأنه تخطى مرحلة نقل العدوى. وقال إنه توقف عن تناول معظم الأدوية التي بدأ استخدامها بعد إصابته بفيروس كورونا، ولكن أشار إلى أنه ما زال يتناول أحد المنشطات. وقال لشبكة فوكس بيزنس «ليس منشطا قويا»، مضيفا أنه اقترب «تقريبا» من الاستغناء عن العقاقير.
وقال «لن أهدر وقتي على مناظرة افتراضية. من السخيف أن أجلس وراء شاشة كومبيوتر للمشاركة في مناظرة، حيث يمكن قطع حديثي في أي لحظة».
كما أكدت حملة الرئيس الانتخابية في بيان عدم مشاركته، وأشار مدير الحملة بيل ستيبيان أنه سيشارك في أنشطة انتخابية عوضاً عن مشاركته في المناظرة. وقال ستيبيان في بيان: «الواقع هو أن الرئيس ترمب كان سيثبت أن نتيجة الفحوص المخبرية سلبية قبل المناظرة، إذا لم يكن هناك حاجة لهذا القرار الأحادي. يمكن الحفاظ على سلامة كل المشاركين من دون إلغاء الفرصة للناخبين في مشاهدة المرشحين وجهاً لوجه. سوف نستغني عن هذا العذر السخيف الذي ينقذ جو بايدن ونعقد نشاطاً انتخابياً عوضاً عنه».
وشكك ترمب باستطلاعات الرأي التي أظهرت أنه متأخر عن بايدن. وقال «لا أفهمها ولا أصدقها، ولا أؤمن باستطلاعات الرأي». كما اتهم وسائل الإعلام بالكذب، وقال إنه يتم «تزوير الاستطلاعات».
كما اعتبر الرئيس الأميركي أن إصابته بكوفيد - 19 كانت «نعمة من الله»، وذلك لدى استئنافه العمل في المكتب البيضاوي رغم التحذيرات من أن عودته قد تعرض آخرين للخطر. وعمل ترمب جاهدا منذ غادر المستشفى الاثنين على تصوير مرضه على أنه انتصار شخصي. وقال في تسجيل مصور الأربعاء لدى تحدثه عن الفيروس الذي أودى بحياة أكثر من 210 آلاف شخص في الولايات المتحدة «أعتقد أن إصابتي به نعمة من الله».
من جهتها رحبت حملة بايدن الانتخابية بقرار اللجنة وقالت نائبة مدير الحملة كايت بدنغفيلد: «نائب الرئيس بايدن يتطلع قدماً للحديث مباشرة مع الأميركيين ومقارنة خطته لتوحيد البلاد وإعادة بنائها بقيادة ترمب الفاشلة للفيروس والتي أدت إلى تدهور للاقتصاد القوي الذي تسلمه من خلفه إلى أسوأ مرحلة منذ الكساد الكبير».
وشكك بايدن بإعلان ترمب عدم المشاركة بالمناظرة فقال: «لا نعلم ماذا سيفعل الرئيس. فهو يغير رأيه كل لحظة».
ترمب الذي اتصل هاتفياً ببرنامج فوكس بزنس الصباحي، وتحدث عبره على مدى ساعة، سرق الأضواء من نائبه مايك بنس الذي خاض مناظرته الأولى والوحيدة مع مرشحة بايدن كامالا هاريس مساء الأربعاء. واعتبر ترمب أن بنس فاز بالمناظرة من دون منازع، فوصف هاريس بالـ«وحش» محذراً الأميركيين من أنها ستصبح رئيساً بدلاً عن بايدن لأن الأخير «لن يتمكن من الاستمرار لشهرين في الرئاسة». ولم يتوقف الرئيس الأميركي عند هذا الحد بل اتهم هاريس بأنها «شيوعية» وقال: «إنها شيوعية، ليست اشتراكية فحسب، هي أكثر من ذلك، هي شيوعية».
وتتناغم تصريحات ترمب هذه مع الاستراتيجية التي اتبعتها حملته الانتخابية منذ فترة والتي تهدف لوضع بطاقة بايدن - هاريس الانتخابية في خانة الليبراليين اليساريين، وتخويف الناخبين من سيطرة اليسار المتشدد على الأجندة الديمقراطية.
وهذا ما قام به نائب الرئيس الأميركي مايك بنس خلال المناظرة التي عقدت في ولاية يوتا. فبنس لم يوفر فرصة إلا وحاول فيها ربط هاريس باليسار المتشدد، معتبراً أن سياستها ستؤذي الاقتصاد الأميركي واتهم بايدن بمحاولة «إلغاء كل الإنجازات الاقتصادية من خلال رفع الضرائب». ودعا بنس الأميركيين إلى التوجه إلى صناديق الاقتراع والتصويت لترمب لأن «الاقتصاد الأميركي والازدهار الأميركي هما على المحك».
لكن محاولات بنس التركيز على الاقتصاد، وهي نقطة قوة ترمب، لم تلق آذاناً صاغية في المناظرة، فمنافسته كامالا هاريس ركزت هجماتها على ملف الساعة وهو فيروس كورونا. وقالت هاريس إن «الشعب الأميركي شهد أكبر فشل في تاريخ الإدارات الأميركية السابقة من خلال تعاطي الإدارة الحالية مع فيروس كورونا». واعتبرت هاريس أن الرئيس الأميركي فقد حقه بإعادة ترشيح نفسه لولاية ثانية بسبب رده على الوباء. وذكرت هاريس مراراً وتكراراً بعدد الأميركيين الذين قضوا جراء الفيروس واتهمت بنس، الذي ترأس فريق البيت الأبيض لمكافحته، بالفشل في مهمته.
وبطبيعة الحال، دافع بنس عن أداء إدارته فأشاد بالتدابير التي اعتمدها البيت الأبيض، وبتطوير لقاح لمكافحة الفيروس، واتهم بايدن بنسخ خطط إدارة ترمب في هذا الملف. ودافع بنس عن قرار البيت الأبيض عقد حفل ترشيح القاضية إيمي كوني بايرت للمحكمة العليا في حديقة الزهور، وهو الحدث الذي أصبح معروفاً بحدث «التفشي الكبير» بعد إصابة عدد كبير من الحضور بالفيروس جراءه. وقال بنس: «الرئيس ترمب وأنا نثق بالشعب الأميركي لاتخاذ القرارات المتعلقة بصحتهم». وذلك في رد على الانتقادات بغياب الكمامات فيذلك الحدث.
لكن التدابير الوقائية التي اعتمدها منظمو المناظرة لم تساعد بنس في دفاعه، فقد جلس المرشحان بعيداً ١٢ قدماً عن بعضهما البعض، وفصلت بينهما حواجز زجاجية، فيما ارتدى كل الحضور في القاعة كمامات في مشهد عكس استمرار الخوف من تفشي الفيروس في الولايات المتحدة. ورغم انتقادات هاريس للإدارة الحالية في ردها على الفيروس إلا أنها أكدت أنها مستعدة لتلقي اللقاح في حال توفره، إذا ما نصح به الخبراء الطبيون وقالت: «إذا قال لنا دونالد ترمب إنه يجب أخذ اللقاح، لن أستمع إليه». وقد أثارت هذه التصريحات حفيظة بنس، المعروف بهدوئه البالغ فقال لمنافسته: «توقفي عن استعمال حياة الأميركيين لمآرب سياسية».
وقد اتسمت المناظرة اليتيمة بين بنس وهاريس بالهدوء النسبي مقارنة بالمناظرة الأولى التي جمعت بين بايدن وترمب، ورغم أنها لم تشهد الكثير من المقاطعات، إلا أن نائب الرئيس الأميركي قاطع هاريس بضع مرات، لترد عليه السيناتورة الديمقراطية مراراً بـ«حضرة نائب الرئيس أنا ما زلت أتكلم. ما زلت أتكلم».
وتبادل المرشحان الاتهامات في ملفات أخرى، أبرزها ملف المحكمة العليا والتغير المناخي والضرائب. فأشاد بنس بقرار ترمب ترشيح إيمي باريت لمنصب قاضية في المحكمة العليا خلفاً للقاضية الليبرالية روث بايدر غينزبرغ وانتقد مواقف هاريس وبايدن من الإجهاض. وقال بنس، وهو من الإنجيليين المحافظين: «أنا داعم للحياة ولن أعتذر عن مواقفي هذه». فهاجمته هاريس قائلة: سوف أقاتل للحفاظ على حق النساء باتخاذ قرارات متعلقة بأجسادهم. هذا يجب أن يكون قرارهن وليس قرار دونالد ترمب ومايك بنس». وتعهدت هاريس ببذل كل جهدها للحفاظ على قانون «رو ضد ويد» الذي يحمي حقوق المرأة بالإجهاض، بعد تخوف الديمقراطيين من أن يؤدي تعيين باريت المحافظة في المحكمة العليا إلى أحداث تغييرات فيه.
وفي ملف الضرائب انتهزت هاريس الفرصة لتوجيه انتقادات لترمب على الضرائب القليلة التي يدفعها، بحسب تقارير لصحيفة نيويورك تايمز، وهي اتهامات دحضها بنس ووصفها بالمضللة.
كما تواجه المرشحان في ملف التغير المناخي والقت مواقفهما الضوء على الاختلاف الجذري في الموقفين الديمقراطي والجمهوري في التصدي للاحتباس الحراري والتغيرات المناخية.


مقالات ذات صلة

الفريق الإسرائيلي في «مجلس السلام» يكشف كيف سيكون إعمار غزة

شؤون إقليمية فتاة تتلو القرآن بجوار أنقاض مسجد مدمَّر غرب مدينة غزة يوم السبت (أ.ف.ب)

الفريق الإسرائيلي في «مجلس السلام» يكشف كيف سيكون إعمار غزة

مسؤولون إسرائيليون في مشروع الرئيس الأميركي دونالد ترمب للسلام يؤكدون أن قطار «إعمار غزة» قد انطلق.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي (يمين) وهو يستقبل المبعوث الخاص للرئيس الأميركي ستيف ويتكوف (وسط) وجاريد كوشنر (يسار) في اجتماعهما الذي يسبق المفاوضات الإيرانية - الأميركية في مسقط بعمان - 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

جنيف تختبر حدود التنازل بين واشنطن وطهران الخميس

أعلن وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي أن الجولة الجديدة من المفاوضات بين واشنطن وطهران ستعقد في جنيف الخميس المقبل، مؤكداً وجود «دفع إيجابي» لإبرام اتفاق.

العالم العربي قوة تابعة للسلطات السورية بمحافظة الرقة (أ.ب)

سوريا: مقتل عنصر أمني في هجوم لـ«داعش» على حاجز بمدينة الرقة

قُتل عنصرٌ من الأمن الداخلي في سوريا وأصيب آخر بهجوم مسلح نفذه تنظيم «داعش» على حاجز السباهية في المدخل الغربي لمدينة الرقة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الولايات المتحدة​ السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي (أرشيفية - رويترز)

واشنطن: تصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل بشأن الشرق الأوسط أُخرجت من سياقها

استمرت موجة الغضب، اليوم (الأحد)، بعد أن قال السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، إن لإسرائيل حقاً في أجزاء واسعة من الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب يلقي خطاباً خلال حفل عشاء أقامه لبعض حكام الولايات في البيت الأبيض مساء 21 فبراير (إ.ب.أ)

ترمب يلقي خطاب «حالة الاتحاد» وسط تحديات داخلية وخارجية

تُلقي الانتخابات التشريعية المقبلة بظلالها على كلمة ترمب، مع سعي الجمهوريين إلى الحفاظ على مكاسبهم وأمل الديمقراطيين في استثمار أي اضطراب اقتصادي أو عسكري.

هبة القدسي (واشنطن)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended