ثورة «الطعام المختبري»: «تطبيب ذاتي» بأغذية مطبوعة

الطباعة التجسيمية في عالم المستقبل

ثورة «الطعام المختبري»: «تطبيب ذاتي» بأغذية مطبوعة
TT

ثورة «الطعام المختبري»: «تطبيب ذاتي» بأغذية مطبوعة

ثورة «الطعام المختبري»: «تطبيب ذاتي» بأغذية مطبوعة

يتوقع الخبراء أن تتمتع الطباعة الثلاثية الأبعاد (التجسيمية) بتأثيرٍ مهم على الصناعة الناشئة للحوم... الخالية من اللحوم! ولكننا لا زلنا في المرحلة الأولى من الثورة الغذائية.

طعام مختبري
تتألف الصورة الكبرى لطعام العالم من المشهد الغذائي العام الذي أنتجته الثورة الصناعية، الثورة التي أدت إلى نشوء النظام الغذائي الحالي الذي يعتمد على السوبرماركت والسلاسل الغذائية والعلامات التجارية. وكذلك المشهد من الثورة الخضراء، التي وسعت الإنتاج الزراعي في الخمسينات من القرن الماضي. وكذلك المشهد من تطويرات الصناعة البيولوجية، التي شملت حقن اللحوم بالهورمونات وتربية الدجاج في الأقفاص طوال حياته وغيرها من الممارسات.
ومن المتوقع أن تضم هذه الصورة الكبرى قريباً نقلة نوعية جديدة في الإنتاج الغذائي: الطعام المختبري.
ساهمت الثورتان الصناعية والخضراء في وضع أسس صناعة الغذاء للعالم الصناعي، بينما أدت الثورة البيولوجية إلى خفض سعر البروتينات الحيوانية التي كانت شحيحة في ذلك الوقت وحولت ذبح الحيوانات إلى صناعة. ومع تنامي التركيز على الأخلاقيات والصحة والأصول الطبيعية للمنتجات، باتت اتجاهات غذائية كثيرة تشدد على الحاجة إلى أطعمة أكثر فعالية وأخلاقية.
اليوم، وبفضل التطور التقني، بات بالإمكان صناعة بدائل أقل كلفة ولكن أكثر صحة وأشهى طعماً من الأطعمة المتوفرة في أسواقنا. إلا أن تسويق هذه البضائع مباشرة للمستهلك لتحفيز الطلب بدل الاعتماد على وضعها في محلات السوبرماركت ساهم في اختلال نظام هذه الأخيرة.
ولكن الحقيقة هي أن مستوى الابتكار التقني الموظف اليوم في صناعة الغذاء عادي جداً لأنه يركز على الترويج المؤثر، وقيمة الابتكار، من خلال رسم صورة جميلة ومقنعة للشركات في أذهان الجماهير.
ويعتقد المراقبون أن الطباعة الثلاثية الأبعاد ستكون تقنية أساسية في صناعة غذاء مختبري شبيه بالأطعمة المتوفرة حالياً ولكنه أشهى طعماً وأفضل تركيبة وأكثر فائدة. وإذا توصلنا لابتكارات محتملة يمكن أن يتبناها مناهضو الغذاء العصري المبتكر، قد نرى للطباعة الثلاثية الأبعاد دوراً مؤثراً في سيناريوهات أخرى أيضاً.

واسطات غذائية
يعلم الجميع أن الكثير من الأشياء يمكن أن تتحول إلى «سوريمي» surimi (عجينة مصنوعة من السمك المطحون أو أي نوع آخر من اللحم المفروم تصبح مثل الجيلاتين يمكن إضافة مختلف البهارات إليه – تدخل في أغذية يتناول الأميركيون نحو 60 مليون كلغم منها سنويا).
• العجائن. تساعد مواد الواسطات الغذائية، مثل الردغة (العجينة الطرية المتماسكة) والأطعمة المعجونة، في تحويل المكونات الزهيدة إلى سلع أفضل عبر إضافة مكونات معالجة أو متممة. وتصلح فكرة السوريمي لاعتمادها كمنتج نهائي، ولكنها أيضاً قابلة للاستخدام في الكثير من الأطعمة كوسيط مصنوع بالطباعة الثلاثية الأبعاد أو التقنيات المساعدة.
قد تلعب الطباعة الثلاثية الأبعاد دوراً ممتازاً في توفير عوامل تركيبية أو صناعة شكلٍ نهائي لإضفاء النسيج وتحويل المكونات. تصوروا مثلاً استبدال زيت النخيل أو تخفيف درجة حرارة معالجة أي زيت من خلال إضافة كريستالات (بلورات) محددة مستخلصة من مادة أخرى.
• أغذية وخمائر سريعة. توجد أيضاً مادة البكتين التي تُطبع بأشكال مختلفة لتُصبح صالحة للاستخدام في لحظة معينة على شكل مادة معالجة أو منتجٍ نهائي. على سبيل المثال، يمكن مزج الحامض والسكر في وقت متأخر مع البكتين ضمن عملية معالجة صناعية بعد تعديل تحرير مكوناته (البكتين) من خلال الطباعة الثلاثية الأبعاد، في عماية مشابهة لما يجري أثناء تنفيذ التغييرات التركيبية للأدوية المطبوعة.
قد يؤدي هذا الأمر إلى تأثيرات متزايدة وحاجة أقل للمواد أو للمعالجة السريعة كما في حالة الخميرة التي يمكن أن تنتج بشكل جديد لتسريع انطلاق تفاعلها في العجينة، مثلاً.
يمكننا أيضاً أن نتوقع أشكالاً جديدة من الشوكولاته قد تقدم لنا «نكهات متفجرة» أو تطيل مدة الشعور بطعمها في الفم أو زيادة قرمشة المنتج المصنوع منها، وقد نرى الكراميل موضوعاً في قلب كرة من الطحين أو مع مجموعة من الكريات الصغيرة المصنوعة من مواد مختلفة في الآيس كريم، وقد نتمكن أيضاً من هندسة تأثيرات الكعكة مع مواد تذوب أو تتسرب في وقت يُحدد مسبقاً، أو طباعة حبوب صغيرة لتسريع أو إبطاء ذوبان مادة ما.

مذاقات جديدة
• بلورات لطَعم جديد. يتيح توظيف الطباعة الثلاثية الأبعاد في صناعة الغذاء المختبري تغيير الشكل الذي يتحول إليه السكر والملح، بحيث يمكن جعل الغذاء يتكون بكيمة سكر أقل ولكن بالطعم الحلو نفسه.
• تكلس السكر. يمكن لتكلس السكر تحديداً أن ينتتج عدة مكعبات سكر من أشكالٍ مختلفة وأن يغير طعم السكر والكراميل بشكل جذري.
• النوغا. قد تكون النوغا الصناعية (منتج يصنع من السكر أو العسل والمكسرات وبياض البيض) مهملة اليوم ولكن هذا المنتج لعب دوراً بارزاً جدا في سيطرة شركتي «مارس» و«هيرشي» على العالم، حيث إن أشهر ألواح الحلوى كـ«ميلكي واي» و«سنيكرز» و«بيبي روث» و«ثري ماسكتيرز» و«باي داي» كانت تحتوي على النوغا.
خلال فترة الكساد الكبير، ازدادت شعبية السكروز الغازي المهوى مع شراب الذرة بإضافة بياض البيض ومسحوق جيلاتين الحليب وفتحت شهية المستهلكين دون كلفة. أما اليوم، فيمكن لنوعية أفضل من النوغا المصنوعة بتطوير إضافي ونكهة أكثر عصرية أن تحدث تغييراً كبيراً في أقسام بيع الحلوى في المتاجر.
• العوامل المكثفة. تؤدي تعديلات تركيبة العوامل المكثفة (المعززة للتماسك والتثخين) كـ«الزانثان» أو الصمغ أو الجيلاتين إلى تغييرات في تركيبة المنتج داخل الفم أو توليد إحساس مختلف كلياً به على اللسان. قد تساهم الطباعة الثلاثية الأبعاد في صناعة أشكالٍ جديدة وتحرير عناصر هذه العوامل وإنتاج الغروانيات المائية.
• الهلاميات المائية التامة غذائياً. يمكن استخدام الأغار Agar وحمض الألغينيك وغيرهما من السكريات المتعددة لصناعة الهلام المائي، وإضافة التركيبات الجديدة المطبوعة إلى هذه الهلاميات لتحسين طعمها وتدعيمها بأغذية معينة. لهذا السبب، يركز الكثير من أعمال الطباعة الحيوية اليوم على الهلاميات المائية.

أغذية موجهة
• الأطعمة التي تستهدف فئة عمرية محددة. من خلال العملية نفسها، تساعد الطباعة الثلاثية الأبعاد في صناعة أطعمة بأشكال مختلفة أو مدعمة بأغذية متعددة تستهدف فئات محددة، كتقليل الملح لكبار السن وإزالة السكر لمرضى السكري بطريقة مضمونة.
• تغذية فردية. تعمل شركة «أن ريتش ثري دي» (AnRich3D) الناشئة على فكرة إنتاج غذاء مفصل فرديا حسب الطلب باستخدام الطباعة الثلاثية الأبعاد، وفقا لموقع «3 دي برنت. كوم». قد يتجلى هذا العمل على شكل صناعة تناسب حاجة معينة أو توصل غذاء محددا يحتاجه الإنسان في وقت يمارس فيه نشاطا ما.
• أطعمة خاصة مصنعة بكميات كبيرة. تعمل الشركات ذات العلامات التجارية والأسماء على إنتاج سلع غذائية مخصصة بأعداد كبيرة، ولكن التخصيص الكمي الهائل في المجموعات والنكهات الفردية في الأطعمة سيصبح خياراً ممكناً ومطروحاً بدوره بفضل الطباعة الثلاثية الأبعاد.
• أطعمة طبية. تستخدم الطباعة الثلاثية الأبعاد في صناعة الأطعمة التي تحتوي على جرعات مختلفة من الأدوية في داخلها، لتتيح لكم وضع حبة الدواء في لوح الحلوى مثلاً بجرعة تناسبكم أنتم فقط. علاوة على ذلك، تسمح التقنية بتحديد جرعة الدواء بحسب المرحلة التي تعيشونها من المرض. وكانت شركة «نوريشد» قد بدأت فعلاً في طباعة فيتامينات خاصة وبيعها بموجب خدمة اشتراك.
• تسهيل المضغ. تتيح الطباعة الثلاثية الأبعاد أيضاً صناعة أطعمة بتركيبات سهلة المضغ تستهدف مجموعات معينة ككبار السن.



الذكاء الاصطناعي يجرّد المراسلات المهمة من جوهرها الإنساني

الذكاء الاصطناعي يجرّد المراسلات المهمة من جوهرها الإنساني
TT

الذكاء الاصطناعي يجرّد المراسلات المهمة من جوهرها الإنساني

الذكاء الاصطناعي يجرّد المراسلات المهمة من جوهرها الإنساني

تنتشر رسائل البريد الإلكتروني المُولّدة بالذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات. وكان ريان روسلانسكي، الرئيس التنفيذي لشركة «لينكدإن»، صرح الخريف الماضي بأنه يستخدم الذكاء الاصطناعي في جميع رسائل البريد الإلكتروني «البالغة الأهمية» التي يرسلها تقريباً، كما كتبت ليندسي دودجسون (*).

ربع المستخدمين يرسلون رسائل «ذكية»

وكشف استطلاع رأي حديث أجرته شركة «زيروباونس»، المتخصصة في برامج التحقق من البريد الإلكتروني، أن ربع المشاركين تقريباً يُقرّون باستخدامه يومياً في صياغة أو تعديل رسائلهم الإلكترونية.

وعلى موقع «ريديت»، يتبادل الموظفون قصصاً عن رؤسائهم الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي للرد على كل بريد إلكتروني في العمل، معتقدين أنه لا أحد يلاحظ ذلك، أو يتواصلون فقط عبر رسائل بريد إلكتروني مُولّدة بالذكاء الاصطناعي، ما يسبب قلقاً.

من الأفضل تلافي الرسائل الذكية عند المفاوضات

لكن إذا تلقيت رسالة يُرجّح أنها كُتبت بواسطة الذكاء الاصطناعي، خصوصاً في خضم خلاف، فستلاحظ وجود خلل ما.

تبدو الرسالة مُنمّقة أكثر من اللازم، بنبرة معقولة ومتوازنة. ورغم معالجتها المشكلات، فإن هناك شيئاً مفقوداً: «صوت الشخص الذي تتواصل معه».

قد تبدو رسائل البريد الإلكتروني أكثر سلاسة بهذه الطريقة، لكن الخبراء يخشون أن يؤدي تفويض المحادثات الصعبة إلى تجاهل بناء العلاقات الذي يُسهم في سير العمل.

التجريد من الجوهر العاطفي

عندما تطلب من برنامج دردشة آلي إعادة صياغة رسالتك لتكون أكثر «إيجازاً» أو «احترافية»، فإنه قد يُجرّدها أيضاً من جوهرها العاطفي، وهو ما قد يُؤثر سلباً على مستقبل العمل، مُخرّجاً جيلاً من المهنيين غير قادرين على التواصل فيما بينهم.

فوائد «المحادثة التجريبية»

هناك بعض الفوائد المُبلغ عنها لـ«المحادثة التجريبية» مع الذكاء الاصطناعي، أي التدرب على المواضيع الصعبة مع روبوت أولاً، ما يُتيح لك معالجة المشكلة مباشرةً وبوضوح مع شخص ما لاحقاً. عند استخدامها بوصفها تدريباً، يُمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة فعّالة في بناء الثقة.

فجوة عند التقاء أفكار من روبوتَيْ دردشة

لكن عند استخدامه بوصفه بديلاً، فإنه يُؤدي إلى عكس ذلك. فقد يؤدي تحادث روبوت الخاص بشخص ما (أي رسالة مصاغة منه مثلا) مع روبوت«كلود» الخاص بشخص آخر، إلى خلق فجوة. وهذا يُخالف ما تُصرّح به الشركات عن الموظفين في المكتب: الإبداع، والتعاون، وعلاقات عمل أقوى.

تعرّض الثقة بين المتراسلين للخطر

تقول لينا رين، نائبة رئيس قسم القيادة والأعمال والتدريب في منصة إدارة مهارات مكان العمل Skillsoft، لمجلة «فاست كومباني»: «ليس الأمر مُجرد أن التفاعل - بين جهتين - قد يبدو وكأنه من صنع الذكاء الاصطناعي - لأنه كذلك بالفعل - بل إنك تُعرّض الثقة مع الشخص للخطر».

إضعاف قدرة المديرين في السيطرة على المحادثات

تُطلق رين على هذا التفويض للمحادثات الصعبة اسم «التفريغ الاجتماعي». تقول رين إن لجوء القادة إلى هذه الطريقة يُصبح إشكالياً بشكل خاص، لأنه «يُضعف قدرتهم على إجراء المحادثات الصعبة».

وتضيف: «إنهم يصبحون أقل تركيزاً على اللحظة الراهنة وأقل قدرة على القيام بما يحتاج إليه القادة». إنها مشكلة لجميع الأطراف المعنية: فالمدير لا يُنمّي مهارة التواصل بوضوح أكبر، والموظف لا يُدرك كيفية الاعتراض بفاعلية وطلب التوضيح.

علاقات غائبة... ونبرة غير واضحة

من جهتها، تقول كارلا بيفينز، الأستاذة المشاركة في تدريس التواصل الإداري في كلية تيبر للأعمال بجامعة كارنيغي ميلون، لمجلة «فاست كومباني»، إنها ترى بشكل كبير اعتماد الناس على اللغة المُولّدة بالذكاء الاصطناعي في اللحظات الحاسمة.

وتضيف: «في بعض الحالات، يستخدم كلا الطرفين هذه الطريقة، ما يعني أن التبادل يحدث تقنياً، لكن العمل العلائقي غائب». من منظور التواصل في مجال الأعمال، يُعد هذا التمييز مهماً لأن المحادثات الصعبة تتطلب كثيراً من الوضوح أو النبرة. وتقول بيفينز: «إنها اللحظات التي يُظهر فيها القادة حكمتهم ومسؤوليتهم ونواياهم في الوقت الفعلي».

إغراء منطقي

أما سارة ويتمان الأستاذة المساعدة في الإدارة بكلية إدارة الأعمال في جامعة جورج ماسون، فتقول لمجلة «فاست كومباني»: «الجاذبية مفهومة والإغراء منطقي (للذكاء الاصطناعي)، خصوصاً أن كثيراً من الناس لم يتلقوا تدريباً رسمياً على كيفية إجراء محادثات صعبة أو حل النزاعات بشكل بنّاء».

أداة تقدم الحلول لأناس لا يعرفونها

وتضيف ويتمان: «نحن نعمل لساعات محددة، ونتواصل عبر (سلاك) أو (تيمز)، أو في اجتماعات قد تتضمن، في أفضل الأحوال، بعض الأحاديث الجانبية. في هذا العالم، يبدو من المنطقي أن يلجأ الناس إلى أداة تُقدّم لهم إجابات سريعة لحل المشكلات التي قد لا يعرفون كيفية حلها».

بالنسبة للأشخاص الذين يواجهون اختلالات في موازين القوى أو بيئات عمل متوترة، قد يبدو الذكاء الاصطناعي أيضاً وسيلة لحماية أنفسهم من قول ما هو خاطئ أو من تصعيد النزاع.

بيئة عمل لا توفر الأمان النفسي

تقول كايتلين كولينز، عالمة النفس التنظيمي في منصة برمجيات إدارة الأداء BetterWorks، لمجلة «فاست كومباني»، إن هذا يشير إلى أن بيئة العمل لا توفر الأمان النفسي للعاملين فيها. وتضيف: «الذكاء الاصطناعي يُفاقم هذا الضعف».

مسودة الرسالة البشرية... أفضل

وتقول رين إنه عندما يملأ الذكاء الاصطناعي الفراغ، يفقد الموظفون على كلا المستويين فرصة الملاحظة والتطبيق.

وبدلاً من ذلك، يجب على القادة تحديد التوجه من خلال إرسال المسودة الأولية (للرسالة) غير المكتملة. فهي أكثر صدقاً، وتُعبّر عما يقصدونه حقاً.

وتضيف: «هناك جانب من المصداقية يظهر عندما أرتكب خطأً، عندما أُخطئ في الحديث... إنّ عودتي واعتذاري، مثلاً: (أنا آسفة حقاً)، أو (أتمنى لو تصرفتُ بشكل مختلف)، يُعزز الثقة. لا يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي هو من يعتذر نيابةً عني».

* مجلة «فاست كومباني»


شاحنة تعدين صينية عملاقة ذاتية القيادة

شاحنة تعدين صينية عملاقة ذاتية القيادة
TT

شاحنة تعدين صينية عملاقة ذاتية القيادة

شاحنة تعدين صينية عملاقة ذاتية القيادة

إذا كنت تعتقد أن الذكاء الاصطناعي المُجسّد يقتصر على الروبوتات الشبيهة بالبشر، فاسمح لي أن أُعرّفك على شاحنة «شوانغلين كيه 7» (Shuanglin K7) المُجهّزة بدماغ قيادة من المستوى الرابع يسمح لها بالعمل دون أي تدخل بشري.

روبوت مناجم دوّار سريع

هذا الروبوت الضخم ذو الأربع عجلات قادر على التحرك بسرعة فائقة، والدوران 360 درجة حول محوره الرأسي، والتحرك جانبياً كالسرطان البحري ويعمل على مدار الساعة.

وتُعد هذه الشاحنة الروبوتية الضخمة التي يبلغ ارتفاعها 17.1 قدم ( 5.2 متر) الأولى من نوعها وفقاً لمطوريها من مهندسي مجموعة «شوانغلين» وجامعة تسينغهوا الذين يعتقدون أنها ستُغيّر صناعة استخراج المعادن في المناجم إلى الأبد.

ويقول المصممون إن هذه الشاحنة تُمثّل نقلة نوعية نحو استبدال المشغلين البشريين والاعتماد على أنظمة رقمية لتحسين الخدمات اللوجستية للاستخراج وسلامة مكان العمل. لكن هذا ما زال رهن التجربة. فالآلة الآن بحاجة إلى إثبات قدرتها على حل المشكلات في العالم الحقيقي.

قيادة ذاتية بالذكاء الاصطناعي

يبلغ طول الشاحنة 45.2 قدم (13.8 م) وعرضها 18.7 قدم (5.7 م)، وتزن 110.2 طن قصير وهي فارغة ( الطن القصير Short Ton- وحدة وزن أميركية تبلغ 907.18 كيلوغرام-المحرر).

يقوم نظام الذكاء الاصطناعي في هذه الآلة بتحليل بيانات مستشعراتها باستمرار لحساب الاتجاه والسرعة والمسار دون الحاجة إلى سائق، مع إدراك كامل، كما يُزعم، للمركبات والأشخاص المحيطين بها. وهذا طبعاً شريطة أن تبقى ضمن النطاق الجغرافي المحدد لموقع الحفر.

وبينما تتمتع سيارات «فولفو» و«مرسيدس» و«تسلا» بمستوى استقلالية من الدرجة 2 - الذي يتطلب انتباه السائقين وتدخلهم - تستطيع «كيه 7» القيادة بشكل كامل وآمن ذاتياً في الموقع، مدركةً جميع العناصر النموذجية للمناجم المكشوفة.

تحكّم إلكتروني

وباستخدام نظام دفع 8×4، تعتمد الشاحنة الفولاذية العملاقة على نظام تحكم إلكتروني موزع في كل زاوية من زوايا العجلات. بدلاً من استخدام أعمدة فولاذية ثقيلة لنقل الطاقة الميكانيكية من المحرك إلى المحاور، يعمل هذا النظام كجهاز عصبي رقمي، حيث يرسل حزماً من الإلكترونات للتحكم في محركات منفصلة موجودة عند كل إطار.

يتحرك كل محرك بشكل مستقل عن الآخر، ما يسمح للمركبة - التي يبلغ وزنها 273.4 طن عند تحميلها بالكامل - بالتحرك جانبياً، مثل سرطان البحر، والالتفاف حول محورها الرأسي دون أي مناورة. هذا يعني أن مواقع التعدين لم تعد بحاجة إلى مساحة طريق مخصصة فقط لدوران المركبات والقيام بعملياتها.

مرونة التشغيل في بيئات معقدة

صرح البروفسور هوانغ جين، الأستاذ في كلية المركبات والتنقل بجامعة تسينغهوا والذي عمل على المشروع، بأن هذه القدرة الميكانيكية الاستثنائية «يمكنها تحسين مرونة التشغيل وقابلية التكيف مع المواقع في البيئات المعقدة بشكل كبير».

ووفقاً للشركة المصنعة، تدعم الآلة جدول تشغيل مستمر على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع بفضل استبدال بطارياتها، والذي لا يستغرق سوى 5 دقائق. وتسهم الشاحنة أيضاً في «توفير» الطاقة: فبينما تنحدر منحدرات الحفرة، يستغل نظام الكبح لتحويل ما يصل إلى 85 في المائة من تلك الطاقة الحركية إلى كهرباء مُخزّنة، ما يُطيل عمر الشاحنة.

زيادة الإنتاجية وقليل الحوادث

وتتوقع النماذج الحاسوبية أن تُؤدي هذه الميزات مجتمعةً إلى زيادة الإنتاج بنسبة 35 في المائة، وانخفاض حوادث الموقع بنسبة 90 في المائة، وانخفاض تكاليف الصيانة والإطارات على مدار عمر الشاحنة بنسبة 25 في المائة مقارنةً بالآلات التي تعمل بالديزل.

الصين وأتمتة الاستخراج عام 2030

وتحتاج الصين إلى هذه الشاحنة لأتمتة عمليات الاستخراج الصينية بالكامل بحلول عام 2030، وهو هدف بدأ يتحقق بالفعل في شينجيانغ ومنغوليا الداخلية باستخدام أساطيل أخرى أقل كفاءة.

في موقع يين للفحم في هولونبوير، قامت شركة هوانينغ غروب، وهي شركة مرافق ممولة من القطاع العام، بنشر 100 شاحنة كهربائية ذاتية القيادة تُسمى «هوانينغ رويتشي»، مزودة بتقنية الذكاء الاصطناعي واتصالات الجيل الخامس المتقدمة. ولا يُمثل هذا النشر سوى جزء بسيط من أكبر عملية نشر لشاحنات الاستخراج غير المأهولة على مستوى العالم.

* مجلة «فاست كومباني».


هل سيقضي الذكاء الاصطناعي على العمل الجماعي؟

هل سيقضي الذكاء الاصطناعي على العمل الجماعي؟
TT

هل سيقضي الذكاء الاصطناعي على العمل الجماعي؟

هل سيقضي الذكاء الاصطناعي على العمل الجماعي؟

أتاح الذكاء الاصطناعي التوليدي للأفراد إمكانية أداء مهام كانت تتطلب فرقاً كاملة، كما كتب توماس تشامورو - بريموزيك*.

ظهور «الفرد الخارق»

اليوم، يستطيع مسوّق واحد إنتاج مواد الحملات التسويقية، وتحليل البيانات، وإنشاء محتوى من المعلومات على نطاق واسع. كما يستطيع مدير المنتج تصميم النماذج الأولية واختبارها وتطويرها دون الاعتماد على شعبة الهندسة؛ ويستطيع المطورون نشر كميات هائلة من التعليمات البرمجية عالية الجودة المكتوبة بواسطة الآلات. والنتيجة هي ظهور «الفرد الخارق» القادر على القيام بعمل الكثيرين.

قد يتبادر إلى الذهن من هذا أن التعاون البشري أصبح من الماضي. فإذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة أو تعزيز المساهمات المعرفية للكثير من الأفراد، فلماذا يتجشم الناس عناء العمل الجماعي من الأساس؟

تقييم من واقع الخبرة

في عملنا مع كبرى الشركات – أنا توماس تشامورو-بريموزيك، بصفتي عالم نفس تنظيمي ومؤلف كتاب «أنا، الإنسان: الذكاء الاصطناعي، والأتمتة، والسعي لاستعادة ما يُميزنا»، مع دوري كلارك، المحاضر ومستشار الشركات التي تُعيد ابتكار نفسها في عصر الذكاء الاصطناعي - صادفنا مجموعة واسعة من التجارب، حيث تستخدم الشركات أنظمة ذكية لاختبار استراتيجياتها، وتقديم وظائف أساسية كالشؤون المالية والعمليات، والعمل كفرق تطوير شبه مستقلة.

تغير طرق العمل الجماعي

ومع ذلك، فإننا نعتقد أن العمل الجماعي باقٍ، وإن كان الذكاء الاصطناعي سيُعيد تشكيله بشكل شبه مؤكد. وعلى وجه التحديد، نعتقد أن العمل الجماعي سيتغير بثلاث طرق رئيسية:

1. سيتغير تكوين الفريق. من المرجح أن تصبح الفِرق أصغر حجماً (وربما أكثر مرونة)؛ لأن الأفراد سيتمكنون من إنجاز المزيد بمفردهم، وقد تضم الفرق مساهمين من البشر وغير البشر. ونتيجة لذلك؛ لن يكون كافياً أن يكون عدد قليل من الأشخاص «بارعين في استخدام الذكاء الاصطناعي». يجب أن تُصبح معرفة الذكاء الاصطناعي قدرة أساسية للفريق، وليست مهارة فردية. تحتاج الفرق إلى معايير مشتركة حول المواضيع الناشئة، مثل:

- متى يُعتمد على الذكاء الاصطناعي (ومتى لا يُعتمد عليه)؛

- فهم الفروق، والمفاضلات، بين السرعة والجودة، والكفاءة والدقة، والعمل ذي القيمة المنخفضة والعمل ذي القيمة العالية؛

- كيفية تحليل مخرجات الذكاء الاصطناعي ودمجها مع التقييم البشري.

ستحتاج الفرق الفعّالة إلى تطوير آلية لمكافأة الأفراد لا لاستخدامهم الذكاء الاصطناعي بكفاءة فقط، بل أيضاً على اكتشاف أخطائه. عملياً، قد يعني ذلك جعل «التشكيك في الذكاء الاصطناعي» جزءاً رسمياً من تقييم الأداء.

الجودة: تركيز من نوع جديد

2. سيتغير تركيز الفرق. اليوم، تركز الكثير من الفرق على المسائل اللوجستية - مزيج من التحليل وإعداد التقارير والتنسيق بين الأقسام والإدارات. قد يصبح هذا النوع من العمل الجماعي القائم على المهام قديماً قريباً؛ لأن الذكاء الاصطناعي قادر على إنجازه بشكل أسرع وأكثر كفاءة.

لكن العمل الجماعي لم يكن يوماً مقتصراً على تنفيذ المهام فقط - وفي عصر الذكاء الاصطناعي، سيتطور العمل الجماعي ليصبح نشاطاً ذا قيمة أعلى يفتح آفاقاً جديدة للمؤسسات. في الواقع، مع تراجع التعاون القائم على المعاملات، يزداد التعاون القائم على العلاقات أهمية.

ينبغي على القادة الاستثمار بوعي في بناء الثقة: تفاعلات أقل عدداً ولكن بجودة أعلى، ووقت أطول للتواصل المباشر كلما أمكن، وفرص منظمة للاختلاف في الرأي. فالأمان النفسي مهم، وكذلك الاحتكاك الفكري. الهدف ليس الانسجام، بل الصراع البنّاء.

نتيجةً لهذا التغيير؛ من المرجح أن يصبح العمل الجماعي ذا مغزى متزايد، كعنصر أساسي في وظيفتك وهويتك المهنية. عندما تستطيع التواصل بعمق مع الآخرين من خلال أهداف وأنشطة مشتركة، تصبح تجربة قيّمة للغاية تعزز الولاء لفريقك وشركتك.

تغير دور القادة

3. سيتغير دور القادة أيضاً. سيحتاج القادة في عصر الذكاء الاصطناعي إلى إجراء ثلاثة تغييرات رئيسية في كيفية توجيه أعضاء فرقهم. وهذا يعني تحديداً:

* التركيز بشكل أكبر على توجيه الفريق نحو الأعمال ذات القيمة العالية. مع تولي الذكاء الاصطناعي المزيد من أعباء العمل التحليلية والتشغيلية، سيحتاج القادة إلى إعادة تصميم فرقهم بحيث تُبنى على التقدير، لا على المهام. ينبغي أن تُحدد مهام الفرق بوضوح حول أهداف سامية: تحديد المشكلات، والموازنة بين الخيارات، والاتفاق على الأولويات. بعبارة أخرى، قد تصبح المهارات القيادية «الناعمة» هي الأصعب استبدالاً.

+ قاعدة بسيطة: إذا كان بالإمكان استبدال ملخص مُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي اجتماع، فمن الأفضل القيام بذلك.

* إعادة تعريف دورك بوصفك منسقاً، لا مصدراً للإجابات. يجب على القادة أن يبدأوا في عدّ أنفسهم مهندسي كيفية عمل البشر والآلات معاً. هذا يعني توضيح الأدوار بين الذكاء الاصطناعي والبشر، وتحديد صلاحيات اتخاذ القرار، وضمان المساءلة. كما يتطلب مقاومة إغراء التنازل للذكاء الاصطناعي عندما تكون المخاطر عالية. يبقى التقدير، لا الناتج، هو المسؤولية النهائية للقائد.

جودة القرارات والتعلم... لا الإنتاجية

* قياس ما يهم حقاً. في الكثير من المؤسسات، لا يزال تقييم الأداء يعتمد على النشاط الظاهر بدلاً من جودة التفكير. في عالمٍ يعتمد على الذكاء الاصطناعي، يصبح هذا الأمر خطيراً. ينبغي على القادة تحويل معايير التقييم نحو جودة القرارات، وسرعة التعلم، والنتائج طويلة الأجل، بدلاً من التركيز على مكاسب الإنتاجية قصيرة الأجل.

عمل جماعي معزّز بالمواهب والحكمة

باختصار، فإن العمل الجماعي التقليدي القائم على المعالجة والتنسيق في طريقه إلى الزوال. لكن العمل الجماعي الجديد -المتكامل مع الذكاء الاصطناعي والمُعزز بالمواهب والحكمة البشرية- سيكون أكثر أهمية من أي وقت مضى، وسيتعين على المؤسسات إيجاد سبل للتطور.

لا يكمن الخطر في أن يُدمر الذكاء الاصطناعي العمل الجماعي، بل في أنه سيكشف مدى عدم جدوى الكثير مما كنا نسميه سابقاً بالعمل الجماعي. تكمن الفرصة في إعادة بنائه حول ما يُجيده البشر: التفكير النقدي، والتواصل الفعال، واتخاذ القرارات الصائبة، بحيث يكون مجموع الفريق أكبر من مجموع أجزائه.

* مجلة «فاست كومباني»