إيطاليا تستعدّ لـ«الأسوأ»... وإسبانيا «تغلق» عاصمتها

«مشكلة فنية» أدّت إلى تضاعف إصابات «كورونا» اليومية في بريطانيا

شرطيان يطالبان سائحاً بارتداء كمامته في روما (إ.ب.أ)
شرطيان يطالبان سائحاً بارتداء كمامته في روما (إ.ب.أ)
TT

إيطاليا تستعدّ لـ«الأسوأ»... وإسبانيا «تغلق» عاصمتها

شرطيان يطالبان سائحاً بارتداء كمامته في روما (إ.ب.أ)
شرطيان يطالبان سائحاً بارتداء كمامته في روما (إ.ب.أ)

ليس أدلّ على مستوى القلق الذي يسري في الأوصال الأوروبية أمام موجة الوباء الثانية التي أطلّت باكراً مع بدايات الخريف، من المشهد الذي استفاقت عليه أمس مدينة روما عاصمة البلد الذي يعتبره كثيرون قدوة تُحتذى في إدارة جائحة «كوفيد - 19» بعد التجربة القاسية التي مرّ بها خلال المرحلة الأولى في الربيع الماضي.

كمامات إلزامية
لأول مرة منذ ظهور الفيروس أصبح استخدام الكمامات الواقية إلزامياً حتى في شوارع المدينة الخالدة وحدائقها العامة، فيما أعلن وزير الصحة الإيطالي روبرتو سبيرانزا أن استخدامها سيصبح إلزامياً أيضاً في جميع أنحاء البلاد اعتباراً من الأربعاء المقبل. جاء ذلك بعد تحذير المعهد الأعلى للصحة العامة من أن «الوضع الوبائي يتدهور بسرعة»، وأن حزمة جديدة من التدابير الصارمة ستُعلن قريباً، من بينها إجراءات لفرض العزل التام في المناطق التي ينتشر فيها الفيروس بكثافة.
وفيما أعلنت وزارة الصحة الإيطالية أن عدد الإصابات اليومية الجديدة اقترب من عتبة ثلاثة آلاف التي لم يبلغها منذ 23 أبريل (نيسان) الماضي، بعد أن كان يتراوح حول 300 في الأسابيع الماضية، وارتفع عدد الحالات التي تقتضي علاجاً في المستشفى وفي وحدات العناية الفائقة، قال خبراء المعهد الأعلى للصحة العامة إن عدد البؤر الفيروسية تجاوز ثلاثة آلاف في جميع أنحاء البلاد، منها حوالي الألف في المدارس التي استأنفت نشاطها منتصف الشهر الماضي.
ويفيد التقرير الأخير للمعهد المذكور بأن معدّل انتشار الفيروس تجاوز الخط الأحمر في اثني عشر من الأقاليم الإيطالية، وأن التدهور السريع للوضع الوبائي يعود للتراخي في تطبيق تدابير الوقاية والاحتواء والأنشطة الاجتماعية والرياضية التي استؤنفت في الفترة الأخيرة والسلوك الفردي في التجمعات العائلية. وكانت الإصابات المتتالية التي ظهرت مؤخراً في صفوف لاعبي كرة القدم وأدّت إلى إلغاء بعض مباريات الدوري، قد دفعت بالاتحاد الإيطالي للدعوة إلى اجتماع استثنائي هذا الأسبوع لتقويم الوضع، فيما دعت جهات علمية إلى تعليق المباريات حتى نهاية الجائحة.
وبينما حذّرت وزارة الصحة السلطات الإقليمية من خفض فترة الحجر الصحي من أسبوعين إلى سبعة أيام والالتزام بتوجيهات المعهد الأعلى للصحة العامة، أعلنت وزارة الداخلية عن قائمة العقوبات التي يبدأ تطبيقها الاثنين على الذين يخالفون تدابير الوقاية، والتي تشمل غرامات أدناها 400 يورو وأقصاها ثلاثة آلاف يورو، وعقوبات بالسجن لمن لا يلتزم إجراءات الحجر الصحي أو يتعمّد إخفاء إصابته بالوباء، وأن قوات الجيش ستتولّى الإشراف على تطبيق تدابير الوقاية والاحتواء، إلى جانب الأجهزة الأمنية.
وكان رئيس الوزراء الإيطالي جيوزيبي كونتي قد صرّح، السبت، أن الحكومة مصممة على احتواء الموجة الثانية للوباء مهما كان الثمن، «لأن المهدَّد اليوم هو الأمن القومي في أهمّ اثنتين من ركائزه: صحة المواطنين وبقاء المنظومة الإنتاجية». وقال كونتي إن الحكومة لن تتردد في فرض تدابير العزل التام في المناطق، حيث تقترب المستشفيات من بلوغ قدرتها الاستيعابية.
من جهته، حذّر مستشار وزير الصحة البروفسور والتر ريتشاردي من أنه في حال عدم التمكّن من احتواء انتشار الوباء قبل نهاية الشهر الجاري على أبعد تقدير، ستخرج الأمور عن السيطرة بفعل القدرة الاستثنائية التي يتمتع بها الفيروس للسريان.

عودة العزل التام
في مدريد التي أصبح 5 ملايين من سكانها في حالة من العزلة شبه الكاملة، قال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانتشيز إن الوضع الوبائي الحرج في العاصمة ومحيطها هو الذي فرض التدابير الصارمة التي اعتمدتها الحكومة اعتباراً من فجر السبت، والتي أثارت موجة من الاحتجاجات الشعبية بسبب قلّة وضوحها والشكوك في فاعليتها، وقرار السلطات الإقليمية الطعن في مشروعيتها أمام المحكمة الوطنية والامتناع عن معاقبة المخالفين لها في انتظار الحكم القضائي.
وتعتمد وزارة الصحة الإسبانية منذ مطلع يوليو (تموز) الماضي نظاما شبيهاً بإشارات المرور يتضمّن مجموعة من المعايير والمؤشرات لتحديد مستوى خطورة الوضع الوبائي في المناطق واتخاذ التدابير المناسبة. ويفيد التقرير الأخير الذي صدر عن الوزارة بأن جميع المناطق الإسبانية أصبحت عند الإشارة الحمراء، وأن تدابير أكثر صرامة لا بد من اتّخاذها قبل فوات الأوان وخروج الوضع عن السيطرة. وكانت جمعيات علمية وطبية عدة قد شكّكت في نجاعة التدابير التي فرضتها الحكومة على إقليم مدريد، ودعت إلى إعلان العزل التام على العاصمة ومحيطها لفترة أسبوعين أو ثلاثة، قبل أن تعود المستشفيات إلى الوضع المأساوي الذي شهدته خلال فترة الذروة في الموجة الأولى، سيّما وأن بعض هذه المستشفيات اقترب من بلوغ أقصى قدراته الاستيعابية في وحدات العناية الفائقة والأجنحة المخصصة لمرضى «كوفيد - 19». وكانت منظمة الصحة العالمية قد أوصت إسبانيا بخفض معدلات السريان المعتمدة كحد فاصل لتشديد تدابير الوقاية والاحتواء والخطوط الحمر التي ترسم دائرة الانتقال إلى إجراءات العزل.
وقالت رئيسة الحكومة الإقليمية في مدريد إيزابيل آيوسو إن تدابير العزل والقيود التي فرضتها الحكومة المركزية على العاصمة ستكلّف اقتصاد الإقليم 8 مليارات يورو. وتجدر الإشارة إلى أن إسبانيا كانت، إلى جانب إيطاليا، أكثر الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تضرراً على الصعيدين الصحي والاقتصادي خلال الموجة الأولى من الوباء. وفيما تسجّل كل العدّادات الأوروبية ارتفاعاً متواصلاً في أعداد الإصابات الجديدة والوفيّات، تركّزت الأنظار على المشهد الوبائي في فرنسا التي سجّلت حوالي 17 ألف إصابة في الساعات الأربع والعشرين الأخيرة، وحيث بلغ عدد الإصابات في الأيام الثلاثة الماضية 43 الفاً. وقال مسؤول في منظمة الصحة العالمية إن الوضع في فرنسا يدعو إلى القلق بعد ارتفاع عدد بؤر السريان الكثيف للوباء، خاصة في العاصمة باريس التي تترقّب الإعلان عن تدابير صارمة للوقاية اعتباراً من مطلع هذا الأسبوع بعد أن بلغ معدّل انتشار الفيروس فيها 7.7 في المائة. ومع ارتفاع عدد الإصابات التي تعالج في وحدات العناية الفائقة، تدرس السلطات الصحية الفرنسية حجز أفراد الطواقم الطبية والتمريضية ومنع الإجازات عنهم حتى إشعار آخر.
أشهر صعبة
وفي بريطانيا، توقع رئيس الوزراء بوريس جونسون أن تشهد بلاده أشهرا صعبة بحلول عيد الميلاد، «وربما بعد ذلك». وسجلت بريطانيا 12872 حالة إصابة جديدة بـ«كوفيد - 19» السبت في زيادة يومية قياسية، مع توضيح الحكومة أن هذه القفزة جاءت عقب تأخير في الإبلاغ عن حالات تراكمت منذ 24 سبتمبر (أيلول) وحتى أول أكتوبر (تشرين الأول). كما ذكرت الحكومة أن إعلان الحصيلة اليومية سيتضمن حالات إضافية خلال الأيام المقبلة. وقال الموقع الإلكتروني للحكومة إن مشكلة فنية أخرت نشر عدد حالات الإصابة الجديدة بـ(كوفيد - 19).
ويبقى تسجيل 12872 حالة إصابة في يوم واحد مؤشرا مقلقا، إذ إنه حوالي ضعف ما تم تسجيله من إصابات في اليوم السابق الذي جرى فيه رصد 6968 حالة.
وفي بلجيكا، تعدّى عدد الوفيّات الناجمة عن الوباء عشرة آلاف لتصبح الدولة الأولى في أوروبا والثانية في العالم بعد البيرو من حيث نسبة الضحايا من عدد السكان. ومع الارتفاع المستمر للإصابات في النمسا وسويسرا، قرّرت ألمانيا تقييد حركة التنقّل على حدودها مع هذه البلدين وفرضت الحجر الصحي على الوافدين منهما، وأوصت مواطنيها بتحاشي السفر إليهما إلا لأسباب الضرورة.
ومع الانتشار السريع والواسع الذي يشهده الوباء في جميع البلدان الأوروبية دعت رئيسة المفوضية إلى عقد اجتماع لوزراء الصحة في بلدان الاتحاد الأوروبي الأسبوع المقبل لتنسيق جهود مواجهة الموجة الثانية التي باتت تهدد حركة التنقّل داخل الاتحاد بفعل التدابير الفردية التي اتخذتها الحكومات خلال الأسابيع الأخيرة.
وعادت منظمة الصحة لتحذّر من منحى انتشار الوباء في الهند التي تجاوز عدد الوفيات فيها عتبة المائة ألف لتحتلّ المرتبة الثالثة بعد الولايات المتحدة والبرازيل، وأشارت إلى أن خمس الوفّيات العالمية خلال الأسبوع المنصرم سُجّل في الهند. كما حذّرت المنظمة أيضا من تطور المشهد الوبائي في المكسيك والأرجنتين حيث سُجّل 15 ألف إصابة جديدة في الساعات الأربع والعشرين الأخيرة.



ألمانيا ليست من ضمنها... انتخاب 5 دول لعضوية مجلس الأمن

اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
TT

ألمانيا ليست من ضمنها... انتخاب 5 دول لعضوية مجلس الأمن

اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)

انتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأربعاء، كلاً من النمسا وقيرغيزستان والبرتغال وترينيداد وتوباغو وزيمبابوي لعضوية مجلس الأمن الدولي المكون من 15 عضواً لفترة مدتها سنتان تبدأ في أول يناير (كانون الثاني) 2027.

وجاءت ألمانيا، التي بذلت جهوداً حثيثة للحصول على مقعد، في المرتبة الثالثة في المنافسة على المقعدين المخصصين لمجموعة أوروبا الغربية ودول أخرى، إذ حصلت على 104 أصوات، مقابل 134 صوتاً للبرتغال و131 صوتاً للنمسا.

الوفد النمساوي يحتفل بانتخاب بلاده عضواً في مجلس الأمن (د.ب.أ)

وامتدت المنافسة بين الفلبين وقيرغيزستان على مقعد مجموعة آسيا والمحيط الهادئ إلى أربع جولات من التصويت، إذ ضمنت قيرغيزستان في النهاية الأغلبية المطلوبة البالغة الثلثين، لتفوز بأول مقعد لها على الإطلاق في مجلس الأمن بحصولها على 142 صوتاً مقابل 49، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ومجلس الأمن هو الهيئة الوحيدة في الأمم المتحدة التي يمكنها اتخاذ قرارات ملزمة قانوناً مثل فرض العقوبات والإذن باستخدام القوة. ويضم المجلس خمسة أعضاء دائمين يتمتعون بحق النقض (الفيتو) وهم بريطانيا والصين وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة.

وفد قيرغيزستان يحتفل بانتخاب بلاده عضواً في مجلس الأمن (رويترز)

أما الأعضاء العشرة الباقون فيتم انتخابهم، إذ ينضم خمسة أعضاء جدد كل عام. وهذا العام، يأتي عضو واحد من مجموعة أفريقيا، وعضو واحد من مجموعة أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، وعضو واحد من مجموعة آسيا والمحيط الهادئ، وعضوان من مجموعة غرب أوروبا ودول أخرى.

وستحل زيمبابوي محل الصومال، وترينيداد وتوباغو محل بنما، بينما ستحل البرتغال والنمسا محل الدنمارك واليونان. وستحل قيرغيزستان محل باكستان.

وستستمر البحرين وكولومبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ولاتفيا وليبيريا في شغل مناصب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن حتى نهاية عام 2027.

وانتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الثلاثاء، وزير خارجية بنغلاديش خليل الرحمن رئيساً للجمعية المكونة من 193 عضواً لدورتها الحادية والثمانين، التي تبدأ في سبتمبر (أيلول).


روبيو: ترمب سيحضر قمة «الناتو» في تركيا خلال يوليو

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)
TT

روبيو: ترمب سيحضر قمة «الناتو» في تركيا خلال يوليو

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، اليوم (الأربعاء)، إن الرئيس دونالد ترمب سيحضر اجتماع ​رؤساء دول حلف شمال الأطلسي (ناتو)، المقرر في تركيا خلال يوليو (تموز)، وهو تأكيد من شأنه أن يُثير ارتياحاً واسعاً في دول الحلف، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وبينما يحرص الرؤساء الأميركيون عادة على حضور قمم الحلف نظراً لكون واشنطن قائدة الحلف، فقد أُثيرت ‌تساؤلات حول حضور ‌ترمب هذا العام، ​إذ ‌عبّر ⁠مراراً ​عن غضبه ⁠من التحالف لما وصفه بتردده في مساعدة الولايات المتحدة في الحرب مع إيران.

وفي جلسة استماع أمام الكونغرس، اليوم (الأربعاء)، تطرق روبيو إلى إحباطات ترمب، قائلاً إن مصدر استيائه الرئيسي هو رفض ⁠بعض الأعضاء السماح للولايات المتحدة باستخدام ‌قواعدها العسكرية في ‌تلك الدول في وقت الأزمات.

وأكد ​روبيو أن ترمب، ‌رغم خيبة أمله من الحلف، سيحضر ‌الاجتماع.

وقال وزير الخارجية: «لا تزال الولايات المتحدة عضواً في حلف الأطلسي، وسنكون حاضرين في تركيا لمناقشة جميع هذه المواضيع. سيحضر الرئيس بنفسه الاجتماع المقبل ‌لرؤساء دول الحلف، حيث سيتم توضيح جميع هذه النقاط».

وقاومت عدة دول ⁠أعضاء ⁠في الحلف دعم الحملة العسكرية الأميركية ضد إيران، وذلك بمنع الطائرات العسكرية الأميركية من استخدام مجالها الجوي، أو برفض إرسال قوات بحرية للمساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز.

ووصف ترمب الحلف مراراً بأنه «نمر من ورق»، وهدّد بالانسحاب من التحالف المكون من 32 عضواً في الأسابيع الأخيرة، بحجة أن حلفاء واشنطن الأوروبيين اعتمدوا ​على الضمانات الأمنية ​الأميركية، بينما قدّموا دعماً غير كافٍ لحملة القصف الأميركية والإسرائيلية في إيران.


حروب اليوم... عندما يُقاس النصر بعدم سقوط النظام

صورة نشرها التلفزيون الرسمي الإيراني لإطلاق صواريخ باليستية في بداية الحرب (أ.ف.ب)
صورة نشرها التلفزيون الرسمي الإيراني لإطلاق صواريخ باليستية في بداية الحرب (أ.ف.ب)
TT

حروب اليوم... عندما يُقاس النصر بعدم سقوط النظام

صورة نشرها التلفزيون الرسمي الإيراني لإطلاق صواريخ باليستية في بداية الحرب (أ.ف.ب)
صورة نشرها التلفزيون الرسمي الإيراني لإطلاق صواريخ باليستية في بداية الحرب (أ.ف.ب)

يقول كثير من الخبراء الاستراتيجيّين إن عالم اليوم هو عالم اللاتماثل بامتياز (Asymmetry). عالم يمرّ في مرحلة انتقالية بين نظام عالميّ لم يعد ناجعاً، وعالم مُنتظر ما زال في طور التبلور؛ عالم لا مرجعيّة فيه سوى فوّهة البندقيّة. عالم تغيب فيه الدبلوماسيّة التقليديّة؛ عالم تصبح فيه الحرب الإعلاميّة تسير جنباً إلى جنب مع المعركة الفعليّة في ساحات الحرب لترسم صورة نصر قد لا تكون حقيقيّة؛ عالم تتبدّل فيه نظريات النصر.

ماذا يعني، مثلاً، أن تُعلن دولة ما انتصارها تحت شعار «ربحنا لأننا لم نخسر»؟ فهل يُقاس النصر استناداً إلى نسبة ما حقّق العدو من أهدافه المُعلنة؟ هل يُقاس النصر بعدم سقوط النظام ولو كان على حساب الدولة والمجتمع؟

لقطة من حرب أوكرانيا (أرشيفية - أ.ف.ب)

في مثل هذا العالم أصبح «المُعطّل» (Disruptor) يتحكّم بديناميكيّة العلاقات الدوليّة وحركيتها. عالم مترابط «رقميّاً» (Digital) إلى حدّ الذوبان، لكنه مُفتّت فعلياً على مستوى العلاقة بين الدول، وعلى مستوى سلاسل التوريد. في هذا العالم، ماذا يعني ميزان القوى؟ تتمثل عناصر قوّة الدولة بـ: القوة العسكريّة، القوة الاقتصاديّة، القوة السياسيّة، وكذلك القوة التكنولوجيّة، ولكن ماذا يعني ذلك عندما تصبح تكلفة الحرب مُتدنّية جدّاً، بحيث تسمح للاعب من خارج الدولة أن يستحصل على التكنولوجيا المتطوّرة ذات الاستعمال المزدوج (Dual use)، وتحويلها عند الحاجة سلاحاُ فتّاكاً؟

انطلاقاً من ذلك، بات يُطرح سؤال عما هو فنّ الحرب في عالم اليوم، وكيف يتم تطبيقه. يقول المفّكر الفرنسي جيرارد شاليان في كتابه «فن الحرب الجديد»، إن العالم الغربي أصبح في حاجة إلى فن حرب جديد، بعد أن كشف باقي العالم (المُستعمَر) أسرار هذا الفنّ ووسائله. فبدل النصر المُطلق الذي كان ولا يزال يعتمده الغرب، أصبح فن الحرب الجديد لا يقوم على تدمير الخصم فقط، بل على تعطيل نظامه، وإرباك إدراكه، وضرب شبكاته الحيوية بأدوات رخيصة ولا متماثلة. تنطبق أكثر ما تنطبق هذه المعادلة على الفريق الأضعف في الحرب. أما الأقوى، فلا يزال يعتمد على استعمال القوّة المفرطة، حتى تصل إلى حدّها الأقصى، لتنتقل الحرب بعدها، وفي حال صمود الأضعف، إلى مرحلة الانسداد (Stalemate). في هذه الحالة، لا يمكن للأقوى الحسم الكامل والشامل، خاصة إذا قرر الأضعف عدم التنازل عن أي شيء.

صورة نشرتها وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» من إطلاق قذائف صاروخية من قارب سريع خلال مناورات حربية في مضيق هرمز (أرشيفية)

في هذا الإطار، كتب الصحافي البريطاني، جنان غانيش، في «فاينانشال تايمز» مقالاً تحت عنوان «قرن الانسداد»، قال فيه إن الانسداد هو سيّد الموقف في عالم اليوم، حتى مع القوى العظمى: روسيا غارقة في أوكرانيا. أميركا حائرة ماذا تفعل في الخليج. وفي الوقت نفسه، تأخذ الصين الدروس من هاتين التجربتين لرسم الاستراتيجيّة المستقبليّة تجاه تايوان. لكن الفكرة الأهم التي وردت في المقال ترتكز على معنى الاستقرار (Stability) في العصر الحالي مقابل القرن الماضي. ففي القرن العشرين، كان الاستقرار ينتج من انتصار فريق على فريق آخر. هكذا حصل في الحرب العالميّة الثانية. لكن تعريف الاستقرار اليوم، في القرن الـ21، قد يرتكز على فكرة «الانسداد»، أو على مبدأ «لا غالب ولا مغلوب»، وعلى قبول الأفرقاء بالواقع والتعايش معه، وكأنه الحالة الطبيعية. يعيد ذلك التذكير بالتجربة الكورية من عام 1950 وحتى اليوم: منطقة عازلة؛ وقف للنار، لكن دون معاهدة سلام. ومن الواضح أن هناك جهوداً اليوم لتكرار شيء شبيه بالتجربة الكورية في أوكرانيا، وتحديداً ما يخص إقليم الدونباس في شرق البلاد، الذي تسعى روسيا إلى إكمال سيطرتها عليه.

تفرض هذه الخلفية طرح تساؤلات حول كيف يُفكّر المُنظّرون الجيوسياسيّون اليوم في النظريّات التي وضعها مفكّرو الغرب بعد الثورة الصناعيّة. فهل لا تزال نظريات البريطاني هالفورد ماكندر، حول أهميّة السهل الأوراسيّ (هارتلاند) قائمة في القرن الحادي والعشرين؟ كان ماكندر يرى أن من يسيطر على أوروبا الشرقية يسيطر على الهارتلاند، ومن يسيطر على الهارتلاند يتحكّم بمصير العالم. وماذا عن الريملاند (Rimland)، أو الحافة الساحلية لأوراسيا والتي نظّر فيها المفكر الأميركي نيكولا سبايكمان قائلاً إن من يسيطر على الحافة الساحلية لأوراسيا يسيطر على أوراسيا، ومن يسيطر على أوراسيا يسيطر على العالم. فأين أصبحت هذه النظريات؟

عندما رسم الرئيس الصيني شي جينبينغ مشروعه الكوني «الحزام والطريق» أراد جمع نظريتيّ كل من ماكندر وسبايكمان، أي الهارتلاند والريملاند، على أن تكون الصين مركز الثقل الأساسيّ. حالياً، يعاني الريملاند، المفترض أن يُشكّل خط الاحتواء للصين بعد أن كان خطّ الاحتواء للاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة، من صعود الهند وباكستان، ومن تداعيات الحرب الحالية مع إيران. وفي الوقت نفسه، يتوطّد مسار الهارتلاند بين روسيا والصين بشكل يمكن القول فيه إنه للسيطرة على الهارتلاند ليست هناك ضرورة للسيطرة على أوروبا الشرقية، بعكس ما نظّر ماكندر. فأوروبا الشرقية أصبح أغلبها ضمن حلف «ناتو» المترنّح. وتبدّلت المعادلة الآن على الشكل التالي: بدل السيطرة على أوروبا الشرقية كنقطة انطلاق للسيطرة على السهل الأوراسي، قد يمكن البدء من شرق آسيا، ومن الصين بالتحديد، والتمدّد نحو أوروبا الشرقيّة للسيطرة على السهل الأوراسيّ. فهل بدأ التحول لتكون الصين أولى بين متساوين؟ والجدير ذكره هنا، أن التأثير الصيني قد وصل إلى أوروبا الشرقيّة، عبر روسيا، بحيث استفادت الصين من الأخطاء الجيوسياسيّة التي ارتكبها الغرب، سواء ما يتعلق بتوسعة حلف «ناتو»، أو الحرب الروسيّة على أوكرانيا. ولكن ماذا لو فُتحت طريق الشمال بعد ذوبان الجليد القطبي بحيث تصبح الطريق سالكة على مدار السنة: هل ستستمرّ النظريات الجيوسياسيّة الغربيّة القديمة في تأثيرها، أم لا بد من البحث عن تعديلات جذريّة لأنه لا يمكن الهرب من قدريّة الجغرافيا، خاصة في السهل الأوراسيّ؟

طائرات تنطلق من على سطح حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» خلال الحرب على إيران 3 مارس 2026 (رويترز)

تماهي الخطوط في الحرب والسلم

لا يزال المفكرون العسكريون يتحدّثون عن ثلاثة مستويات للحرب هي: الاستراتيجيّة، العملانيّة، والتكتيك. في هذه المعادلة، تعوّدت الجيوش على وضع الاستراتيجيّات، وتمريرها إلى المستوى التكتيكي، وعبر المستوى العملانيّ كي تُختبر ميدانيّاً. وبعد الاختبار، لا بد من أخذ الدروس، تحليلها، ومن ثم القيام بالتعديلات اللازمة. كانت هذه الدورة (Cycle) تأخذ وقتاً طويلاً للتحليل، واقتراح اللازم، ثم إدراجها في العقيدة القتاليّة. لم يعد هذا الأمر قائماً. فالمُصنّع والمقاتل أصبحا معاً في أرض الميدان خلال القتال. يختبر المقاتل السلاح الجديد إلى جانب المهندس الميكانيكي، أو مهندس الكمبيوتر، أو المُبرمج (Coder). وبذلك تكون هذه الدورة، قد تقلّصت إلى أيام وأسابيع بعدما كانت تُقاس بالسنين.

غيّر الفيلسوف الأميركي الفيزيائي الراحل، توماس كون، فهمنا لتاريخ العلوم. فهو كان قد نظّر حول مفهوم الثورات العلميّة، ونقد الفهم القديم التراكميّ والتدريجيّ في التطوّر العلميّ. ففي الثورة العلمية، حسب كون، تسقط النظريات القديمة لتحلّ مكانها نماذج فهم جديدة. هكذا هي حال عالم اليوم، خاصة وأن النماذج العلميّة القديمة لم تعد تقدّم الحلول الناجعة، وتحديداً في الحروب الحديثة. فالعقيدة العسكريّة القتاليّة ترتكز عادة على الوسائل المتوافّرة. وكلّما قدّم العلم وسائل جديدة، ارتقت العقيدة العسكريّة مع هذا التحوّل. ومن يُهمل هذا التحوّل العلميّ سيدفع الأثمان الكبيرة. هكذا هي حال أوروبا وحلف «ناتو» بعد الإهمال الأميركيّ. في عالم اليوم، انتقلت صناعة الأسلحة إلى القطاع الخاص بكل أبعادها. وبدأت الشركات الناشئة تقدّم الحلول للعسكر بسرعة فائقة، أو حتى أصبحت هذه الشركات تقدّم الحلول العسكريّة. بكلام آخر، أصبح العالم مُعسكراً بكل أبعاده (Militarized)، حسب ما يقول المفّكر الأميركيّ، ستيفن بيتر روزن. وبذلك، تحوّل كل إنجاز إلى الاستعمال المزدوج (Dual Use). فالذكاء الاصطناعي الذي من المفروض أن يسهِم في كشف الأمراض والمساعدة على شفائها، أصبح يُستعمل في المُسيّرة الانتحاريّة. كذلك الأمر، سقطت القوانين الدوليّة التي من المفروض أن تحمي الإنسان خلال الحرب، لتصبح المدينة الحضريّة (Urban) هي المسرح الأساسيّ للحرب. هكذا الحال في قطاع غزّة، وكذلك في لبنان. ففي الحالتين تُمارس عقيدة الأنقاض (Rubble Doctrine)، حسب ما قال بعض الخبراء العسكريّين.

لقطة من فيديو وزَّعه «حزب الله» تُظهِر عنصراً منه يجهّز مسيّرات لإطلاقها باتجاه الأراضي الإسرائيلية

يُصنّف عالم اليوم على أنه الأكثر شفافيّة (Transparent) من حيث انتشار الأفكار، التكتيكات والوسائل العسكريّة. فما ينجح في مكان مُحدّد، يأخذه مكان آخر، يُدخل عليه التعديلات اللازمة كي يتلاءم مع محيطه المباشر وحربه الخاصة. وهكذا دواليك.

في الختام، قد يمكن القول إن كل هذه التحوّلات إنما تحصل على حساب الدولة - الأمّة التي أصبحت عاجزة عن أداء مهامها الأساسيّة، خاصة في مجال «احتكار» استعمال وسائل العنف، كما بشّر ماكس ويبر. فهل نحن أمام ظاهرة «الحرب الدائمة، والمنخفضة الحدّة والتكلفة»؟ وهل انضمّ اللاعب «المُعطّل» واللاعب «اللادولتيّ» إلى مجال العلاقات الدوليّة على حساب الدولة- الأمّة، أو بصفته شريكاً لها؟