إيطاليا تستعدّ لـ«الأسوأ»... وإسبانيا «تغلق» عاصمتها

«مشكلة فنية» أدّت إلى تضاعف إصابات «كورونا» اليومية في بريطانيا

شرطيان يطالبان سائحاً بارتداء كمامته في روما (إ.ب.أ)
شرطيان يطالبان سائحاً بارتداء كمامته في روما (إ.ب.أ)
TT

إيطاليا تستعدّ لـ«الأسوأ»... وإسبانيا «تغلق» عاصمتها

شرطيان يطالبان سائحاً بارتداء كمامته في روما (إ.ب.أ)
شرطيان يطالبان سائحاً بارتداء كمامته في روما (إ.ب.أ)

ليس أدلّ على مستوى القلق الذي يسري في الأوصال الأوروبية أمام موجة الوباء الثانية التي أطلّت باكراً مع بدايات الخريف، من المشهد الذي استفاقت عليه أمس مدينة روما عاصمة البلد الذي يعتبره كثيرون قدوة تُحتذى في إدارة جائحة «كوفيد - 19» بعد التجربة القاسية التي مرّ بها خلال المرحلة الأولى في الربيع الماضي.

كمامات إلزامية
لأول مرة منذ ظهور الفيروس أصبح استخدام الكمامات الواقية إلزامياً حتى في شوارع المدينة الخالدة وحدائقها العامة، فيما أعلن وزير الصحة الإيطالي روبرتو سبيرانزا أن استخدامها سيصبح إلزامياً أيضاً في جميع أنحاء البلاد اعتباراً من الأربعاء المقبل. جاء ذلك بعد تحذير المعهد الأعلى للصحة العامة من أن «الوضع الوبائي يتدهور بسرعة»، وأن حزمة جديدة من التدابير الصارمة ستُعلن قريباً، من بينها إجراءات لفرض العزل التام في المناطق التي ينتشر فيها الفيروس بكثافة.
وفيما أعلنت وزارة الصحة الإيطالية أن عدد الإصابات اليومية الجديدة اقترب من عتبة ثلاثة آلاف التي لم يبلغها منذ 23 أبريل (نيسان) الماضي، بعد أن كان يتراوح حول 300 في الأسابيع الماضية، وارتفع عدد الحالات التي تقتضي علاجاً في المستشفى وفي وحدات العناية الفائقة، قال خبراء المعهد الأعلى للصحة العامة إن عدد البؤر الفيروسية تجاوز ثلاثة آلاف في جميع أنحاء البلاد، منها حوالي الألف في المدارس التي استأنفت نشاطها منتصف الشهر الماضي.
ويفيد التقرير الأخير للمعهد المذكور بأن معدّل انتشار الفيروس تجاوز الخط الأحمر في اثني عشر من الأقاليم الإيطالية، وأن التدهور السريع للوضع الوبائي يعود للتراخي في تطبيق تدابير الوقاية والاحتواء والأنشطة الاجتماعية والرياضية التي استؤنفت في الفترة الأخيرة والسلوك الفردي في التجمعات العائلية. وكانت الإصابات المتتالية التي ظهرت مؤخراً في صفوف لاعبي كرة القدم وأدّت إلى إلغاء بعض مباريات الدوري، قد دفعت بالاتحاد الإيطالي للدعوة إلى اجتماع استثنائي هذا الأسبوع لتقويم الوضع، فيما دعت جهات علمية إلى تعليق المباريات حتى نهاية الجائحة.
وبينما حذّرت وزارة الصحة السلطات الإقليمية من خفض فترة الحجر الصحي من أسبوعين إلى سبعة أيام والالتزام بتوجيهات المعهد الأعلى للصحة العامة، أعلنت وزارة الداخلية عن قائمة العقوبات التي يبدأ تطبيقها الاثنين على الذين يخالفون تدابير الوقاية، والتي تشمل غرامات أدناها 400 يورو وأقصاها ثلاثة آلاف يورو، وعقوبات بالسجن لمن لا يلتزم إجراءات الحجر الصحي أو يتعمّد إخفاء إصابته بالوباء، وأن قوات الجيش ستتولّى الإشراف على تطبيق تدابير الوقاية والاحتواء، إلى جانب الأجهزة الأمنية.
وكان رئيس الوزراء الإيطالي جيوزيبي كونتي قد صرّح، السبت، أن الحكومة مصممة على احتواء الموجة الثانية للوباء مهما كان الثمن، «لأن المهدَّد اليوم هو الأمن القومي في أهمّ اثنتين من ركائزه: صحة المواطنين وبقاء المنظومة الإنتاجية». وقال كونتي إن الحكومة لن تتردد في فرض تدابير العزل التام في المناطق، حيث تقترب المستشفيات من بلوغ قدرتها الاستيعابية.
من جهته، حذّر مستشار وزير الصحة البروفسور والتر ريتشاردي من أنه في حال عدم التمكّن من احتواء انتشار الوباء قبل نهاية الشهر الجاري على أبعد تقدير، ستخرج الأمور عن السيطرة بفعل القدرة الاستثنائية التي يتمتع بها الفيروس للسريان.

عودة العزل التام
في مدريد التي أصبح 5 ملايين من سكانها في حالة من العزلة شبه الكاملة، قال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانتشيز إن الوضع الوبائي الحرج في العاصمة ومحيطها هو الذي فرض التدابير الصارمة التي اعتمدتها الحكومة اعتباراً من فجر السبت، والتي أثارت موجة من الاحتجاجات الشعبية بسبب قلّة وضوحها والشكوك في فاعليتها، وقرار السلطات الإقليمية الطعن في مشروعيتها أمام المحكمة الوطنية والامتناع عن معاقبة المخالفين لها في انتظار الحكم القضائي.
وتعتمد وزارة الصحة الإسبانية منذ مطلع يوليو (تموز) الماضي نظاما شبيهاً بإشارات المرور يتضمّن مجموعة من المعايير والمؤشرات لتحديد مستوى خطورة الوضع الوبائي في المناطق واتخاذ التدابير المناسبة. ويفيد التقرير الأخير الذي صدر عن الوزارة بأن جميع المناطق الإسبانية أصبحت عند الإشارة الحمراء، وأن تدابير أكثر صرامة لا بد من اتّخاذها قبل فوات الأوان وخروج الوضع عن السيطرة. وكانت جمعيات علمية وطبية عدة قد شكّكت في نجاعة التدابير التي فرضتها الحكومة على إقليم مدريد، ودعت إلى إعلان العزل التام على العاصمة ومحيطها لفترة أسبوعين أو ثلاثة، قبل أن تعود المستشفيات إلى الوضع المأساوي الذي شهدته خلال فترة الذروة في الموجة الأولى، سيّما وأن بعض هذه المستشفيات اقترب من بلوغ أقصى قدراته الاستيعابية في وحدات العناية الفائقة والأجنحة المخصصة لمرضى «كوفيد - 19». وكانت منظمة الصحة العالمية قد أوصت إسبانيا بخفض معدلات السريان المعتمدة كحد فاصل لتشديد تدابير الوقاية والاحتواء والخطوط الحمر التي ترسم دائرة الانتقال إلى إجراءات العزل.
وقالت رئيسة الحكومة الإقليمية في مدريد إيزابيل آيوسو إن تدابير العزل والقيود التي فرضتها الحكومة المركزية على العاصمة ستكلّف اقتصاد الإقليم 8 مليارات يورو. وتجدر الإشارة إلى أن إسبانيا كانت، إلى جانب إيطاليا، أكثر الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تضرراً على الصعيدين الصحي والاقتصادي خلال الموجة الأولى من الوباء. وفيما تسجّل كل العدّادات الأوروبية ارتفاعاً متواصلاً في أعداد الإصابات الجديدة والوفيّات، تركّزت الأنظار على المشهد الوبائي في فرنسا التي سجّلت حوالي 17 ألف إصابة في الساعات الأربع والعشرين الأخيرة، وحيث بلغ عدد الإصابات في الأيام الثلاثة الماضية 43 الفاً. وقال مسؤول في منظمة الصحة العالمية إن الوضع في فرنسا يدعو إلى القلق بعد ارتفاع عدد بؤر السريان الكثيف للوباء، خاصة في العاصمة باريس التي تترقّب الإعلان عن تدابير صارمة للوقاية اعتباراً من مطلع هذا الأسبوع بعد أن بلغ معدّل انتشار الفيروس فيها 7.7 في المائة. ومع ارتفاع عدد الإصابات التي تعالج في وحدات العناية الفائقة، تدرس السلطات الصحية الفرنسية حجز أفراد الطواقم الطبية والتمريضية ومنع الإجازات عنهم حتى إشعار آخر.
أشهر صعبة
وفي بريطانيا، توقع رئيس الوزراء بوريس جونسون أن تشهد بلاده أشهرا صعبة بحلول عيد الميلاد، «وربما بعد ذلك». وسجلت بريطانيا 12872 حالة إصابة جديدة بـ«كوفيد - 19» السبت في زيادة يومية قياسية، مع توضيح الحكومة أن هذه القفزة جاءت عقب تأخير في الإبلاغ عن حالات تراكمت منذ 24 سبتمبر (أيلول) وحتى أول أكتوبر (تشرين الأول). كما ذكرت الحكومة أن إعلان الحصيلة اليومية سيتضمن حالات إضافية خلال الأيام المقبلة. وقال الموقع الإلكتروني للحكومة إن مشكلة فنية أخرت نشر عدد حالات الإصابة الجديدة بـ(كوفيد - 19).
ويبقى تسجيل 12872 حالة إصابة في يوم واحد مؤشرا مقلقا، إذ إنه حوالي ضعف ما تم تسجيله من إصابات في اليوم السابق الذي جرى فيه رصد 6968 حالة.
وفي بلجيكا، تعدّى عدد الوفيّات الناجمة عن الوباء عشرة آلاف لتصبح الدولة الأولى في أوروبا والثانية في العالم بعد البيرو من حيث نسبة الضحايا من عدد السكان. ومع الارتفاع المستمر للإصابات في النمسا وسويسرا، قرّرت ألمانيا تقييد حركة التنقّل على حدودها مع هذه البلدين وفرضت الحجر الصحي على الوافدين منهما، وأوصت مواطنيها بتحاشي السفر إليهما إلا لأسباب الضرورة.
ومع الانتشار السريع والواسع الذي يشهده الوباء في جميع البلدان الأوروبية دعت رئيسة المفوضية إلى عقد اجتماع لوزراء الصحة في بلدان الاتحاد الأوروبي الأسبوع المقبل لتنسيق جهود مواجهة الموجة الثانية التي باتت تهدد حركة التنقّل داخل الاتحاد بفعل التدابير الفردية التي اتخذتها الحكومات خلال الأسابيع الأخيرة.
وعادت منظمة الصحة لتحذّر من منحى انتشار الوباء في الهند التي تجاوز عدد الوفيات فيها عتبة المائة ألف لتحتلّ المرتبة الثالثة بعد الولايات المتحدة والبرازيل، وأشارت إلى أن خمس الوفّيات العالمية خلال الأسبوع المنصرم سُجّل في الهند. كما حذّرت المنظمة أيضا من تطور المشهد الوبائي في المكسيك والأرجنتين حيث سُجّل 15 ألف إصابة جديدة في الساعات الأربع والعشرين الأخيرة.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».