أحداث العام 2014: مصر والسيسي.. مهمة إنقاذ وطن

«شعبيته الجارفة» تواصلت من «الصندوق» إلى «القناة».. وصمدت في وجه رفع «الدعم»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يقبل خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز خلال لقائهما على طائرة الملك عبد الله، لدى وصوله لمطار القاهرة في 20 يونيو الماضي (أ.ب)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يقبل خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز خلال لقائهما على طائرة الملك عبد الله، لدى وصوله لمطار القاهرة في 20 يونيو الماضي (أ.ب)
TT

أحداث العام 2014: مصر والسيسي.. مهمة إنقاذ وطن

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يقبل خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز خلال لقائهما على طائرة الملك عبد الله، لدى وصوله لمطار القاهرة في 20 يونيو الماضي (أ.ب)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يقبل خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز خلال لقائهما على طائرة الملك عبد الله، لدى وصوله لمطار القاهرة في 20 يونيو الماضي (أ.ب)

منذ منتصف أبريل (نيسان) الماضي، وفي أوج حملته الانتخابية للترشح للمقعد الأهم في الدولة المصرية، اهتم المرشح الرئاسي (آنذاك) المشير عبد الفتاح السيسي بالإشارة إلى أن أبرز دوافعه للترشح تتلخص في «الاستدعاء الشعبي» الذي وجهه له المواطنون المصريون لتحمل المسؤولية. وهو ما أثبتته الأيام التالية، حين فاز الرئيس المصري بنسبة «كاسحة» في الاستحقاق الثاني لخارطة الطريق المصرية، متمثلا في الانتخابات الرئاسية، ليكون الحدث الأبرز في مصر في عام 2014 عقب إنجاز الاستحقاق الدستوري في مطلع ذات العام.
وأكد السيسي على مبدأ الاستدعاء الشعبي في أكثر من مناسبة، سواء أثناء لقاءاته المتعددة مع ممثلي شرائح المجتمع المصري أو اللقاءات الصحافية. وخلال تلك المناسبات، قال السيسي «كان ممكنا أن استمر في القوات المسلحة التي لا تعاني من أي مشكلات فنية أو تنظيمية، ولكن استدعاء الشعب لي هو ما دفعني للترشح لرئاسة الجمهورية، و(حينها) سيقول الناس: المشير السيسي تخفى في القوات المسلحة، وعندما احتاجه الناس لم يستجب»، على حد تعبيره في لقاءه مع ممثلي القبائل.
وبعد أيام من ذلك التصريح، واصل السيسي تأكيده لذات المفهوم، قائلا خلال المؤتمرات إنه «قبل تلك المهمة انطلاقا من خوفه على مستقبل هذا البلد الذي تراكمت أزماته ومشكلاته منذ سنوات طويلة دون حلول، نتيجة غياب الرؤية الاستراتيجية والتفكير المبني على منهج علمي»، مشددا أنه تم استدعاؤه في مهمة لإنقاذ الوطن، ومشيرا إلى أنه سيبذل كل الجهد حتى «حياته» مستعد لبذلها لإنقاذه، وأنه ليس مشغولا بأحد سوى بلده، واعدا أبناء الشعب المصري: «أعدكم أن أخاف الله فيكم، وأعمل قدر استطاعتي من أجل بناء مصر».
وفي رؤيته العامة للأوضاع المصرية، يرى السيسي أن «وزن مصر الدولي مرتبط باستقرار وضعها الداخلي»، كما أن «الوطن يحتاج إلى الجميع.. والمصريون عددهم كبير، ولو توحدوا وصاروا على قلب رجل واحد فلن نعبر إلى المستقبل فقط، بل سنقفز بمصر إلى مصاف الدول المتقدمة»، معتبرا أن «التحديات التي تواجه مصر لا تكمن فقط في توفير الطعام والشراب للمواطنين، ولكنها تشمل الكثير من النواحي، من بينها التعليم والصحة وتوفير فرص العمل وتحقيق الأمن»، لافتا إلى أنه سيتجه إلى الطبقات الأكثر احتياجا وضعفا لأنهم يحتاجون من يراعي مصالحهم.
كما يؤمن السيسي أن هناك وعيا مصريا وعربيا قيد التشكيل، مؤكدا أن «الأشقاء في الخليج وقفوا بجانب مصر»، وأن «أمن مصر لا ينفصل عن أمن العرب والخليج»، مشددا على أنه «لا يمكن أن نقبل أن يمس أحد الأمن الإقليمى الخليجي»، و«لدينا القدرة على حماية أمننا القومي العربي بمنتهى الوضوح والقوة، وأمن الخليج هو مسافة السكة».
السيسي، صاحب الخلفية العسكرية الكبيرة، لم يهتز نتيجة اما أثير عن «ضعف الإقبال» على الانتخابات خلال يومها الأول في نهاية شهر مايو (أيار) الماضي، وهو ما تزامن مع تشكيك أنصار جماعة الإخوان في حقيقة «استدعاء» الشعب المصري له.. لتظهر شعبيته الجارفه في اليومين التاليين، حيث اكتسح النتائح بالحصول على نحو 97 في المائة من الأصوات الصحيحة أمام منافسه الأوحد السياسي البارز حمدين صباحي، في ثالث انتخابات تعددية في تاريخ مصر.
وكانت أول انتخابات تعددية على منصب الرئيس أجريت في عام 2005، وفاز بها الرئيس الأسبق حسني مبارك، لكن مراقبون مصريون ودوليون يرون أنها كانت انتخابات «صورية» في واقع الأمر. أما المناسبة الثانية فكانت عقب ثورة 25 يناير (كانون الثاني)، وأجريت في عام 2012، والتي فاز بها الرئيس الأسبق محمد مرسي، وهو ما يعود إلى قوة تأثير جماعة الإخوان المسلمين في الشارع بعد الثورة كونها الكيان الأكثر تنظيما، في مقابل تفتت أصوات الناخبين المعارضين للجماعة بين 12 مرشحا آخرين لذات المنصب، بحسب المراقبين.
شعبية الرئيس ربما شهدت بعضا من التباين على مدار الأشهر الستة التي أعقبت توليه المسؤولية، حيث أظهر استطلاع حديث للرأي أجره المركز المصري لبحوث الرأي العام «بصيرة» على عينة عشوائية من المواطنين، أن 86 في المائة من المواطنين راضون عن أداءه في نهاية الشهر السادس لتوليه مهام منصبه، بينما بلغت نسبة عدم الرضى 6 في المائة، في حين لم يستطع 8 في المائة تحديد موقفهم. فيما أكدت النتائج أنه «إذا ما أجريت انتخابات رئاسية غدا» فإن 79 في المائة من المواطنين سينتخبون السيسي، بينما قال 9 في المائة إنهم لن ينتخبوه، ورأى 12 في المائة أن ذلك يتوقف على المرشحين أمامه.
وقال الدكتور ماجد عثمان مدير المركز إن التغير في نسب الشهر السادس في نسبة الموافقين جدا على أداء الرئيس كانت 58 في المائة في الشهر السادس مقابل 66 في المائة في نهاية الشهر الخامس، لافتا إلى تراجع بين الشباب أقل من 30 سنة لتصل إلى 49 في المائة مقارنة بنحو 57 في المائة في نهاية الشهر الخامس، والشباب الحاصلين على تعليم جامعي فأعلى لتبلغ 41 في المائة، وبين ذوي أدنى مستوى اقتصادي تسجل 56 في المائة مقارنة بنحو 65 في المائة بين ذوي أعلى مستوى اقتصادي.
النتائج بحسب مراقبين تظهر أن هناك تراجعا طفيفا في شعبية السيسي، مقارنة بلحظة توليه المنصب، لكن تلك الشعبية ما زالت غالبة على الشارع، ولا يزال عدد مؤيديه يفوق كثيرا عدد معارضيه.
ويشير المحللون، الذين تحدثت معهم «الشرق الأوسط» خلال الفترة الماضية، إلى أن الأسباب الرئيسة لذلك التراجع تعود إلى عدد من الإجراءات الجريئة التي اتخذها السيسي عقب تنصيبه رئيسا، وعلى رأسها خطوات «وجوبية» للإصلاح الاقتصادي، على غرار رفع الدعم عن عدد من السلع الرئيسة ومنتجات الطاقة، وهي خطوة لا فكاك منها من أجل تحسين الاقتصاد المصري وعبور الكبوة التي يواجهها.
ويدلل المحللون على قوة شعبية السيسي، ومدى الثقة الشعبية في قراراته وتوجهاته، بمقارنة ردود الفعل «الهادئة» في غالبها على تلك الإجراءات، بما حدث في منتصف شهر يناير عام 1977، إبان حكم الرئيس الأسبق أنور السادات، والتي عرفت إعلاميا بـ«انتفاضة الخبز»، حين خرجت المظاهرات الرافضة في عدة مدن مصرية احتجاجا على رفع الدعم عن عدد من السلع الغذائية، وهو ما أدى إلى تراجع الدولة عن وإلغاء قرارها؛ رغم صحته من الناحية الاقتصادية، مع فرض مؤقت لحالة «الطوارئ».
كما يرى كثير من المراقبين أن السيسي نجح بدرجة لافتة في ضبط الملف الأمني، ما دعم موقفه الشعبي. حيث تراجعت حدة العنف والعمليات الإرهابية وتقلصت بدرجة كبيرة خلال الأشهر الستة لتوليه المسؤولية، وهو ما يظهر جليا في العاصمة المصرية ومحيطها، إضافة إلى فرض الدولة لسيطرتها الكاملة على الأرض في شبه جزيرة سيناء، التي اعتبرت لوقت طويل «مرتعا للإرهاب».
موقف آخر يؤكد على مدى تلك الشعبية الجارفة ظهر مع دعوة الرئيس السيسي المواطنين للمساهمة في دعم مشروع قناة السويس الجديدة عبر شراء شهادات استثمار مخصصة لهذا الغرض، حيث حظت الدعوة بإقبال بالغ لدرجة إعلان البنوك المصرية المسؤولة عن تلك الشهادات إغلاق الاكتتاب بعد 8 أيام فقط من طرحها، لتجاوز العائد 60 مليار جنيه (نحو 8.5 مليار دولار)، وهو الرقم المطلوب للمشروع، في مفاجئة فريدة من نوعها لم يتوقعها أغلب المتفائلون في مصر بحسب المراقبين، الذين أكدوا على أن السبب الأول خلفها يكمن في الثقة الشعبية في الرئيس المصري.
وخلال الأشهر الستة الأولى لحكمه، أعاد السيسي بناء خارطة العلاقات الخارجية لمصر مع دول العالم، حيث أولى العلاقات العربية مكانة الصدارة، كما أعاد الدفء إلى علاقات مصر وصلاتها مع جيرانها من دول القارة الأفريقية.
وشهدت العلاقات مع الدول الأوروبية نشاطا مكثفا، أصلح جانبا كبيرا من الفتور الذي أثر عليها عقب عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي في ثورة شعبية في 30 يونيو (حزيران) عام 2013. وهو ما تمثل بوضوح في الاستقبال الحافل الذي حظى به السيسي في أروقة الأمم المتحدة خلال زيارته إلى نيويورك في شهر يونيو الماضي، وكذلك في زياراته الأوروبية لاحقا إلى كل من إيطاليا وفرنسا.
وبينما استمرت العلاقات المصرية التركية على فتورها، تراجع مركز العلاقات المصرية الأميركية من قمة اهتمامات القاهرة بعد عقود من تسيدها على غيرها، وتحوله خلال تلك العصور بحسب تعبيرات مسؤولون مصريون إلى علاقة «تبعية».. لكن الشهور الماضية شهدت في المقابل تطورا ملحوظا في العلاقات مع موسكو وبكين، وهو ما أكدت الدولة على أنه إعادة لصياغة التوازن الاستراتيجي المصري، والذي يجب ألا يظل معتمدا في ركيزته على واشنطن كشريك وحيد.
ويرى محللون أن رصيد شعبية الرئيس المصري، التي بدأت قبل نحو عام من توليه سدة الرئاسة وتصاعدت لتصل إلى ذروتها، «ستظل صامدة إلى حد كبير رغم محاولات أطراف ذات مصلحة، وعلى رأسها جماعة الإخوان، في زعزعة تلك الثقة، والوقيعة بين الحين والآخر بين الشعب ورأسه.. وهو ما يدعم السيسي في اتخاذ المزيد من القرارات والإجراءات الجريئة والطموحة للعبور بمصر إلى مستقبل أفضل».
وقبل أيام، وفي كلمته خلال افتتاح مشروع لتطوير مطار الغردقة، قال السيسي إن «الكتلة المصرية واحدة لا يستطيع أحد أن يفصلها»، متابعا في ثقة وكأنه يواصل الجملة التي أطلقها خلال ترشحه للرئاسة: «لا أحد يستطيع الوقيعة بيني وبين الشعب».



أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.