اتّساع نطاق المواجهات في قره باغ وسط تبادل الاتهامات والتهديدات

القصف المدفعي طال عاصمة الإقليم وثاني كبرى مدن أذربيجان… والسكان يحتمون بالملاجئ

صورة نشرتها وزارة الدفاع الأذرية تظهر الدمار الناجم عن قصف كنجة ثاني كبرى مدن أذربيجان أمس (إ.ب.أ)
صورة نشرتها وزارة الدفاع الأذرية تظهر الدمار الناجم عن قصف كنجة ثاني كبرى مدن أذربيجان أمس (إ.ب.أ)
TT

اتّساع نطاق المواجهات في قره باغ وسط تبادل الاتهامات والتهديدات

صورة نشرتها وزارة الدفاع الأذرية تظهر الدمار الناجم عن قصف كنجة ثاني كبرى مدن أذربيجان أمس (إ.ب.أ)
صورة نشرتها وزارة الدفاع الأذرية تظهر الدمار الناجم عن قصف كنجة ثاني كبرى مدن أذربيجان أمس (إ.ب.أ)

كثف المسلحون الانفصاليون الأرمن في إقليم ناغورني قره باغ والجيش الأذربيجاني أمس، تبادل القصف المدفعي الذي استهدف على وجه الخصوص عاصمة الإقليم وثاني مدن أذربيجان، في اليوم الثامن من القتال الدامي. كما كثف الطرفان التهديدات والهجومية، متجاهلين دعوات المجتمع الدولي إلى وقف إطلاق النار، وتبادلا الاتهامات حول المسؤولية عن النزاع.
وتزامن اتساع دائرة الهجمات على المنطقة مع موجة نزوح كبرى شهدتها عاصمة الإقليم ستيباناكيرت ومناطق أخرى محيطة نحو المدن الأرمنية، في حين أطلقت قوات الإقليم هجوما مضادا واسعا شمل عمليات قصف استهدفت مطارا ومنشآت عسكرية في عمق الأراضي الأذرية. وبدا أن المعركة تتخذ مسارات أكثر خطورة مع بدء استهداف المدن من الجانبين.
وعاشت عاصمة الإقليم الانفصالي ساعات صعبة خلال الليل مع انقطاع التيار الكهربائي واستمرار أعمال القصف من جانب القوات الأذرية. وأعلنت قوات قره باغ أن الوضع عند خط المواجهة طوال الليل الماضي ظل «متوترا بشكل دائم، لا سيما في المحور الجنوبي». ولفتت إلى وجود مؤشرات على أن «الجيش الأذري يستعد لشن هجوم واسع جديد»، مضيفة أنها «تتابع كافة تحركات العدو الميدانية ومستعدة للتصدي بحزم لأي خطوات من قبله». وأظهر شريط فيديو نشرته وزارة الدفاع الأرمينية على موقعها في «فيسبوك»، آثار سقوط القذائف وما خلفته من حفر على الأرض، وحطام مبان وسيارات مهشمة في عاصمة قره باغ.
وفي وقت سابق أفادت تقارير بأن طوابير من النساء والأطفال شوهدت أثناء مغادرة مدن قره باغ، بسبب كثافة القصف المدفعي الذي تتعرض إليه من قبل القوات الأذرية.
وبعد توقف لساعات محدودة استأنفت القوات المسلحة الأذرية صباح أمس، عمليات القصف. وقال الناطق باسم وزارة الدفاع الأرمينية آرتسرون هوفهانيسيان أمس: «في الوقت الحالي تتعرض المدنية مرة أخرى لإطلاق النار الكثيف». وأفاد بيان أصدرته الخدمة الصحافية في وزارة الدفاع جمهورية قره باغ غير المعترف بها بأن «الأجواء كانت متوترة أثناء الليل عند خط التماس. وكان التوتر بشكل خاص في الاتجاه الجنوبي». وأشار إلى أن «تحليل تصرفات العدو يظهر أنه يستعد لشن هجوم شامل».
في المقابل، شن جيش قره باغ هجمات على البنية التحتية العسكرية في عمق أراضي أذربيجان. وقال شوشان ستيبانيان، المسؤول في وزارة الدفاع الأرمينية: «يواصل العدو إطلاق النار على المناطق المدنية بأسلحة محظورة، وكذلك على ستيباناكيرت. وقد بدأ جيش دفاع قره باغ في توجيه ضربات قوية ضد أهم البنى التحتية العسكرية في عمق مؤخرة العدو».
وتحدث مساعد رئيس أذربيجان عن وقوع هجوم صاروخي على كنجة، ثاني كبرى المدن الأذرية، من الأراضي الأرمينية. وقال مكتب المدعي العام الأذري إن مدنيين قتلا وأصيب اثنان نتيجة قصف مدفعي من الجانب الأرميني من مدينة بيلاجان الواقعة بالقرب من خط التماس في منطقة النزاع في قره باغ. كما أفادت وزارة الدفاع الأذرية بوقوع هجوم صاروخي على منطقة فيزولي من أراضي أرمينيا. ولاحقاً، أعلنت وزارة الدفاع في أذربيجان أن القوات الأرمنية قصفت مدن تارتار وهوراديز وكنجة، بالإضافة إلى غارات صاروخية طالت قرى وبلدات في مقاطعات تارتار وفضولي وآقدام بجنوب البلاد، قرب خط التماس مع قره باغ، مؤكدة أن القوات الأذرية تتخذ «الإجراءات المناسبة» ردا على القصف.
واتهمت الوزارة القوات الأرمينية بقصف مدن وقرى داخل أذربيجان من قاعدتها في بلدة باليجا (أيغستان) شرق مدينة ستيباناكرت (خانكندي)، عاصمة جمهورية قره باغ، المعلنة من جانب واحد وغير المعترف بها دوليا.
وأعلنت النيابة العامة في أذربيجان أن حصيلة الضحايا الإجمالية بين المدنيين في أذربيجان خلال جولة التصعيد الجديدة في قره باغ بلغت ٢١ قتيلا و٦٧ جريحا.
وفي وقت لاحق أمس، أعلن رئيس قره باغ أرايك هاروتيونيان أنه أمر بوقف الهجمات على المدن الأذرية تجنبا لوقوع ضحايا بين المدنيين. وحمّل أذربيجان المسؤولية عن استهداف سكان عاصمة «الجمهورية» مدينة ستيباناكرت (خانكندي) باستخدام راجمات الصواريخ «بولونيز» و«سميرتش»، رغم التحذيرات المتعددة. وأشار إلى أن قصف المدن الأذرية يشكل ردا على التطورات. وزاد: «أصبحت المواقع العسكرية الدائمة في مدن كبيرة داخل أذربيجان الآن أهدافا لجيشنا، وأحث سكان أذربيجان على مغادرة هذه المدن على وجه السرعة بغية تفادي خسائر محتملة. إن قيادة أذربيجان العسكرية هي التي تتحمل المسؤولية عن كل ذلك». ولفت إلى أن «على الجانب الأذري أن يستخلص الدروس ويدرك أننا قادرون على توجيه ضربات قوية في عمق أراضيه، وإذا واصلوا استهداف المدن فسنوجه ضربات أقوى».
إلى ذلك، كان الرئيس الأذري إلهام علييف أعلن أن الجيش سيطر على قرية مداغيز القريبة من خط التماس بين الجانبين في منطقة قره باغ. وكتب على «تويتر» السبت «رفع الجيش الأذري علم أذربيجان في مداغيز. مداغيز لنا». وبذلك تكون باكو سيطرت بشكل كامل خلال أسبوع من المعارك على سبع قرى في المناطق المتاخمة لقره باغ.
لكن الهجمات المضادة من جانب جيش قره باغ لم تتوقف في هذه المناطق، وقال رئيس جمهورية الإقليم أمس إنه عاد «للتو من الخطوط الأمامية (...) تم إنجاز المهام المطروحة في كل المحاور».
في غضون ذلك، وجه رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خطاباً إلى الأمة بشأن الوضع في قره باغ قال فيه إنه بالإضافة إلى الوحدات الأذرية، فإن «مرتزقة سوريين وإرهابيين وقوات خاصة من الجيش التركي» يشاركون في الأعمال العدائية، ويقودهم حوالي ١٥٠ من العسكريين الأتراك رفيعي المستوى من مراكز قيادة القوات المسلحة الأذرية. ووصف باشينيان هدف أذربيجان وتركيا بـ«الإبادة الجماعية للأرمن».
بدورها، نددت تركيا بالقصف الصاروخي الذي تعرضت له أمس، مدينة كنجة. وقالت الخارجية التركية، في بيان، إن أرمينيا، التي تجرعت الهزيمة في الأراضي الأذرية المحتلة، انتهكت جميع مبادئ القانون الإنساني ولا سيما اتفاقيات جنيف، عبر شن هجمات على مناطق مدنية مأهولة خارج المناطق المحتلة التي تشهد اشتباكا، وأضاف «هذه الهجمات دليل على يأس أرمينيا وعدم تورعها عن ارتكاب جرائم ضد الإنسانية... كما قلنا منذ البداية، فإن أرمينيا هي أكبر عقبة أمام السلام والاستقرار في المنطقة».
وجدد البيان دعم تركيا لموقف أذربيجان، التي تعلن أنها لن تقع في فخ الاستفزازات الأرمينية، مؤكدا أن أذربيجان تستخدم حقها في الدفاع عن النفس المنبثق عن القانون الدولي داخل حدودها المعترف بها دوليا.
في الوقت ذاته، أعلنت وزارة الدفاع التركية «تحرير الجيش الأذري مدينة جبرائيل الاستراتيجية بإقليم (قره باغ) من الاحتلال الأرميني». وقالت الوزارة، في بيان: «بحسب المعلومات المستمدة من مصادر أذرية موثوقة، فإن الجيش الأذري حرر مدينة جبرائيل الاستراتيجية في إقليم قره باغ، بعد تحرير قرى مرجانلي ومراليان وشيباي».
من جانبه، قال المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين إن حل قضية إقليم ناغورني قره باغ يكمن في إنهاء احتلال أرمينيا للأراضي الأذرية، مثلما هو الحال بالنسبة للأراضي الفلسطينية التي تحتلها إسرائيل.
واعتبر كالين، في مقابلة تلفزيونية أمس، أن وقف إطلاق النار سيكون مستداما وذا معنى، في حال تم البدء بعملية تأخذ هذا المبدأ الأساسي بعين الاعتبار، مضيفا أنه «لا يمكن بناء سلام مستدام غير قائم على العدالة، وأن الأزمة بدأت إثر احتلال الجانب الأرميني للأراضي الأذرية». ورأى المتحدث التركي أنه «إذا استمرت أزمة ما لعقود طويلة في النظام الدولي، فهذا يعني أن هناك قوى معينة تستفيد من استمرارها... لو كان هذا الأمر عبارة عن قضية بين أذربيجان وأرمينيا فقط، لكان من الممكن حلها بطرق مختلفة في أوقات مبكرة أكثر».
وعن توجيه أرمينيا الاتهامات لتركيا أكثر من أذربيجان، قال كالين إنه من الواضح أن موقف تركيا أزعج بعض الجهات حتى دفعها الخوف لتحويل الأمر إلى دعاية سوداء ضد تركيا.
وفي إطار التحركات السياسية لمواجهة تصاعد الصراع، قوبل إعلان أرمينيا استعدادها لإجراء مفاوضات حول قره باغ في إطار «مجموعة مينسك»، التابعة لـ«منظمة الأمن والتعاون في أوروبا» بإعلان الرئيس الأذري أنه يشترط ضمان حيادية منظمة الأمن والتعاون في أوروبا لبدء مفاوضات في هذا الإطار.
وتعليقا على إمكانية نشر روسيا قوات لحفظ السلام في منطقة قره باغ قال رئيس الوزراء الأرميني، نيكول باشينيان، إنه يمكن مناقشة هذا الاقتراح في إطار مجموعة مينسك، التي تضم روسيا والولايات المتحدة وفرنسا. وكان الناطق باسم الكرملين، ديميتري بيسكوف، قال إن روسيا يمكنها نشر قوات حفظ سلام في قره باغ فقط بموافقة طرفي النزاع أذربيجان وأرمينيا.
في سياق متصل، أعلن المرصد السوري لحقوق الإنسان، أمس، ارتفاع حصيلة قتلى المرتزقة السوريين ممن أرسلتهم تركيا إلى معارك أذربيجان وأرمينيا في قره باغ إلى ٧٢ قتيلا بعد حصيلة سابقة نشرها، السبت، تحدثت عن سقوط ٦٤ قتيلا.
وقال المرصد إن تركيا تعتزم إرسال دفعة جديدة من المرتزقة السوريين إلى أذربيجان، ومن المنتظر وصول المئات منهم خلال الساعات والأيام القليلة المقبلة، لافتا إلى استمرار الشركات الأمنية والمخابرات التركية في عمليات نقل وتدريب أعداد كبيرة من عناصر الفصائل السورية الموالية لأنقرة للقتال إلى جانب أذربيجان، وأن عدد من تم إرسالهم حتى الآن بلغ نحو ١٢٠٠ مسلح، غالبيتهم من المكون التركماني السوري، وينتمون إلى فصيلي «السلطان مراد» و«العمشات».
وبحسب المرصد، أقحمت أنقرة مرتزقة الفصائل السورية بشكل كبير في معارك تلال ناغورني قره باغ، بعد أن قالت لهم إن دورهم سيقتصر على حماية حقول النفط والحدود في أذربيجان. واتهمت وزارة الخارجية الأرمينية كلا من تركيا وأذربيجان بنشر مرتزقة من الشرق الأوسط على خط الجبهة في قره باغ.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.