التطورات السياسية تسبب قلقاً بمواجهة «كورونا» في ألمانيا وإسبانيا

عامل طبي في خدمات الطوارئ الطبية يأخذ عينة مسحة من رجل في مدريد (أ.ف.ب)
عامل طبي في خدمات الطوارئ الطبية يأخذ عينة مسحة من رجل في مدريد (أ.ف.ب)
TT

التطورات السياسية تسبب قلقاً بمواجهة «كورونا» في ألمانيا وإسبانيا

عامل طبي في خدمات الطوارئ الطبية يأخذ عينة مسحة من رجل في مدريد (أ.ف.ب)
عامل طبي في خدمات الطوارئ الطبية يأخذ عينة مسحة من رجل في مدريد (أ.ف.ب)

تدفع إسبانيا ثمناً باهظا بسبب الخلل في نظامها السياسي، وهي في طريقها سريعاً إلى أن تصبح الطفل المثير للمشكلات في الاتحاد الأوروبي.
وكان من المعتاد أن إيطاليا هي التي تعد الخطر الأكبر. ولكن القلق يساور المسؤولين في ألمانيا الآن إزاء مدى سوء تعامل إسبانيا مع جائحة فيروس «كورونا». وتعد ألمانيا المحرك الاقتصادي للاتحاد الأوروبي، وصاحبة النصيب الأكبر من المساهمات المالية لتمويل صندوق إنعاش الاتحاد الأوروبي في مواجهة الجائحة.
ورأى تحليل لوكالة «بلومبرغ» للأنباء، أن زيادة الإصابات بفيروس «كورونا» من جديد منذ نهاية الصيف، قد أدى إلى فضح الانقسامات الحزبية الشديدة في إسبانيا، حيث يتحدى مسؤولو الإدارة الإقليمية الذين ينتمون لتيار يمين الوسط في مدريد، بشدة القيود الجديدة التي فرضتها القيادة القومية الاشتراكية للبلاد، وهو ما أدى إلى تصاعد الأزمة الصحية في البلاد.
وقال مانويل دي كاسترو، الطبيب بمستشفى «12 دي أكتوبر في مدريد»، والزعيم النقابي: «إنها حرب سياسية... يشن الساسة حملات بدلاً من التكاتف لمواجهة الجائحة... إننا نفتقر إلى القيادة وإلى تسلسل قيادي واضح».
وعلى مدار سنوات، غضّ المسؤولون في أنحاء أوروبا الطرف عن الضغائن وعن مظاهر الخلل في إسبانيا، حيث سار الأداء الاقتصادي للبلاد على نحو طيب، رغم ذلك. ولكن بعد سقوط رابع أكبر اقتصاد في منطقة اليورو في أسوأ ركود تشهده أوروبا حتى الآن، وجد المسؤولون أنفسهم مجبرين على إلقاء نظرة فاحصة.
ونقلت «بلومبرغ» عن مصدر مطلع على المناقشات الداخلية للحكومة الألمانية، أن هناك قلقاً حقيقياً إزاء التداعيات على باقي الدول الأعضاء، وبينها ألمانيا.
ومع بدء تفشي الوباء، وجدت الإدارات العامة في جميع أنحاء العالم نفسها تواجه اختباراً. وكانت إسبانيا وإيطاليا بؤرتين مبكرتين للجائحة في أوروبا. وبينما يبدو أن إيطاليا قد أحكمت قبضتها على إمكان حدوث موجة ثانية من الوباء، لا تزال إسبانيا تواجه معاناة.
ولم تنعم إسبانيا بحكومة مستقرة منذ عام 2015، ولكن كانت هناك درجة من الرضا الذاتي عن قدرة البلاد على التأقلم، حيث كان الاقتصاد يسير على نحو متسارع، بفضل قوة الإنفاق الاستهلاكي والأعداد القياسية للسائحين.
وأعرب رئيس الوزراء بيدرو سانشيز أيضاً عن رضاه هذا الصيف عندما أعلن انتصاراً، سابقاً لأوانه، على فيروس «كورونا» المستجد. ومنذ ذلك الحين، يحاول الساسة تحقيق مكاسب، وتجنب أن يتم إلقاء اللوم عليهم في فرض قيود على الحياة اليومية، في ظل تصاعد معدلات العدوى.
وأدى ذلك إلى أن تصبح العاصمة مدريد واحدة من البؤر العالمية لتفشي الفيروس، كما سجلت إسبانيا انكماشاً اقتصادياً في الربع الثاني وصل إلى 18%، وقد يتدهور الموقف من سيئ إلى أسوأ إذا لم تتمكن السلطات من السيطرة سريعاً على الموقف.
وفي نفس الوقت، تزداد التكاليف الاقتصادية، حيث حذر صندوق النقد الدولي من أن الانتعاش الاقتصادي في إسبانيا يواجه تهديداً، وأن المخاطر «تميل بقوة إلى الانحدار». ويتوقع البنك المركزي الإسباني أن يسجل اقتصاد البلاد انكماشاً بنسبة 12.6% لعام 2020 بأكمله.
وتحرك زعماء الاتحاد الأوروبي سريعاً في مسعى لدعم الدول الأكثر تضرراً من الجائحة، مثل إسبانيا، على النهوض مجدداً، ووافقوا على خطة إنقاذ بقيمة 750 مليار يورو (879 مليار دولار) للتعافي من تداعيات الوباء. ولكن الخلافات المستمرة تهدد بتأجيل صرف هذه الأموال.
وعلى رأس القضايا الرئيسية التي يتعين على معظم الدول التعامل معها، كيفية إحداث توازن بين طلبات الشركات والعمال، والشباب والمتقاعدين.
وتواجه إسبانيا قضيتين رئيسيتين، تحجم مؤسسة الحكم عن مواجهتهما: النظام الملكي، وإقليم كاتالونيا.
وتأججت المعارضة للعائلة الملكية في إسبانيا في أعقاب تردي مكانة العاهل الإسباني السابق الملك خوان كارلوس، على مدار عقد من الزمن، ولكنّ فتح هذه المسألة الدستورية الحساسة، من شأنه أن يؤدي إلى فتح النقاش بشأن إجراء استفتاء على استقلال كاتالونيا.
ويرى تحليل «بلومبرغ» أن إسبانيا دولة معرّضة للخطر، وقد أسفرت التداعيات المريرة للأزمة المالية عن هدم نظام الحزبين القديم، الذي كان يضمن تداولاً سلساً للسلطة بين اليسار واليمين على مدار 35 عاماً، بعد عودة الديمقراطية.
وأعاقت الانقسامات سبل التوصل إلى إجماع جديد بشأن كيفية إدارة شؤون البلاد، مما أدى إلى وجود سلسلة من الإدارات التي تتسم بالأقلية والضعف.
وشهدت إسبانيا أربع حكومات على مدار خمس سنوات، وهي تسير حالياً وفق ميزانية تعود لعام 2018، كانت قد أعدتها الحكومة المحافظة السابقة.
ويعيش الملايين من سكان مدريد حالياً في ظل قيود صارمة على الحياة اليومية، بدأ سريانها في أعقاب مواجهة بين رئيس الوزراء سانشيز، ورئيسة إقليم مدريد.
وهددت رئيسة منطقة مدريد، إيزابيل دياز أيوسو، والتي تنتمي للمحافظين، بعدم تنفيذ القيود، وقالت يوم الخميس الماضي: «نحن الدولة الوحيدة في العالم التي تلقي فيها الحكومة باللوم على العاصمة». وأضافت: «في دول أخرى، يشمر الرؤساء عن سواعدهم ويعملون مع الإدارات، ولا يلقون باللوم أبداً على من هم أدنى منهم منصباً».
وعندما تفشى الوباء في إسبانيا في مارس (آذار) الماضي، أصدر سانشيز مرسوماً بفرض حالة الطوارئ، وهو ما سمح لحكومته بانتزاع الصلاحيات من الإدارات الإقليمية. ومع انحسار الوباء، سمح سانشيز للحكومات الإقليمية بإدارة عملية إعادة فتح الاقتصاد، ولكن مع عودة التلامذة إلى مدارسهم، عاودت إصابات «كورونا» الارتفاع، خصوصاً في مدريد.
وطلب سانشير من أيوسو العمل على احتواء تفشي الفيروس، لكنها في المقابل اتهمت حكومته التي تميل ناحية اليسار، بالإشارة إلى إقليم مدريد على نحو خاص، لأنه يخضع لإدارة «حزب الشعب»، المحافظ،، الذي يشكل حزب المعارضة الرئيسي. وقد دفع هذا وزير الصحة الإسباني، سلفادور أيلا، إلى مناشدة الجميع بالقول: «علينا أن ننصت إلى العلم... هذه ليست معركة تتعلق بالآيديولوجية».
يشار إلى أن إدارة أيوسو لجهود مكافحة الوباء كانت مثيرة للجدل منذ البداية. وقد أصيبت هي نفسها بعدوى «كورونا» في مايو (أيار) الماضي، وخضعت لعزل ذاتي بشقة فاخرة في مدريد. واستقالت رئيسة شؤون الصحة العامة في إقليم مدريد من منصبها بسبب خلافها مع نهج إدارة أيوسو لأزمة «كورونا».
وفي نفس الوقت، أشار المتخصصون في مجال الطب، إلى الافتقار إلى أساليب تتبُّع مخالطة الأطباء والممرضات للمرضى.
وقال بالوما تامامي، وهو طبيب إسعاف في مدريد: «تعرضنا للعصر مثل الليمون... هناك وقت ينفد فيه الصبر والتسامح والقدرة على التحمل».


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟